الهند وباكستان: ديناميات الصراع التاريخي ومستقبله - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات في المرتبة 5 إقليميًّا ويدخل التصنيف العالمي

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الحادي عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الهند وباكستان: ديناميات الصراع التاريخي ومستقبله

تتجه الهند وباكستان نحو تأجيج الصراع التاريخي بينهما بسبب النزاع على كشمير، ويبدو أن الهند حسمت أمرها بالتدخل العسكري المباشر في كشمير الباكستانية بينما ستُصعِّد باكستان من دعمها للمجموعات المسلحة في الشطر الهندي لكشمير، وبهذا ربما تنزلق المنطقة إلى دورة عنف جديدة.

الأربعاء, 16 نوفمبر, 2016 07:52 GMT

احتجاجات الكشميريين ضد السلطات الهندية بعد تجدد دورة العنف على خط الهدنة بين باكستان والهند (أسوشيتد برس)

مقدمة

يبحث هذا التقرير في الديناميات الحاكمة للمواجهة الراهنة بين الهند وباكستان، ويحلِّل التصعيد الهندي الأخير ضد باكستان الذي كان أحد تجلياته تدخل الهند عسكريًّا في "كشمير الباكستانية"، كما يبحث في استخدام باكستان لجماعات أو فاعلين غير حكوميين، ضد الهند كأحد الوسائل المعتمدة في سياستها الخارجية. ويؤكد التقرير أن إسلام أباد لن تتخلى عن ورقة التنظيمات المسلحة مهما اشتدت الضغوط الهندية عليها، وأن فرص المصالحة بين البلدين في المستقبل المنظور لا تزال بعيدة المنال، خاصة في ظل المواجهة العسكرية والدبلوماسية الراهنة.

الانتقال الفوضوي للسلطة في شبه الجزيرة الهندية عام 1947، من الحكم الاستعماري البريطاني إلى دولتي الهند وباكستان، خلَّف قدرًا كبيرًا من الشكوك والقلق بين هاتين الأخيرتين، وتعمَّق هذا القلق بشكل رئيسي خلال ستة عقود في باكستان؛ حيث نظر سياسيوها إلى الهند كتهديد خارجي دائم لأمن وبقاء البلاد (1). وأطالت عدَّة نزاعات ثنائية، منها قضية كشمير، أمَدَ هذا الصراع المتقلب؛ حيث شهد البلدان حروبًا ثلاثة، منها التدخل الهندي العسكري في شرق باكستان عام 1971، والذي تسبَّب بتقطيع أوصال البلاد.

استخدمت باكستان كل الطرق التقليدية وغير التقليدية المتاحة تحت تصرفها في ساحات المواجهة، سعيًا منها لاحتواء الخطر الذي تستشعره من الهند؛ كما عملت على دعم مجموعة من القوى الإسلامية المؤيدة لها في كشمير لدفع نيودلهي إلى تقديم بعض التنازلات في هذه القضية(2)، وهو ما رفضته الأخيرة، بل وتصلَّبت في مواقفها(3)؛ حيث تلتزم الهند في سياستها الرسمية إزاء كشمير بالحفاظ على الوضع القائم(4)، ويعتقد ساستها أن باكستان تتوسَّل الخيار العسكري لتستنزف بلادهم وبسياسة النفس الطويل، عبر التنظيمات الإسلامية المسلحة الناشطة في "كشمير الهندية"(5).

هذا، وكلما حصل انفجار مفاجئ "للعنف" في كشمير الهندية، يتصاعد العداء بين الهند وباكستان على "خط الهدنة"، الذي يمثِّل الحدود الفعلية بين البلدين. ومؤخرًا، حمَّلت نيودلهي باكستان مسؤولية الهجوم الأخير الذي وقع، في 18 سبتمبر/أيلول 2016، بمدينة أوري في "جامو وكشمير"، وخلَّف عشرات القتلى والجرحى من الجيش الهندي(6). ونفَّذت الهند ردًّا على ذلك، في 29 سبتمبر/أيلول 2016، "ضربة محددة"، في "كشمير الباكستانية"، وقالت إنها دمرت عددًا من معسكرات المسلحين في المنطقة(7). أدَّى ذلك لتصعيد التوترات بين البلدين المتجاورين، مع تعهد باكستاني باستخدام كل الوسائل الدفاعية، بما في ذلك الأسلحة النووية، لمواجهة "العدوان الهندي"

 

