إسرائيل والقتال بطريقة أخرى.. وعقيدة الحرب الجديدة - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
مراجعات كتب

إسرائيل والقتال بطريقة أخرى.. وعقيدة الحرب الجديدة

الخميس, 26 فبراير, 2015 07:11 GMT

(الجزيرة)

مقدمة

يخرج هذا الكتاب في وقتٍ تنكب إسرائيل على تقييم حربها الثالثة على غزة صيف 2014، التي امتدَّت 51 يومًا، وهو يتناول النموذج الجديد من الحروب التي بدأ يخوضها الجيش الإسرائيلي في السنوات الماضية مع منظمات غير دولتية كما يُسَمِّيها، يعني أقلَّ من مستوى دولة، وتُوصف بأنها تخوض حروب عصابات، بعد تراجع التهديدات التقليدية من جيوش عربية نظامية؛ سواء بسبب اتفاقيات سلام تربطها معها؛ مثل: مصر، والأردن، أو انخراطها في حروب أهلية؛ مثل: سوريا، والعراق.

وقد جمع مؤلِّفا الكتاب الخبرة العلمية والعملية؛ فالمؤلف الأول "حاييم آسا" حاصل على الدكتوراه في تاريخ الفلسفة، ويحاضر في الجامعة العبرية بالقدس، وعمل مستشارًا للأمن القومي لدى رئيس الوزراء الراحل "إسحاق رابين" ووزير الدفاع السابق "إيهود باراك"، ومستشارًا خاصًّا لوزير الخارجية الأسبق "شلومو بن عامي"، وأسَّس مع وزير الشؤون الاستخبارية الحالي "يوفال شتاينيتس" طاقم التفكير الاستراتيجي الخاص بتصميم نظرية الأمن القومي لإسرائيل.

والمؤلِّف الثاني للكتاب هو "يديديا يعاري" قائد سلاح البحرية الأسبق في إسرائيل، ورئيس هيئة الصناعات العسكرية الإسرائيلية "رفائيل"، ألَّف عددًا من الكتب ذات العلاقة بالحروب القادمة للجيش الإسرائيلي، وكان عضوًا في اللجنة الحكومية لمراقبة وتقييم أداء الجيش في حرب لبنان الثانية، ويحاضر حاليًّا في الأكاديمية الأميركية لعلوم سلاح البحرية.

يتناول الكتاب نماذج بعينها عن حروب العصابات، أجبرت الجيش الإسرائيلي على إحداث انقلاب في نظرياته العسكرية؛ وذلك في محاولة منه لمحاكاة التجارب الأميركية في فيتنام والعراق والصومال، والتجربة السوفيتية في أفغانستان، لأن المنظمات التي تحاربها إسرائيل على حدودها تخوض حروب عصابات، ويقصد تحديدًا حركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والآن دخلت على الخطِّ تهديدات أخرى لإسرائيل من قِبَل مجموعات تتبع لتنظيم القاعدة؛ مثل: أنصار بيت المقدس في سيناء، وتنظيم الدولة في سوريا.

يُقَدِّم الكتاب استعراضًا لطبيعة المواجهات المفترضة أمام الجيش الإسرائيلي في قادم الأيام على أيٍّ من الحدود المفترضة؛ وذلك من خلال الاستفادة من حروب: 2006 في لبنان، وحروب 2008، 2012، 2014 في غزة، تمهيدًا لإمكانية أن ترى إسرائيل نفسها تخوض حروبًا قادمة على نمط حروب العصابات ذاته.

انهيار النموذج التقليدي

يبدأ الكتاب بالإشارة إلى أن الردود الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تركَّزت على ثلاثة أسس مركزية مهمَّة: الردع، والإنذار، والحسم. فالأساس الأول ينشد ردع الدول العربية عن الدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل، وفي حال لم ينجح هذا الأساس المركزي، يتمُّ استدعاء الأساس الثاني المتمثِّل في توجيه إنذارات ساخنة سريعة لقيادة الدولة من قبل الجيش الإسرائيلي من مغبَّة أي هجوم محتمل. وفي حال اندلعت حرب مفاجئة فإن إسرائيل تعمل على نقل المعركة القتالية إلى ساحة العدوِّ، والوصول لمرحلة الحسم خلال وقت قصير، لاسيما أن إسرائيل تضع في إعتبارها محدودية عمقها الاستراتيجي.

