اتفاق دايتون للسلام: ماذا تحقق؟ وما المُنتظر؟ (2/4)

تعالج هذه الورقة، مضمون اتفاقيات دايتون وتعرض لها بالتحليل والتعليق لما حوته من مضامين يختلف المراقبون والمختصون في تقييمها، وتطرح سؤالين: لماذا لم تتمكن البوسنة والهرسك إلى اليوم من بلوغ تحقيق كامل أهداف اتفاقيات دايتون للسلام؟ وهل أصبح اتفاق دايتون للسلام حجر عثرة أمام مزيد من التقدم في البوسنة؟
20151126155053402734_20.jpg
(الجزيرة)

ملخص
تُعالج هذه الورقة، في جزئها الثاني، مضمون اتفاقيات دايتون، وتعرض لها بالتحليل والتعليق لما حوته من مضامين يختلف المراقبون والمختصون في تقييمها، فمن قائل بأن اتفاق دايتون، وإن أوقف الحرب العدوانية على دولة البوسنة والهرسك، إلا أنه بات يمثل اليوم عائقًا جديًّا أمام تقدم البلد نحو آفاق سياسية واقتصادية واجتماعية أرحب؛ في حين يرى فريق آخر أن الاتفاق يمثل نجاحًا دوليًّا منقطع النظير، أبان عن حسم جدي لقضية مستعصية، وأنه على سكان البوسنة والهرسك وسياسييها اليوم، قيادة البلد نحو مستقبل أفضل.

تطرح الورقة سؤالين جوهريين، هما: لماذا لم تتمكن البوسنة والهرسك، إلى اليوم، من بلوغ تحقيق كامل أهداف اتفاقيات دايتون للسلام؟ وهل أصبح اتفاق دايتون للسلام حجر عثرة أمام مزيد من التقدم في البوسنة؟ ثم تحاول الإجابة عليهما من خلال استقراء آثار دايتون على الواقع السياسي والاجتماعي للبلد، كما تسعى الدراسة إلى تفكيك كل الديناميات المتداخلة، محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا من أجل فهم الأسباب المباشرة وغير المباشرة لمراوحة الأوضاع السياسية والاجتماعية المتراكمة مكانها بعد مرور عشرين عامًا على توقيع الاتفاق، وبقاء البوسنة والهرسك، إلى اليوم، دولة غير مكتملة الأركان وبالتالي تواجدها خارج إطار الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

يرى الكاتب أنه لا مصلحة، حاليًا، للولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في مراجعة اتفاقيات دايتون للسلام ودعم مقترح مشروع صياغة اتفاق دايتون 2 لتجاوز نقائص دايتون الأصلي، لأن ذلك يتناقض، من ناحية مع ما تمليه مصالح واشنطن في المنطقة، ومن ناحية ثانية، لأن الاتحاد الأوروبي يخشى من خروج الأمور عن السيطرة وتفجر خلافات قديمة-جديدة، قد تُعيد البلد إلى المربع الأول.

ما يُحسب لدايتون(1)

يمكن القول: إن اتفاقيات دايتون للسلام حقَّقت هدفها المبدئي؛ فقد قدَّمت الإطار المطلوب لإنهاء الصراع الدموي وإيقاف عمليات التطهير العِرقي في البوسنة والهرسك. لكن علينا الانتباه إلى قضيتين رئيسيتين عند معالجتنا لنقص التقدم في تنفيذ اتفاقيات دايتون: لماذا لم تتمكن البوسنة والهرسك من بلوغ تحقيق كامل أهداف اتفاقيات دايتون للسلام؟ وهناك سؤال ثانٍ أكثر إلحاحًا: هل أصبح اتفاق دايتون للسلام حجر عثْرة أمام مزيد من التقدم في البوسنة ولصالحها؟

إن الإجابة على إيجاد سلام دائم تكمن في المحاولات الدبلوماسية المتجددة وفي الإصلاحات الدستورية وإلزام كل الأطراف المتحاربة سابقًا بالوفاء بكامل تعهداتها المنصوص عليها في وثيقة دايتون.

