دوافع ومستقبل التنافس الإقليمي على محافظة المهرة اليمنية - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

دوافع ومستقبل التنافس الإقليمي على محافظة المهرة اليمنية

تدخل السعودية في المهرة اليمنية -ذات الموقع الاستراتيجي- يهدف إلى الحد من تهريب الأسلحة للحوثيين، ومنافسة الدور الإماراتي، والتهيئة لمد أنبوب لنقل النفط إلى ميناء على ساحل المحيط الهندي يجنبها المرور بمضيق هرمز. وإن مستقبل الصراع حول هذه المحافظة يتوقف على مسار الحرب الدائرة في اليمن.

الأحد, 17 فبراير, 2019 12:54 GMT

(الجزيرة)

مقدمة

ظلت محافظة المهرة التي تقع شرق اليمن على الحدود مع سلطة عُمان بعيدة عن الحرب الدائرة في بقية مناطق اليمن منذ مارس/آذار 2015، وبالرغم من عدم وجود الحوثيين فيها فقد خططت الإمارات منذ وقت مبكر للسيطرة عليها، وقد استثارت الخطوات التي قامت بها أبوظبي كلًّا من المجتمع المحلي وسلطنة عمان، التي تتمتع بنفوذ مترسخ في هذه المحافظة، فحالا دون ذلك.

وبعد فشل الإمارات، تسارعت خطوات السعودية للسيطرة على المهرة؛ فقد أرسلت أواخر عام 2017، قوات عسكرية تابعة لها سيطرت على المنافذ البرية والجوية والميناء الرئيسي في هذه المحافظة، وأبدت إصرارًا على البقاء في هذه المحافظة برغم ممانعة بعض أبناء المهرة وتنفيذهم اعتصامات رافضة لوجودها، وبدلًا من ذلك كثفت الرياض من أدواتها السياسية والإنسانية والخدمية وحضورها العام في المحافظة.

وفي المقابل، استنهضت سلطنة عمان نفوذها وأدواتها لمواجهة الوافدين الجدد إلى فنائها الغربي...، وقد تولد عن ذلك تنافس حاد بين تلك الأطراف، حيث تدفع كل منها -بما تملك من أدوات ناعمة وخشنة- في هذا التنافس، الأمر الذي يتطلب دراسة دوافع هذه الأطراف في محاولتها للسيطرة على هذه المحافظة، ومحاولة استشراف مآلات هذا التنافس ونتائجه. 

محافظة المهرة: الجغرافيا والخصوصية 

تقع محافظة المهرة شرق اليمن، وتمتد على مساحة واسعة تقدر بـ( 82405) كم2، وتتنوع تضاريسها بين سهل ساحلي وهضاب ومناطق جبلية وأخرى صحراوية شاسعة تمثل جزءًا من صحراء الربع الخالي، وتمتلك خطًّا ساحليًّا طويلًا يقع على بحر العرب والمحيط الهندي يبلغ طوله قرابة (560) كم، ويتوافر لها موارد معدنية وزراعية وسمكية، ومناطق خلابة، وفرص استثمارية كبيرة.

وقد انعكس الموقع الجغرافي والتضاريس على النشاط الاقتصادي لسكان هذه المحافظة، والذين يتراوح عددهم وفقًا للمصادر الرسمية بين 122 إلى 300 ألف نسمة (1)، وينتمي أغلبهم إلى كيانات قبلية متماسكة، فجزء كبير منهم يغترب في سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، وينشط جزء آخر في أعمال التجارة نظرًا لوجود منافذ تجارية رئيسية برية وبحرية في هذه المحافظة، ويمارس السكان القاطنون السهل الساحلي صيد الأسماك، فيما ينشط سكان المناطق الداخلية في الزراعة والرعي.

وإلى ما قبل استقلال جنوب اليمن في نوفمبر/تشرين الثاني 1967، كانت المهرة وجزيرة سقطرى تحت حكم "سلطنة المهرة" التي كان يحكمها "آل عفرار" قبل أن تُضم وبقية السلطنات في إطار جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي حكمتها الجبهة القومية وفيما بعد الحزب الاشتراكي بتوجهات ماركسية.

وفي السنوات الأولى لاستقلال الدولة في جنوب اليمن، كانت المهرة قاعدة خلفية لدعم حرب العصابات التي تخوضها جبهة تحرير ظفار ذات الاتجاهات الثورية اليسارية بهدف إسقاط الحكم في عُمان.

