التعديلات الدستورية والمستقبل السياسي في مصر - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

التعديلات الدستورية والمستقبل السياسي في مصر

تتناول هذه الورقة التعديلات الدستورية المزمع تمريرها في مصر، ومدى تأثيرها المباشر وغير المباشر على بنية النظام السياسي، وعلى مستقبله، وكذلك موقف الرافضين لهذه التعديلات، وما يمكن حدوثه بعد ذلك.

الخميس, 07 مارس, 2019 09:18 GMT

التعديلات الدستورية تمنح السيسي فرصا لبقاء طويل في السلطة وللجيش حق السيطرة على البلاد (رويترز)

تنتظر الأوساط السياسية المصرية تحديد موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي وافق عليها مجلس النواب في شهر فبراير/شباط 2019، في ظل حالة من الرفض عبّر عنها عدد من الناشطين السياسيين وبعض الأحزاب السياسية ذات التوجهات الليبرالية، إضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين المعارض الرئيس لنظام الحكم المصري منذ يوليو/تموز 2013. (1)

هذه التعديلات التي تنتظر الموافقة عليها شعبياً، سيكون لها أثر سلبي كبير على مستقبل الحياة السياسية؛ نظراً لخطورتها على المسار السياسي الذي يحاول النظام المصري منذ قدومه في 3 يوليو/تموز 2013، تكريسه وتصديره للخارج؛ مدّعيا أن ما حدث قبل نحو ست سنوات كان من أجل إعادة البلاد إلى الطريق الديمقراطي، بعدما سيطر عليها الإسلاميون عقب اندلاع شرارة الربيع العربي، لكن في حال تمرير هذه التعديلات فإن الوضع السياسي قد يكون وصل إلى طريق مسدود حتى عام 2034. (2)

ثمة مخاوف لا يمكن تجاهلها بشأن هذه التعديلات ولا سيما تلك المواد المتعلقة بالدور السياسي الذي سيخوله الدستور للجيش المصري باعتباره حامياً للديمقراطية، ومن ثم لا يمكن النظر لأي إجراء سياسي يقوم به الجيش على أنه أمر غير دستوري، بل بالعكس طبقاً لهذه المواد سيكون تقاعس الجيش عن التدخل في الشأن السياسي تقصيراً يستلزم المحاكمة.

وهناك موادّ أخرى تحويها هذه التعديلات تخل بشكل مباشر بطبيعة نظام الحكم الذي يقوم بشكل أساسي على فكرة الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، لكن هذه المواد تمنح السلطة التنفيذية المتمثلة في الرئيس والحكومة التي تعمل معه، دوراً كبيراً في الهيمنة على السلطات الباقية، ومن ثم هدم مفهوم الاستقلالية الذي من المفترض أن يكون الدعامة الرئيسية لأي نظام سياسي. (3) 

المواد التي تمت الموافقة على تعديلها، وسياقها السياسي

منذ فوز عبد الفتاح السيسي بالفترة الرئاسية الثانية مطلع عام 2018، كثر الحديث عن ضرورة إيجاد مخرج للرئيس حتى يستكمل ما بدأه من مشروعات دون الحديث بشكل مباشر عن تعديل الدستور، نظراً لبقاء فترة لا بأس بها في ولاية الرئيس الثانية، لكن في نهاية العام المنصرم بدأ المؤيدون للسيسي في الأوساط الإعلامية المصرية الحديث علناً عن ضرورة تعديل الدستور، وأن المرحلة التي تمر بها مصر تحتاج إلى استمرار الرئيس في منصبه حتى تتخطى البلاد الفترة الراهنة التي يصفها الكثيرون بأنها مرحلة انتقالية هامة لاستقرار مصر. هذه اللقاءات والمقابلات العامة والخاصة هيّأت الأوضاع للشروع في بدء هذه التعديلات عبر المرحلة الأولى وهي البرلمان الذي وافق بأغلبية 485 نائباً من أصل 596 نائباً على تمريرها. (4)

