الجزائر: انسداد سياسي وصعوبات ترتيب المرحلة الانتقالية - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الجزائر: انسداد سياسي وصعوبات ترتيب المرحلة الانتقالية

في ظل انسداد سياسي أصبحت خلافة بوتفليقة مطروحة بحدة في الجزائر؛ حيث تتساءل أجنحة السلطة حول مستقبل موقع الرئاسة الذي تلتقي عنده الإرادات السياسية. وقد تحولت صحة الرئيس تدريجيًّا إلى مصدر عدم استقرار في بلاد تعرف بروز فئات اقتصادية واجتماعية وأجيال جديدة.

الثلاثاء, 28 أكتوبر, 2014 10:51 GMT

في ظل انسداد سياسي أصبحت خلافة بوتفليقة مطروحة بحدة في الجزائر؛ حيث تتساءل أجنحة السلطة حول مستقبل موقع الرئاسة (أسوشييتد برس)

ملخص
ازدادت حدة الانسداد السياسي في الجزائر مع إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة في 17 إبريل/نيسان الماضي، رغم أنه عاجز عن القيام بمهام رئيس الجمهورية، بسبب تدهور حالته الصحية التي تحولت تدريجيًّا إلى مصدر عدم استقرار.

وتشهد الجزائر وسط هذا الوضع بروز فئات اقتصادية واجتماعية وأجيال جديدة. وتبدو البلاد مستقرة ظاهريًّا، مع سلطة محصورة بين مجموعة من أكبر المجموعات الحاكمة سنًّا في العالم. ولا يوجد مجال للتغيير في السلطة الحالية التي ترتكز أساسًا على المنظومة العسكرية والأمنية والبيروقراطية الرسمية. وتضم هذه المجموعة قادة المنظومة العسكرية والأمنية، مع دور خاص للمكلفين بالمخابرات وقيادة أركان الجيش؛ ليبقى مستقبل البلاد رهينًا بتوجهات هذه المجموعة التي تشكِّل قلب النظام الجزائري منذ حرب التحرير.

بالمقابل تعجز المعارضة عن التأثير على الوضع، رغم كل المحاولات والتحالفات، وأبرزها اجتماع زرالدة، قرب العاصمة، في 10 يونيو/حزيران الماضي مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية. ومما زاد موقف المعارضة فشلاً ولاء الأوساط المالية وأصحاب الثروة للرئيس بوتفليقة بصفته الممثل الأول للنظام القائم.

تعيش الجزائر انسدادًا سياسيًّا، يمنع أية مبادرة سياسية أو اقتصادية هادفة. وقد ازدادت حدة الانسداد مع إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة في 17 إبريل/نيسان الماضي، رغم أنه عاجز عن القيام بمهام رئيس الجمهورية، بسبب تدهور حالته الصحية. ولم يشارك بوتفليقة في حملته الانتخابية التي قام بها مسؤولون آخرون نيابة عنه، ولم يُدْلِ بأي تصريح ولم يُلْقِ أي خطاب، واكتفى بالظهور يوم أداء القسم الدستوري وهو يتكلم ويتحرك بصعوبة كبيرة.

 مقدمة

استطاع الرئيس بوتفليقة أن يفرض نفسه لعدة أسباب، منها: أن الأطراف الفاعلة في السلطة لم تتوصل آنذاك إلى اتفاق حول من سيخلفه، وأرادت أطراف يتزعمها قائد المخابرات توفيق مدين، اختيار رئيس جديد، خاصة أن بوتفليقة أصبح يشكِّل عائقًا في تسيير شؤون البلاد، مع تراكم الأزمات الداخلية والخارجية. لكن محاولة توفيق مدين في البحث عن خليفة بوتفليقة أدت إلى أزمة داخل النظام، وكاد الوضع أن ينفجر، فتراجع قائد المخابرات، واكتفت دوائر السلطة بالاحتفاظ بالاتفاق القديم الذي تم على أساسه اختيار الرئيس بوتفليقة سنة 1999. ويبدو أن أصحاب القرار قد وجدوا أنفسهم في حرج لأنهم اكتشفوا أن الرئيس بوتفليقة لا يريد أن يغادر رئاسة الجمهورية، وكان ذلك يرضيهم في السابق لأنهم يفضِّلون التعامل مع شخص يعرفونه، لكن حالته الصحية أفرزت مشاكل جديدة، وقضت على مصداقية السلطة، وأنهكت المؤسسات. وكان أصحاب السلطة ينتظرون من بوتفليقة أن يبادر بالانسحاب، لكنه رفض ذلك لأنه يريد أن "يموت رئيسًا".