وبانكسار الاتجاهات الثورية المتطرفة في جمهورية اليمن الديمقراطية تراجعت أهمية محافظة المهرة التي اقتُطعت بعض أراضيها وأُلحقت بمحافظة حضرموت، ودخلت في فترة ممتدة من التهميش، فمع أنها كانت تمثل واحدة من المحافظات الست إلا أنها أُلحقت من الناحية العملية بمحافظة حضرموت، وكانت معظم المصالح الحكومية فيها تتبع "المكلا" وليس العاصمة عدن.

وبعد قيام الوحدة بين شطري اليمن، في 22 مايو/أيار 1990، توفرت الفرصة لسلطنة عمان لبناء شبكة واسعة من العلاقات مع الضباط والمسؤولين المحليين وزعماء القبائل وعموم أبناء المهرة من خلال تقديم العون الإنساني ودعم الخدمات، وفتح باب التجنيس، والسماح بمعالجة الحالات المرضية مجانًا في مستشفيات السلطنة وغيرها من الأمور.

وبعد ظهور الحراك الجنوبي عام 2007، لم ينخرط أبناء المهرة في التطورات التي كانت تعصف بتلك المحافظات، وظلت المهرة المحافظة الوحيدة تقريبًا التي يعيش فيها المواطنون من مختلف مناطق اليمن دون مضايقات.

و"بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني بصنعاء (مارس/آذار 2013-يناير/كانون الثاني 2014)، ومناقشته تغيير شكل الدولة واعتماد نظام الأقاليم، عاد الشيخ عبد الله بن عيسى بن عفرار، أحد أبناء آخر سلطان للمهرة، ودفع بتشكيل المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى، وأقام فعاليات عدة بهدف رفض مخرجات الحوار التي تقضي بوضع المهرة وسقطرى مع محافظتي حضرموت وشبوة في إقليم واحد يسمى إقليم حضرموت، ضمن ستة أقاليم تتكون منها الدولة، وطالبت تلك الفعاليات بأن يتم الإبقاء على التقسيم الإداري الحالي (محافظات لا أقاليم) أو إدراج المهرة وسقطرى كإقليم مستقل عن حضرموت"(2) بعد أن يتم استعادة المناطق التي استُقطعت من المهرة عام 1967 بما فيها مدينة الشحر وفك الارتباط عمَّا أسموه وصاية الباء الحضرمية(3).

أهمية المهرة لأطراف الصراع الداخلي

تكتسب محافظة المهرة أهمية سياسية واستراتيجية كبيرة للأطراف اليمنية؛ إذ تعد بالنسبة للسلطة الشرعية المحافظة الوحيدة في الجنوب تقريبًا التي تحرص الكيانات الاجتماعية والسياسية فيها على إظهار ولائها للسلطة الشرعية، إلى جانب أهميتها الجغرافية والاقتصادية، كونها ثاني محافظة يمنية من حيث المساحة، وبها موارد معدنية متنوعة، ومنافذ تجارية ومناطق سياحية خلابة وفرص استثمارية كبيرة.

وتحظى هذه المحافظة بأهمية كبيرة بالنسبة للحوثيين بحكم أنها تشترك بحدود ممتدة تصل إلى (288) كم مع سلطنة عمان القريبة سياسيًّا وجغرافيًّا من إيران؛ ما يعني إمكانية تهريب السلاح وبعض المعدات إما عبر الحدود مع عُمان أو من خلال ساحلها الممتد والمفتوح لاسيما في ظل الحضور الكبير لشبكات التهريب التي تشير بعض التقارير إلى وجود علاقات بينها وبين شخصيات اجتماعية وأمنية في المحافظة.

وينحاز الحوثيون إلى جانب النفوذ العماني في المهرة ويدعمونه إعلاميًّا وسياسيًّا؛ "فقد سارعت الأجهزة الأمنية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى إبلاغ العمانيين بالأنشطة التي تقوم بها السعودية لنشر الجماعات السلفية في المهرة كخطوة لتعزيز الوجود السعودي في هذه المحافظة، وتنبيه العمانيين إلى إمكانية توظيف الجماعات السلفية للإضرار بالمصالح العُمانية في المستقبل"(4). ويولي الإعلام التابع للحوثيين اهتمامًا كبيرًا لتغطية الأنشطة والمواقف التي يتبناها أبناء المهرة للاحتجاج ضد الوجود العسكري السعودي في المحافظة، والإشادة بها.

بالقدر ذاته تقريبًا، تكتسب محافظة المهرة أهمية لدى الحراك الانفصالي الذي تدعمه الإمارات، ويسعى لإحياء الدولة الشطرية في جنوب اليمن، فهو يُعوِّل بشكل كبير على محافظتي حضرموت والمهرة في توفير الكثير من الموارد الاقتصادية، وبدون هاتين المحافظتين اللتين تتملكهما نزعات تاريخية للاستقلال عن بقية المحافظات الجنوبية لن يتوفر لتلك الدولة مقومات اقتصادية وجغرافية كافية.