أسباب التوتر العسكري الأخير

أدى مقتل المعارض الكشميري الشاب (22 عامًا)، برهان واني (قُتل في 8 يوليو/تموز 2016) على يد الجيش الهندي، ويُنسب إلى التنظيمات "المتشددة" الموجودة في باكستان، إلى خلق تحدٍّ أمني جديد لنيودلهي في وادي كشمير(8)؛ حيث اندلعت في الإقليم مظاهرات واستمرت دون توقف احتجاجًا على مقتل واني، واتخذت نيودلهي في مواجهتها إجراءات جديدة، أدَّت لمقتل تسعين شخصًا على الأقل، وإصابة العشرات(9).

الموقف الباكستاني: تعهدت الحكومة الباكستانية في أعقاب هذا التوتر الأخير بدعم الشعب الكشميري، وأكدت على حقه بالكفاح وتقرير المصير، وعلى أن الدعم "الأخلاقي والسياسي والدبلوماسي" للشعب الكشميري هو حق تاريخي لدعم استقلاله ما دامت القضية لم تُحلَّ، بحسب أجندة التقسيم في شبه الجزيرة الهندية(10).

ويبدو أن نيودلهي فشلت في احتواء التصعيد العسكري الأخير، ليصب في صالح السياسة الباكستانية الحريصة على أن كشمير قضية دولية؛ وكثفت باكستان -إلى جانب إعلانها واني "شهيدًا"- من ضغوطها الدبلوماسية على الهند، وأفلحت في إثارة حفيظتها(11). والجدير بالذكر أن باكستان تحرص دائمًا على تدويل أي توتر يحدث في كشمير سعيًا لكسب التأييد الدولي للمسألة الكشميرية، بوصفها مشكلة تتطلب انتباهًا عاجلًا من المجتمع الدولي، لاسيما من الأمم المتحدة ومجلس الأمن. هذا وجاء التوتر الأخير لينعش الآلة الدعائية للمجموعات المسلحة في المنطقة، حتى إن بعضًا من الجماعات المحظورة في باكستان دعا إلى "الجهاد"(12).

التصعيد الهندي: في مواجهة الهجوم الدبلوماسي الباكستاني بخصوص كشمير؛ أصرَّت حكومة الهند، التي يقودها حزب الشعب الهندي، على أن استمرار المقاومة في كشمير سببه الدعم الباكستاني للتنظيمات المسلحة في المنطقة(13). وبينما يثير استخدام نيودلهي "للقوة الغاشمة" في كشمير مخاوف كبيرة؛ فإنها تتذرع بدعم باكستان للتنظيمات المسلحة في جامو وكشمير لتبرير حملتها العسكرية القاسية في قمع المظاهرات الحاشدة للشعب الكشميري. ويمكن القول في هذا السياق: إن التزام باكستان الخيار العسكري "قليل التكلفة والخطورة" بدعم المجموعات المسلحة في الوادي، لكنه يؤدي إلى إضعاف ونزع الشرعية عن توجهات كشمير وإسلام أباد في سبيل هذه القضية، ويمنح الهند فرصة للرد على الانتقاد الدولي و"شرعنة" إجراءاتها.

 

هل تنهي الهند استراتيجية "ضبط النفس"؟

بينما لا يوجد أي دليل واضح على دعم باكستان، على مستوى الدولة، للهجوم الأخير في مدينة أوري؛ وصفت الهند الحادثة بأنها هجوم من تنظيمات مسلحة مدعومة باكستانيًّا(14). أما غير المعتاد أو ما يصفه بعضهم بغير المسبوق في التوتر الراهن بين باكستان والهند، هو محاولة الأخيرة الخروج من السياسة التي طالما تمسكت بها والمتمثلة باستخدام خطاب التهديد والإدانة والتشهير إعلاميًّا بإسلام أباد التي -بحسب الرواية الهندية- تتوسل دعم "التنظيمات الإرهابية" كأداة في سياستها الخارجية. كانت الهند تعتمد منذ زمن طويل استراتيجية "ضبط النفس" في مواجهة باكستان، وهي السياسة التي ترتكز على تجاهل أو تقليص الإجراءات العسكرية ضد باكستان عند الرد على أي هجوم يقع في الداخل الهندي (وتعتبر كشمير الهندية منه)(15). إلا أن نيودلهي، كما يبدو، بعد الهجوم الأخير على مقر جيشها في أوري، لم تعد تتبع هذه السياسة وستلجأ للرد "بالمثل" على أي نوع من "التدخل الباكستاني" سواء كان هذا التدخل تقليديًّا أو غير تقليدي.