أصبح الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة يشكِّل "أهم ظاهرة سياسية في الجزائر، لأنه يهدد بالتطور في كل لحظة"، حسب المحلل عدلان مهدي؛ مما يفرض ضغطًا شديدًا على كل الأطراف، شخصيات ومؤسسات وأحزاب ومسؤولين. ويعمل كل طرف ليحضِّر نفسه إذا حدث حادث؛ حيث يجب أن يتم هذا التحضير في سرية تامة، لأن أية مبادرة علنية تجلب لصاحبها غضب الرئيس بوتفليقة والدوائر التي تحيط به. ولعل ذلك ما حدث لعبد العزيز بلخادم، الذي كان من المقربين للرئيس بوتفليقة منذ أكثر من خمس عشرة سنة، حيث اشتغل معه كرئيس حكومة ووزير خارجية ووزير دولة ومستشار خاص، قبل أن يقيله ويقصيه من جبهة التحرير الوطني، ومن كل المناصب قبل ثلاثة أشهر؛ لأن بلخادم قد أبدى نية في الترشح للرئاسة من دون علم الرئيس بوتفليقة.

تركيبة صناعة القرار

يمنع هذا الوضع أية مبادرة من النضج، سواء جاءت من الأوساط السياسية التقليدية أو من المجتمع. حيث تظل المعادلة السياسية مغلقة، ومحصورة على مكونات النظام فقط. ويرتبط الوصول إلى المنصب والمسؤوليات بالولاء للدوائر المحيطة بالسلطة، وإرضاء "أصحاب القرار" الحقيقيين، الذين يختارون رئيس الجمهورية ويحددون مجال صلاحياته، ويتخذون القرارات الكبرى. ويبقى مستقبل البلاد رهينًا بتوجهات هذه المجموعة التي تشكِّل قلب النظام الجزائري منذ حرب التحرير. وقد تغيرت تشكيلة هذه المجموعة مع السنين، وسواء توسع عددها أو انخفض، فقد بقي وجودها من المسلَّمات التي لا يمكن تخطيها للحصول على السلطة.

وتضم هذه المجموعة قادة المنظومة العسكرية والأمنية، مع دور خاص للمكلفين بالمخابرات وقيادة أركان الجيش. ويمكن أن تتوسع هذه المجموعة إلى قيادات النواحي العسكرية أو قيادة القوى البرية والبحرية والطيران. مثلما حدث في وقت الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، كما يمكن أن يتقلص عدد أعضائها في ظروف الأزمة، مثلما كانت الحال في عهد هواري بومدين وفي التسعينات.

أما في الوقت الحالي، فقد قال رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، الذي كان من المقربين للرئيسين: هواري بومدين والشاذلي بن جديد: إن السلطة في الجزائر محصورة بين ثلاثة أشخاص، وذكرهم بالاسم، وهم: الرئيس بوتفليقة، 77 سنة، وقائد أركان الجيش الجنرال قايد صالح، 80 سنة، وقائد المخابرات توفيق مدين، 76 سنة. وينتمي الثلاثة إلى جيل حرب التحرير، وهو جيل لا يشكِّل اليوم أقل من واحد بالمائة من سكان البلاد، لكنه ما زال يتحكم في المواقع الأساسية في السلطة.

وتزداد الأزمة الحالية حدة لصعوبة التشاور بين أعضاء هذه المجموعة الصغيرة المكونة من ثلاثة أشخاص، وذلك بسبب الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة والخلافات الحادة التي تسود العلاقات بين قائد المخابرات وقائد أركان الجيش. ولا يستطيع أي طرف أن يبادر ويتخذ قرارات، لأن الأطراف الأخرى ستتهمه بمحاولة الانفراد بالسلطة، مما يعطي هذا الانطباع بالجمود.