أهمية المهرة لدول الجوار

تُشكِّل المهرة الامتداد الاجتماعي والديمغرافي والعمق الأمني والاستراتيجي لسلطنة عُمان، وبخلاف الدور الذي قامت به في نهاية الستينات من القرن الماضي تُمثل المهرة اليوم بتكويناتها الاجتماعية والثقافية والسياسية الفضاء الجغرافي الذي يعزل سلطنة عمان عن الاضطرابات السياسية والاجتماعية والأمنية التي تحدث في مناطق مختلفة من اليمن، ويمنع انتقال تداعياتها إليها، ويتصدى لأي قوة يمكن أن تشكل تهديدًا للمصالح العمانية (5).

وبدورها، أسهمت التطورات الإقليمية الأخيرة في تأكيد الأهمية المتزايدة لمحافظة المهرة بالنسبة للأمن القومي السعودي، فقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن الصواريخ والطائرات بدون طيار التي يطلقها الحوثيون باتجاه مناطق مختلفة في السعودية يمكن أن يكونوا قد حصلوا عليها من خلال التهريب عبر هذه المحافظة، وقد يكون هذا الأمر هو ما دفع الرياض إلى الاهتمام بهذه المحافظة وإرسال قوات وتعزيزات عسكرية تابعة لها في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، للسيطرة على منفذي "صيرفت"، و"شحن" على الحدود مع عمان، ومطار الغيضة وميناء "نشطون".

وقد يعود الاهتمام السعودي بهذه المحافظة إلى تنافسها مع الإمارات؛ فسيطرة أبوظبي على المحافظات الجنوبية وسواحل اليمن الشرقية والغربية والجزر والموانئ البحرية والجوية ربما هي ما دفعت السعودية لوضع يدها وبسط سيطرتها العسكرية على هذه المحافظة، لاسيما في ظل حالة الرفض الشعبي الواسع للوجود الإماراتي على خلفية علاقتها المتوترة بعُمان. 

وهناك من يرى أن الاهتمام السعودي بمحافظة المهرة يعود إلى حاجتها الاستراتيجية لمد أنبوب لنقل النفط عبر أراضي هذه المحافظة وتصديره من أحد موانيها على المحيط الهندي، وهذا مطلب سعودي قديم، زادت الحاجة إليه -على ما يبدو- في ظل التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة، وفي مقدمتها الانسحاب الأميركي من المنطقة، وتخلي واشنطن عن حلفائها التقليديين -باستثناء إسرائيل-، وتصاعد القوة العسكرية لإيران وتمدد نفوذها في المنطقة بعد سيطرتها على العراق، وسوريا، واتساع قوة حلفائها في لبنان واليمن.

وعلى إثر العقوبات الأخيرة التي فرضتها الإدارة الأميركية على إيران، والتي تهدف إلى منع الدول من استيراد النفط الإيراني، هددت طهران بإغلاق مضيق هرمز في وجه ناقلات النفط الخليجية، وأكثر من ذلك فقد امتدت اليد الايرانية إلى باب المندب، إذ تعرضت ناقلتا نفط سعوديتان إلى هجوم صاروخي أطلقه الحوثيون، بتاريخ 26 يوليو/تموز 2018، بالتزامن مع تهديد لمسؤول إيراني بـ"أن البحر الأحمر لم يعد آمنًا"(6).

وقد حاولت الرياض دفع القوى الدولية للضغط على الحوثيين من خلال إعلانها عن توقف نقل النفط عبر مضيق باب المندب، وكانت تتوقع أن هذا قد يدفع الدول الغربية إلى اتخاذ موقف حازم ضد الحوثيين الذين باتوا يهددون الملاحة في الممرات الدولية، غير أن الموقف الدولي كان مخيبًا فقد تجاهلت الكثير من الدول القرار السعودي، واضطرت الرياض للتراجع عن ذلك القرار.. ولكل ذلك تعاظمت الحاجة لدى صانع القرار السعودي لتحرير بلاده من تلك الضغوط والعمل على ايجاد منفذ لتصدير البترول عبر المياه المفتوحة للمحيط الهندي من ميناء يقع في المهرة. 

بدورها، تنظر الإمارات إلى محافظة المهرة باهتمام كبير فالسيطرة عليها تمثل استكمالًا لسيطرتها على المحافظات الجنوبية والسواحل الشرقية، التي تتميز بموانئها وخلجانها وثرواتها البحرية، كما أن موقعها الجغرافي واتصالها بالمحيط الهندي يسهِّل من التواصل التجاري مع دول شرق القارة الإفريقية، وشرق وجنوب شرق آسيا.

