إشكالية العلاقة بين التحديث والاستقرار السياسي: الحالة الجزائرية نموذجًا - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

إشكالية العلاقة بين التحديث والاستقرار السياسي: الحالة الجزائرية نموذجًا

تقدم الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الرابع من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، تحاول تفسير علاقة التناقض بين التحديث الاجتماعي والاستقرار السياسي في الجزائر، وتستقصي فرضية مؤداها أن التحديث لا يسهم دائمًا في تعزيز الاستقرار السياسي واستدامته.

الخميس, 28 نوفمبر, 2019 11:59 GMT

النظام السياسي راهن على تحقيق بعض الإنجازات على المستوى الاجتماعي متجاهلًا ضرورة تطوير وتقوية المؤسسات السياسية وتعزيز قيم الديمقراطية والقانون (الأناضول)

دأبت الأنظمة السياسية، في كل دول العالم، على فرض الاستقرار السياسي والحفاظ عليه كهدفٍ جوهريٍّ لابد من تحقيقه، باعتباره شرطًا ضروريًّا ومسبقًا لتحقيق باقي متطلبات الحياة الكريمة للشعوب. لكن، إلى جانب محورية الاستقرار السياسي، نجد أيضًا أن هناك هدفًا آخر يسعى أي نظام سياسي لتحقيقه إرضاءً للمواطنين، وحفاظًا على بقائه واستمراره بطرق سلمية وشرعية، وهو العمل باستمرار على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، ما يقود، في حالة المجتمعات التقليدية، إلى نقلها من مرحلة ما قبل الحداثة إلى الحداثة، وهذا ما يُعرف بعلمية التحديث. 

طبعًا، لا تشذُّ الجزائر عن هذه القاعدة ولا تُشكِّل استثناء لها؛ إذ عَمِل النظام السياسي في البلاد بجهدٍ حثيثٍ للحفاظ على الاستقرار السياسي الذي كان قد تم استرجاعه بعد عقدٍ من الصراع الداخلي المسلح، ما زالت أحداثه الدامية ماثلةً في الوعي الجمعي الجزائري. نتيجة لاسترجاع الاستقرار، ورغبةً من النظام في الحفاظ على ديمومته واستقراره، كان لابد من القيام بجملة من الإجراءات التي تصبُّ في خانة تحسين الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. وهو ما تم فعلًا، ما جعل الجزائر تعرف عملية تحديث متسارعة جدًّا. بيد أن هذا التحديث جرى على المستوى الاجتماعي والاقتصادي أكثر من جريانه على المستوى السياسي؛ كون أن النظام السياسي الجزائري انطلق، كما يفعل العديد من الأنظمة الاستبدادية، من فكرة أن إحداث تطورات اجتماعية واقتصادية كفيلة بأن تسهم في الحفاظ على الاستقرار السياسي واستمراره بغضِّ النظر عن طبيعة الحكم ودرجة التطور المؤسساتي للدولة. 

وفقًا لهذا المنظور، تغنَّى النظام السياسي الجزائري، كلما تعرض للنقد، بالإنجازات المحققة منذ بداية القرن الحادي والعشرين، خاصة على المستوى الاجتماعي والأمني. ولأنه استطاع تجنُّب موجة الحراك العربي التي اجتاحت معظم دول المنطقة منذ أواخر عام 2010، اعتبر نظام بوتفليقة أن الحفاظ على ديمومته واستقراره يستلزم الاستمرار في التحديث الاجتماعي والاقتصادي دون الأخذ بعين الاعتبار الإصلاحات السياسية والمؤسساتية الواجب إدخالها. لكن باعتماده على هذه النظرة ورغم تحقيقه لمستوى لا بأس به من التحديث الاجتماعي إلا أن البلاد شهدت، في 22 فبراير/شباط 2019، حراكًا شعبيًّا كبيرًا رافضًا لنظام بوتفليقة ومطالبًا بتنحي كل رموزه. 