ظهور سلطة موازية

موازاة مع هذه المجموعة التي تتحكم في هرم السلطة، ونظرًا للوضع الخاص الذي تعيشه البلاد بسبب مرض بوتفليقة، ظهرت مراكز أخرى للسلطة يصعب تحديد نفوذها ومدى صلابة مكانتها في النظام الجزائري، لكن وجودها أصبح شائعًا في البلاد؛ مما يثير التساؤل حول هذه السلطة الموازية التي أصبحت تأمر وتنهى دون أن يكون لها صلاحيات دستورية أو قانونية.

وأبرز قطب لهذه السلطة الموازية هو سعيد بوتفليقة، الأخ الأصغر لرئيس الجمهورية، الذي أخذ حجمًا كبيرًا، وقام بتشكيل شبكات لها امتدادها في كل الميادين، بما في ذلك الجيش وجهاز المخابرات، حسب بعض المعارضين الذي يخشون توسع دائرة نفوذه إلى هذه الأجهزة الحساسة. وهنالك صعوبة في الجزم في كون بعض القرارات صدر فعلاً من الرئيس بوتفليقة نفسه أم من أخيه، مما يفتح مجالاً كبيرًا للشكوك والاتهامات؛ حيث تتهم أوساط من المعارضة بوتفليقة بنقل السلطة لأخيه سعيد، بينما يرى آخرون أن سعيد بوتفليقة يريد المشاركة في تعيين خليفة الرئيس بوتفليقة حتى يتجنب غضب الشارع وثأر أعداء أخيه بعد رحيله من السلطة.

وقال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول(1) في شهر أغسطس/آب الماضي إنه من حق الجزائريين معرفة من يمارس السلطة بصفة فعلية، بما أنه اتضح للعيان أن بوتفليقة عاجز عن ذلك. وكتب آخر أن الجزائر كانت معروفة باقتصادها الخارج عن القانون والمسمى بـ"طرابندو"، لكن حتى السلطة السياسية خرجت إلى "الطرابندو" وأصبحت اليوم تمارَس خارج المؤسسات الرسمية.

ولا يقتصر نفوذ سعيد بوتفليقة على الكواليس، بصفة غير رسمية، مثلما هي الحال في الأنظمة التي تمارَس فيها السلطة خارج المؤسسات الرسمية، بل يمتد إلى بعض الميادين ذات العلاقة المباشرة بالسياسة. ويؤكد صحافيون يعملون في التليفزيون الحكومي أن سعيد بوتفليقة يتكفل شخصيًّا بكل ما يتعلق بالصور التي يتم بثها عن الرئيس بوتفليقة.

توفيق مدين أول الخاسرين

هل تمكن سعيد بوتفليقة من التدخل في قضايا تنظيم الجيش والمخابرات؟ إن هذا خط أحمر لا يمكن أن يتخطاه سعيد بوتفليقة، وحتى إن سبق له اتخاذ قرار بتعيين مسؤول في الجيش أو أجهزة الأمن، فإنه من الأرجح أن يقدمه للرئيس بوتفليقة الذي يتكفل بالتواصل في ذلك مع قيادة الجيش والمخابرات، ولا يمكن تصور رجل مثل توفيق مدين يتعامل مع سعيد بوتفليقة في اتخاذ القرارات، لأن السلطة في الجزائر، وخاصة تسيير القضايا المتعلقة بالجيش "ليست قضية عائلة الرئيس"(2).

لقد اعتُبر توفيق مدين أقوى رجل في البلاد مدة طويلة، منذ بداية التسعينات، حين كان جهاز المخابرات يتولى تنسيق عمليات مكافحة الإرهاب، لكن مع تحسن الوضع الأمني تراجع وزن المخابرات، وحاول الرئيس بوتفليقة تحويل مركز السلطة إلى رئاسة الجمهورية، بالارتكاز على قيادة أركان الجيش وأجهزة الأمن التي يعتبرها أكثر ولاء له. ومع مراجعة ترتيب بيت السلطة، اتضح أن كل من يحصل على جزء من السلطة، يقوم بذلك على حساب قائد المخابرات.