ثم لارتباطها الاجتماعي والثقافي والسياسي بمحافظة سقطرى، الجزيرة الأكثر أهمية وجذبًا للإمارات، والتي لم تتوقف مساعي أبوظبي للسيطرة عليها، ومن شأن السيطرة على المهرة أن يُسهل السيطرة على سقطرى فجزء من الرفض الشعبي لسيطرة الإمارات على سقطرى ينطلق من المهرة ويجد صداه في سقطرى وبقية المناطق.

كما أن ملاصقة المهرة لسلطنة عمان يوفر لأبوظبي فرصة للتحرش بسلطنة عمان ومحاولة إقلاق أمنها، وتكثيف الضغوط عليها.

أما إيران، فإن من مصلحتها أن ينحسر النفوذ السعودي وبدرجة أقل الإماراتي من المهرة، وأن تكون تحت نفوذ العمانيين بما يُسهِّل من تهريب السلاح والمعدات لحلفائها الحوثيين، وأن تتحول المهرة إلى مستنقع لإحراق الدور السعودي في اليمن سياسيًّا وأخلاقيًّا. 

نفوذ عماني تقليدي 

أشرنا إلى أن قيام الوحدة اليمنية أدى إلى انتهاء القبضة الصارمة للحزب الاشتراكي على المهرة، وفتح المجال لعمان لبناء نفوذ عميق ومنفرد فيها، وكان النفوذ العماني يتم تحت رقابة السلطات في صنعاء، ومع تزايد الاضطرابات السياسية والأمنية في اليمن كثَّفت مسقط من نشاطها الانساني ودعمها للخدمات، وانتظمت في تزويد المهرة بمشتقات نفطية تصل إلى (180) ألف لتر من الديزل والبترول في أوقات الأزمات (7)

وفي محاولة منها لاستمالة المهريين سمحت عمان بحمل الجنسية المزدوجة العمانية/اليمنية، وتوسعت في منح الجنسية العمانية لعدد كبير من الشخصيات المؤثرة في المهرة وسقطرى، وكانت مسقط قد أصدرت مرسومًا في العام الماضي يمنح الجنسية العمانية للسلطان، عبد الله بن عيسى آل عفرار، ورئيس الوزراء السابق، حيدر أبو بكر العطاس، استفاد منها (69) شخصًا من عائلتيهما (8)

وبعد انتشار القوات السعودية في المهرة، تُتهم مسقط بأنها تقف خلف الاعتصامات والفعاليات الشعبية والاعلامية المعارضة للتواجد العسكري السعودي، والمطالِبة بخروج القوات السعودية.

اندفاع إماراتي

بعد سيطرتها على المحافظات الجنوبية، اتجهت الإمارات وباندفاع شديد لفرض نفوذها في محافظة المهرة ومن خلال الاستراتيجية والأدوات نفسها، والتي تشمل، العمل الإنساني، والأمني، وشراء الولاءات، فقد نشط الهلال الأحمر الإماراتي، الذراع الإنسانية لأبوظبي في توزيع السلال الغذائية والإعانات المادية ودعم بعض الخدمات العامة في المحافظة، وتبعه توظيف الأداة الأمنية. فَتَحْتَ غطاء التحالف العربي، افتتحت أبوظبي مكتبًا لقوات التحالف ومعسكرًا للتدريب في مدينة الغيضة، وقامت باستقطاب وتدريب ما يزيد على (2000) من شباب المهرة على أساس أن يكونوا نواة لقوات الحزام الأمني إلا أن رفض المجتمع المهري حال دون ذلك.

وبسبب ضعف تواجد الحراك الجنوبي الذي يُعد الحامل المحلي للدور الإماراتي في جنوب اليمن (9) ورفض المجتمع المهري للتواجد الإماراتي، اتجهت أبوظبي للضغط على الرئيس "هادي" لإقصاء محافظ المهرة "محمد كده" الذي يحمل الجنسية العمانية ورفض الوجود الإماراتي، واستمالة بعض شيوخ القبائل وشراء ولائهم من خلال منحهم المرتبات والجنسية الإماراتية.

نفوذ سعودي

جاء الحضور السعودي في المهرة محمولًا في البداية على الأداة العسكرية والأمنية، فقد سارعت الرياض إلى إرسال تعزيزات عسكرية سيطرت على المنافذ البرية والجوية والبحرية في المحافظة، وتبنَّت عددًا من السياسات لاحتواء الاحتجاجات والاعتصامات المنددة بالتدخل العسكري السعودي، واستمرت بعد ذلك في تعزيز الأداة العسكرية والأمنية وتوظيف عدد غير قليل من الأدوات السياسية والإنسانية والخدمية والاستثمارية.

