المناورات الدولية لكسح الألغام في الخليج ونزعة الهيمنة الإيرانية - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

المناورات الدولية لكسح الألغام في الخليج ونزعة الهيمنة الإيرانية

تُشكِّل البحار مستودع العالم، ومعظم نفط اليوم ينتقل عبرها، وأي تأثير على المنافذ البحرية المهمة كمضيق هرمز سيؤدي إلى زيادة تباطؤ الاقتصاد العالمي المرهق أصلًا. ولذلك كان النفط الخليجي في قلب الصراع العسكري منذ الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بحرب تحرير الكويت، وأخيرًا الحرب الأميركية على العراف.

الأحد, 09 يونيو, 2013 17:31 GMT

المصدر (الأوروبية)

تُشكِّل البحار مستودع العالم، ومعظم نفط اليوم ينتقل عبرها، وأي تأثير على المنافذ البحرية المهمة كمضيق هرمز سيؤدي إلى زيادة تباطؤ الاقتصاد العالمي المرهق أصلًا. ولذلك كان النفط الخليجي في قلب الصراع العسكري منذ الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، مرورًا بحرب تحرير الكويت (1991)، وأخيرًا وليس آخرًا الحرب الأميركية على العراق (2003). ومنذ إعلان مبدأ كارتر عام (1979) الذي ينص على أن "أي مساس بمنابع النفط في الخليج هو مساس بالأمن الوطني الأميركي"، أضحت سلامة منابع النفط وضمان حرية وصوله لدول العالم وبأسعار معقولة تتمتع بالأولوية في استراتيجية الأمن الوطني الأميركي. ولهذا، فاختيار مياه الخليج خلال شهر مايو 2013 لإجراء ما سُمي بـ"عمليات المناورات الدولية لكسح الألغام" ليس إلا استمرارًا لهذا المسار الاستراتيجي العالمي تحت قيادة أميركية. ومن أجل الوصول إلى فهم أعمق لهذا التمرين الدولي، يتطلب ذلك الإجابة على العديد من التساؤلات من قبيل: كيف بُني هذا التمرين؟ وما هي أهدافه ومراحل تنفيذه وحجم ونوع القوات المشاركة فيه؟ و هل بالفعل تشكِّل إيران تهديدًا خطيرًا يستدعي هذا الإجماع شبه الدولي على المشاركة أم أن هذه المناورات تستهدف أيضًا ما هو أبعد من إيران؟ و ما هي ردود الأفعال الإيرانية تجاه هذه الحشود؟ و هل مسؤولية أمن الخليج هي مسؤولية دوله المطلة عليه فقط أم أنها مسؤولية ذات بعد دولي؟ وأخيرًا وبعد تحليل مكونات هذا التمرين واستنتاج دلالاته نطرح تساؤلاً آخر : هل هناك من سيناريوهات متوقعة لمستقبل نزعة الهيمنة الإيرانية؟

قبل البدء في التحليل لابد من الإشارة إلى أنه ومنذ عام (2007) وإيران في أزمة حقيقية ليس مع دول الخليج فحسب ولكن مع جزء كبير من المجتمع الدولي؛ ولذلك فرغم رسائل الطمأنة الموجهة إلى إيران بأن هذا التمرين دفاعي بحت ويهدف إلى كسح الألغام في الخليج، إلا أن بعض المحللين لهم مقاربة أخرى ترى بأنّ هناك إجماعاً دولياً بأن إيران تجاوزت حدودها في زعزعة أمن واستقرار المنطقة وأن الوقت قد حان للبدء في خطوات جادة لردعها من المضي قدمًا في هذا الاتجاه.

تُرجمت هذه الإرادة الدولية من خلال تنفيذ تمرين دولي بقيادة الأسطول الأميركي الخامس في مياه الخليج تشارك فيه (41) دولة، ضمن منظومة عمليات بحرية دفاعية هي الأولى من نوعها تستمر من (6-30 مايو 2013). و يُنفذ هذا التمرين بالقرب من مضيق هرمز في منطقة عمليات الأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في البحرين والذي يعمل ضمن منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، والتي تبلغ مساحتها حوالي (2.5) مليون كم مربع مسطح مائي، وتضم الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وجزءًا من المحيط الهندي.