لعبت الأهمية الاستراتيجية للبوسنة والهرسك دورًا مهمًّا في قرار الولايات المتحدة الأميركية اتخاذ دور القيادة في إيقاف اعتداء الصرب (والكروات أيضًا؛ حيث كانوا منخرطين في العدوان في بداياته، ولا يزال ذلك خافيًا حتى اليوم) على جمهورية البوسنة والهرسك ذات السيادة. ولا تزال تلك الأهمية الاستراتيجية للبوسنة والهرسك خاصة، ومنطقة البلقان عامة، تمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة للأمن القومي الأميركي ولأوروبا على حدٍّ سواء. كما أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال مرة أخرى تعيد تقييم دورها العالمي وتعيد تحديد مناطق تركيز تدخلها.

جراح البوسنة التي خلَّفتها الحرب غائرة العمق، والدعوات القومية المحمومة لا تزال هي المعطَى المهيمِن والقاسم المشترك لدى الأطراف المنخرطة في الحرب الماضية ( البوشناق والكروات والصرب).

ووفقًا لفينتس؛ فإن: "حتى مع المساعدة والمراقبة الدولية، فإن الأطراف المتصارعة استمرت في منع تنفيذ العديد من مقررات اتفاقيات دايتون 2، وخاصة في مجالات حرية التنقل وعودة اللاجئين ومحاكمة جرائم الحرب إلى جانب مماطلتها في إنشاء هيكلية سياسية متعددة الإثنيَّات"(2). وحتى مع بدايات العام 1997، وخلال مرحلة عمل بعثة قوات تنفيذ السلام (IFOR) في البوسنة، فإن فينتس يعترف بصعوبة تطبيق بنود اتفاقيات دايتون للسلام. ولا يزال العديد من نفس تلك التحديات قائمًا إلى اليوم، مع إصرار جميع الأطراف على رفض الانخراط في إصلاحات دستورية جدية تتطلبها عملية بناء دولة متعددة الأعراق قابلة للحياة. بالإضافة إلى هذه التحديات، فإن عملية الإصلاحات الحالية تفتقد إلى وجود قوي للدبلوماسية الدولية وينقصها تدفق الموارد التي كانت متوفرة عام 1995.

أنهت اتفاقياتُ دايتون الحربَ بنجاح، إلا أنها كمشروع طَموح لتأسيس دولة مستقرة يعمُّها السلام، فإن تلك الاتفاقيات لا تزال تواجه العديد من التحديات. لقد قدمت اتفاقيات دايتون أجوبة سياسية لوضعٍ متقلبٍ، غير موثوق، معقَّد وغامض في فضاء يوغسلافيا السابقة. وفي ظل تلك الأوضاع، فإن السياسة المتبعة لم تقدر على معالجة كل الديناميات المتداخلة وتوجيهها نحو ضمان مستقبل آمن للبوسنة والهرسك على المدى الطويل. وعلى سيبل المثال، فإنها "لم تستطع قطع الطريق أمام استمرار الشعور الوهمي بالتفوق الثقافي، وعودة ظهور الحركات القومية المتطرفة واستمرار رفض الإصلاحات التقدمية التي من شأنها دفع البوسنة والهرسك والمنطقة بأكملها نحو السلام والرخاء(3).

نطرح هنا هذه الأسئلة المحورية: هل اتفاق دايتون للسلام، بالصيغة التي كُتب بها، يُشكِّل عائقًا أمام عملية توحيد البوسنة وتقدمها؟ هل حان الوقت إمَّا لإعادة النظر في اتفاقيات دايتون و/أو دعم وتعزيز المقصد الرئيسي منها وإعادة إقرار خطة تنفيذها؟ من المسؤول عن معالجة البطء الحالي في تحقيق التقدم المطلوب: هل هي الأمم المتحدة أم هم اللاعبون الرئيسيون في عملية تنفيذ الاتفاقيات بمن فيهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو؟