تكمن المشكلة الكبرى لهذه التعديلات في المواد المتعلقة بتمديد فترة حكم الرئيس إلى 6 سنوات بدلاً من 4، وكذلك تلك المواد المتعلقة بتقنين التدخل العسكري في الشأن السياسي بحجة حماية مدنية الدولة، ما يعطي الجيش حقاً في الانقلاب العسكري في أي وقت دون أي محاكمة للقائمين بهذا الانقلاب، بل بالعكس قد يقع قادة المؤسسة العسكرية تحت طاولة العقاب إذا ما لم يتدخل الجيش في الشأن السياسي بتهمة التقاعس عن الدور المنوط به، وغيرها من المواد التي تكرس للشمولية والديكتاتورية بسند دستوري. (5)

لكن على الطرف الآخر هناك بعض المواد التي تسمح للمرأة بلعب دور أكبر من السابق، إضافة إلى الشباب والمسيحيين أيضاً وذوي الإعاقة، كذلك مادة متعلقة بتعيين نائب للرئيس.

 

نصوص المواد التي وافق مجلس النواب المصري على تعديلها:

- تعديل المادة "102"، ويستهدف ترسيخ تمثيل المرأة في مقاعد البرلمان وأن تكون لها حصة محجوزة دستورياً لا تقل عن الربع.

- تعديل المادة "140"، ويستهدف زيادة مدة تولي منصب رئاسة الجمهورية لتصبح ست سنوات بدلاً من أربع سنوات يبدأ تطبيقها على الرئيس الحالي.

- تعديل المادة "160"، ويستهدف استحداث منصب نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية لمعاونته في أداء مهامه.

- تعديل المادة "185"، ويستهدف إنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية للنظر في الشؤون المشتركة للجهات والهيئات القضائية يرأسه رئيس الجمهورية.

- تعديل المادة "190"، ويستهدف أن تقتصر مراجعة وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصلة على ما يحال إلى مجلس الدولة.

- تعديل المادة "189"، ويستهدف توحيد آلية إجرائية لاختيار كل من النائب العام من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى.

- تعديل المادة "189"، ويستهدف أن يختار رئيس الجمهورية رئيس المحكمة الدستورية العليا من بين أقدم خمسة نواب لرئيس المحكمة.

- تعديل المادة "200"، القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، (وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد)، والدولة وحدها هي التي تنشئ هذه القوات، ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية.

- تعديل المادة "204"، لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداءً (حُذفت كلمة مباشراً) على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشراً على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم.

- تعديل المادة "234"، التي تنص على أن وزير الدفاع يعين بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كقاعدة عامة، وليست مؤقتة لمدة ثماني سنوات فقط، كما كانت في دستور 2014. ويستهدف الطلب بتعديل هذه المادة التوافق مع حالة الاستقرار التي تعيشها البلاد.

- تعديل المادتين "234 - 244" يستهدف هذا التعديل إضفاء استمرارية على التمثيل الملائم لكل من العمال والفلاحين والشباب والأقباط والمصريين بالخارج والأشخاص ذوي الإعاقة.

 أثر التعديلات الدستورية على هرمية القرار السياسي في مصر

إذا نظرنا إلى التعديلات التي وافق عليها البرلمان نجد أن أغلبها يمنح معظم الصلاحيات التي خولها الدستور لجهات وهيئات غير رئيس الجمهورية لإحداث التوازن المطلوب في الأنظمة السياسية، إلى منصب الرئيس حتى أصبحت كل القرارات بيد رئيس الجمهورية، كما أنها كرّست الحكم الشمولي في البلاد، ومنحت بشكل غير مسبوق الغلبة للسلطة التنفيذية على حساب السلطات الأخرى، كما أن هذه التعديلات أعطت الحق للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في الترشح لمنصب الرئيس حتى عام 2034.

فمثلاً، جاء نص تعديل المادة "140" الخاصة بالفترة الرئاسة الخاصة بمنصب الرئيس لتصبح ست سنوات بدلاً من أربع سنوات يبدأ تطبيقها على الرئيس الحالي، ما يعني تبوؤ السيسي منصب الرئيس لمدة 20 عاما بدأت في عام 2014، ولا سيما في ظل غياب الشفافية ونزاهة الانتخابات التي غابت عن مصر عقب الانقلاب العسكري الذي وقع في 2013.

