دور الدبلوماسية العامة في تكوين السمة الوطنية.. حالة قطر

منذ ما يزيد عن عقد من الزمن والكثير من السياسيين والمهتمين بالشؤون العامة يتداولون حول ما بات يعرف بـ"الدور القطري" في المشهد العام الإقليمي والدولي. ويطفو هذا الجدل على السطح كلما تصاعدت وتيرة النشاط السياسي في المنطقة العربية وما حولها.
ec95a2ee11804b6b9b5adb1ab578320f_18.jpg
دور الدبلوماسية العامة في تكوين السمة الوطنية.. حالة قطر (الجزيرة )

نواف التميمي

لعله من المفيد بداية التطرق إلى أهم التحليلات التي خلصت إليها الأوساط السياسية والفكرية فيما يتعلق بحقيقة الدور القطري الفعال، دون الخوض بمدى صوابها أو خطئها أو بمدى عمقها أو سطحيتها:

  • التحليل الأول: يرى أن القوى العالمية الكبرى، والمقصود هنا الولايات المتحدة، بوصفها صاحبة النفوذ الأول في المنطقة، وضعت منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي إستراتيجية جديدة للمنطقة تقوم على أساس فكرة إنشاء وتعزيز قوى (دول) جديدة في المنطقة تحل مكان القوى التقليدية المعروفة -مصر والسعودية وسوريا والعراق والجزائر- على أن تكون القوى الناشئة قادرة على لعب دور إستراتيجي، أولاً في حماية مصالح الولايات المتحدة، وثانيا في التأثير بالمناخ العام للمنطقة عبر أدوات الدبلوماسية أو "قوى الضغط الناعمة" (1).
  • التحليل الثاني: ويفسر الدور القطري بكونه حالة "دفاع عن النفس"؛ إذ إن قطر ومنذ مطلع التسعينيات باتت تشعر بمخاوف حقيقية حيال "استقرارها" واستمرارها كدولة مستقلة (2).
  • التحليل الثالث: يقبل أصحاب هذا التحليل بأن يكون لدولة غنية مثل قطر دور ما في الوضع الإقليمي؛ فقد باتت الدولة الخليجية الصغيرة تحتل حاليا المرتبة الثالثة عالميا من حيث الاحتياطي المؤكد من الغاز الطبيعي بعد روسيا وإيران. وفي نهاية العام 2010 وصل إنتاجها لمستوى قياسي بلغ 77 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويا.
  • التحليل الرابع: هو الأكثر شعبية أو شيوعا بين الناس العاديين. ويربط هؤلاء بين الدور المهم والمؤثر الذي تلعبه قناة الجزيرة الفضائية (العربية والإنجليزية) ودور قطر على المستوى الإقليمي والعالمي، إلى درجة أن البعض يستشهد بتعابير في مجملها تلخص الفضل الذي قدمته "القناة التلفزيونية" للدولة الصغيرة (مساحةً وسكانًا)؛ مما جعلها تتألق في فضاء العلاقات الدولية متجاوزة عقبات الصغر الجغرافي والسكاني (3).

جميع هذه المحاولات الساعية لتقديم إجابات للأسئلة الدائرة حول "دور دولة قطر" و"دور الجزيرة" والعلاقة بينهما، تتمتع بـ"صلاحية" للفهم أو بـ"إمكانية" الاستناد عليها لفهم الدور القطري إقليميا وعالميا.

خلفية نظرية
Nation Brand or Branding سمة الأمة أو توسيم الأمة
تكوين "سمة الأمة" – نموذج قطر
خلاصة

خلفية نظرية 

كان لابد من المقدمة السابقة كتمهيد لتقديم مقاربة مغايرة لفهم ماهية "دور دولة قطر" الإقليمي وعلاقة "الجزيرة" بهذا الدور. والمقاربة التي نحن بصدد طرحها لا تفند ما سبق، ولكنها تضعه في إطار مفهوم يمكن وصفه بـ" العلمي أو الفني" المتداول بين المختصين في مجال علوم الاتصال والعلاقات العامة والتسويق والدبلوماسية العامة، هذا المفهوم هو: Nation Brand or Nation Branding

وقبل الخوض في تفاصيل هذا المفهوم وعلاقته بالموضوع الأساسي، أي "دور دولة قطر"، لابد من تأكيد عدد من النقاط المنهجية والإجرائية:

  • أولا: هذه المقاربة لا تهتم بتوصيف، أو تحليل، أو تقييم موقف دولة قطر أو دورها في أيٍّ من القضايا أو الأحداث العربية أو الدولية.
  • ثانيا: هذه المقاربة لا تهتم بتحليل الخطاب الإعلامي لقناة "الجزيرة"، أوتقييم مهنيتها، أو موضوعيتها، أو حياديتها.
  • ثالثا: هذه المقاربة تفرق بين مفاهيم سائدة ورائجة في الدراسات الإعلامية وأهمها:
    • The Identity  الهوية:
       وتعني الكيفية التي يعرّف بها (الأفرد – المؤسسات – الدول) عن ذواتهم الشخصية أو الاعتبارية (4).
    • The Image الصورة:
       وتعني الكيفية التي يرى ويقيم بها الآخرون (شخصا ما، مؤسسة ما، دولة ما) (5).
    • The Reputation السمعة:
       وهي مجموع الهوية والصورة (6).
    • Brand سمة:
       وحسب التعريف الكلاسيكي للجمعية الأميركية للتسويق (1960) فإن تعريف Brand هو: "اسم، مفهوم، إشارة، رمز، شكل، أو جميعها معا تُطلق على منتج أو خدمة لبائع أو شركة بهدف منحها هوية تميزها عن المنتجات أو الخدمات النظيرة والمنافسة" (7).
      ويقدم (آكير) تعريفا أحدث لنفس المصطلح: "هو نتاج عملية متعددة الأبعاد من الوظائف العملية، العاطفية، العقلانية، والعناصر الإستراتيجية التي تفرز مجتمعةً سلسلة من العلاقات النادرة في ذهن الجمهور" (8).

Nation Brand or Branding سمة الأمة أو توسيم الأمة 

لا يزال مفهوم سمة الأمة أو توسيم الأمة Nation Brand or Branding حديثًا في الدراسات والأبحاث المتخصصة، وحسب (سايمون أنهولت) "ظهر هذا المفهوم في التسعينيات من القرن الماضي، ويعني التطبيق العملي لبناء صورة ذهنية نادرة عن بلد معين، وإيصال هذه الصورة لباقي دول وشعوب العالم. ويستخدم هذا التطبيق أدوات الدبلوماسية العامة، التجارة، السياحة، الإعلام، المبادرات الإنسانية... إلخ، بهدف جعل الهوية الوطنية ملموسة، وقوية، ومفيدة للآخر (عبر تكوين علاقة مصلحية)، وقابلة للنقل عبر قنوات الاتصال" (9).

وسنتبنى إجرائيا تعريف سايمون انهولت، وترجمة المفهوم للعربية بوصف "توسيم الأمة" بـ:
"عملية تكوين "سمة" خاصة لــ "بلد ما،"وصياغتها في وعاء من الرسائل السمعية والبصرية والعلاقات، وتقديمها للعالم الخارجي عبر مختلف وسائل وقنوات الاتصال".

ونستبعد من هذا التعريف مفاهيم (الهوية، الصورة، السمعة، والعلامة التجارية) لصالح مفهوم أقرب وهو "سمة" و"توسيم"، فقد ورد في معجم لسان العرب أن "الوَسْمُ هو: أَثرُ الكَيّ، والجمع وُسومٌ؛ وقد وسَمَه وَسْماً وسِمةً أي أَثَّر فيه بسِمةٍ وكيٍّ. وفي الحديث: أَنه كان يَسِمُ إِبلَ الصدقةِ أَي يُعلِّم عليها بالكيّ. واتَّسَمَ الرجلُ إِذا جعل لنفسه سِمةً يُعْرَف بها، والسِّمةُ والوِسامُ: ما وُسِم به البعيرُ من ضُروبِ الصُّوَر" (10).

وهذا المعنى هو الأقرب للمفهوم الغربي لكلمة (براند) لأنه لا يخلط بين الهوية والصورة أو السمعة، وإنما يصف عملية "وسم" الحيوان (وبالقياس: المنتج أو الخدمة) بـ"سمة" (أي علامة أو صورة أو إشارة) ليصبح معها مميزا عن أمثاله من الحيوانات (ويقابله في الوقت الراهن المنتجات أو الخدمات)، وهذا يتطابق مع تعريف الجمعية الأميركية للتسويق (1960) لمفهوم "براند" كما أوردناه سابقا.