أهداف ومراحل التمرين الدولي لكسح الألغام

نافيًا أن تكون إيران هي المستهدفة من هذا التمرين، حدد قائد الأسطول الأمريكي الخامس الأدميرال جون ميلر ثلاثة أهداف عملياتية للتمرين الدولي تنحصر في: "إزالة الألغام عن مياه الخليج، وحراسة السفن التجارية، وحماية منصات النفط" (1). وقد خُطط للتمرين الدولي أن يجري على ثلاث مراحل: الأولى  مخصصة لاستعراض واختبار أحدث التقنيات في رصد الألغام، والثانية ركزت على التدريب على عمليات إزالة الألغام، أما المرحلة الثالثة فكانت لحماية وحراسة ناقلات النفط في الممر الذي يمتد من شط العرب شمالاً إلى خليج عُمان جنوبًا بطول 965 كم، إضافة إلى التدريب على حماية منصات النفط والغاز ومعامل تكرير البترول ومحطات تحلية المياه.

الدول والمعدات المشاركة

يأتي في مقدمة المشاركين في هذا التمرين الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا ونيوزيلاندا وباكستان إضافة إلى الدول الخليجية الست. ويُلاحظ أن مشاركة دول أخرى في هذا التمرين ليست إلا إدراكًا منها لخطورة إمكانية عرقلة الملاحة في مياه الخليج من قبل إيران.

يعمل في الخليج حاليًا ثلاث حاملات طائرات أميركية، تحمل 90 قنبلة نووية ويتواجد على ظهرها 270 طائرة وهي تعادل كامل القوة الجوية الإيرانية. أما في هذه المناورة فقد شاركت "أكثر من 35 سفينة، منها (يو. إس بونس) والتي تم تعديلها لاستخدامها بمثابة قاعدة على سطح الماء لعمليات كسح الألغام، وأكثر من 100 كاسحة ألغام منها (يو إس إس أردانت)، وسفينة (كارديغان) البريطانية للإنزال. وتمّ خلال المناورة تجربة 18 غواصة غير مؤهلة لكسح الألغام معظمها بريطاني الصنع، إضافة إلى الطائرات العمودية والطائرات بدون طيار والعشرات من الغواصين المدربين على إزالة المتفجرات تحت الماء، ويقدر العدد الكلي للمشاركين في هذا التمرين الدولي بــ 6500 جندي" (2). كذلك فتأمين الحماية للسفن المشاركة هو جزء رئيس في هذه المناورات، ويتولى هذه المهمة قارب صغير وسريع تابع للبحرية الأميركية يمكنه التنقل بسهولة بين السفن وعليه أسلحة آلية مثل الـ(م2) حسب تصريحات أحد القادة العسكريين الأمريكيين المشاركين.

لكن التركيز الأهم كان على تطوير معدات حديثة ذات تقنية عالية مثل أجهزة آلية جديدة مخصصة للبحث عن الألغام البحرية والتي تُعد مستقبل العملية البحرية، حيث أن عملية إرسالها في مهمة للبحث عن الألغام لا تستغرق سوى يومين بينما هذه المهمة تتطلب أسبوعين عند إرسال مجموعة بشرية لتنفيذها. وهذه التقنية الأميركية المعلنة ما هي إلا رد على التقنية الإيرانية التي كشفت عنها طهران مؤخراً والمتمثلة في إنتاج منظومة كسح ألغام محلية الصنع.