انطلاقًا مما سبق، تحاول الدراسة الإجابة على التساؤل المتعلق بتفسير علاقة التناقض بين التحديث الاجتماعي والاستقرار السياسي في الجزائر، فلماذا شهدت الجزائر حراكًا شعبيًّا كبيرًا رافضًا لنظام بوتفليقة رغم عملية التحديث الاجتماعي الكبير التي تشهدها البلاد؟ وهل يمكن أن يكون التحديث الاجتماعي قد أدى إلى تقويض استمرارية النظام السياسي بدلًا من أن يسهم في ديمومته؟ 

وتنطلق الدراسة أيضًا من فرضية مؤداها: أن التحديث لا يسهم دائمًا في تعزيز الاستقرار السياسي واستدامته؛ ففي حال اقتصر التحديث على الجانب الاجتماعي والاقتصادي دون السياسي فإن احتمالية أن يتحوَّل إلى عائقٍ يحول دون استقرار البلاد تكون مرتفعة جدًّا في حال فقدان النظام السياسي للشرعية التي يعتمدها، كالشرعية القائمة على تلبية المطالب الاجتماعية، ومحاربة العدو الخارجي أو على الشرعية الدينية. هذا ما ينطبق حاليًّا على الجزائر التي تشهد تحديثًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا يفوق بكثير التطور السياسي والمؤسساتي، الأمر الذي شكَّل تحديًّا جوهريًّا لاستقرار البلاد، وليس عاملًا معززًا له كما كان يفترض نظام بوتفليقة، لذلك فالحراك الاجتماعي الذي تشهده البلاد، منذ 22 فبراير/شباط 2019، والذي أدى إلى غاية اللحظة إلى تنحي بوتفليقة عن الحكم وعدد كبير من رموز النظام، كان نتيجة لهذه المفارقة بين التحديث الاجتماعي والاستقرار السياسي. 

وتسعى الدراسة إلى معالجة أثر التغيُّر الاجتماعي، المعبِّر عن عملية التحديث، في زعزعة الاستقرار السياسي بالجزائر، وذلك بالتركيز على تحديد أهم المؤشرات المعبِّرة عن التحديث المتسارع الذي عرفته الجزائر طيلة حكم بوتفليقة، خاصة على المستوى الاجتماعي، ومن ثمَّ تحاول ربط علاقة ذلك التحديث بالاضطراب السياسي الذي تشهده البلاد منذ بداية حراك 22 فبراير/شباط 2019.

اعتمدت الدراسة بشكلٍ أساسيٍّ على المنهجين، الوصفي ودراسة الحالة؛ ويسمح المنهج الوصفي ببيان ظاهرة التخلف السياسي مقارنة بالتحديث الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته الجزائر، واستندت الدراسة في ذلك على معطيات نوعية وكمية دقيقة. أما منهج دراسة الحالة، فاستخدمه الباحث لإسقاط الإطار النظري للدراسة، المتضمِّن فكرة أن التحديث في حالات محدَّدة يكون سببًا في انعدام الاستقرار السياسي، على حالة حراك 22 فبراير/شباط 2019 الذي شهدته الجزائر، محاولًا إثبات ما جاء فيه والخروج بنتائج على حالة الجزائر تكون قابلة للتعميم.

وخلصت الدراسة إلى أن التحديث الاجتماعي الكبير الذي شهدته الجزائر طيلة حكم بوتفليقة ونتائجه البارزة، رغم أنه لم يعكس أبدًا تلك التكلفة المالية الهائلة التي صُرِفَت من قبل الحكومات المتعاقبة خلال حكم بوتفليقة، إلا أن النظام السياسي الجزائري، في سبيل الحفاظ على استمراره، اعتبره إنجازًا تحقق بفضل سياسته، وأداة يواجه بها انتقادات معارضيه المطالبين بالانفتاح السياسي وإعلاء دولة القانون والمحاسبة؛ فراهن بذلك على تحقيق بعض الإنجازات على المستوى الاجتماعي، بغض النظر عن التكلفة التي كان يستهلكها في ذلك دون محاسبته، متجاهلًا تمامًا ضرورة تطوير وتقوية المؤسسات السياسية وتعزيز قيم الديمقراطية والقانون. 