هناك سببان لعدم قدرة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، على التمسك بسياسة الهند الثابتة "ضبط النفس" الاستراتيجي تجاه باكستان:

الأول: الضغوط المحلية على مودي: تصاعد الضغط المحلي الذي يطالب نيودلهي بتبني توجه أشد في التعامل مع باكستان؛ ما أجبر حكومة رئيس الوزراء مودي على تبني توجه "متشدد" تجاه إسلام أباد. وأضف إلى ذلك، أن عجز الهند عن احتواء "العنف" المتصاعد في كشمير، والضغط الكبير من كوادر "حزب الشعب الهندي" المتشددة، ربما دفع رئيس الوزراء، مودي، لاتخاذ "موقف متطرف"، خصوصًا أن العواطف القومية الملتهبة بعد هجوم أوري كانت ستتسبب بتبعات خطيرة لحكومة مودي لو أنها لم تستخدم القوة العسكرية، للرد على ما تصفه بـ"الاستفزازات الباكستانية" في كشمير.

والجدير بالذكر أن نيودلهي، باستثناء البيانات العامة، لم تعلن أي تفاصيل عن الهجمات، كما دفعت طبيعة "الهجمات المحدودة"، التي قامت بها القوات الأمنية الهندية في الجزء الباكستاني من كشمير العديد للتساؤل إن كانت هذه الهجمات -بغضِّ النظر عن حجمها- تهدف لعقاب باكستان، أو تهدئة دعاة الحرب الذين كانوا يطالبون حكومة حزب الشعب الهندي، بقيادة مودي، بإجراءات مشابهة منذ وصوله للسلطة.

الثاني: محاولة عزل باكستان على الصعيدين الإقليمي والعالمي؛ حيث أحبطت مناورات باكستان الدبلوماسية والعسكرية، مرارًا، خطط الهند لتوسيع نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري. وتسبَّب الصراع التاريخي لباكستان على جبهتها الشرقية مع الهند بغياب الاستقرار على جبهتها الغربية مع أفغانستان. وتاريخيًّا، كان الافتراض في إسلام أباد أن تقارب الهند مع أفغانستان سيكون على حسابها، لذلك تعتبر صراعها مع الهند "صراعًا ذا جبهتين"، وحاولت تقليل أو إنهاء تأثير الهند في أفغانستان، والسعي لإيجاد حكومة داعمة لإسلام أباد، أو على الأقل غير معادية لها، في كابول(16).

بالإضافة لذلك، تدفع الهندَ حاجتُها المتزايدة والمتسارعة للطاقة نحو تعزيز قدرتها على الوصول والاستفادة من مخزونات الطاقة في دول وسط آسيا. وإذا لم تتمكن من موازنة أو تقليل نفوذ باكستان في أفغانستان؛ فلن تستطيع استغلال مخزونات وسط آسيا من الطاقة بما يكفي حاجتها. هذا ويشير التقرُّب الدبلوماسي المتزايد من نيودلهي نحو كابول إلى أنها، أي الهند، لن تتساهل مع تدخل باكستان في أفغانستان، وهو الذي قوَّض تاريخيًّا، مصالحها هناك(17).

هذا، وقد أظهرت كابول رغبتها بالانضمام للهند ضد باكستان، ملقية اللوم على الأخيرة في فشل محاولات السلام الأفغانية. وبينما قلصت خطط باكستان الأخيرة لمكافحة الإرهاب من "الهجمات المسلحة" على أراضيها إلى حدٍّ كبير؛ تستمر باكستان بدعم طالبان الأفغانية وقيادتها، والتي يُعتقد أنها تتواجد في باكستان. واعترف مستشار الشؤون الخارجية الباكستاني، سرتاج عزيز، مؤخرًا بأن باكستان لا تزال لها تأثير كبير على طالبان الأفغانية؛ لأن عائلات قيادات التنظيم متواجدة في باكستان(18). وفي الوقت الذي تتمسك به إسلام أباد بدعم التنظيمات المسلحة كإجراء استراتيجي في سياستها الخارجية؛ فقد صعَّدت الهند من حملتها الدولية لعزل باكستان إقليميًّا ودوليًّا، وجاء في هذا السياق إلغاء مؤتمر "سارك" [اتحاد جنوب آسيا للتعاون الإقليمي] لعام 2016 في باكستان، بسبب رفض الهند وأفغانستان وبنغلاديش المشاركة في القمة، ليشير إلى عزم الهند المستجد للعب دور أكثر استفزازًا في الشؤون الإقليمية، عبر دبلوماسية عدوانية(19).

