السياسة الخارجية التركية: ملفات شائكة وتغيير كبير في الأدوات - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

السياسة الخارجية التركية: ملفات شائكة وتغيير كبير في الأدوات

تناقش الورقة الملفات الملحَّة على أجندة السياسة الخارجية التركية، والمتمثلة في التصعيد الأميركي تجاه تركيا، إضافة إلى الملفات الإقليمية وأكثرها حضورًا الآن يتمثل في العقوبات المفروضة على إيران وأيضًا العلاقات التركية مع روسيا وإسرائيل.

الأربعاء, 15 أغسطس, 2018 07:37 GMT

الملفات الشائكة التي يواجهها الرئيس رجب طيب أردوغان ستدفع بتفعيل مسار "إيجاد البدائل" (رويترز)

مقدمة 

انتقلت تركيا للنظام الرئاسي بشكل كامل بعد تشكيل الحكومة الرئاسية الجديدة بموجب نتائج انتخابات 24 يونيو/حزيران 2018، وما زالت الترتيبات والتغييرات المتعلقة بهذا الانتقال والتي بدأت منذ إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية، في 16 أبريل/نيسان 2017، تتم في أروقة الدولة التركية. وعلى سبيل المثال، أصبحت الحكومة بما فيها وزارة الخارجية تابعة للرئيس وليس لرئيس الوزراء وهو المنصب الذي تم إلغاؤه في النظام الجديد، وقد تم دمج وزارة الاتحاد الأوروبي بوزارة الخارجية التي تمت إعادة صياغة القوانين المنظمة لهيكليتها هي الأخرى، كما تم استحداث هيئات جديدة تابعة للرئاسة ستكون ذات دور مهم في صناعة قرار السياسة الخارجية مثل هيئة السياسات الأمنية والخارجية(1).

وبينما انتقلت تركيا للنظام الرئاسي فإن هناك شبه إجماع على أن النظام الجديد يوفر سرعة وفعالية في عملية اتخاذ قرار السياسة الخارجية ومتابعة تنفيذه وفقًا لتوجه صانع القرار بشكل أكبر مما سبق. ومع هذا، فإن الكثير من القضايا والأزمات الحقيقية التي كانت تواجهها تركيا على الساحة الدولية والإقليمية بقيت كما هي بل وربما تطورت للأسوأ.

لقد بدأت الحكومة الرئاسية الجديدة عملها بأزمة جديدة مع قوة عظمى حيث بدأت الولايات المتحدة بتنفيذ عقوبات على تركيا بحجة استمرار الأخيرة في اعتقال القس أندرو برانسون والمتهم بالتجسس كما أن هناك قضايا خلافية مستمرة سواء في سوريا أو من الموقف تجاه السياسات الإسرائيلية أو في الصفقات العسكرية أو في علاقة الطرفين بقوى وفاعلين آخرين. وعلى مستوى العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، ما زالت العلاقات تعيش حالة من تراجع الثقة.

ومن زاوية أخرى، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الليرة التركية منذ قبيل الانتخابات، فسوف يكون هناك ارتباط واضح للاقتصاد بالسياسة الخارجية للفترة المقبلة. وقد أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مطلع أغسطس/آب الحالي 2018، أهداف الحكومة الرئاسية الجديدة خلال الـ100 يوم الأولى من عملها، وبالنظر إلى هذه الأهداف فسوف نجد العديد منها متعلقًا بالسياسة الخارجية سواء مباشرة أو بشكل غير مباشر من قبيل إيلاء أهمية خاصة بالصناعات الدفاعية، والاتجاه إلى السوق الصينية للاقتراض الخارجي لتجاوز المصاعب الحالية، وجعل أولويات التصدير هي أسواق الصين والمكسيك وروسيا والهند، والاستمرار في البحث عن مصادر الطاقة داخل البلاد وفي المياه الإقليمية التابعة لتركيا بالرغم من وجود اعتراضات(2). وفي ضوء ما تقدم، نسلِّط الضوء على مجموعة مهمة من ملفات السياسة الخارجية.

العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وملفات الخلاف

وفقًا لدراسة سابقة نُشرت في مركز الجزيرة للدراسات، في ديسمبر/كانون الأول 2017، فإن العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا قد شهدت، منذ أبريل/نيسان 2017 وحتى ديسمبر/كانون الأول 2017، أزمة واحدة على الأقل شهريًّا وكان هناك توقع بالاستمرار في هذا المسار لولا قيام واشنطن بتهدئة التوتر قبل الوصول لنقطة حرجة جدًّا من خلال التوصل لاتفاق على مستقبل منبج وهو ما أصبح انهياره محتملًا بعد التطورات الأخيرة (التصعيد الأميركي الذي ارتبط بتطبيق عقوبات أميركية على تركيا)(3). كما ظهرت اختلافات جديدة في المواقف بين البلدين على قضايا مثل تجديد العقوبات على إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع طهران.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة ربطت موضوع العقوبات على تركيا بقضية اعتقال القس أندرو برانسون، المتهم بالتجسس في تركيا، فإن هذا يعتبر اختزالًا لخلافات أساسية عديدة في ملف واحد، وهو ما قد يصعِّب الوصول إلى حل قريب، فبالإضافة إلى هذا الملف يوجد مجموعة أخرى من الملفات لها دور كبير في مسار العلاقات الحالي، ومنها:

  1. ملف صفقة إس 400 مع روسيا وربطها بمحاولة التراجع الأميركي عن صفقة طائرات إف 35.

  2. الدعم الأميركي لحزب العمال الكردستاني واستمرار الخلافات حول منطقة شمال سوريا.

  3. تزايد التعاون التجاري والعسكري التركي مع الصين وروسيا.

  4. رفض تركيا المشاركة في العقوبات الأميركية على إيران.

  5. الصفقات العسكرية التركية مع دول تعتبر أسواقًا للسلاح الأميركي (أوكرانيا-باكستان-قطر) مثالًا.

  6. التحدي التركي للهيمنة الأميركية وخطاب "العالم أكبر من 5".

  7. الانتقاد المستمر للدعم الأميركي للسياسات الإسرائيلية ومجابهة الخطط الأميركية الجديدة بشأن القضية الفلسطينية.

  8. رفض واشنطن التجاوب في ملف تسليم فتح الله غولن لتركيا.

  9. قضية رضا صراف واعتقال هاكان أتيلا، نائب رئيس مصرف "هالك بنك" التركي.

  10. محاولة ترامب كسب أصوات الإنجيليين في الانتخابات النصفية المقبلة في الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، فإن تركيا حاولت تبني سياسة واقعية مع الولايات المتحدة حيث ارتكزت القيادة على انتصارها في الانتخابات الأخيرة في إظهار سيادتها برفض التهديد وقامت بالرد بالمثل على قرار فرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية وفي نفس الوقت عملت على إنهاء الخلاف بالوسائل الدبلوماسية حيث قامت بإرسال وفد من وزارة الخارجية يترأسه سيدات أونال، المساعد الجديد لوزير الخارجية، للعمل على حل خلافات متعلقة بقضية القس وقضية مصرف هالك بنك التركي كما حاولت إبراز سلبيات خسارة واشنطن لحليف مهم مثل تركيا والتلويح بتوجه تركيا لحلفاء جدد(4).

كما حاولت تركيا التفرقة بين أعضاء في الإدارة مثل نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، الذي توجد قناعة بوقوفه بقوة ضد تركيا، وبين وزير الخارجية، مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، اللذين تتحدث معهما أنقرة لحل الخلاف، ولكن ما زالت هذه المحاولات لم تؤت أُكُلها، وفي حال لم يتم التوصل لصيغة ما خلال الشهر الحالي فمن المتوقع أن تدخل العلاقات في منحنى أخطر خاصة في حال دخلت قضية مصرف هالك بنك التركي في غرف القضاء الأميركي، وقد عبَّر إبراهيم كالن، الناطق باسم الرئاسة التركية، عن الموقف في حال استمرت الحال بقوله: "تركيا لن تستسلم للتهديدات أو الضغوط أو العقوبات أو العمليات ضد عملتها وأسواقها المالية، ولن تخضع لمطالب الآخرين على حساب متطلباتها الأمنية"(5).