وهكذا شكَّلت الأسس المذكورة: الردع، والإنذار، والحسم، جوابًا ملائما للردِّ على أيِّ تهديد قد يُواجه إسرائيل، لاسيما في الحروب التقليدية.

يستدرك المؤلِّفان هذه الحقيقة بالقول: إن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا لهذا التهديد التقليدي، في ضوء عدد من العوامل والاعتبارات؛ من أهمِّها:

  1. خروج مصر من دائرة الصراع مع إسرائيل، ودخولها في أتون صراعات داخلية عقب الربيع العربي، والإطاحة بالإخوان المسلمين، ودخول البلاد في حالة أشبه بالفوضى ألزمت الجيش المصري بالتورُّط في الخلاف السياسي القائم.
  2. انسحاب سوريا من سباق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وانغماس البلد في حرب أهلية طاحنة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتمزُّق الجيش إلى منشقِّين وموالين للنظام، وتحوُّله مع مرور الوقت إلى ما يشبه ميليشيا تحرس النظام، وتُؤَمِّن له البقاء أطول فترة زمنية ممكنة. 
  3. زوال العراق كقوة عسكرية، لاسيما مع انفراط عقد الجيش وتصفيته، ودخول العامل الطائفي فيه بصورة سافرة؛ بحيث وقع فيه شرخ كبير ليس من المتوقع تجاوزه في السنوات القريبة القادمة.

ويرى الكتاب أنه بعد تلاشي هذه التهديدات التقليدية العربية ضدَّ إسرائيل، ارتفعت أهمية نوعين من التهديدات الأخرى من قِبَل تشكيلات عسكرية مسلحة غير نظامية متمثِّلة في "العمليات الانتحارية، وسلاح القذائف الصاروخية"، وتتميزان بالحيلولة دون الدخول في مواجهة ميدانية مباشرة مع الجيش الإسرائيلي؛ وهما بهذه الحالة قد يشكِّلان "سلاح الضعيف"، وطريق سهلة لاستنزاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

وجاءت الأساليب المختلفة للعمليات الانتحارية، وإطلاق القذائف الصاروخية، لتضع تحديات خطيرة أمام لقدرات العسكرية الإسرائيلية، ومدى نجاحها في "تقييد" قدرات هذه التهديدات المستجدَّة؛ فقد ظهرت إلى السطح أسئلة كبيرة تتعلَّق بمدى القدرة على "ردع" مسلح فلسطيني يُريد قتل نفسه في تنفيذ عملية انتحارية. وفي مجال "الإنذار" لم يكن الوضع أقلَّ صعوبة؛ بل بدا معقَّدًا أكثر من سابقه.

علمًا بأن المراحل التاريخية السابقة من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني شهدت نجاحات منقطعة النظير للإنذارات الأمنية التي كانت تصل الجيش الإسرائيلي وفق معلومات من جهة الجيوش المعادية، لاسيما حول تحضيراتها لشنِّ حرب ضدَّ إسرائيل، وبعكسِ عمَّا عليه الحال في الحروب النظامية والجبهات القتالية التقليدية، فإن حرب العصابات الجديدة باتت تُنَفَّذ من قِبَل مجموعات عسكرية مسلَّحة صغيرة، ذات تأهيل معقول، وتُنَفّذ عملياتها خلال فترة زمنية وجيزة.

يتحدَّث الكتاب عن التحدِّيات الماثلة أمام مصمِّمي العقيدة العسكرية الإسرائيلية لمواجهة نموذجية لمثل هذه المجموعات العسكرية الجديدة، لاسيما أن صيغة "الحسم" في هذا النوع من التهديدات تحوَّلت إلى معضلة حقيقية لدى صانع القرار الإسرائيلي؛ خاصة أن المركَّبات الثلاثة المحيطة بهذا النوع من التهديدات قد طرأ عليها تغيير دراماتيكي كبير؛ وهي: مواصلة المواجهة بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية والإسلامية، وساحة القتال داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وطبيعة الخصم المتمثلة في المنظمات شبه الدولتية.

وفي إطار التعامل مع ظاهرة العمليات المسلحة غير النظامية، عثرت إسرائيل على صيغة ناجحة نسبيًّا من العمل الاستخباري الدقيق، والقدرة الميدانية على إحباط أي عمليات معادية يُبادِر إليها العدوُّ، والإمعان في إفشال جهوده الحثيثة في هذا المجال، لكن الرد الإسرائيلي على تهديد القذائف الصاروخية على الجبهة الداخلية؛ لا تزال طريقه كما يبدو طويلة.