تذهب هذه الورقة إلى أن تلك الطرق والأساليب المتبعة في دايتون يجب أن تخضع إلى إعادة النظر فيها من أجل معالجة النقص والبطء الملاحظَيْن اليوم في تقدم العمليتين السياسية والاقتصادية في البوسنة والهرسك. ولا تزال منطقة البلقان عامة والبوسنة والهرسك خاصة، تمثل تحديًا جديًّا ومهمًّا للأمن القومي الأميركي والأوروبي. وتعيد الولايات المتحدة الأميركية مرة أخرى مراجعة دورها وتحديد مراكز اهتمامها على مستوى الساحة الدولية. وفي الوقت الذي تُواجه فيه كل من أميركا وأوروبا عقدًا من الاضطرابات الاقتصادية، فإن تجدُّد الصراع في البوسنة والهرسك سيؤدي بكل تأكيد إلى مزيد من عدم الاستقرار في أوروبا ويُطيل أمد تعافيها الاقتصادي.

في شهر مارس/آذار من عام 1992، أعلن علي عزت بيغوفيتش استقلال البوسنة والهرسك، وقد صوَّت أغلب الكرواتيين والبوشناقيين لصالح الاستقلال؛ وفي شهر إبريل/نيسان من نفس العام، شنَّت القوات شبه العسكرية الصربية، مدعومة من قِبل الجيش اليوغسلافي، هجمات عسكرية في مختلف مناطق الجمهورية، وكانت النتيجة أن سيطرت تلك القوات المشتركة على ثلثي مساحة الجمهورية وبدأت فرض حصارها على مدينة سراييفو، والذي امتد لثلاث سنوات متواصلة، مُنهيةً بذلك إمكانية إقامة دولة ديمقراطية وموحدة من جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي السابق.

أشعل ميلوشيفيتش بخطاباته التعبوية الشعبوية الوضع المتفجِّر أصلًا، وبدعم كامل من الزعيم الصربي-البوسني رادوفان كارادجيتش، هاجمت القوات الصربية-البوسنية المدنيين البوشناقيين والكرواتيين وأجبرتهم على إخلاء مناطق عيشهم المشتركة. وعمل الصرب على ترويع وترهيب البوشناقيين والكرواتيين بتنفيذ جرائم القتل الجماعي أو احتجاز المدنيين داخل معتقلات جماعية، واستهدفت، بشكل خاص، النساء اللواتي تعرضن لعمليات اغتصاب وتعذيب وإجبار على القيام بأعمال شاقة. وبالرغم من أن لا أحد من الأطراف معفى من المسؤولية عن ارتكاب نفس الفظائع والأعمال الوحشية، إلا أنه تم تصنيف الصرب على أنهم كانوا الأكثر قسوة خلال الصراع؛ فقد كانت الأجواء التي أوجدها الصرب مساعدة على ارتكاب المزيد من الجرائم ضد الإنسانية التي لم يشهدها الغرب منذ الحرب العالمية الثانية، لقد ارتُكبت جرائم لم يكن الغرب يتصور حدوثها إلا في أكثر بلدان العالم تخلفًا وفشلًا؛ حيث قُدِّرت أعداد الأشخاص المهجَّرين بما يزيد عن المليونين، وهو مستوى من القتل وموجات هجرة لم يواجهه الغرب منذ الحرب العالمية الثانية. لا تزال قضية تحديد أعداد القتلى الذين سقطوا خلال الحرب موضوع جدل، ومن الصعب تحديدها على أساس أسباب الموت، لكنها تُقدَّر بحوالي 300 ألف قتيل. وبقطع النظر عن ذلك، فإن تأثير المأساة الإنسانية لا يزال يلعب دورًا مهمًّا في واقع البوسنة الحالي. تم تدمير أغلب البنية التحتية في البوسنة والهرسك، كما طال الدمار الممتلكات الخاصة لمختلف المجتمعات خلال الصراع.