الظرف الاستراتيجي لتوقيت التمرين وعودة البحار كمسرح صراع

لا تنبع أهمية عمليات مكافحة الألغام من أهمية المكان ذاته، ولكن من توقيت التمرين في ظل احتدام الأزمة السورية والتدخل العسكري الصريح لوحدات إيرانية أخرى مدعومة من إيران في سوريا، والتقارير الرسمية وغير الرسمية التي تؤكد أن إيران أمامها قرابة العام للانتهاء من تصنيع أول قنبلة نووية، وكذلك خروج البحرية الإيرانية خارج مناطق عملياتها في مياه الخليج إلى المحيط الهندي والهادي والبحر الأحمر، إضافة إلى تكثيف النشاط البحري الروسي خاصة في البحر الأبيض المتوسط على مقربة من الساحل السوري، وكذلك في وقت حصلت فيه دول آسيا الباسيفيك خلال العقدين الماضيين على أكثر من 800 قطعة حربية بحرية جديدة منها 100 تعمل تحت الماء مشكّلة بذلك أكبر مبيعات أسلحة في العالم من حيث عدد الأنظمة (3)؛ مما يعد مؤشرا قويًا لعودة صراع الاستراتيجيات البحرية من جديد.

ردة الفعل الإيرانية

تحاول إيران نزع الشرعية الدولية عن هذه المناورات من خلال ادعائها بأن المشاركة في هذه العمليات مرتكزة على ثلاث دول ويحظى الباقون بالحضور الشرفي. كذلك أشار قائد القوات البحرية الإيرانية حبيب سياري، إلى أن "المناورات الأميركية في الخليج تأتي في سياق إثارة "إيران فوبيا" لدى دول المنطقة"، مؤكدًا أن القدرات العسكرية الإيرانية ذات طابع دفاعي وتنحصر في الدفاع عن المصالح الوطنية والهدف منها هو "إرسال رسائل السلام والصداقة لدول المنطقة"! كذلك  أكد قائد القوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية الأدميرال علي فدوي بأن "جميع إمكانيات ومعدات القوات العسكرية الأميركية في البحر هي في مرمى نيراننا لكننا لا ننوي الضغط والإيذاء...ولكن ليس من المعلوم أن يستمر موقفنا النبيل هذا وضبطنا للنفس دائما وأن لا نبادر إلى المواجهة عبر السبل المشروعة..لقد وصلنا إلى قناعة بأن إجراءات العدو لا معنى لها سوى الحقد ولا يمكن توقع غير ذلك من العدو" (4).

نزعة الهيمنة الإيرانية وحرية الملاحة وأمن الطاقة في الخليج؟

تقيِّم وكالات الاستخبارات أي تهديد بأنه حقيقي وجاد في حال توفرت ثلاثة مقومات أساسية لهذا التهديد، أولها: التجربة التاريخية، وثانيها: القدرات المتوفرة، وثالثها: نوايا القادة. وهناك من الشواهد التاريخية ما يثبت أن توفر مثل هذه المقومات أو حتى بعضها لدى أية دولة يستلزم التعامل معها من قبل الخصوم على محمل الجد؛ فالرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي هدد برمي إسرائيل في البحر لم يكمل السنة حتى دُمرَّت أغلب قواته العسكرية، وخاصة الجوية (380) طائرة، من قبل إسرائيل في نكسة عام (1967)، وكذلك الرئيس الراحل صدام حسين هدد هو الآخر في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي بحرق نصف إسرائيل بـ"الكيماوي" فلم يرتد إليه طرفه حتى تفاجأ بوجود (33) دولة تخرجه من العراق وتدمر أكثر من (60%) من قوته العسكرية والحيوية.

بإسقاط المقومات الاستخبارية السابقة على إيران نلحظ أن البحرية الإيرانية، وخلال ما سمي بحرب الناقلات خلال الحرب العراقية-الإيرانية، قامت باستخدام سلاح الألغام البحرية في مياه الخليج، حيث استهدفت البحرية الإيرانية ناقلة نفط كويتية اسمها (الركَّة) وسفينة أميركية أخرى، وكان لدى الإيرانيين في ذلك الوقت سبع سفن بحرية مخصصة لنشر الألغام في مياه الخليج. أما من حيث القدرات العسكرية فإن إيران وبالرغم من المبالغات في استعراض قدراتها المحلية في الصناعة العسكرية، إلا أنها تملك من ميزان القوى العسكري ما يفوق قدرات دول الخليج مجتمعة خاصة في حال حساب الخسائر التي قد تحدثها الصواريخ البالستية. وفي توضيح للقدرات الإيرانية أفاد قائد التمرين الدولي الأدميرال ماكس فوكس أن "إيران تشكّل خطورة من خلال تبنيها عقيدة القتال غير المتماثلة، وقدرتها وتهديدها باستخدام الصواريخ البالستية ضد الأسطول الأميركي الخامس، إضافة إلى استخدام زوارق انتحارية متفجرة شبيهة بتلك التي فجرت المدمرة الأميركية كول في اليمن عام 1996 أو استخدام طائرات انتحارية صغيرة" (5). ويؤكد ذلك ما قررته بعض التقارير الاستراتيجية من أن "إيران قادرة على التدمير الكامل أو إحداث عطب كبير للأسطول الأميركي الخامس الذي يقع في مرمى الصواريخ التكتيكية الإيرانية" (6)؛ نظرًا لقابلية التعرض العالية للسفن البحرية بشكل عام والقدرة التفجيرية العالية للزوارق البحرية.