يعود الكتاب إلى سنوات طويلة من عقود القرن الماضي حين تمَّ استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالقذائف الصاروخية؛ حيث أُطلقت نيران المدفعية بكثافة من حدود مجاورة في لبنان وسوريا والأردن، من قِبَل منظمات فلسطينية ولبنانية بذلت جهودًا مضنية لاستهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية؛ وذلك في إطار خوضها لموجات متقطِّعة من الحرب مع إسرائيل، لكن السنوات الأخيرة -تحديدًا مع دخول الألفية الثالثة- برزت أمام إسرائيل تحديات متزايدة من حروب العصابات التي لجأت إلى ذات الأسلحة غير القابلة للهزيمة؛ وهي: القذائف الصاروخية، والعمليات الانتحارية، وكان من الدروس المهمَّة لهذه المنظمات أن الجيش الإسرائيلي لا يملك حلاًّ ميدانيًّا مجديًا إزاء تهديد القذائف الصاروخية، في الوقت الذي باتت تُحْدِث فيه هذه القذائف تأثيرًا كبيرًا على صعيد الجمهور الإسرائيلي، وفي المقابل قدَّمت هذه القذائف للقوة العسكرية للمنظمات المعادية إضافة نوعية في ميدان القتال في مواجهة إسرائيل.

القدرات الصاروخية
يؤكد الكتاب استنادًا إلى تقارير أمنية وعسكرية إسرائيلية، أنه يبدو واضحًا من سياق التطوُّر التسليحي لتلك المنظمات؛ تحديدًا حماس في غزة وحزب الله في لبنان، أنهما بدأتا فعليًّا ببناء هذه الترسانة العسكرية فور انسحاب الجيش الإسرائيلي من منطقة الحزام الأمني اللبناني عام 2000، ومن غزة عام 2005، وقد انتهيتا من سياق المواجهات المحدودة معه الجيش الإسرائيلي، وبدأتا في التفرُّغ للمواجهات الكبيرة والواسعة، وهو ما تجلَّى واضحًا في حرب لبنان الثانية 2006، وحروب غزة الثلاث: 2008، 2012، 2014.

وقد أثبتت هذه الحروب في لبنان وغزة أن هاتين المنظمتين نجحتا في استغلال هذه القدرات الصاروخية، حين ظهر جليًّا أن الجيش الإسرائيلي يُواجه صعوبات حقيقية في التعامل مع التهديد، لاسيما في ضوء قدرتيهما على أن تشملا بتهديديهما الصاروخي معظم أرجاء إسرائيل؛ وقد أدَّى عجز إسرائيل عن مواجهة مثل هذه القذائف الصاروخية إلى تشجيع تلك على المضيِّ قدمًا في هذا الطريق.

ينتقل الكتاب للحديث عمَّا أسماه تقييم مدى نجاعة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في إحباط التهديدات الوافدة من هاتين المنظمتين؛ وهو ما حتَّم على المؤلِّفَيْنِ أن يعودَا إلى دروس الحروب الأخيرة؛ حيث وصلت تلك التنظيمات إلى خلاصة أساسية مفادها أن المبدأ المركزي من استخدامهما لأسلحتيهما يتمثَّل بإحداث أكبر تهديد ممكن على الجبهة الداخلية الإسرائيلية؛ وذلك بجانب إعاقة الجيش الإسرائيلي ميدانيًّا عن إحداث التقدُّم الذي يصبو إليه.

وقد وصلت هذه التنظيمات المعادية لإسرائيل إلى هذه القناعة من خلال عدد من المبادئ الأساسية التي حكمت استخدامها لأسلحتها؛ وهي:

  1. اعتبار الجبهة الداخلية الإسرائيلية هدفًا مركزيًّا لأسلحتها، وإيقاع الخسائر والأضرار فيها، وهذا المبدأ يعتبر ذا قيمة وجدوى كبيرتين في نظر تلك المنظمات، لاسيما في ضوء التخزين الهائل المتواصل لهذه الأسلحة؛ وذلك إلى جانب التطوير الحاصل في نوعية هذه الأسلحة والعمليات، بحيث تكون أكثر دقَّة، وإيلامًا وتأثيرًا على صعيد الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

    جانب آخر مهمٌّ في استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية يتعلَّق بالأهداف المنتقاة؛ كالمناطق السكنية والأماكن الحيوية، على أن تكون الرؤوس المحمولة في هذه الصواريخ ذات قدرة تفجيرية كبيرة، أو أن يتمَّ توجيه مقاتلين لتنفيذ عمليات انتحارية في مثل هذه المواقع.