ومنذ العام 2005  ابتكر (سايمون أنهولت) مؤشرا لقياس "سمة الأمة" عبر استبيان إلكتروني يشارك فيه 10 آلاف مشارك من 20 دولة حول العالم. ويضم المؤشر قائمة من خمسين دولة. وقد تطور هذا المؤشر بشراكة بين (سايمون أنهولت) وشركة "جي إف كيه" الأميركية للأبحاث، ومنذ العام 2008 بات المؤشر يعرف باسم "مؤشر أنهولت – جي إف كيه". ويشمل المؤشر من بين دول منطقة الشرق الأوسط: مصر، وإيران، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة. ويعتمد مؤشر "أنهولت - جي إف كيه" على قياس خمسة عناصر هي: التصدير، والحكم، والثقافة، والشعب، والسياحة، والهجرة، والاستثمار (11). وبيَّنت نتائج المؤشر للعام 2010 تصدر "سمة" الدول التالية للمراكز العشر الأولى من بين 50 دولة: الولايات المتحدة – ألمانيا – فرنسا- المملكة المتحدة- اليابان- كندا- إيطاليا- سويسرا – النمسا – السويد.

والدول الذكية مثل الشركات الذكية، تسعى لتجاوز هويتها، وصورتها المكتسبة (المميزة أو النمطية)، وتكوين "سمة وطنية" نادرة تنتج عن تفاعل مجموع عناصر صورة الدولة في أذهان المجتمع الدولي، وهذه العناصر تشمل: الشعب، الجغرافيا، الثقافة، اللغة، التاريخ، المأكولات، الأزياء، الشخصيات المشهورة والماركات المشهورة (12).

كيفية بناء "السمة الوطنية"
تمر عملية تكوين "السمة الوطنية" بمراحل متلاحقة ومتراكمة، لا يُسمح فيها بالتجاوز أو القفز أوالخلط. وهذه المراحل هي:

أولا: توافر عوامل أساسية تشكل القاعدة التي سيستند إليها البناء. وهذه العوامل هي: الإرادة السياسية، والرؤية الإستراتيجية بعيدة المدى (المستدامة)، وضمان المشاركة الجماعية لكل مكونات الأمة، وتهيئة الموارد والبنى اللازمة للعناصر المتفاعلة في عملية تكوين "السمة الوطنية".

ثانيا: دعوة ممثلين عن جميع مكونات الأمة للانخراط في عملية تكوين "السمة الوطنية"، مع ضرورة:

أ. شرح عملية تكوين "السمة الوطنية" وأبعادها ومكوناتها ... إلخ، والـتأكيد على المسؤولية الوطنية لكل مؤسسة وفرد، وإبراز المصلحة والفائدة التي ستتحقق لمؤسسات الأمة وأفرادها.

ب. توزيع الأدوار والمهام والرسائل القطاعية.

ثالثا: صياغة الرسائل (الأم) والرسائل (القطاعية) مع المحافظة على قنوات التفاعل بينها مفتوحة من خلال حملات توعية داخلية لشرح أبعاد عملية تكوين "سمة الأمة".

رابعا: تنشيط وتوظيف جميع قنوات وأدوات الدبلوماسية العامة، والعلاقات العامة، والإعلام، والتسويق؛ لنقل الرسائل الرئيسية والقطاعية للرأي العام الخارجي.

الهدف من تكوين "السمة الوطنية"
بصفة عامة تسعى الدول لتكوين "سمة وطنية" إما لغاية "إعادة تشكيل الهويات الوطنية" (13)، أو "تعزيز القدرات التنافسية للبلاد" (14)، أو "تعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج" (15)، أو "تغيير أو تحسين أو تعزيز صورة الأمة" (16).

وغالبا ما تحقق عملية تكون "سمة وطنية" نتائج مهمة للدولة من قبيل:

  • تشجيع السياحة باتجاه البلد.
  • تعزيز الصادرات.
  • جذب الاستثمارات الأجنبية.
  • تعزيز تأثير السياسة الخارجية.
  • إزالة الصورة النمطية السلبية.

أما العناصر التي يتم التركيز عليها في صياغة وتكوين "السمة الوطنية" فهي (17):

  • تصدير المنتجات التجارية عالية الجودة والتي تتمتع بصفة "الماركات العالمية".
  • السياحة: المناخ، البيئة، المواقع الطبيعية، والمرافق والبنى السياحية.
  • الثقافة والتراث والرياضة.
  • المناخ الاستثماري، والقوانين الخاصة بالهجرة والإقامة.
  • المكونات الأنثروبولوجية للشعب.
  • السياسة الداخلية والخارجية (الحكم الرشيد أو الديمقراطي والعلاقات الدولية الإيجابية).