أما من حيث النوايا الإيرانية فلا تحتاج إلى كبير جهد لإدراكها، حيث يمكن تلمُّسها من خلال المناورات الاستفزازية الدورية في مياه الخليج ومن التصريحات الإعلامية المتتالية لمسؤولين إيرانيين يفترض أنها تعبّر عن المقاصد الرسمية لبلدهم "إيران". فقد صرح قائد القوة البحرية لحرس الثورة الاسلامية الأدميرال علي فدوي بأن "إيران لها القدرة على منع مرور حتى قطرة نفط من مضيق هرمز"، وكان قد سبقه الأدميرال حبيب سياري قائد القوات البحرية الإيرانية بتصريح مفاده أن "إغلاق مضيق هرمز أسهل من ارتشاف كأس من الماء". وحتى لو قُصد بهذه التصريحات استمالة الخطاب الشعبي العربي والإسلامي من خلال إظهار إيران كندّ لأميركا وللغرب وإقامة سياج من الردع حولها، فإن هذه المقومات الاستخبارية التي أشرنا إليها تؤخذ على محمل الجد وتُقيَّم بمثابة دلائل كافية لا تحمل الشك للمحللين الاستخباريين والاستراتيجيين للوصول إلى استنتاج يقدم لأصحاب القرار مفاده أن إيران لديها الخبرة الكافية والقدرات المناسبة والعزم على إغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة البحرية في مياه الخليج وهو ما يشكّل خطرًا محتمل الوقوع، وهذا سيكون بدوره مبررًا كافيًا للحصول على الشرعية الدولية للبدء في خطوات استباقية من أجل درء هذا الخطر وإعداد استراتيجية وقائية مضادة.

المسؤولية الدولية في الحفاظ على أمن الخليج في ظل غياب نظام إقليمي فاعل

في تحليل للبيئة الأمنية الخليجية الراهنة، يمكن رصد طيف من التهديدات المختلفة تتسم بكونها أخطارًا عالمية مشتركة؛ كانتشار أسلحة الدمار الشامل والاتجار بالبشر والتهريب والقرصنة البحرية. وبالرغم من تزايد هذه المخاطر فإن الدول المطلة على مياه الخليج لازالت تفتقد لإرادة السياسية في إقامة نظام أمني إقليمي تعاوني من أجل التصدي لهذه التهديدات. كذلك من جانبها، لم تصل بعد دول مجلس التعاون الخليجي الست إلى استكمال مشروع الدفاع المشترك الذي بدأته منذ ثمانينات القرن الماضي والذي بقي مختزلاً في قوات درع الجزيرة كقوة رمزية غير رادعة لم تنجح في أن تكون نواة حقيقية لتأسيس منظومة دفاع خليجي متكاملة ومدمجة. عليه استمرت الحاجة إلى وجود "ضامن" أمني تمثل في مظلة الحماية الدولية والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك من خلال الاتفاقيات الأمنية محدودة التأثير لبعض دول المجلس (قطر والامارات والبحرين والكويت) مع حلف الناتو والمنضوية ضمن مبادرة إسطنبول التي وقعت عام 2004.