في دستور عام 2014، كانت هذه المادة محصّنة بالمادة رقم 226 التي تنص على أن "لرئيس الجمهورية، أو لخُمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يُذكر في الطلب المواد المطلوب تعديلها، وأسباب التعديل. وفي جميع الأحوال، يناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال 30 يوماً من تاريخ تسلُّمه، ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كلياً، أو جزئياً بأغلبية أعضائه. وإذا رُفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي. وإذا وافق المجلس على طلب التعديل، يناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد 60 يوماً من تاريخ الموافقة، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس، عُرض على الشعب لاستفتائه عليه خلال 30 يوماً من تاريخ صدور هذه الموافقة، ويكون التعديل نافذاً من تاريخ إعلان النتيجة، وموافقة أغلبية عدد الأصوات الصحيحة للمشاركين في الاستفتاء. وفي جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات". (6)

الفقرة الأخيرة من هذه المادة حرّمت وبشكل واضح إجراء أي تعديل على النصوص الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، إلا أن التفسير القانوني الذي تبناه عدد من فقهاء القانون الدستوري، الذي اعتمد عليها مجلس النواب المصري لتجاوز هذه النقطة هو أن نص المادة يحظر زيادة عدد مدد الرئاسة إلى أكثر من ولايتين رئاسيتين، ولم يتطرق إلى زيادة أمد الولاية من حيث عدد السنوات. (7)

ومن أجل تطبيق هذه المادة على الرئيس الحالي وافق البرلمان المصري على وضع مادة انتقالية في الدستور تنص على تطبيق هذه التعديلات الخاصة بمنصب الرئيس بداية من الفترة المقبلة التي تنتهي عام 2022، ويحق للسيسي الترشح لمرة ثالثة دون حساب الفترتين السابقتين.

ومن التعديلات التي تكرّس حكم الفرد الواحد تلك التي تتعلق بإلغاء نظام انتخاب رئيس المحكمة الدستورية العليا من قبل الجمعية العامة للمحكمة والمعمول به من 2012، فبحسب التعديل الأخير فيحق لرئيس الجمهورية اختيار رئيس المحكمة من بين أقدم 5 أعضاء بها، ما يؤثر بشكل مباشر على هيكل السلطة القضائية ويمنح الرئيس فقط حق اختيار رئيس المحكمة الدستورية وكذلك إلغاء نظام تعيين أعضاء المحكمة الدستورية الجُدد باختيار الجمعية العامة للمحكمة المعمول به منذ عام 2012، وكذلك تغيير نظام تعيين رئيس وأعضاء هيئة مفوضي المحكمة الدستورية وجعلهم يعينون بقرار رئيس الجمهورية بناءً على ترشيح رئيس المحكمة وبعد أخذ رأي الجمعية العامة للمحكمة.

وهناك أيضاً المواد المتعلقة بإنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية، يكون برئاسة رئيس الجمهورية، وينوب عنه وزير العدل، ويقوم على الشؤون المشتركة للقضاء، ما يعني خضوع السلطة القضائية لمنصب رئيس الجمهورية، الذي من المفترض أن يكون حكَما بين السلطات الثلاث وليس مهميناً عليها.

وهناك النص الخاص بصلاحية مجلس الدولة في المراجعة الإلزامية لجميع مشروعات القوانين قبل إصدارها، وهو ينص على أن يختص المجلس -فقط- بمراجعة مشروعات القوانين التي تحال إليه، ومن ثم يصبح العرض عليه جوازاً، ولم يعد تجاهله سبباً لبطلان إجراءات إصدار القوانين، ما يعني أن الدور الذي كان يلعبه مجلس الدولة أصبح أقل بكثير من السابق، خاصة أن مجلس الدولة كان له العديد من المواقف التي تخالف السلطة التنفيذية، مثل ما حدث في واقعة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، التي تنازلت بموجبها مصر عن جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر، إذ قضت محاكم مجلس الدولة حينها بعدم دستورية هذا الإجراء، لكن الآن لن يكون لهذا القضاء دور في هذه القرارات إن لم تعرض عليه بشكل مباشر . (8)

وفي حال تمرير هذه التعديلات -وهو ما يمكن توقّعه بسهولة في ظل حالة القمع الكبيرة التي تعانيها مصر- فإن كل السلطات ستصبح في يد رئيس الجمهورية، ما يؤثر بشكل مباشر على بنية النظام السياسي في البلاد، الذي يقوم على فكرة توازن السلطات، فهذه المواد ستجعل رئيس الجمهورية هو المتحكم في كل شيء داخل البلاد، وجميع السلطات تخضع له في النهاية. 