  2. الانتشار الواسع من قِبَل مقاتلي حزب الله في لبنان، وحماس في قطاع غزة، وغدًا من مقاتلي القاعدة على الحدود السورية في الجولان، أو المصرية في سيناء؛ مما سيؤدِّي تلقائيًّا إلى نشر المزيد من منصَّات إطلاق الصواريخ على أوسع رقعة جغرافية ممكنة من هذه المناطق، وهو ما حصل فعليًّا في عملية "الجرف الصامد" الأخيرة في قطاع غزة؛ حيث أُطلقت قذائف صاروخية في اتجاه إسرائيل من منطقة شمال القطاع، ومدينة غزة، وجنوب القطاع أيضًا.

أمَّا في لبنان فإن الوضع يزداد خطورة على إسرائيل في ضوء أن المساحة الأرضية تبلغ أضعافًا مضاعفة من مساحة غزة؛ حيث ينشر حزب الله حاليًّا قذائف في منطقة جنوب نهر الليطاني، وإلى الشمال منه أيضًا، ويستند الكتاب إلى هيئات أمنية إسرائيلية في القول: إن هناك مخازن ومنصات موجودة في قلب العاصمة بيروت أيضًا.

أمَّا في الحديث عن المناطق الحدودية في سوريا ومصر، فالوضع يزداد خطورة على إسرائيل نظرًا إلى غياب الدولة المركزية في المنطقتين، وانشغالهما بالسيطرة على مركز البلد، وهو ما يجعل مسؤولية أمن هذه الحدود مقتصرة على الجيش الإسرائيلي فقط، وهو أمر تُحيط حوله شكوك كبيرة؛ وذلك بعد حدوث عمليات مسلَّحة على هذه الحدود من قِبَل منظمات معادية خلال الأشهر الأخيرة.

الدفاع الأرضي
أدى انتشار عناصر المنظمات المعادية لإسرائيل إلى أن يبذل الجيش الإسرائيلي جهودًا كبيرة في مجال جمع المعلومات والتقصِّي؛ وذلك في محاولة منه للعثور على هذه الأسلحة والمسلحين، وإحباط مفعولهم وعملياتهم بصورة استباقية.

  1. التنظيمات المعادية لإسرائيل تضع المزيد من الصعوبات أمام اكتشافها من قِبَل سلاح الجوِّ الإسرائيلي؛ وفق مسارين أساسيين:
    • المسار الأول: القيام بمعظم العمليات داخل أو من جوار المناطق السكنية المدنية، لذلك لجأت حركة حماس في قطاع غزة عند اندلاع الحرب الأخيرة إلى المساجد، وحوَّلتها –حسب الكاتب- إلى مخازن ومستودعات للقذائف الصاروخية، ووسائل قتالية أخرى.
    • المسار الثاني: العمل على إخفاء الأسلحة -منصات إطلاق الصواريخ- في أماكن حرجية وعشبية؛ وذلك من خلال حفر خنادق ومخابئ تحت الأرض، وفي أعماق المنازل السكنية، لاسيما منازل نشطاء التنظيم.
  2. وجود جهاز دفاع أرضي داعم للقدرات التسليحية لهذه المنظمات؛ وهو في هذه الحالة يقوم باستكمال ما تقوم به القذائف الصاروخية، وبالتالي يعتبر وجوده أمرًا في غاية الأهمية والخطورة، من أجل أن يتمكَّن عدو إسرائيل من تحقيق تهديده الجدي على طول الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

هنا خاصة تبدو مهمَّة هذا الجهاز الدفاعي الأرضي مركَّزة في استيعاب أو إعاقة أيِّ تقدُّم لقوات الجيش الإسرائيلي، وبلغة أخرى: يعمل على "شراء الوقت" لإتاحة المجال أمام القدرات الصاروخية لتؤدِّيَ دورها على أكمل وجه؛ ولذلك أقام حزب الله وحماس أجهزة للدفاع الأرضي بجانب قدرتيهما الصاروخية؛ وذلك من خلال الخنادق ووضع العبوات الناسفة، و"تلغيم" الجبهات القتالية؛ بحيث تصبح كلها معدَّة للقتال بصورة استباقية، وكلها في المحصلة تسعى لتكبيد الجيش الإسرائيلي أكبر ثمن ممكن، بجانب إعاقة تحرُّكه في الميدان البرِّيِّ.