 

"معضلة الهند" الباكستانية

تتَّهم إسلام أباد عادة الهند بأنها تدعم الإرهاب في باكستان سعيًا لتقسيم البلاد أكثر، وتستحضر بنغلاديش دومًا كمثال. فمن منظور إسلام أباد؛ إن تواطؤ الهند مع الدول الإقليمية الأخرى -خصوصًا أفغانستان- يضع مصالح وأمن باكستان على المحك. ولهذا فالقيادة الباكستانية، وعلى وجه الخصوص العسكرية، تدعم في سياق مواجهتها لهذا التهديد، عددًا من التنظيمات المسلحة في كشمير وأفغانستان.

قبل بضعة شهور، تحدث مودي في خطابه (15 أغسطس/آب 2016) ليوم استقلال الهند -في تدخل هندي واضح بشؤون باكستان الداخلية- عن مقاطعة بلوشستان "المضطربة" قائلًا: "من أسوار القلعة الحمراء، أود أن أعبِّر عن امتناني لشعب بلوشستان وغيلغيت وكشمير التي تحتلها باكستان، على الطريقة التي شكروني بها من قلوبهم بصدق"(20). إضافة لذلك، تدرس الهند تقديم اللجوء السياسي لزعيم انفصالي من البلوش (براهامداغ بوغتي)، تتهمه باكستان بأنه على علاقة مع الأجهزة الأمنية الهندية(21). وإلى جانب ذلك، لقي تصريح مودي بمساعدته للتنظيمات الانفصالية في باكستان ترحيبًا وإشادة من الرئيس الأفغاني السابق، حامد كرزاي(22). بالنسبة لباكستان، تمثِّل هذه الأحداث تأكيدًا على سياسة الهند تجاهها بدعم التنظيمات الانفصالية في البلاد، خصوصًا في مناطق باكستان القبلية وبلوشستان. ويمكن القول، بهذا الخصوص: إن سياسة باكستان بدعم الفاعلين غير الحكوميين كأدوات سياسة خارجية هي مجرد رد على تصرفات نيودلهي، رغم حقيقة أنها دمَّرت باكستان محليًّا، وذلك بالنظر للتحديات الأمنية المتزايدة التي تنشأ في باكستان.

 

معارضة الهند لـ"الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني"

تدخُّل باكستان المتزايد في كشمير، خصوصًا بعد موت "واني"، والضربات العسكرية الهندية "المحدودة" في "كشمير الباكستانية"، ورفض التحرك الباكستاني ضد التنظيمات المسلحة التي تستهدف المصالح الهندية، يرجع أيضًا إلى معارضة نيودلهي لـ"الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني"، المعروف اختصارًا بـ"CPEC"، وهو مشروع اقتصادي بين البلدين، يعد باستثمار أكثر من 46 مليار دولار في باكستان(23). كما يبدو، فإن القيادة في باكستان تعتقد أن عداء الهند لهذا المشروع، الذي تصفه إسلام أباد بأنه خط الحياة الاقتصادي الأخير للبلاد، لا يمكن مواجهته بتلبية مطالب وتهديدات نيودلهي، التي تتضمن إيقاف التنظيمات المسلحة التي تستهدف المصالح الهندية، بل وعلى العكس، تقوم السياسة الحالية في باكستان على تحدي التهديدات الهندية -بغضِّ النظر عن التبعات السياسية أو الدبلوماسية أو العسكرية- كما فعلت دائمًا في الماضي، أي باستخدام كل الوسائل المتاحة، بما فيها الأمن والدبلوماسية، لإفشال "مخططات نيودلهي العدائية".