هيمنة الجيش على آليات الحكم

لفترة زادت على 60 عاماً غابت الانقلابات العسكرية عن الشأن السياسي المصري، وكان من يتقلد منصب الرئيس دوما يأتي بالفعل من داخل المؤسسة العسكرية لكن بطرق سياسية متعارف عليها، حتى جاء عام 2013 الذي شهد أول انقلاب عسكري صريح في البلاد على السلطة المدنية، منذ انقلاب يوليو/تموز 1952، ورغم أنه كان انقلاباً عسكرياً واضحاً إلا أن السلطة الحاكمة في مصر في 2013 رفضت هذا المصطلح، بل بالعكس سعت بطرق شتى إلى اعتبار أن تحركات الجيش المصري كانت عندما طلب منه المدنيون التدخل عقب تظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013، التي يرى البعض أنها كانت من أجل تجميل صورة التدخل العسكري الواضح في السلطة باعتبار ما حدث ثورةً شعبية وليس انقلاباً عسكرياً . (9)

وبعيداً عن تلك التسميات أو غيرها فإن التعديلات الدستورية التي وافق البرلمان المصري عليها منحت -وبشكل مباشر- المؤسسة العسكرية حرية التدخل في الشأن السياسي دون أي غضاضة أو قلق من هذا الإجراء بحجة حماية مدنية الدولة، وجاء نص المادة الذي ذكر سلفاً، ضمن المواد المثيرة للقلق والتي ستؤثر بشكل مباشر على مستقبل الحكم في مصر، ومن ثم يمنح هذا الأمر الحق لقادة الجيش في التحرك سياسياً والتدخل في الشأن العام، وقد يصل به الأمر إلى عزل الرئيس ووضع بديلٍ له دون أي مساءلة قانونية، بل على العكس سيعد هذا الموقف من الحقوق الأساسية التي منحها له الدستور، ما يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار في البلاد ويجعل نظام الحكم أشبه بما كان يحدث في الدول الإفريقية قبل عقدين من الزمن، إذ كانت الانقلابات العسكرية هي الطابع الغالب لتداول السلطة فيها. (10)

ولعل هذه المادة تعيد إلى الأذهان طبيعة نظام الحكم في تركيا قبل التعديلات الدستورية الأخيرة التي حولت البلاد إلى نظام الحكم الرئاسي وقلصت بشكل كبير صلاحيات الجيش التركي، الذي كان يخوّل له الدستور الانقلاب العسكري على أي حكومة مدنية أو غير مدنية بحجة الحفاظ على علمانية الدولة، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في عدم استقرار النظام السياسي في تركيا وقيام الجيش بعدة انقلابات عسكرية على الحكومات المنتخبة بداية من انقلاب عام 1960 وإعدام رئيس الوزراء آنذاك عدنان مندريس (11) ، وصولا إلى محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في صيف 2016 على الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان . (12)

وبالعودة إلى الشأن المصري فإن هذا التعديل سيفتح الباب أمام المؤسسة العسكرية بشكل واضح لتلعب دوراً هاماً وكبيرا في الحياة السياسية، ويجعل نظام الحكم في البلاد أكثر هشاشة من ذي قبل، خاصة في ظل تمتع المؤسسة العسكرية بنفوذ اقتصادي كبير ورثه الجيش منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، وهو ما غيّر إلى حد كبير من أهداف المؤسسة العسكرية التي كانت تقوم على عدم التدخل في الشأن الداخلي للبلاد والتركيز على حماية الحدود وتحديث الترسانة العسكرية للقوات المسلحة، ومكّن جنرالات الجيش من القيام بدور اقتصادي كبير وصل إلى الانفراد بالساحة الاقتصادية وتغول كبير على القطاع الخاص منذ 2013، فهذه العوامل قد تدفع قادة الجيش إلى تغيير السلطة ونظام الحكم في أي وقت إذا حدث اصطدام بين مصالح المؤسسة العسكرية ونظام الحكم . (13)