يتطرَّق الكتاب بشيء من التفصيل إلى ما أسماه: "إخفاق الأنفاق" في حرب غزة الأخيرة، وكيف أنها شكَّلت النموذج القادم لحروب إسرائيل أمام المنظمات العصاباتية؛ التي باتت تمتلك "ما تحت الأرض" لمواجهة الجيش الإسرائيلي؛ الذي يسيطر على "ما فوق الأرض" عبر سلاح الجوِّ.

يذهب الكتاب بالقارئ إلى جبهة قتالية أخرى تقاتل فيها إسرائيل المنظمات العصاباتية غير الدولتية؛ وهي الساحة الاستخبارية؛ حيث منحت نظرية الأمن القومي الإسرائيلي دورًا مركزيًّا لأجهزة المخابرات، في تكليفها بمهمَّة الإنذار عن وقوع حربٍ ما تستهدف إسرائيل، ويأتي هذا الدور الأساسي للمؤسسة الأمنية في ضوء أن جزءًا محوريًّا من القوة العسكرية لإسرائيل ليس منخرطًا في الخدمة العسكرية، ولا يُزاول مهامَّه القتالية بساحة المعركة، علاوة على أن إسرائيل تفتقر إلى العمق الاستراتيجي؛ مما يجعل قدراتها الأمنية حزامًا دفاعيًّا بالدرجة الأولى.

لذلك تحوَّل الإنذار من مغبَّة حرب قادمة تستهدف إسرائيل إلى المهمَّة الأساسية لأجهزة المخابرات؛ علمًا بأن الحروب مع جيوش نظامية لا يُشَكِّل عملية مفاجئة لصُنَّاع القرار في المستويين السياسي والعسكري في تل أبيب بخلاف الحرب مع عصابات مسلحة.

حروب غزة
الحال مع الأنظمة السياسية والدول النظامية يبدو هيِّنًا؛ لأن المهمَّة المتعلِّقة بتوجيه التحذيرات يمكن القيام بها دون مشاكل بنيوية؛ ذلك لكونها تتعلَّق بالدرجة الأولى بمتابعة تحرُّكات جيوشها، والبحث عن ملاحظات أمنية يمكن الاستعانة بها لتعزيز هذا التحذير؛ ولكن في حالة الأنظمة غير الدولتية، والقوى غير النظامية؛ كحماس وحزب الله تبدو الشواهد ملأى بالإشكاليات والتعقيد، وهو ما حصل عقب حرب غزة الأخيرة 2014؛ وذلك من تبادل اتهامات بين المستويين العسكري والأمني حول توجيه إنذارات جادة عن نية حماس الذهاب إلى حرب طاحنة.

يستعين الكتاب بمعطيات وفرتها لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست وقيادات الجيش في المناطق الثلاث: الشمالية والوسطى والجنوبية، دلَّت جميعها أنه على المستوى التنفيذي الميداني، فإن توفير معلومات استخبارية عن مجموعات مسلحة تُدير قتالاً على نطاق ضيق، وتكون قواتها الأساسية من المقاتلين منتشرة في الساحات العامة، يبدو مهمَّة صعبة؛ لذلك فإن بذل المزيد من الجهود الاستخبارية والأمنية لمتابعة جهود تلك القوى في تحصيل القدرات العسكرية، التي تُشَكِّل عصب قوتها التسليحية، يبدو عاملاً مؤثرًا وحاسمًا من الناحية العملياتية، ويحظى بأهمية بالغة في ذلك.