التخطيط والمتابعة والتطوير والتقييم
عملية "توسيم الأمة" هي: "عملية مستمرة تتطلب متابعة، وإجراء تقييم، ومراجعة دورية، وإدارة نشطة، لتكون هذه "السمة" قادرة على التطور والترسخ في أذهان الجمهور المتلقي في العالم الخارجي". وبالتالي هي عملية تحتاج لتضافر كل مكونات الأمة، أي أن الرسائل والإستراتيجيات والأدوار يجب أن تنساب وتتدفق بين مكونات الأمة وأفرادها عموديا وأفقيا، وبشكل متزامن، ومتكامل، ومتوافق.

تكوين "سمة الأمة" – نموذج قطر 

قطر، دولة صغيرة لاتتجاوز مساحتها (11437كلم مربعًا) ولا يتجاوز عدد سكانها حسب إحصاء 2008 المليون نسمة. وبالتالي هي واحدة من تلك الدول الصغيرة التي طالما أظهر المجتمع الدولي وهيئاته ومنظماته قلقا إزاء ضعفها، وقد حضر هذا القلق بشكل لافت في دراسات ومراجع العلاقات الدولية خلال الستينيات والسبعينيات، التي ركزت في تلك الحقبة الزمنية على القيود التي يفرضها صغر الحجم على قدرة الدول التنافسية في المجالات السياسية والاقتصادية الدولية (18). وهذا ما يزيد من المخاوف الأمنية للدول الصغيرة، وللمجتمع الدولي على حد سواء (19). من هنا، وبحكم الضرورة، بات موقف الدول الصغيرة دفاعيا. ويرى (بيترسون) (20) أن هذه الحالة فرضت على الدول الصغيرة تبني بعض الإستراتيجيات الخاصة من أجل المحافظة على كيانها من قبيل:

  • أولا:إستراتيجية حسن الجوار.
  • ثانيا:إستراتيجية التحالفات الإقليمية والدولية.
  • ثالثا: إستراتيجية تكوين سمة وطنية، لأن هذا في المقام الأول، يعزز الشرعية. وفي الدرجة الثانية، يظهر للآخرين قيمة وفائدة الدولة.

وبشكل عام، فإن ما شهده الإقليم الجيوسياسي المحيط بدولة قطر من أحداث سياسية طيلة العقود الماضية، عزز مخاوف دولة قطر وقلقها خاصة مع:

  • احتلال إيران للجزر الإماراتية في مطلع السبعينيات من القرن الماضي.
  • التاريخ الطويل من النزاع الحدودي بينها وبين السعودية الذي لم يتم تسويته إلا في العام 2008.
  • احتلال العراق للكويت في العام 1990.
  • شعور القيادة القطرية التي تولت حكم البلاد منذ 27 يونيو/حزيران 1995، بأن دولا إقليمية لا ترحب بـ" النظام الجديد" في قطر، واعتبارها هذا النظام مصدر قلق لها.

من هنا استوجبت الحكمة وضع الإستراتيجيات التي توفر لدولة قطر فرصة جيدة لتعزيز سيادتها (21). وقد يُفهم إعلان قطر مؤخرا عن الرؤية الوطنية - التي "تهدف إلى تحويل  قطر بحلول عام 2030 إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد جيل"- في إطار هذه الإستراتيجيات التي توفر فرصة جيدة لتعزيز الدور الذي تلعبه دولة قطر في المنطقة (22).

وبالعودة إلى ما قدمناه سابقا حول كيفية تطبيق عملية تكوين "السمة الوطنية" نلاحظ أن الحكومة القطرية بدأت في وضع الإطار-"الرؤية الوطنية"- الذي عكس الإرادة السياسية والرؤية الإستراتيجية. ثم دعت مكونات الأمة للانخراط في العملية عبر مجموعات عمل تتقاسم الأدوار والمهام (23). وبالتحليل المفصل، وبالاسترشاد بالقواعد النظرية لعملية بناء "السمة الوطنية" القطرية، وطبيعة العناصر والأدوات التي تم توظيفها لضمان شمولية العملية أفقيا وعموديا، يمكن الوقوف عند العناصر والأدوات التي توزعت على الجوانب الرئيسية التالية:

الجانب السياسي: هناك نوعان من الإستراتيجيات التي توظفها الدول الصغيرة في كثير من الأحيان كوسيلة لكسب المزيد من التأييد في الساحة الدولية، هما: الدبلوماسية العامة و"السمة الوطنية" (24). وتتوافق هاتان الإستراتيجيتان من حي&#1579

نبذة عن الكاتب