وأيضاً المادة التي تخص محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية رغم عدم دستوريتها والتي خضع بسببها الآلاف من المصريين المناوئين للسلطة الحاكمة لعقوبات عسكرية، وبعضهم حُكم عليه بالإعدام، إلا أن التعديل الذي طال هذه المادة قد يفتح الباب على مصراعيه لمحاكمة عدد كبير من المدنيين أمام المحاكم العسكرية، فالمادة كانت في السابق محددة بنصّ يقصُر المحاكمة العسكرية للمدنيين بسبب الاعتداء المباشر على المنشآت العسكرية، لكن التعديل حذف كلمة "مباشر"، ما يعني عدم وجود معيار يستند إلى حدث واضح أو صريح لخضوع المدنيين للمحاكم العسكرية.

مما سبق قد تؤدي هذه التعديلات في حال الموافقة عليها إلى تغول كبير من المؤسسة العسكرية على كل القطاعات في مصر، خاصة النظام الحاكم، وتتحول البلاد إلى وحدة عسكرية تابعة للجيش، بدلا ممن أن تكون المؤسسة العسكرية إحدى أدوات هذه الدولة. (14)

 مستقبل الديمقراطية في مصر

يلحظ المتابع للشأن المصري بسهولة مدى تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والحقوقية في البلاد منذ الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013، لكن كان هناك من يرى أن الإجراءات التي قام بها عبد الفتاح السيسي يوم بيان إعلان الانقلاب العسكري أثناء تقلده منصب وزير الدفاع، قد تؤدي إلى حماية البلاد من الوصول إلى الحكم الثيوقراطي الذي -بحسب هؤلاء- كانت تمثله جماعة الإخوان المسلمين التي وصلت إلى السلطة عبر انتخابات شعبية، لكن ومع مرور الوقت تبدلت هذه الآراء بشكل واضح لا سيما بعد الإجراءات التي وُصفت بالقمعية من قبل السلطة الحاكمة في البلاد، حتى طالت الكثير من الداعمين للنظام السياسي الذي جاء عقب 3 يوليو/تموز 2013، وبلغت معدلات القمع مستوى غير مسبوق في تاريخ مصر. وعقب تمرير هذه التعديلات قد تصل البلاد إلى وضع لم تألفه من قبل، خاصة في ظل الرغبة الحقيقية لدى الرئيس عبد الفتاح السيسي وبعض مؤيديه إلى تأميم الحياة السياسية بالكامل بحجة بناء الدولة المصرية. (15)

قد تتحول مصر إلى دولة عسكرية على غرار تلك التي كانت في خمسينيات القرن الماضي أو دولة شمولية تستند إلى حكم الفرد الواحد، كما يحدث في الصين مع فارق التفوق الاقتصادي لبكين، ومشابه إلى حد كبير لما يحدث في كوريا الشمالية لكن مع فارق التفوق العسكري والنووي أيضاً. فمصر تراجع فيها مؤشر الديمقراطية بشكل كبير لم يكن حتى مثل الفترة التي وصفت بالدكتاتورية حين كان الرئيس الأسبق حسني مبارك يسيطر على مقاليد الحكم بالكامل إلى أن أزاحته ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

فهذه التعديلات بلا شك تمنح الرئيس عبد الفتاح السيسي سلطات مطلقة غير مسبوقة، كما أنها ستلغي تماماً فكرة استقلال المؤسسات القضائية في مصر، وستكون للمؤسسة العسكرية الكلمة العليا في رسم مستقبل البلاد سياسياً، فلها كلمة السر في بقاء النظام أو تغييره عبر مصطلحات غير قابلة للقياس، ومن ثم يعني هذا تراجعاً للحياة الديمقراطية في البلاد بشكل كبير لأول مرة منذ حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