مرت العلاقة بين واشنطن وأنقرة بعدة أزمات في عهد الرئيس دونالد ترامب لكن الأمر المختلف والخطير هذه المرة هو الانتقال من حالة الانتقاد المتبادل إلى حالة تطبيق العقوبات على دولة كانت تعتبر حليفة ولعل الأزمة هذه المرة أظهرت بوضوح أنه لا يوجد معنى حقيقي للتحالف، ومن خلال ملفات الخلاف التي استعرضناها يتضح أن تركيا تخوض معركة على استقلالية قرار سياستها الخارجية. 

العلاقة مع إسرائيل: المصالح التجارية والمواقف السياسية

بالرغم من تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل وعودة السفراء في 2016 إلا أن آفاق العلاقة لم تكن مبشرة بتحسن وقد تأكد ذلك في مسار العلاقات لاحقًا. ولم يكن انتقاد تركيا الشديد لقانون القومية العنصري الذي سنَّه الكنيست الإسرائيلي سوى محطة جديدة من محطات التصعيد بين تركيا وإسرائيل التي شملت اعتقال إسرائيل السائحة التركية، إبرو أوزكان، في شهر يونيو/حزيران 2018، وقبلها دعوة السفير الإسرائيلي للخروج من تركيا بعد مجزرة نفذتها قوات الاحتلال في غزة في مايو/أيار 2015. وفي سياق النقد التركي لإسرائيل، وصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إسرائيل بالدولة الفاشية وجاء هذا كله بعد قيادة تركيا لحملة دولية خلال الأشهر الماضية لرفض اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وقد لوحظ أن الحكومة الإسرائيلية التي لم تغفل الرد على تركيا لم ترد بشدة على النقد التركي وكان ردها حذرًا مما يفسر حرصها على استمرار العلاقة (لعدة اعتبارات منها موضوع تصدير الغاز المكتشف وأنه لا يوجد بديل جدي يمكن أن يعوض تركيا وملفات اقتصادية أخرى، وأيضًا لحاجة إسرائيل للتنسيق مع تركيا في سوريا وفي ملفات أخرى لاحقًا).

ولكن مع ذلك، فقد أثير العديد من التوصيات الإسرائيلية بالتعامل مع تركيا كعدو من ضمنها الشروع في حملة دبلوماسية لإقناع العالم بعزل تركيا، وإقناع ممثلي الحزبين الجمهوري والديمقراطي بفرض عقوبات على تركيا، وسنُّ تشريعات تقلِّص من قدرة تركيا على تحويل الأموال إلى القدس الشرقية، والبحث عن طرق إبداعية لمواجهة السياحة الدينية التركية في القدس، والعمل على فرض قيود على منظمة تيكا التركية التي تقدم مساعدات إغاثية للفلسطينيين(6). وعلى المستوى الإقليمي، يظهر أن هناك تقاربًا بين إسرائيل وبعض دول الخليج ومصر وهو ما يعتبر خطًّا معاديًا لتركيا إضافة إلى سعي إسرائيل لتطوير حالة التنسيق مع كل من قبرص واليونان ومصر في محاولة لإيجاد بديل عن تركيا أو ما سماه المدير السابق لمركز أبحاث الأمن القومي، عوديد عيران: "التعود على التعايش من دون العلاقة مع تركيا"(7)؛ وهذا من شأنه أن يزيد من الفجوة الموجودة أصلًا.

وقد يضاف لهذا بالتأكيد عوامل مهمة، مثل التوتر الواقع في العلاقات التركية-الأميركية والاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني (وقد كان أحد الملفات القليلة التي أشار إليها الرئيس أردوغان في برنامج حكومته للـ100 يوم الأولى هو مواصلة دعم الشعب الفلسطيني)، إضافة لتراجع حضور الجيش في السياسة التركية وهو ما كان عاملًا مهمًّا في تطبيع العلاقات. ووفقًا لدراسات إسرائيلية، فإن فوز الرئيس أردوغان يزيد من احتمال تراجع فرص إسرائيل في تصدير الغاز إلى أوروبا عبر تركيا.