لكن المفارقة التي وقع فيها نظام بوتفليقة هو أن التحديث الاجتماعي، سواء كان بفضل سياسات النظام أو لا، وبغضِّ النظر عن حجم الفساد المرافق لعملية التحديث، باتت نتائجه بمنزلة عوامل مُهَدِّدة لاستمرار النظام السياسي ومُمَهِّدَة لمرحلة عدم استقرار سياسي في البلاد؛ والعلَّة في ذلك، عدم قدرة النظام السياسي على الاستجابة لتلك التغيرات التي يفرضها ذلك التحديث؛ حيث مثَّل عدم التطور المؤسساتي -التحديث السياسي- بقدر التحديث الاجتماعي الذي تشهده الجزائر تحديًا حقيقيًّا للنظام السياسي الجزائري، خاصة مع تنامي الطبقة المتعلمة من جهة، وعدم استمرار فعالية الآليات التي اعتاد النظام السياسي الاعتماد عليها للاستجابة للمطالب الاجتماعية من جهة ثانية. 

فقد دفع عدم الاستجابة للمطالب الاجتماعية الفئات الجديدة للمشاركة السياسية بغية التعبير عن مطالبها، ولأن مؤسسات الدولة لا تحظى بثقة المواطنين وليست لديها القدرة على التكيف مع مطالب الفئات الجديدة، سواء من حيث الاستجابة لمطالبها أو استيعاب اتساع مشاركتها السياسية للتعبير عن آمالها وطموحاتها، لجأت تلك الفئات إلى طرق خارجة عن أطر الدولة للتعبير عن مطالبها، تجسد ذلك فعليًّا منذ 22 فبراير/شباط 2019 في حراك شعبي سلميٍ قلَّ مثيله؛ إذ نزل ملايين المواطنين الجزائريين إلى الشارع مطالبين بتغيير النظام السياسي تغييرًا جذريًّا، بعد أن سئموا من مؤسسات سياسية أصبحت أداة لشرعنة الفساد وسوء التسيير، عوض أن تكون منبرًا للتعبير عن طموحات وانشغالات الأجيال الجديدة وأطرًا لتمكين المحكوم من محاسبة الحاكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. صادق حجال، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3.

للاطلاع على النص الكامل للدراسة (اضغط هنا) وللاطلاع على عدد المجلة كاملًا (اضغط هنا

تعليقات

 

نرشح لكم

تناقش هذه الورقة، النقاط الخلافية التي لا تزال قائمة بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأميركية في الجولة التفاوضية العاشرة، والتي جاءت بعد فشل تسع جولات من المفاوضات بحل الخلافات القائمة بين الجانبين.

منذ 7 ساعات

تتناول الورقة الحالية خلفية تطورات العلاقات التركية-الليبية وصولًا إلى توقيع الرئيس التركي ورئيس حكومة الوفاق، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، اتفاقين أحدهما أمني والآخر في المجال البحري، وأهمية هذه الاتفاقيات لتركيا وآثارها على مستقبل ليبيا والصراع شرق المتوسط حول مصادر الطاقة المكتشفة.

منذ 8 ساعات

من الصعب التكهن بنتيجة الاستحقاق الرئاسي الوشيك عكس الاستحقاقات السابقة التي كان الحسم واضحًا فيها لصالح مرشحي النظام حتى قبل إعلان النتائج؛ ذلك أن التنافس الشديد بين ابن فليس وتبون أمر ملموس وتوجههما إلى دور ثان يعد احتمالًا واردًا جدًّا.

2019/12/11