أيضاً من المتوقع في حال تمرير هذه التعديلات أن تشهد الفترة القبلة مزيداً من التغول من قبل السلطة الحاكمة على بقية السلطات، وكذلك فتح الباب أمام تعديلات دستورية أخرى، من بينها تلك التي تتعلق بالأحزاب السياسية، فقد تقدم السلطة على حظر الأحزاب السياسية ذات التوجهات الإسلامية مثل حزب النور الذي لا يخالف آراء السلطة، لكن النظام بعد ذلك لن يكون بحاجة لبقاء مثل هذه الأحزاب، كما أن السلطة ستُقْدم على مزيدٍ من القمع والتنكيل بالخصوم السياسيين، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين الفصيل الأشد عداءً للنظام الحاكم، ومن ثم سيحاول السيسي العودة بالبلاد إلى نظام الحزب الواحد على غرار ما كان يحدث في الفترة الناصرية، أيام سيطرة (الاتحاد الاشتراكي) على الحياة السياسية، أو عل غرار الحزب الشيوعي الحاكم مثل الصين . (16)

 الخاتمة

ما تقوم به السلطات الحاكمة في مصر منذ خمس سنوات، مروراً بما يحدث الآن، كان محل انتقادٍ كبير من الراغبين في التغيير، وتحذيرٍ من الرافضين لتحول البلاد إلى عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكن الوضع بات أسوأ من ذلك الذي قامت عليه ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، خاصة في ظل تراجع البلاد في كل المجالات، فلم يعد التراجع فقط في المجال السياسي أو الإعلامي أو الحقوقي، بل طال هذا التراجع كل المستويات حتى تلك التي كان يراهن عليها المؤيدون للنظام السياسي الحالي، وهو ما يقصد به التنمية الاقتصادية، إذ زادت قيمة الديون المصرية داخلياً وخارجياً بنسبة كبيرة، في ظل انهيار كبير للجنيه المصري، كما تراجعت معدلات التنمية إلى مستوى غير مسبوق . (17)

ويبدو منطقيا أن تمرير الاستفتاء بالموافقة على هذه التعديلات الدستورية ربما يتسبب في احتقان داخلي واسع، لا سيما في حال نجاح الحراك الشعبي في الإقليم وتحديدا في السودان والجزائر بتحقيق أهدافه بتغيير النظام.

وأحد الاحتمالات الضعيفة هو أن يتراجع النظام عن المضي في إقرار هذه التعديلات في الوقت الحالي بسبب هذه التوترات، لا سيما أن حالة القمع التي يقوم بها النظام الحاكم منذ خمس سنوات لم تقضِ حتى الآن على تطلعات المعارضة السياسية في البلاد. (18)

كما أن السمعة الدولية السيئة للنظام في مجال حقوق الإنسان، قد تجعل من الصعب التغاضي عن سلوكه في قضية التعديلات الدستورية، وربما تمارس ضغوط خارجية على النظام حاليا لتأجيل هذه التعديلات على الأقل بانتظار توقيت مناسب، لعدم إحراج الغرب وبشكل خاص الولايات المتحدة، التي قد تجد في هذه التعديلات نوعا من التقاطع غير المرغوب به مع مخططاتها للمنطقة في موضوع ما يسمى بـ(صفقة القرن) والدور المباشر للرئيس المصري.

وإذا ما سلَّمنا بفرضية تراجع النظام السياسي المصري عن هذه التعديلات في هذا الوقت نظراً للتطورات الداخلية والخارجية، فإن الرئيس السيسي قد يعاود تفعيلها مع اقتراب انتهاء فترته الرئاسية الثانية بعد عامين، لكن من الواضح أنه لن يتنحى عن المشهد السياسي في البلاد بسهولة، وستكون هذه التعديلات طريقه للبقاء في السلطة لفترة طويلة قادمة مدعوما بالجيش ومجموعات المصالح.