وأمام هذه الصورة المتدهورة سياسيًّا فإن التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل قد وصل إلى 4.3 مليارات دولار في 2017 بزيادة 11% على عام 2016، وقد ذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية أن هناك قلقًا إسرائيليًّا من وقف العلاقات الاقتصادية التركية-الإسرائيلية كان موجودًا بعد تهديد الرئيس أردوغان بذلك قبيل انتخابات 24 يونيو/حزيران 2018، وأن هذا سيكبِّد الشركات الإسرائيلية خسائر كبيرة ولكن هذا القلق لم يكن كبيرًا بسبب أن تركيا يمكن أن تتضرر بشكل أكبر في حال أوقفت العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل خاصة في ظل الأزمة الحالية التي تعيشها تركيا بسبب تراجع عملتها(8). لا شك أن العلاقات السياسية تفتقر تمامًا إلى أية ثقة ومن المرجح أنها سوف تبقى كذلك، أما العلاقات الاقتصادية -وفي ظل تراجعها على المستوى الحكومي- فإنها تكتسب زخمًا وتُدار بطريقة براغماتية في ظل حاجة الطرفين لها على المستوى الاقتصادي وتضررهما من تراجعها ولكن العلاقات الاقتصادية قد تشهد تراجعًا كبيرًا في حال استمرت الأزمة.

العلاقة مع روسيا 

تتمتع العلاقات التركية-الروسية بمسار جيد نسبيًّا منذ التغلب على أزمة إسقاط طائرة سوخوي 24، في عام 2015، ومرورًا بالموقف الروسي من محاولة الانقلاب الفاشلة والضوء الأخضر الروسي لعمليتي درع الفرات وغصن الزيتون التركيتين شمال سوريا ووصولًا إلى الاتفاقيات الكبيرة مثل محطة أك كويو النووية، والاتفاقية الأهم وهي توقيع صفقة منظومة إس 400 الروسية.

وهناك تطور في معظم أنواع العلاقات؛ حيث ازداد حجم التجارة بنسبة 40% ووصل 6 ملايين سائح روسي إلى تركيا. وفي 2018، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في لقائه في قمة البريكس مع بوتين: "أشكال التضامن بين تركيا وروسيا تثير الغيرة لدى البعض"(9). وقد كان ما ميَّز روسيا على الدول الغربية أن روسيا تعاملت مع تركيا من منطلق مراعاة المخاوف الأمنية للأخيرة.

ولكن هذا التطور الإيجابي لا يعني أن الأمور سليمة تمامًا؛ فبالرغم من التواصل المستمر بين الرئيسين فهناك ملفات خلاف في أوكرانيا وسوريا وقد حذَّر أردوغان مؤخرًا بوتين من انهيار مسار آستانة في حال هاجم النظام السوري المدعوم من روسيا مدينة إدلب (يعتبر هذا الأمر اختبارًا حقيقيًّا لمسار العلاقات)، كما أن علاقات روسيا مع وحدات حماية الشعب عبر النظام يقلق أنقرة، ويُعتقد حتى الآن في أنقرة أن روسيا مهتمة بشكل كبير بعدم حدوث تطورات سلبية في العلاقة مع روسيا من هذه الزاوية. ومن زاوية أخرى، فإن تركيا بتاريخ حروبها السابقة مع روسيا تعتبر منافسًا استراتيجيًّا لروسيا في الشرق الأوسط ولدى الشعوب الناطقة بالتركية والمحيطة بروسيا فضلًا عن أن الطرفين يدعمان أطرافًا متصارعة في الأزمة السورية. ومن زاوية ثالثة، تنامت بعض الشكوك التركية من موقف روسيا بعد قمة هلسنكي التي جمعت بين ترامب وبوتين. 

وبما أنه بات واضحًا أن الخلاف الموجود بين أنقرة وواشنطن -حتى لو تكرس- لن يجعل أنقرة تتجه إلى تحالف استراتيجي مع موسكو فإن الصورة الأقرب هو أن تدير أنقرة علاقاتها مع الطرفين بالشكل الأفضل لمصالحها مرحليًّا، وقد تتعمق العلاقات أكثر مع روسيا لكنها لن تصل إلى حالة التحالف.

العلاقة مع إيران 

لم تشهد المرحلة الأخيرة منذ تشكيل الدولتين التركية والإيرانية الحديثتين أية مواجهة مباشرة بين البلدين بالنظر إلى تاريخ التنافس والصراع الطويل بينهما كإمبراطوريتين ولكن التنافس ما زال مستمرًّا إلى اليوم. وبالرغم من وجود علاقات تجارية قوية بين البلدين وتزايد التنسيق بينهما فيما يتعلق بسوريا إلا أن الاحتياجات الأمنية لكل منهما تجعل التنافس على ذات الأهداف وذات مناطق النفوذ خاصة في سوريا والعراق محمومًا بينهما وبالتالي فإن استمرار التقارب أو التوافق بينهما لفترات طويلة ليس مرجحًا.