فقد اضطرت الرياض للقبول بتنفيذ مطالب المحتجين سعيًا منها لرفع الاعتصامات، وبدلًا من تنفيذ الاتفاق مضت خطوات إضافية لتكريس وجودها، فقد أقحمت السلطة الشرعية ووظفتها لشرعنة الوجود العسكري السعودي في هذه المحافظة، وإقصاء الشخصيات التي دعمت الاعتصامات من أعضاء السلطة المحلية والأمنية في المحافظة، ومضت في استحداث نقاط أمنية جديدة، وارسلت دفعة جديدة من التعزيزات العسكرية التابعة لها، تتضمن مصفحات وأطقمًا عسكرية وآليات أخرى، تحت ذريعة "مكافحة التهريب".

وبذات الوقت عملت على تغيير الخريطة السياسية والاجتماعية في المحافظة فقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن السعودية حاولت إنشاء مركز ديني سلفي في مدينة "قشن"، ثالث أكبر المدن في المحافظة، ورأى مراقبون أنها سعت من خلال ذلك إلى تثبيت نفوذها في المحافظة؛ إذ إن التيار السلفي من أخلص التيارات اليمنية للسعودية.. وبحسب المصادر نفسها، فقد قوبلت الخطوة برفض من قبل أهالي المدينة، الذين نظموا وقفات احتجاجية منددة بذلك (10). واتجهت إلى استمالة بعض القبائل ومنح شيوخها الجنسية السعودية، وتسلِيح عدد منها وتسليم نقاط عسكرية لها (11) وتشكيل كيانات سياسية واجتماعية موالية لها.

كما دعمت إطلاق قناة فضائية تسمى قناة "المهرة" تبث برامجها من الرياض، وقد تم افتتاحها من قبل السفير السعودي في اليمن ووزير الإعلام اليمني.

وكثفت من أنشتطها الإنسانية والخدمية والاستثمارية، بدءًا من توزيع السلال الغذائية والمساعدات العينية المقدمة من "مركز الملك سلمان للإغاثة"، مرورًا برصف الشوارع، وتوزيع مولدات الكهرباء على المرافق الحكومية، ورفد المنشآت الصحية بسيارات إسعاف، بالإضافة إلى دعم 12 ناديًا رياضيًّا بحافلات والإعلان عن مشروع تعشيب ملاعبها، إلى جانب الوعود بتنفيذ مشاريع مياه في أكثر من مديرية (12).

وأثناء زيارة الرئيس "هادي" للمهرة، تم الإعلان عن تدشين مشاريع استثمارية وخدمية كبيرة بتمويل من السعودية في قطاعات التعليم والصحة والنقل والبنى التحتية، ومدينة طبية تعليمية حديثة تحمل اسم الملك سلمان بن عبد العزيز، بالإضافة إلى جامعة المهرة، ومستشفى كبير تصل سعته السريرية في المرحلة الأولى إلى 200 سرير، ومشروع إعادة تأهيل المطار الدولي في الغيضة وتأهيل وتوسيع شبكة المياه، وإعادة تأهيل ميناء نشطون، ومشروع إنشاء محطة كهرباء تغطي مديريات المحافظة، وتأهيل قطاع الطرق (13).

انعكاسات التدخل السعودي

ألحق التدخل السعودي في محافظة المهرة المزيد من التعقيد للأزمة والحرب في اليمن، وأسهم في إضعاف السلطة الشرعية، التي تم إقحامها لإضفاء الشرعية على الحضور السعودي في محافظة المهرة والتسويق له، وإزاحة من يعارضه بعزلهم من مناصبهم الإدارية والأمنية. كما أنه أفقد السلطة الشرعية تأييد وولاء جانب من أبناء هذه المحافظة ووضعها في مواجهة معهم، وأظهر الرئيس "هادي" كأنه يخذل من يتمسك بشرعيته ويُعاقب من يُظهر له الولاء، ويضحي بهم من أجل التمسك بعلاقاته مع السعودية حتى وإن كان ذلك على حساب السيادة الوطنية.

وبدورها، فإن الأنشطة الشعبية والإعلامية والحقوقية المعارضة للتواجد العسكري السعودي في المهرة تُسهم في تآكل مشروعية التدخل السعودي في اليمن بشكل عام، وتُفقده جزءًا من تعاطف القوى اليمنية، وتظهره بأنه جاء مدفوعًا بمصالح وأطماع خاصة، وتدفعه نحو معارك جانبية، وتجعله موضعًا للتشهير والتشكيك.