مراجع

1- تعرف على أبرز معارضي التعديلات الدستورية في مصر، الجزيرة مباشر، 8 فبراير 2019، (تاريخ الدخول 4/3/2019): https://goo.gl/CMVA5F

2- تعديلات مقترحة تتيح للسيسي البقاء في الحكم حتى 2034، موقع دويتش فيله، 4 فبراير 2019، (تاريخ الدخول 4/3/2019): https://goo.gl/zKW8xc

3- حكمت نبيل المصري، مبدأ الفصل بين السلطات وتأثيره على النظم الديمقراطية، رسالة ماجستير مقدمة لجامعة القاهرة، المركز الديمقراطي العربي، 2017: https://democraticac.de/?p=41994

4- مصر.. البرلمان يوافق على مبدأ تعديل مواد في الدستور، سكاي نيوز عربية، 15 فبراير 2019، (تاريخ الدخول 4/3/2019): https://goo.gl/oUbVf4

5- مصر.. مقترح برلماني بتعديل الدستور لتمديد ولاية الرئيس، فرانس 24، 3 فبراير 2019، (تاريخ الخول 4/3/2019): https://goo.gl/uTyWtW

6- الدستور المصري، موقع دستور مصر، http://dostour.eg/2013/topics/general-transitional/transitional-5-2

7- خطة البرلمان المصري لتأويل المادة الدستورية التي تحظر التمديد، ومصير شيخ الأزهر، موقع عربي بوست، 9 فبراير 2019، (تاريخ الدخول 4/3/2019): https://goo.gl/W687tq

8- نادي قضاة مجلس الدولة يدعو لتحرك ضد تعديل الدستور، موقع العربي الجديد، 14 فبراير 2019، (تاريخ الدخول:4/3/2019): https://goo.gl/vKCAqy

9- DEMOCRACY IN EGYPT: FIVE YEARS AFTER THE MILITARY COUP, OPPOSITION HAS BEEN SILENCED, newsweek, 7/7/2017, (Entry date:4/3/2019): https://www.newsweek.com/democracy-egypt-five-years-military-coup-opposition-has-been-silenced-1005851

10- A look at proposed amendments to Egypt’s constitution, AP, 14 Feb 2019, (Entry date:4/3/2019): https://apnews.com/0496eac8134840e89295dabbfbf50bfa

11- مندريس.. رئيس وزراء أعدمه أول انقلاب عسكري بتركيا، الجزيرة نت، 15 أبريل 2013،) تاريخ الدخول:4/3/2029): https://goo.gl/nkoTy6

12- محاولة انقلاب 2016: نقطة تحول في تاريخ تركيا، موقع الحرة، 15 يوليو 2018، (تاريخ الدخول:4/3/2019): https://goo.gl/3NygHZ

13- كيف ستؤثر التعديلات الدستورية المقترحة على مستقبل الاقتصاد المصري؟، محمد شرين هواري، موقع المنصة، 21 فبراير 2019، (تاريخ الدخول:4/3/2019): https://almanassa.net/ar/story/11823

14- The Armed Forces and the Constitution: Amendments grant the military unchecked powers, madamasr, 28 feb 2019, (Entry date:4/3/2019): https://goo.gl/1cWDhS

15- بالأرقام.. هكذا تبدلت مصر بعد أربعة أعوام من الانقلاب العسكري، العربي الجديد، 3 يوليو 2017، (تاريخ الدخول:4/3/2019): https://goo.gl/3X6i5t

16- worse Than Mubarak, foreign policy, 27 feb 2019, (Entry date:4/3/2019): https://foreignpolicy.com/2019/02/27/worse-than-mubarak/

17- مصر.. هل تعود للحكم الشمولي؟! محمد أبو بطه، مجلة المثقف، 30 يوليو 2013، (تاريخ الدخول 4/3/2019): http://www.almothaqaf.com/ab/freepens-12/77326-2013-07-30-12-13-25

18- هل عاد "الربيع العربي" من بوابة السودان والجزائر؟ ، موقع المدينة نيوز، 3/4/2019، (تاريخ الدخول 4/3/2019): https://goo.gl/zqi94w

 

 

 

 

 

تعليقات

 

نرشح لكم

يتمتع الدور القطري في الشرق الإفريقي بفرص بقاء أكثر من الدول العربية والخليجية، خصوصًا عبر بوابة الصومال وجيبوتي وكينيا. والعلاقات المستقبلية بين هذه الدول وقطر مبنية على مصالح استراتيجية. ووفق مراقبين، فهذه شفرة مؤمَّنة من خطر قرصنة قد تفكِّك علاقات الدوحة بالقرن الإفريقي.

2019/09/09