ولهذا ومهما ظهر من تحول استراتيجي أميركي نحو آسيا الباسيفيك بسبب الصعود الصيني، فإنه وحتى اللحظة تبقى منطقة الخليج مركز ثقل عالميًا لاستحواذه على أكثر من ثلثي مخزون النفط في العالم، ولأن مضيق هرمز وحده يشكل ممرًا رئيسيًا لأكثر من (40%) من نفط العالم و(90%) من صادرات دول الخليج النفطية. هذه الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج تجعل مسؤولية الدفاع عنه دولية، وهذا ما يبرر تصريح عبد الكريم الزياني الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي: "حجم التحديات وكبر المخاطر يستلزم التنسيق والتعاون مع جميع الدول".
مستقبل إيران ما بعد التمرين الدولي

السؤال الذي يطرح هنا هو عمّا إذا كانت هذه المناورات الدولية التي يشرف عليها الأسطول الأميركي الخامس، وفي ظل المقاطعة الغربية المستمرة والضغوط السياسية الدولية على إيران، ستؤدي بالفعل إلى ردع هذه الأخيرة، أم أن هذا لن يُؤدي إلا لمزيد من الإصرار وسباق تسلح وتأزم للموقف الاستراتيجي العام في منطقة الخليج. هنا يمكن تقديم ثلاثة سيناريوهات تحاكي مستقبل إيران انطلاقا من دلالة هذا التمرين:

يقوم السيناريو الأول على أن مدلول هذا التمرين لا يخرج عن كونه فقط استعراضًا للقوة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها بهدف ردع إيران والحصول على بعض التنازلات السياسية في الملف النووي والأزمة السورية. هذا السيناريو يقتصر على التلويح فقط باستخدام القوة العسكرية ضد إيران ولكن دون استخدامها فعلياً وهو في الوقت ذاته بمثابة رسائل تطمين للدول المطلة على مياه الخليج بأن منطقة الخليج لا تزال تتصدر الاهتمامات الإستراتيجية الأمريكية والغربية. ما يرفع من نسبة تحقق هذا السيناريو هو أن نسبة المخاطر فيه قليلة على أمريكا وحلفاءها وخاصة في ظل التحول الإستراتيجي في القطبية الدولية المتسم بالصعود الروسي و الصيني والانكفاء الأميركي والاضمحلال الأوربي. الرابح الأول من هذا السيناريو هو إيران التي سيسمح لها مثل هذا الوضع المصاحب لهذا السيناريو على اللعب على عامل الزمن لتطوير قدرات ردعها وتعميق تحالفاتها الاستراتيجية. وبالتالي فالمحصلة النهائية هي مواصلة إيران السير نحو الرؤية الطموحة التي رسمتها والمضي قدمًا لإنتاج السلاح النووي مما سيجبر الغرب على الاعتراف بها كشريك إقليمي قوي له وزنه في المعادلة الاستراتيجية الدولية.

أمّا السيناريو الثاني فيذهب أبعد من ذلك، حيث تبدو دلالة هذا التمرين الدولي مؤشرًا عمليًا على أن هناك تخطيطًا لتوجيه ضربة عسكرية محدودة تستهدف المفاعل النووي الإيراني ومصانع التسليح والقدرات العسكرية للحرس الثوري خاصة البحرية منها وبعض الأماكن الحساسة. إن هذا السيناريو من شأنه أن يضعف إلى درجة معينة القوة الاستراتيجية الشاملة لإيران ولكن حجم المخاطرة فيه قد يكون عالياً من حيث الانعكاسات على دول المنطقة وخاصة ردة الفعل الإيرانية تجاه القواعد الأجنبية في الخليج وخاصة الأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في البحرين. يلقى هذا السيناريو دعماً قوياً من قبل إسرائيل ولكن الولايات المتحدة الأمريكية قد لا تدفع باتجاهه، خاصة في ظل استمرار التنسيق القائم حول الأزمة السورية، حيث أن وقوع مثل هكذا سيناريو قد يهدد بنسف كل الجهود الدبلوماسية بين روسيا وأمريكا وقد يدفع بروسيا للتدخل بقوة أكبر في سوريا والاصطفاف أكثر إلى جانب إيران.