وبالمجمل، فإن التدخل العسكري السعودي في المهرة يُضعف كلًّا من السلطة الشرعية والتحالف العربي سياسيًّا وأخلاقيًّا وقد يُسهم في تطويل أمد الحرب ويزيد من معاناة وبؤس وانقسام اليمنيين.

مستقبل الصراع الإقليمي على المهرة

على الأرجح أن مستقبل الصراع حول النفوذ في محافظة المهرة يتوقف على نحو كبير على محددين رئيسيين، هما: حقيقة دوافع السعودية تجاه المهرة، ومسار الحرب الدائرة في اليمن. 

أشرنا إلى أن السلوك التدخلي للسعودية في المهرة قد يكون مدفوعًا بواحد أو أكثر من ثلاثة أمور: الحد من تهريب الأسلحة للحوثيين، ومنافسة الدور الإماراتي، والتهيئة لمد أنبوب لنقل النفط إلى ميناء على ساحل المحيط الهندي.

الدوافع السابقة تتفاوت من حيث أهميتها بالنسبة للمصالح الأمنية السعودية، وبالتالي يتغير ما يمكن أن تقوم به من سلوك وممارسات للتعامل معها، فتحقيق سبق في إطار التنافس مع الإمارات لا يعد هدفًا حيويًّا يمكن أن تتحمل من أجل تنفيذه كلفة سياسية وإعلامية وأخلاقية كبيرة.

وكذلك، فإن مكافحة التهريب لا تتطلب بالضرورة وجودًا عسكريًّا سعوديًّا في المهرة، ويمكن تحقيقها من خلال بدائل متعددة، منها تدريب قوات يمنية وتزويدها بالإمكانات اللازمة والإشراف على عملها. وبخلاف ذلك، فإن مد أنبوب لنقل النفط يُمثِّل أمرًا شديد الحيوية بالنسبة لأمن المملكة في ظل التطورات الإقليمية التي أشرنا إليها، ويقتضي تنفيذه وجودًا عسكريًّا سعوديًّا لحماية الخط الذي يمر به الأنبوب كما قد يتطلب ممارسة ضغوط وحتى تصادمًا مع المجتمع المحلي، ويستحق تنفيذه تحمل كلفة عالية من الموارد والسمعة والأعباء. 

مسار الحرب 

فالمسار العام للحرب في اليمن والمآل الذي ستنتهي إليه سيؤثر على دور وحضور المملكة العربية السعودية في محافظة المهرة؛ إذ إن نجاح قوات التحالف العربي بقيادة السعودية في تحقيق اختراقات عسكرية وسياسية على حساب الحوثيين سيدعم من دور السعودية ويسهِّل من حضورها في هذه المحافظة، وأكثر من ذلك سيكون من السهل أن توافق المؤسسات الرسمية -وفق الآليات الدستورية- على منح السعودية خطًّا لنقل النفط عبر المهرة كنوع من مكافأتها على دورها في استعادة الدولة والشرعية.

وبخلاف ذلك، فإن استمرار الفشل العسكري، والسياسي في الحرب مع الحوثيين واستمرار الفوضى في المحافظات الجنوبية، سيجعل من التدخل السعودي في المهرة عملًا عبثيًّا ليس له من غاية سوى الدفع بمحافظة تتمتع بالهدوء والسلام في دوامة من الفوضى والعنف. وأكثر من ذلك، فإن التدخل العسكري السعودي في اليمن بشكل عام سيُحاط بهالة من التشكيك، وأنه لم يكن لنجدة للشعب اليمني في مواجهة تمرد الحوثيين بقدر ما كان لتحقيق مصالح وأطماع خاصة.

في ضوء المحددين السابقين، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الصراع على النفوذ في المهرة يُرجِّح السيناريو الأول الانسحاب العسكري السعودي، ويتوقع الثاني، حدوث عكس ذلك، ويميل السيناريو الثالث إلى تزاحم النفوذين، السعودي والإماراتي، واقتسامهما المحافظة. 

السيناريو الأول: تراجع الحضور العسكري السعودي

يستند هذا السيناريو إلى أن تصاعد الرفض الشعبي للتواجد العسكري السعودي في هذه المحافظة، وما يصاحبه من تغطية إعلامية وحقوقية قد يلحق الكثير من التشوية بالدور السعودي في اليمن بما يجعل ضرر البقاء العسكري في هذه المحافظة أكثر من نفعه، ما قد يدفعها للانسحاب.