أما ما هو موقف الجيش الباكستاني مما يجري؟ فبعكس القيادة المدنية، يرفض الجيش أي تصالح مع الهند ما دامت لا تُقدِّم أي تنازل ذي قيمة في قضية كشمير والقضايا الاستراتيجية الأمنية الأخرى. ولهذا أحبط الجيش الباكستاني، الذي يملك تأثيرًا كبيرًا على سياسة البلاد الخارجية، أية إمكانية لصدور قرار من الحكومة المدنية بتعزيز التبادل التجاري أو النشاطات الاقتصادية الأخرى مع نيودلهي. ولم يوافق أو يثمِّن الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الوزراء مودي لباكستان (في 25 ديسمبر/كانون الأول 2015) والتقى خلالها مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف(24). ومؤخرًا، واجهت الحكومة المدنية في باكستان قيادة الجيش بعدم تحركه ضد التنظيمات المسلحة التي تستهدف المصالح الهندية والأفغانية، ولكن بعد ساعات فقط، اضطرت الحكومة المدنية لنفي التقارير الإعلامية التي تحدثت عن هذا الأمر، لاسيما أن الجيش الباكستاني لن يسمح بأية مساءلة له من قِبل حكومة البلاد المنتخبة(25). هذا ودأب الجيش على إذكاء الحملات المعارضة التي تتولاها أحزاب سياسية ودينية مختلفة، لتعزيز نفوذه في السياسة الدفاعية والخارجية للبلاد؛ ولإضعاف أية حكومة في السلطة. وجاء استهداف رئيس الوزراء الهندي، مودي، لباكستان في الأسابيع الأخيرة ليعزِّز من موقف الجيش الباكستاني ضد الحكومة المدنية التي قد تفضِّل الإصلاح بدل التصعيد مع الهند. والآن، يقوم الجيش الباكستاني على الترويج بأن الهند تشكِّل تهديدًا وجوديًّا لباكستان، ولا يبدو أن هناك أية إمكانية لمصالحة بين البلدين في المستقبل القريب.

 

مستقبل العلاقات الهندية-الباكستانية

من المتوقع، بلا شك، أن يهيمن التوتر على العلاقات الهندية-الباكستانية ليشمل جبهات عسكرية ودبلوماسية أوسع لاسيما أن انعدام الثقة بين البلدين بلغ نقطة يصعب معها الحديث عن أي توافق أو مصالحة؛ فبينما تعهدت باكستان بكشف انتهاكات حقوق الإنسان الهندية في كشمير، فقد حملت الهند مسؤولية عدد من "الهجمات الإرهابية" الأخيرة في البلاد. على سبيل المثال، قال الجيش في معرض تعليقه على "هجوم إرهابي" في كويتا، أدَّى لمقتل 60 شرطيًّا قبل بضعة أيام: إن تهديد أمن البلاد قادم من التراب الأفغاني، وتديره أجهزة المخابرات الهندية هناك(26).

وفي الجهة المقابلة، تصاعد العداء الهندي لباكستان واتهامها بأنها "مأوى للإرهاب وجرائم الحرب"(27). وتريد الهند من باكستان أن تتخلى عن دعمها للمسلحين في الإقليم، وهو ما لن تقوم به باكستان بعد كل هذه الصدامات العسكرية والدبلوماسية بين الطرفين، كما أن الجيش الباكستاني هو الذي يتحكم بالمسلحين وليس الحكومة. أما تدخل الهند العسكري في باكستان، وتصريحات مودي وتدخله السياسي في بلوشستان، وحملة نيودلهي لعزل باكستان دوليًّا، فلن تؤدي إلا إلى مزيد من الدعم الباكستاني للتنظيمات التي تستهدف الهند أو أفغانستان. ومن الآن فصاعدًا؛ ستركِّز باكستان في حربها الإعلامية على استخدام الهند المفرط للقوة العسكرية في جامو وكشمير.

 

خلاصة

ذهبت الخصومة التاريخية بين الهند وباكستان بهما نحو المواجهة مجددًا، وستعزِّز إجراءات الهند العدائية الأخيرة من توجُّه باكستان نحو المزيد من الاستخدام للفاعلين غير الحكوميين في سياستها الخارجية ولو على حساب أمنها الداخلي. وعلى الجانب الهندي، من المستبعد أن تسمح الضغوط المحلية المطالِبة باستخدام القوة العسكرية ردًّا على "استفزازات" باكستان، لرئيس الوزراء مودي بأية مساحة للحديث عن المصالحة بين البلدين. وقبل كل شيء، يتوقع أن تدفع المواجهة الساخنة بين باكستان والهند بمنطقة جنوب آسيا نحو جولة أخرى من عدم الاستقرار لا يبدو في نهايتها السلام ولو كاحتمال بعيد

______________________________________________________________

العمير جمال- أستاذ التاريخ بكلية فورمان المسيحية - باكستان

أُعِدَّ النص لمركز الجزيرة للدراسات في الأصل باللغة الإنجليزية وترجمه إلى العربية عبيدة عامر.