وفيما يتعلق بقضية العقوبات المفروضة على إيران، فقد كان تعامل تركيا التفافيًّا على العقوبات الأولى التي سبقت الاتفاق النووي عن طريق تحويل الأموال الناتجة عن عوائد النفط الإيراني عبر شراء الذهب وشحنه إلى إيران مما مكنها من الاستفادة من العوائد، وما زالت هذه القضية ماثلة أمام القضاء الأميركي في قضية رضا صراف والتي اعتُقل فيها نائب رئيس هالك بنك التركي.

وبعد انسحاب الولايات المتحدة الأخير من الاتفاق النووي مع إيران الذي أعادت واشنطن بموجبه فرض عقوبات شاملة على طهران، حذَّر ترامب الأفراد أو الكيانات التي تنتهك هذه العقوبات من مواجهة "عواقب وخيمة". وابتداء من 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، ستواجه الدول والشركات التي لن تتوقف عن استيراد النفط والغاز من إيران عقوبات صارمة.

وفي هذا السياق، فقد تم إرسال هيئة من وزارة المالية الأميركية إلى أنقرة أيضًا لتحذير مسؤولي "اتحاد الغرف والتبادل السلعي في تركيا". ولكن تركيا أكدت استمرار تجارة الطاقة مع إيران وفقًا للاتفاقات المبرمة حيث تشتري تركيا سنويًّا نحو 9.5 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي من إيران، وأن الاتفاق مستمر حتى 2026. كما قال وزير الخارجية التركي: إن القرار الأحادي للولايات المتحدة ومطالبتها للدول الأخرى بالامتثال لهذا القرار أمر غير صائب. ومن هنا يتضح أن عدم تجاوب أنقرة مع العقوبات سيرتكز على أحادية القرار الأميركي كما سيرتكز على أن عددًا من دول الاتحاد الأوروبي ما زالت ملتزمة بالاتفاقات حيث أصدر وزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي بيانًا مشتركًا يقول: إن الاتفاق النووي ما زال ساريًا، وهو "حيوي" للأمن العالمي. وفي التعامل مع هذا الأمر، ستحاول تركيا العمل مع الاتحاد الأوروبي خاصة أن الاتحاد كشف عن تفعيل قانون المنع الذي يحمي الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران من العقوبات الأميركية(10).

وتأتي العقوبات الأميركية على إيران متزامنة مع عقوبات أميركية أخرى على تركيا وهو ما سيجعل تجاوب تركيا مع مطالب واشنطن بتنفيذ عقوبات على إيران أمرًا صعبًا خصوصًا مع وجود اتفاقيات تجارية مع إيران للحصول على النفط والغاز الإيراني لا تريد تركيا أن يحدث تضرر منها خاصة في هذا الوقت، كما أن تجاوب تركيا مع أي مطالب لواشنطن لابد أن يكون له مقابل وهذا أيضًا أمر صعب حاليًّا في ظل وجود عدد كبير من المطالب لدى تركيا منها التخلي عن دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب في سوريا وتسليم فتح الله غولن(11).

وبهذا، فإن إعلان تركيا الصريح لرفضها الامتثال للعقوبات الأميركية على إيران والخلاف التركي-الأميركي الحالي والعلاقات التجارية القائمة مع إيران ورفض دول الاتحاد الأوروبي للانسحاب الأميركي الأحادي من الاتفاقية والتصريحات التركية والإيرانية بعد لقاء مدير مكتب الرئاسة الإيرانية، محمود واعظي، بالمسؤولين في أنقرة قبل أيام، كلها عوامل تشير إلى ترجيح صمود تركيا أمام ضغوط واشنطن عليها فيما يتعلق بالاشتراك في العقوبات على إيران.