وستكون فرصة تطبيق هذا السيناريو أكبر إذا لم يكن الدافع للوجود السعودي في المهرة هو الحصول على ميناء لتصدير النفط، أو أن تتخذ القيادة السعودية قرارًا بعدم مناسبة السياق القائم لتنفيذ هذا المشروع وتأجيله إلى حين الانتهاء من الحرب. وفي كل الأحوال، من المتوقع وفق هذا السيناريو أن تسحب السعودية قواتها بشكل تدريجي، وأن توكل مهمة التعامل مع التهريب إلى قوات يمنية يتم تدريبها وإعدادها لهذا الغرض مع استمرار السعودية في توظيف الأدوات الناعمة لمحاولة امتصاص التوترات والتداعيات السلبية التي انبنت على التدخل العسكري بما يُحسِّن الصورة العامة للمملكة في اليمن عامة والمهرة خاصة.

السيناريو الثاني: فرض السيطرة العسكرية السعودية

ينطلق هذا السيناريو من افتراضات مغايرة، وهي أن التدخل العسكري السعودي تقف خلفه أهداف استراتيجية تتعلق بمد أنبوب لنقل النفط السعودي تكون للسعودية السيادة على الأراضي التي يمتد فيها، ولأن هذا الهدف يقع ضمن أولويات الأمن السعودي فستتجه الرياض لإنفاذه بغضِّ النظر عن الكلفة المطلوبة والتداعيات المترتبة أو حجم المعارضة القائمة.

وفي مثل هذا السياق لن تتوقف السعودية أمام احتجاجات قطاع من أبناء المهرة، وستستمر في إرسال تعزيزات عسكرية إضافية وتوظيف كل ما لديها من أدوات ناعمة: تنفيذ مشاريع استثمارية، وأعمال إنسانية وخدمية، واستمالة الزعامات القبلية والمحلية والأمنية، وتوظيف السلطة الشرعية، وخلق الكيانات الموالية...إلخ، بما يؤدي إلى فرض الوجود العسكري السعودي في المحافظة. 

السيناريو الثالث: تقاسم النفوذ بين السعودية وعُمان

يُرجِّح هذا السيناريو أن التدخل السعودي في محافظة المهرة يستند إلى دوافع استراتيجية تتصل بمد أنبوب نقل النفط، وهذا الهدف الاستراتيجي يقتضي وجودًا عسكريًّا محاطًا بأدوات السياسة الناعمة من عمل إنساني ودعم الخدمات، ومشروعات استثمارية كبيرة، وغطاء السلطة الشرعية ودعم من السلطة المحلية في المحافظة، وبناء كيانات سياسية واجتماعية داعمة، وكل ذلك سيُنتج في الأخير أرضية اجتماعية وسياسية داعمة للوجود السعودي في المحافظة.

وحيث إن النفوذ العماني متغلغل في أوساط المجتمع المهري فإنه يصعب إقصاؤه؛ ما يعني اقتسام الدولتين للنفوذ في هذه المحافظة، غير أن تنفيذ هذا السيناريو يتطلب تدميرًا للروح الجماعية والتوافقية التي يتسم بها المجتمع المهري، واستبدال انقسام مجتمعي واصطفاف سياسي مرتبط بسياسات وتوجهات الدولتين المتنافستين بهذا التوافق.

خاتمة

ستبقى المهرة بما لها من موقع استراتيجي وبما فيها من ثروات ساحة للتنافس والصراع الإقليمي؛ العمانيون بنفوذهم التقليدي في هذه المحافظة المحاذية لحدودهم، والإماراتيون الذين يسعون لمواطئ أقدام لهم على السواحل المهمة في المنطقة، والحوثيون الذي يريدونها حدودًا مفتوحة تصلهم بالبحر وبالبر لما لذلك من أهمية في وصول السلاح إليهم، فضلًا عن السعودية التي تود إحكام السيطرة عليها لمنع تهريب السلاح من جهة، ولمد أنبوب نفطي من جهة ثانية عبر أراضي المهرة يجعل لها منفذًا على المحيط الهندي دون المرور بمضيق هرمز، ولن يحسم الصراع الدائر حول المهرة وفيها سوى الحسم النهائي للحرب الدائرة رحاها في اليمن والتي لا يبدو -على الأقل في الأفق المنظور- أن نهايتها قد حانت. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ناصر الطويل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، اليمن.

مراجع

(1)  يفتقد اليمن إلى إحصاءات دقيقة حول الكثير من الأمور، بما فيها عدد السكان حيث تُظهر المواقع الرسمية أرقامًا متناقضة حول عدد سكان محافظة المهرة بين (120 ألف إلى 300 ألف نسمة)، والأغلب أن العدد الصحيح هو بين هذين الرقمين.