وقد قام بوتفليقة منذ سنة بسلسلة مبادرات في هذا الاتجاه؛ حيث وضع حدًّا لبعض الصلاحيات التي كانت بين أيدي المخابرات في السابق، مثل التحقيق في بعض القضايا، والتكفل بملف الإعلام والعدالة العسكرية. وقد تم سحب كل هذه الصلاحيات من المخابرات التي يقودها توفيق مدين وإحالتها إلى قيادة أركان الجيش التي يقودها الجنرال قايد صالح، الذي يُعتبر أكثر ولاء للرئيس بوتفليقة. وفي الوقت ذاته أحيل عدد من ضباط المخابرات إلى التقاعد، وقيل: إنهم مقربون من توفيق مدين، وعارضوا ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة رابعة.

وقام الرئيس بوتفليقة بتعيين الجنرال الأسبق بشير طرطاق في منصب مستشار أمني في رئاسة الجمهورية، بعد أن أُحيل هذا الأخير إلى التقاعد إثر خلاف مع قائد المخابرات توفيق مدين. وبهذه الطريقة استطاع بوتفليقة أن يجنِّد معه عددًا من المسؤولين الذين سبق لهم أن أُبعدوا عن اللعبة السياسية، فعادوا من الباب الواسع بفضل ولائهم للرئيس.

ولابد أن نشير من جهة أخرى إلى أن هذه التعيينات جاء معظمها في مرحلة مرض الرئيس بوتفليقة. وأن الأغلبية الساحقة من الشخصيات المعنية تنتمي إلى جيل سعيد بوتفليقة لا جيل الرئيس بوتفليقة؛ مما يوحي بأن صاحب القرار الحقيقي هو سعيد بوتفليقة.

عجز في مواجهة الأزمات

يتجاوب النظام مع الأزمات في كثير من المناسبات من خلال توزيع أموال النفط ومواجهة المظاهرات، دون اتخاذ مبادرات إصلاحية مفترضة. إن طبيعة النظام تفرض عليه هذا الجمود لأن أي تحرك يجب أن يبدأ بانتخاب رئيس قادر على ممارسة مهامه الدستورية. وقد امتد هذا الجمود إلى الميدان الاقتصادي؛ حيث ظهر إجماع على عدم جدوى السياسة الاقتصادية التي تنتهجها البلاد في الكثير من الميادين. لكن في غياب قرار سياسي جاد، لا يوجد أي طرف يستطيع أن يبادر ليغير هذا المنحى، رغم الانحرافات الكبرى التي حصلت، كما اعترف بذلك الرئيس بوتفليقة نفسه. 

ويتفق الوزير الأول عبد المالك سلال مع تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على أن حجم دعم بعض المواد بلغ مستوى لا يطاق حيث تجاوز 25% من الدخل القومي، لكن تخوف السلطة من غضب الشارع يمنع أية مراجعة في هذا الميدان.

اكتفى الرئيس بوتفليقة منذ أن تدهورت حالته الصحية، بتقسيم الصلاحيات التقنية على عدد من الشخصيات، يتولى كل واحد منهم مسؤولية قطاعه بحرية كبيرة، شريطة ألا يتجاوز الحدود المرسومة ولا يتدخل في قطاعات أخرى. وحين ظهور الأزمات الحادة التي تتطلب ردًّا مشتركًا من مختلف القطاعات، لا يستطيع أحد ملء الفراغ، مثلما حدث مع عملية احتجاج رجال الأمن منتصف أكتوبر/تشرين الأول. وقد نظَّم أعضاء هذه الوحدات المختصة في قمع المظاهرات عملية احتجاج بدأت في غرداية في الصحراء، وامتدت إلى العاصمة ومدن أخرى، واحتلوا الشارع ونظموا مسيرات باتجاه مقر الوزارة الأولى ثم رئاسة الجمهورية، ولم يتدخل أي طرف ليمنعهم من ذلك، ولم يقابلهم الوزير الأول إلا بعد أن تلقى أمرًا بذلك. ويُفسَّر هذا العجز بأن القضية كانت تتعلق بأحد مكونات النظام، وكان الحل يتطلب جوابًا سياسيًّا معقدًا لا يستطيع أي طرف أن يغامر ويتصرف وحده في الموضوع. وبصفة عامة، تكتفي الحكومة بتوزيع المال عند ظهور أية أزمة، فأصبح الجزائريون يحتجون ويقطعون الطريق عند أية كبيرة أو صغيرة، مما يعقد الوضع الاجتماعي من جديد.