 

 

مراجع

(1)S.P. Cohen, Shooting for a Century: The India-Pakistan Conundrum, 2013Washington, DC: The Brookings Institute

(2) S. Ganguly, Conflict Unending: India-Pakistan tensions since 1947 (Washington, DC: Columbia University Press, 2013)

(3) C. C. Fair, Fighting to the End: The Pakistan Army’s war of war (New York: Oxford University Press, 2014)

(4) S. Ganguly, The Kashmir Question: Retrospect and prospect (London: Frank Cass, 2003).

(5) H. Singh, “Pakistan’s policy of a thousand cuts”, The Tribune, 8 April 2016, (accessed 19 October 2016): http://www.tribuneindia.com/news/comment/pakistan-s-policy-of-a-thousand-cuts/219127.html

(6) F. Bukhari, ‘India blames Pakistan as Kashmir attack kills 17 soldiers,’ Reuters, 18 September 2016, (accessed 19 October 2016): http://www.reuters.com/article/us-india-kashmir-idUSKCN11O04J

(7) U. Jamal, “Pawn to E4”, Pakistan Today, 2 October 2016, (accessed 20 October 2016): http://www.pakistantoday.com.pk/2016/10/02/features/pawn-to-e4/

(8)  I. Gabol, “Cabinet meeting condemns Indian govt for calling Burhan Wani a terrorist”, Dawn, 15 July 2016, (accessed 19 October 2016): http://www.dawn.com/news/1271016

(9) N. Masoodi, “In dealing with Kashmir unrest, a new point of concern: Chinese flags”, NDTV, 19, October 2016, (accessed 20 October):http://www.ndtv.com/india-news/in-dealing-with-kashmir-unrest-a-point-of-new-concern-chinese-flags-1476165

(10) U. Jamal, “Pakistan’s failed Kashmir policy”, The Diplomat, 27 July 2016, (accessed 21 October 2016): http://thediplomat.com/2016/07/pakistans-failed-kashmir-policy/

(11)  U. Jamal, “What did Modi achieve with his Baluchistan comments?”, Pakistan Today, 19, September 2016, (accessed 21 October): http://www.pakistantoday.com.pk/2016/09/19/features/what-did-modi-achieve-with-his-baluchistan-comments/

(12)  T. Naqash, “Pakistan urged to extend ‘military support’ to Kashmiris”, Dawn, 21 October 2016, (accessed 22 October 2016) https://www.dawn.com/news/1291318/pakistan-urged-to-extend-military-support-to-kashmiris

(13)  S. Roy, “India slams Pakistan over BRICS wall”, The Indian Express, 17 October 2016, (accessed 21 October): http://indianexpress.com/article/india/india-news-india/brics-summit-2016-pm-narendra-modi-pakistan-terrorism-2016-3086323/

(14)  R.K. Khajuria, “7 Pakistani Rangers killed in retaliatory firing along Jammu border: BSF”, Hindustan Times, 22 October 2016, (accessed 21 October):  http://www.hindustantimes.com/india-news/bsf-says-it-killed-7-pakistani-rangers-a-militant-along-jammu-border/story-dt2WyZqryYDGYrJMYZ0CIJ.html

(15)  S. Singh, “India’s surgical strikes: walking into Pakistan’s trap”, The Diplomat, 05 October 2016, (accessed 20 October): http://thediplomat.com/2016/10/indias-surgical-strikes-walking-into-pakistans-trap/

(16)  T. V. Paul, The Warrior State: Pakistan in the contemporary world (New York: Oxford University Press, 2014).

(17)  P.D. Samantal, “Can Afghanistan offer ‘other Indus’ option to India against Pakistan,’ The Times Of India, 14 October 2016, (accessed 22 October):  http://timesofindia.indiatimes.com/india/Can-Afghanistan-offer-other-Indus-option-to-India-against-Pakistan/articleshow/54843680.cms

(18)  U. Jamal, “Pakistan may have jeopardised the Afghan peace process”, The Diplomat, 12 March 2016, (accessed 21 October): http://thediplomat.com/2016/03/pakistan-may-have-jeopardized-the-latest-afghan-peace-talks/

(19)  K. Bhattacherjee, “SAARC summit to be cancelled”, The Hindu, September 2016, (accessed 23 October 2016):  http://www.thehindu.com/news/international/after-india-bangladesh-bhutan-pull-out-of-saarc-summit/article9157600.ece