(2) الزبيدي في المهرة.. انفصاليو اليمن المدعومون إماراتيًّا يتوسعون شرقًا، العربي الجديد، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2017، (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2019):

https://www.alaraby.co.uk/politics/5bc4d3fe-2798-4d4f-91e4-952d9560bfd

(3) المقصود بالباء الحضرمية هنا، ألقاب بعض الأسر الحضرمية التي يسبقها حرف الباء "بامشموس، باعباد...إلخ"، وعلى نحو ما أشرنا، فإن تبعية محافظة المهرة من الناحية العملية لمحافظة حضرموت أوجد لدى المهريين عقدة أسموها "الوصاية الحضرمية"، ويتهم أبناء المهرة سلطات حضرموت بتعمد تهميش محافظتهم وحرمانها من التنمية.

(4) شخصية في جهاز أمني سيادي، مقابلة مع الباحث بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني 2019.

(5) الحريزي: السعودية لم تعد هي مركز القرار الإقليمي، رأي اليوم، 16 ديسمبر/كانون الأول 2018، (تاريخ الدخول: 27 يناير/كانون الثاني 2019):

https://www.raialyoum.com/index.php

(6) Iran's Quds force chief says Red Sea no longer secure with U.S. presence: TV,REUTERS,26 July 2018, (Visited on: 27 November 2019):

https://reut.rs/2LNINXb

(7) المهرة: تزاحم إماراتي عُماني في بوابة اليمن الشرقية، العربي الجديد، 26 ديسمبر/كانون الأول 2016، (تاريخ الدخول: 23 يناير/كانون الثاني 2019):

https://www.alaraby.co.uk/politics/2016/12/25

(8) عُمان تسمح بالجمع بين الجنسيتين العمانية واليمنية، الجزيرة نت، 10 ديسمبر/كانون الأول 2018، (تاريخ الدخول: 23 يناير/كانون الثاني 2019):

https://www.aljazeera.net/news/politics/2018/12/10

(9) انظر في ذلك: مركز أبعاد للدراسات والبحوث، النفوذ الإماراتي في اليمن المرتكزات والحصاد، على الرابط:

http://www.abaadstudies.org/news-59783.html 

(10) المهرة اليمنية ترفض النفوذ السعودي: لا لمشروع المركز السلفي، العربي الجديد، 29 يناير/كانون الثاني 2018، (تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2019):

https://www.alaraby.co.uk/politics/2018/1/28

(11) اليمن: السعودية تسلح قبائل بالمهرة.. وتحذيرات من نتائج سلبية، العربي الجديد، 31 ديسمبر/كانون الأول 2017، (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2019):

https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/12/31

(12) المهرة اليمنية ترفض النفوذ السعودي: لا لمشروع المركز السلفي، العربي الجديد، مصدر سابق.

(13) صالح المحوري، السباق على المنافذ الحدودية والموانئ يستعر بين السعودية وعُمان في محافظة المهرة اليمنية، رصيف 22، 15 أغسطس/آب 2018، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2019):

https://raseef22.com/politics/2018/08/15

تعليقات

 

نرشح لكم

تستعرض الورقة نموذج الضفة الغربية ومآلاته في ظل التطورات العاصفة التي تشهدها القضية الفلسطينية، وتؤكد أن العام 2019 سيشهد ضما تدريجيا لبعضها، يبدأ بالكتل الاستيطانية أو جزء منها، ويمكن أن يصل إلى معظم مناطق الضفة.

منذ 9 ساعات

تعالج هذه الورقة الوضع في مدينة سنجار الواقعة في شمال شرق العراق، وعلاقتها بالصراعات الاستراتيجية الداخلية والإقليمية. وكانت سنجار قد اكتسبت شهرتها بعد سيطرة تنظيم الدولة عليها في صيف عام 2104، وتنكيله بأبناء الطائفة الإيزيدية ذات الغالبية في تلك المدينة.

2019/05/19

إن الاعتراف الرئاسي الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، يمثل طيًّا أميركيًّا لصفحة مفاوضات السلام السورية-الإسرائيلية التي رعتها واشنطن وقامت على مبدأ الأرض مقابل السلام، ويعزز مخاطر المواجهة في لبنان مع إسرائيل،حيث تصر بيروت على أن مزارع شبعا الملحقة بالجولان، هي لبنانية وليست سورية.

2019/05/16

يتناول هذا التقرير معضلة التغلب على الفساد في تونس، فالتغلب على الفساد، وإن كان أحد أهداف ثورة تونس، فإنه بقي دون المطلوب بكثير، ولم تفلح الخطوات العديدة التي قيم بها بل بقيت خطوات خجولة، وهو ما أصاب برنامج مكافحة الفساد بتعثرات قاتلة.

2019/05/15