تبقى أسئلة عديدة غير مجاب عليها من قبيل الانخراط المحدود للأوروبيين خلال الصراع، وخاصة إذا أخذنا في الحسبان ما خبره الأوروبيون من تجربة ارتكاب نازيي ألمانيا جرائم إبادة جماعية خلال الحرب العالمية الثانية. فمن 1992 إلى 1994، قُدِّمت عدة محاولات لوجود حلٍّ سلمي للصراع (كارينغتون-كوتيلايرو، وفانس-أوين، وأوين-ستولتنبرغ بالإضافة إلى خطة مجموعة الاتصال). ففي بدايات العام 1993، اختلف الأوروبيون والأميركيون حول مبادرة إدارة كلينتون المسماة "رفع الحظر والهجوم"، وكانت المبادرة تقتضي أولًا رفع الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تصدير الأسلحة إلى البوشناق، وبالتالي منع البوسنيين من الحصول على أسلحة تواجه بها التفوق الصربي؛ وثانيًا: استعمال قوة حلف الناتو لتوجيه ضربات إلى الصرب المعتدين وحملهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات حول السلام.

جُلُّ المشاريع المطروحة، بشكل عام، قدمت خططًا معقَّدة لتقاسم الأرض قائمة على اعتبارات إثنية، وانتهت جميعها إلى الفشل. في عام 1995، قام الرئيس الفرنسي، المنتخب حديثًا، بزيارة إلى واشنطن، وهدَّد بسحب 3900 من قوات حفظ السلام الفرنسيين العاملين في البوسنة إذا لم تلتزم أميركا بلعب دور نشط في جهود تحقيق السلام. طُلب من الولايات المتحدة الأميركية، وفقًا لمعاهدة موقَّعة مع حلف الناتو، بتوفير قوات عسكرية تساعد في تأمين عمليات انسحاب قوات حفظ السلام إذا قررت الأمم المتحدة سحبها من البوسنة.

في الوقت الذي كثَّفت فيه أميركا محاولاتها لتحريك الأوروبيين من أجل حملهم على تدخل أكبر وأكثر تأثيرًا، زاد الصرب من ارتكاب الفظاعات وجدَّدوا هجماتهم مع نهايات العام 1995، وهو ما أجبر، في النهاية، إدارة كلينتون المتلكِّئة على اعتماد خطة عمل أميركية هجومية لوقف الصراع وفرض شروط لتحقيق سلام دائم. وقد قادت أميركا، من ناحية، جهودًا لإنهاء الصراع في البوسنة، ومن ناحية ثانية قادت تلك الجهود حلف الناتو إلى فرض السلام.

جاءت اتفاقيات دايتون إذن ورحلت دون تحقيق أهدافها المعلنة، ويعود ذلك أساسًا إلى نقص إصرار المجتمع الدولي على تنفيذها، كما لم يتم أيضًا تنفيذ الإصلاحات الدستورية المطلوبة في المنطقة وفقًا لما حددته الاتفاقيات. وعلى سيبل المثال، فقد "فشلت البوسنة والهرسك، مرة أخرى، في إنفاذ قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الصادر عام 2009 (بشأن القضية المعروفة باسم سيديتش-فينسي ضد دولة البوسنة والهرسك) والذي أمر دولة البوسنة والهرسك بتعديل دستور البلاد وإلغاء المادة المطعون فيها بالتمييز الإثني فيما يتعلق بالترشح لمجلس الرئاسة الثلاثي، وإلى عضوية برلمان الشعب(4).

فَشَل الدولة في التوصل إلى تطوير حكومة وحدة مركزية يرأسها رئيس واحد، وعجْز مكتب الممثل السامي وتخاذله عن ممارسة صلاحياته باستبعاد السياسيين المعطلين لإدخال إصلاحات واسعة ودائمة وفرض تنفيذ بنود اتفاقيات السلام، كل ذلك منع البوسنة والهرسك من أن تصبح دولة كاملة العضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