(20)  U. Jamal, “India’s Baluchistan gamble puts Pakistan in the driver’s seat”, The Diplomat, 23 August 2016, (accessed 23 October 2016): http://thediplomat.com/2016/08/modis-balochistan-gamble-puts-pakistan-in-the-drivers-seat/

(21)  K. Dixit, A. Mishra, “Exiled Baloch leader Brahumdagh Bugti says open to dialogue if Pakistan quits our country”, First Post, 25 September 2016, (accessed 24 October): http://www.firstpost.com/world/exiled-baloch-leader-brahumdagh-bugti-says-open-to-dialogue-if-pakistan-quits-our-country-3019712.html

(22)  D. Mitra, Interview: Hamid Karzai backs Modi on Baluchistan issue, The Wire, 19 August 2016, (accessed 24 October 2016): http://thewire.in/60332/interview-hamid-karzai-backs-modi-balochistan-issue/

(23)  N. Ahmad, “Modi spoke India’s mind over CPEC”, The Express Tribune, 20 August 2016, (accessed 24 October 2016) http://tribune.com.pk/story/1166455/modi-spoke-indias-mind-cpec/

(24)  D. Devadas, “Modi’s stopover in Lahore: How Pakistan army was at the heart of this ‘impromptu’ meeting”, First Post, 28 December 2015, (accessed 24 October 2016) http://www.firstpost.com/world/pm-modis-stopover-in-lahore-how-pakistan-army-was-at-the-heart-of-the-impromptu-meeting-2560980.html

(25)  C. Almeida (2016) ‘Exclusive: Act against militants or face international isolation, civilians tell military,’ Dawn, 7 October, http://www.dawn.com/news/1288350 (accessed 24 October)

(26)  H. Rao, “Afghanistan, India behind Quetta police training center attack that claimed 60 lives today: Pakistani security sources”, Daily Pakistan, 25 October 2016, (accessed 26 October 2016): https://en.dailypakistan.com.pk/pakistan/india-involved-in-quetta-police-training-centre-attack-sources/

(27)  S. Balasubramanian, “Pakistan a ‘terrorist state’, ‘Ivy League of terrorism’, war criminal: India’s brutal takedown at United Nations”, The Times Of India, 22 September 2016, (accessed 25 October): http://timesofindia.indiatimes.com/india/Pakistan-a-terrorist-state-Ivy-League-of-terrorism-war-criminal-Indias-brutal-takedown-at-United-Nations/articleshow/54458393.cms

تعليقات

تعليقات

 

نرشح لكم

ما دلالة التحرك الإقليمي والدولي بليبيا؟ وما دلالة دخول القطع البحرية الإيطالية الشواطئ الليبية المتزامن مع وجود عسكري فرنسي بشرق ليبيا؟ وكيف ألقت أزمة الخليج بظلالها على ليبيا في سياق نشاط إماراتي داخل ليبيا وفي محيطها الإفريقي؟ هذا ما يحاول هذا التقرير قراءته.

منذ 2 ساعات

تناقش هذه الورقة أبعاد زيارة باقري لأنقرة التي تزامنت مع الإعلان عن زيارتين مرتقبتين لرئيس الأركان الروسي ووزير الدفاع الأميركي. وتبحث فرص انتقال تركيا وإيران من مساحة المواجهة إلى التعاون ومواجهة المخاطر المشتركة التي فرضت نفسها عليهما، وتأثير كل ذلك على فرص حل الأزمة السورية.

منذ 2 ساعات

سيلتئم مؤتمر إفريقيا وإسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2017 بتوغو؛ وهو ما سيعطي للعلاقات الإسرائيلية-الإفريقية دفعًا جديدًا في وقت يتراجع فيه النفوذ العربي بإفريقيا. كيف وصلت العلاقات الإسرائيلية-الإفريقية إلى هذا المستوى من التحسن؟ وما المتوقع أن يخرج به هذا المؤتمر؟ هذا ما يتناوله هذا التقرير.

2017/08/21

ترصد الورقة التداعيات الجيوسياسية للأزمة الخليجية على سياسات مجلس التعاون في المستقبل المنظور ومكاسب وخسائر بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين، وتبحث أيضًا التأثيرات الاقتصادية للأزمة في حال استمرارها لمدة طويلة.

2017/08/14