من جهة أخرى، نلاحظ أن عملية "تيقنتورين" لم تشكِّل أزمة للنظام الجزائري رغم حجمها الكبير. حين استولت مجموعة مسلحة على محطة غاز في الصحراء، وحاولت اختطاف رهائن أجانب في يناير/كانون الثاني 2013. وأمام ذلك الوضع، كان الرد بسيطًا وتمثَّل الحل الوحيد في القضاء على المسلحين، مهما كان الثمن، ولم يتطلب ذلك إلا عملية عسكرية يتكفل بها أي ضابط كبير.

عجز المعارضة

مقابل عجز السلطة، ووجود مشهد سياسي وراء الستار، توجد في الجزائر ممارسة سياسية رسمية، تتحرك فيها أحزاب وشخصيات وتنظيمات ولوبيَّات وصحافة، لكن أثرها على القرار الحقيقي يبقى ضعيفًا جدًّا؛ حيث تنظم الجزائر بصفة منتظمة انتخابات شكلية، برلمانية ومحلية ورئاسية، ويشهد عليها مراقبون دوليون، لكن محتواها السياسي يبقى ضعيفًا. لأن نتائجها معروفة مسبقًا، ولا توجد شكوك حقيقية حول الفائز فيها. وغالبًا ما تقتصر على تقسيم مناصب بين أحزاب السلطة، مع الاحتفاظ بقسط ملائم للمعارضة حتى لا تسقط مصداقية العملية الانتخابية بصفة كاملة.

غير أن كل الأطراف أصبحت تدرك تمامًا هذا الوضع، بما فيها العواصم الغربية. وكيف يمكن عدم إدراك هذا الوضع وقد حصل الرئيس بوتفليقة على 82 بالمائة من الأصوات في انتخابات إبريل/نيسان 2014، رغم أنه لم يظهر إلا مرة واحدة في التليفزيون يوم إيداع ملفه الانتخابي.

وتعجز المعارضة عن التأثير على الوضع، رغم كل المحاولات والتحالفات، وأبرزها اجتماع زرالدة، قرب العاصمة، في 10 يونيو/حزيران الماضي مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية. وقد التقت أغلبية أقطاب المعارضة، من ديمقراطيين وعلمانيين وإسلاميين، شخصيات وأحزاب وجمعيات، بمن فيهم قادة سابقون في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وصادقوا على وثيقة مشتركة تضع ضوابط للعمل السياسي وتحدد آفاق العمل المشترك.

وقام المرشح للرئاسيات علي بن فليس بنشر كتاب أبيض حول التزوير خلال الانتخابات، لكن كل هذا لم يؤثر على السلطة وأسلوبها في تسيير شؤون البلاد، ولم يتحرك الشارع الجزائري لمساندة المعارضة، حتى وإن حصلت هذه الأخيرة على تعاطف الشارع. ويعتبر الكثير أن مطلب المعارضة بتطبيق المادة 87 من الدستور لإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية مطلبًا معقولاً، لكن المعارضة لم تتمكن من فرض هذا الرأي.

رؤوس الأموال وترتيبات الخلافة

مما زاد موقف المعارضة فشلاً ولاء الأوساط المالية وأصحاب الثروة للرئيس بوتفليقة بصفته الممثل الأول للنظام القائم؛ فمنذ إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة لعهدة رابعة، بدأت الأوساط المالية تتحرك لتُبرز شخصيات جديدة من أنصاره، على حساب أصحاب المال الذين تحفظوا على بقاء الرئيس بوتفليقة في السلطة أو عارضوه.