يتلقى الممثل السامي، حاليًا، سلطات ودعمًا كاملًا من مجلس تنفيذ السلامPeace Implementation Council، وهو مجموعة مؤلَّفة من 55 دولة ووكالة دولية مختلفة (ويتمتع المجلس بسلطات بون)، وهذه المجموعة المؤلِّفة للمجلس مكلَّفة بتقديم التسهيلات والتوجيهات وخلق فرص اقتصادية للمنطقة، إلى جانب تشجيعها على تطوير العمل على خطة إنشاء حكومة مركزية. وكان يُنتظر من هذه المنظمة تقديم خطط ومشاريع حلول إلى مكتب الممثل السامي من أجل حمل البوسنة والهرسك على تحقيق الوحدة الوطنية، لكنها فشلت في ذلك فشلًا ذريعًا إلى حدِّ الآن، وقد أسهمت القوى السياسية الثلاث في المنطقة في وضع مختلف العراقيل أمام تحقيق الوحدة الوطنية ودعمت الفساد المستشري في المنطقة. أمَّا غياب العمل السياسي الجاد فقد سلَّط الضوء على الاعتراف الدولي بالفشل في إنفاذ الشروط الأساسية التي يتطلبها القانون من أجل منع انتهاكات حقوق الإنسان والإبلاغ عنها، هذا فضلًا عن أن غياب المساءلة الفعلية والدقيقة للمساعدات الخارجية هو فشل إضافي لكل من البوسنة والهرسك والولايات المتحدة الأميركية وللحكومات الأوروبية على حدٍّ سواء. "وبدلًا من عضوية ضرورية ومطلوبة في الاتحاد الأوروبي، فإن البوسنة والهرسك أقرب إلى أن تكون دولة غير مرحب بها، غير فعَّالة ومنقسمة مع أغلبية مظلومة (البوشناق) وكيان صربي محبط يميل أكثر فأكثر إلى اتخاذ وضع المدافع عن نفسه، ومجتمع كرواتي دائم القلق ومهدد في وجوده"(5).

القضية الأكثر إشكالًا بالنسبة للبوسنة والهرسك هي وجود هيكل حكومي منقسم على نفسه. وتواجه الحكومة الحالية، المنتخبة في فبراير/شباط عام 2012، نفس العقبات التي واجهتها الحكومات السابقة عنها؛ حيث إنها مشكَّلة من سياسيين يسعون إلى تحقيق أهداف قومية ضيقة مبنية على اعتبارات إثنية، "بالإضافة إلى ذلك، فإن تأثير الأغلبية البرلمانية في النظام السياسي له الأثر الأدنى الموجود في أي نظام سياسي آخر، ذلك لأن أية مجموعة نواب برلمانية عن أية مجموعة إثنية، حتى وإن كانت أقلية، فإنه بإمكانها استعمال الفيتو ووقف تبني أي قرار لا تشعر أنه يتماشى مع مصالحها الخاصة"(6)، وهكذا، فإن أية مجموعة سياسية إثنية يمكنها رفض كل مقترحات مشاريع القوانين الجديدة المقدمة، وهذا أحد أكبر الأسباب التي تُبقي البوسنة والهرسك تعيش في حالة من العجز. لا تزال كل المجموعات الإثنية تتمسك بمستوى حُكم محلي يتمتع بمؤسسات منفصلة تُكرر ما تقوم به الحكومة المركزية. فغياب حكومة مركزية مشرفة يُساعد بشكل كبير على استمرار الفساد ويُضعف من حظوظ إدخال إصلاحات من شأنها أن ينتفع بها كل سكان البوسنة والهرسك. "أصل المشكلة الدستورية، التي لا تشجِّع على تجاوز التنافس القائم بين الكيانات الإثنية أو الكانتونات المشكَّلة على أساس إثني، لا تزال غير معدَّلة، وهو ما نتج عنه انفصال بين المؤسسات الدنيا عن مشاريع الإصلاح وعن الخطة العامة لتنمية الدولة بشكل عام"(7).

إن وعد اتفاقيات دايتون بإعادة المهجَّرين إلى أماكن إقامتهم وديارهم لم يتحقق في أغلب المناطق، كما يتواصل غياب إعادة هيكلة جدية لجهاز الشرطة على مستوى الدولة، في حين لا تزال أجهزة الشرطة على المستويات المحلية تدير ظهرها وتغمض أعينها أمام تنامي ظاهرة الجريمة المنظمة.