القوة النارية
وإلى جانب النظرة التقليدية المتعارف عليها بين أجهزة الأمن في تحذيراتها الدورية من إمكانية نشوب حرب ضدَّ إسرائيل؛ فإن القدرات الصاروخية للقوَّة غير النظامية لم تَعُدْ تُشَكِّل وحدها تحديًا جديدًا، لاسيما في ضوء أنها هذه المرة قد تستخدم أسلحة لم تشهدها حروب إسرائيل السابقة؛ مثل:

  1. استخدام المواد الكيماوية من خلال هذه الصواريخ.
  2. استهداف أماكن في إسرائيل لم تعرف تهديدات مماثلة من قبل.
  3. الاستخدام التدريجي لقواتها النارية؛ مما يضع مزيدًا من المسؤوليات على الجهات الأمنية لإنذار قيادة الجبهة الداخلية، بالأماكن التي ستستهدفها المنظمات المعادية لإسرائيل.

يُوصي الكتاب بإبراز مدى القدرة الإسرائيلية على تحقيق "اختراق استخباري" داخل تلك المنظمات، والوصول بهذا الاختراق إلى مستوى صانعي القرار فيها؛ بحيث يوفِّر ذلك قدرة على "تحديث" المعلومات الأمنية عند انطلاق الحرب؛ طبعًا هذا التقدير يأتي في ضوء أن القرارات المتعلِّقة بتكثيف الهجمات تأتي من هذه المستويات القيادية الرفيعة في تلك المنظمات المعادية لإسرائيل، وليس من قِبَل الدوائر الميدانية العاملة في ساحة المعركة.

أسئلة حائرة

يكتسب الكتاب أهميته من توقيت صدوره مباشرة بعد حرب غزة، وفي ظلِّ التهديدات التي تواجهها إسرائيل على حدودها المختلفة من قِبَل منظمات غير دولتية، وعلى الرغم من المادَّة العلمية الدسمة التي احتواها الكتاب، والمعلومات التي كشف النقاب عنها من خلال لقاءاته العديدة مع صناع القرار العسكري والأمني في إسرائيل؛ فإنه لم يتمكَّن من وضع إجابات عملياتية عمَّا يؤرِّق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في حال اندلعت مواجهة محتملة مع أيٍّ من المنظمات العصاباتية التي عالجها الكتاب.

كما أن المؤلِّفَيْنِ استندَا في كثير من محتويات الكتاب إلى التغذية الراجعة التي استخلصها الجيش الإسرائيلي من حروبه الأخيرة في غزة ولبنان، دون تقديم قراءة استشرافية لحروب قادمة في جبهات مختلفة، ولم يُظهرا الفروق المحتملة في الأداء القتالي لحماس مثلاً عن حزب الله عن تنظيم الدولة وسواها.

معلومات الكتاب
عنوان الكتاب: إسرائيل والقتال بطريقة أخرى.. وعقيدة الحرب الجديدة
المؤلفان: حاييم آسا، يديديا يعاري
دار النشر: تل أبيب
اللغة: العبرية
سنة الصدور: أكتوبر/تشرين الأول
عدد الصفحات: 175 صفحة
________________________________
د. عدنان أبو عامر - أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأمة-غزة

تعليقات

 

المزيد من المراجعات

يستخلص كتاب "الشركة السعودية" قاعدة واحدة حكمت شركة أرامكو، منذ تأسيسها إلى سنة 2015، وهي أن الأولوية دائمًا لتحقيق الأرباح وتعظيمها وتفادي إخضاعها للاعتبارات السياسية.

2018/11/06

مراجعة لكتاب "الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي"، تركِّز على أبرز ما جاء فيه من أفكار تتصل بالمنهج والنظريات التي اعتمد عليها، وتناقش رؤيته لتجديد القيم السياسية الإسلامية، والتصورات التي يمكن أن تربط قيام دولة إسلامية معاصرة بالدولة الحديثة.

2018/08/27

يناقش الكتاب الذي أعده باحثان إسرائيليان من جيل اليسار الإسرائيلي، إخفاق تعامل إسرائيل مع مسألة حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وعدم قدرتها بعد مرور 70 عامًا على تغييب هذا الحق عن أجندة دوائر صنع القرار الفلسطينية والعربية والإسرائيلية والدولية.

2018/07/01

تراجع الورقة الإشكاليات التي يطرحها كتاب "إسلام السلطة وإسلام الجماعة: محنة أمة"، لمُؤَلِّفه لطفي حجي، في سياق سؤال الذات عن ماضيها وحاضرها وعن آفاقها الوجودية المستقبلية ببعديها الفردي والجمعي تأسيسًا لتجربتها الحضارية الراهنة.

2018/05/16