وكان أول ضحية هو رضا حمياني، رئيس منتدى أرباب العمل، الذي لم يكن بداية السنة الحالية مقتنعًا ببقاء الرئيس بوتفليقة، فلم يُعلن ولاءه منذ اللحظات الأولى، ولم يعلن مساندته للعهدة الرابعة إلا بعد تردد كبير. وقد اضطر حمياني إلى الاستقالة من نادي أرباب العمل ليترك المكان لعلي حداد، وهو صاحب شركات في الأشغال العمومية ومالك النادي الذي فاز ببطولة كرة القدم في الجزائر وصاحب قناة تليفزيونية وجريدتين. أما العيد بن عمور، المستثمر في صناعة التغذية والميكانيك وغيرها، فإنه أصبح رئيسًا للغرفة الصناعية والتجارية؛ حيث تقرب هؤلاء من سعيد بوتفليقة قبل الانتخابات، فضمنوا تمويل الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة، وضغطوا على أصحاب المال ليشاركوهم في العملية، وفرضوا أنفسهم كقوة اقتصادية وسياسية جديدة.

كما تم تعيين السيد عبدالسلام بوشوارب وزيرًا للصناعة، مع العلم بأنه مستثمر في الصناعة، وأنه ينتمي إلى الدائرة الأولى من المقربين لسعيد بوتفليقة، وقد سبق له أن شارك في كل الحملات الانتخابية للرئيس بوتفليقة، وأقام علاقات قوية مع أصحاب المال الموالين لرئيس الجمهورية.

إلى جانب هذه الوجوه البارزة لأصحاب المال، أعلن المئات من أصحاب المؤسسات ولاءهم للرئيس بوتفليقة ليتقربوا من السلطة ومن الإدارة المحلية. وظهرت شبكات مصالح جديدة تشمل كل هؤلاء في عملية الحصول على الريع من أموال النفط، والكل يعلم أن ثروته مرهونة بعلاقته مع السلطة.

خاتمة

تشهد الجزائر وسط هذا الوضع القابل لاحتمالات عديدة، لكونه متعلقًا بشخص الرئيس ووضعه، بروز فئات اقتصادية واجتماعية وأجيال جديدة. وهي تبدو مستقرة ظاهريًّا، مع سلطة محصورة بين مجموعة من أكبر المجموعات الحاكمة سنًّا في العالم. ولا يوجد مجال للتغيير في السلطة الحالية التي ترتكز أساسًا على المنظومة العسكرية والأمنية والبيروقراطية الرسمية، لكن هذه السلطة نفسها تتساءل حول ضرورة تحضير خلافة الرئيس بوتفليقة، لأن صحة الرئيس الحالي تحولت تدريجيًّا إلى مصدر عدم استقرار.
________________________________
عابد شارف - محلل سياسي جزائري

المصادر
1- http://bit.ly/1wyXKhX
2- عدي الهواري: http://bit.ly/1wyYGTB

تعليقات

 

نرشح لكم

لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب قرار حكومي برفع أسعار البنزين، وكذلك الاحتجاجات التي شهدتها مدينة مشهد وعدد من المدن الإيرانية، في ديسمبر/كانون الأول 2017، بحدث جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية. تبحث هذه الورقة الحالة الاحتجاجية في إيران وأبعادها المختلفة.

منذ 15 ساعات

كشفت التطورات السورية الأخيرة عن أن أكبر الخاسرين فيها هم حلفاء أميركا الإقليميون، وهم اليوم معنيون بالسؤال التالي: هل الولايات المتحدة الأميركية حليف موثوق به؟ أما تركيا، فقد أكدت دورها كلاعب مؤثِّر في منطقة الشرق الأوسط.

منذ 21 ساعات

أصبحت روسيا الشريك المثالي للقارة الإفريقية، فلا موسكو تريد وضع اليد على المواد الأولية وجعل الاقتصادات الإفريقية مكبلة بالديون مثل الصين، ولا هي كذلك ذات ماض استعماري مثل الدول الغربية، لذلك تحاول موسكو طرق بوابة إفريقيا كبديل عن القوى النافذة في القارة.

2019/11/11