أمّا السيناريو الثالث المحتمل فقد يسلك طريقاً وسطاً بين اللين والقوة في التعامل مع إيران. فقد مرر التمرين الدولي رسالة واضحة لإيران مفادها تصميم المجتمع الدولي على إيقاف مد التأثير الإيراني، للإبقاء على إيران كما هي الآن، وذلك من أجل المحافظة على توازن القوى الإقليمي في المنطقة. تبني مثل هذا السيناريو سيتطلب من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها التنسيق بين قواها الناعمة والصلبة للإبقاء على الضغط الدبلوماسي والحظر الاقتصادي والنشاط الإستخباري والحرب بالوكالة لإضعاف القوة الاستراتيجية الشاملة الإيرانية في بعدها الداخلي والخارجي وخاصة أوراق إيران السياسية في كل من سوريا واليمن والعراق، وحث وكالة الطاقة الذرية اتخاذ إجراءات ملموسة ضد النشاط النووي الإيراني.

الحكمة السياسية والوضع الدولي والإقليمي الحالي يرشحان هذا السيناريو لأن يأخذ أولوية أكبر وخاصة أنه يجمع بين قلة المخاطرة وقوة التأثير على إيران، ولكن قد يعيبه طول الوقت من أجل أن يحقق أهدافه وكذلك الافتقار إلى القوة الدبلوماسية المحترفة والقوة المعلوماتية الموجهة لخدمة هذا السيناريو. هناك من من الاستراتيجيين من يراهن على هذا السيناريو لما قد يفرزه من زيادة المتاعب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الشعب الإيراني الذي بدوره قد يقدم على" شتاء إيراني" قد يقضي على ولاية الفقيه تماما لحساب نموذج ديمقراطي عصري يمكن التعامل معه و احتوائه. 

على أية حال بين إعادة عجلة طموح القوة الإيرانية إلى الوراء أو كبحها قليلًا أو الفشل الكلي في وقف تسارعها، قد يُحسب لهذا الجهد الدولي محاولته طبع رسالة واضحة في الإدراك الاستراتيجي الإيراني بأنه مجرد توافق 41 دولة تمثل 6 قارات على إجراء مناورات دولية بمحاذاة الشواطئ الإيرانية للتدريب على كسح ألغام م تُزرع بعد هو نجاح بحد ذاته . فلنتخيل كيف تكون فاعلية وإرادة الاستجابة الدولية إذا زُرعت بالفعل ألغام في هذه المياه الحيوية؟
___________________________________________
 د. أحمد الأزدي - باحث في الشئون الاستراتيجية وقضايا الأمن الخليجي

المراجع
1- www.20minutes.fr/.../20130507-manoeuvres-golfe-iran-met-garde-contr
2- exercisedans le golfepersique.Alyaexoress-news.immense,mai 2013.
3- WWW.INFODEFENSA.COM
4- www.topnews-nasserkandil.net/topnews/share.php
5- www.arabnews.com   .Warda al-jawahiry
6- www.alterinfo.net  Y.merabet, conflitetguerres actuelles.20 september 2009

تعليقات

 

نرشح لكم

لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب قرار حكومي برفع أسعار البنزين، وكذلك الاحتجاجات التي شهدتها مدينة مشهد وعدد من المدن الإيرانية، في ديسمبر/كانون الأول 2017، بحدث جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية. تبحث هذه الورقة الحالة الاحتجاجية في إيران وأبعادها المختلفة.

منذ 16 ساعات

كشفت التطورات السورية الأخيرة عن أن أكبر الخاسرين فيها هم حلفاء أميركا الإقليميون، وهم اليوم معنيون بالسؤال التالي: هل الولايات المتحدة الأميركية حليف موثوق به؟ أما تركيا، فقد أكدت دورها كلاعب مؤثِّر في منطقة الشرق الأوسط.

منذ 22 ساعات

أصبحت روسيا الشريك المثالي للقارة الإفريقية، فلا موسكو تريد وضع اليد على المواد الأولية وجعل الاقتصادات الإفريقية مكبلة بالديون مثل الصين، ولا هي كذلك ذات ماض استعماري مثل الدول الغربية، لذلك تحاول موسكو طرق بوابة إفريقيا كبديل عن القوى النافذة في القارة.

2019/11/11