خاتمة 

يبدو أن ملف السياسة الخارجية بعد انتقال تركيا للنظام الرئاسي سيشهد تغييرًا كبيرًا في الأدوات كما سيكون أكثر مركزية وارتباطًا بالرئيس أردوغان على مستوى صناعة القرار وتنفيذه الذي سيكون أكثر سرعة وفعالية من قبل، وسوف ينعكس هذا على فعالية مسار "إيجاد البدائل" في ظل الأزمة مع واشنطن وعدم القناعة بالانتقال إلى روسيا. وفي ظل حالة التنافس الإقليمي الكبيرة، فإنه من غير المتوقع تبدد الأزمات في المدى المنظور، كما أنه من غير المتوقع حدوث تحول جذري في العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا. وبالنظر إلى ضرورات الواقع الاقتصادي، ستحاول تركيا تخفيف التوتر مع واشنطن والتركيز بشكل عام على سياسة خارجية تخدم عملية إعادة هيكلة الاقتصاد في تركيا. ويبقى أن نشير أيضًا إلى أن إلغاء وزارة الاتحاد الأوروبي في تركيا ودمجها في وزارة الخارجية يشير إلى تراجع في طموحات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن ما زالت تركيا تريد الشراكة مع الاتحاد حيث تربطها به مصالح تجارية يمكن أن تكون عاملًا مهمًّا في حرص أوروبا على استمرارها وكذلك ترتبط أوروبا مع تركيا بمصالح أمنية هي أكثر حرصًا عليها وهو ما تدركه تركيا وتحاول الاستفادة منه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*محمود سمير الرنتيسي- باحث مختص بالشأن التركي.

مراجع

(1)  "أردوغان يكشف تفاصيل النظام الرئاسي المرتقب.. ما الذي سيتغير؟"، ديلي صباح، 22 يونيو/حزيران 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018): https://goo.gl/6D2zsR

(2)  "أردوغان: تنفيذ 1000 مشروع في أول 100 يوم للحكومة الرئاسية"، وكالة الأناضول، 3 أغسطس/آب 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018):  https://goo.gl/4gjZX9

(3)  موضوع العقوبات الأميركية على تركيا: فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين على خلفية استمرار احتجاز أنقرة القس الأميركي، أندرو برانسون.

(4)  ليست المرة الأولى للرد بالمثل على واشنطن حيث حدث هذا في وقت سابق من عام 2017 فيما عُرف بأزمة التأشيرة.

(5)  كالن، إبراهيم، "الولايات المتحدة تخاطر بخسارة تركيا"، أخبار تركيا، 11 أغسطس/آب 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018):  https://goo.gl/TYCg13

(6)  النعامي، صالح، "تصعيد إسرائيلي ضد تركيا سياسًّا وإعلاميًّا"، العربي الجديد، 25 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018): https://goo.gl/dU8ZT7

(7)  النعامي، صالح، "الشركات الإسرائيلية تخشى تهديدات أردوغان والمقاطعة التركية"، العربي الجديد، 3 يونيو/حزيران 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018): https://goo.gl/wbkZmj

(8)  "مساع إسرائيلية لتقليص الاستيراد من تركيا"، ترك برس، 13 يونيو/حزيران 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018):   https://www.turkpress.co/node/50169

(9)  "أردوغان: التعاون التركي-الروسي يغيظ البعض"، تركيا بوست، 27 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018):  https://www.turkey-post.net/p-261556

(10)  "إيران وأميركا: ترامب يعيد فرض العقوبات على قطاعات حيوية إيرانية"، بي بي سي، 7 أغسطس/آب 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018):  http://www.bbc.com/arabic/middleeast-45092515

(11)  قفصي، روعة، "موقع روسي: هل توافق تركيا على فرض عقوبات ضد إيران؟"، عربي 21، 24 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2018):  https://goo.gl/jnzTyH

تعليقات

 

نرشح لكم

يعالج هذا البحث العلاقة المركبة والمعقدة بين المجال السياسي وبين مجال التصوف في غرب إفريقيا متخذا من الطريقة المريدية بالسنغال حالة للدرس، وذلك في ضوء التحديات المستجدة التي تواجهها الطرق الصوفية بغرب إفريقيا وقد بات لزاما عليها تجديد نفسها والتكيف مع هذه المستجدات.

2018/11/13

تتعدد أوجه تأثير العقوبات على إيران ولا يمكن حصر تأثير هذه العقوبات في المجال الاقتصادي، وهو ما تبحثه هذه الورقة التي تناقش آثار هذه العقوبات في السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

2018/11/07

تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في جنوب اليمن على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط حكومة الرئيس هادي بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغييرها من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله.

2018/11/04