لقد ترك المجتمع الدولي مسؤولية مكافحة الفساد إلى الحكومة البوسنية، وهذا لا يمكنه سوى تعزيز القومية الإثنية المتجذرة وهو ما يُعتبر مكافأة لها على إدامة الوضع القائم. أمَّا بالنسبة لمواطني البوسنة والهرسك، بقطع النظر عن انتماءاتهم الإثنية، فإن غياب تحقيق التقدم أسهم في فقدانهم الثقة في قدرة المؤسسات الحكومية والمسؤولين المُنتخبين على صياغة سياسات وقوانين عادلة وتخدم بالفعل مصالح عموم الشعب.

وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، وخلال اجتماع عُقد في سراييفو في أكتوبر/تشرين الأول 2002، علَّقت قائلة: "نحن هنا اليوم لنحثَّ كل القادة في هذا البلد على وجود أرضية مشتركة وأن يعملوا من أجل صالح شعبهم. المعوقات التي واجهها البلد عندما كنت هنا آخر مرة، لا تزال قائمة. الإصلاحات الجوهرية لم يتم تنفيذها بعد. خلافات الأحزاب تقف حاجزًا أمام التقدم المشترك"(8).

عدد كبير من الصرب والكروات في البوسنة والهرسك يفضِّلون إلحاق مناطقهم بالكونفيدراليتين: الصربية والكرواتية الواقعتين داخل البوسنة والهرسك، وهو ما يعد خطة للتنصل من اتفاقيات دايتون للسلام.

في الاحتفال بالذكرى السابعة عشرة لاتفاقيات دايتون للسلام، تحدث ميلوراد دوديك، رئيس كيان ريبوبليكا صربسكا الذي يسيطر عليه الصرب، وقد شجع فكرة تحول البوسنة إلى كونفيدرالية من ثلاثة كيانات، بما فيها خلق كيان جديد للكرواتيين "في حال لم يتم إقامة هيكل إقليمي من ثلاثة كيانات إثنية، باعتباره حلًّا واقعيًّا، فإن حالة الاحتضار والتفكك ستستمر، وهو ما سيقود إلى أن يأتي يوم يقول فيه المرء: لم يعد هناك من وجود للبوسنة والهرسك"(9).

تتواصل الدعوات من داخل البوسنة والهرسك المطالِبة بحل مكتب الممثل السامي بداعي أنه لم يعد يخدم الغاية منه، وهي تحقيق تقدم متوازن. فمكتب الممثل السامي -نفسه- قلَّص من دوره في البوسنة، وخاصة في استخدامه لسلطات بون. في يونيو/حزيران 2011، رفع مكتب الممثل السامي المنع الذي كان قد سُلِّط، من قبل الممثل السامي السابق، على السياسيين البوسنيين الذين خرقوا اتفاقيات دايتون للسلام. ويرى الكثير من المراقبين الخارجيين أن مكتب الممثل السامي لم يبق له سوى حدٍّ أدنى من المصداقية في البوسنة، ولهذا يجب أن يُلغى في المستقبل القريب(10).

السبب الرئيسي وراء عدم تحقق الهدف من اتفاقيات دايتون للسلام في البوسنة والهرسك، يكمن في فشل مواطني البوسنة والهرسك في التوصل إلى توافق وطني. وحتى تنمو البوسنة والهرسك وتزدهر، فلابد من العمل على قبولها داخل المكون الأوروبي؛ وهذا يعني قبول عضويتها داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وهو أمر من شأنه التسريع في رحيل المراقبة الدولية.

إن الإجابة الصعبة، إن لم تكن المستحيلة، على أسئلة من قبيل رغبة أو قدرة الأطراف المتحاربة سابقًا على وضع تاريخهم وراء ظهورهم وإقامة دولة موحدة، من شأنها أن تؤسس لأفضل مستقبل.

بالنظر لهذه الصعوبات الاقتصادية والسياسية، فهل حان الوقت إلى إعادة النظر في اتفاقيات دايتون؟ هل سيكون من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي مراجعة اتفاقيات دايتون للسلام والعمل على تطوير مشروع اتفاق جديد (دايتون 2)، وبهذا خلْق وضع فعلي يمكن أن تنشأ فيه دولة فعَّالة متعددة الإثنيات؟

الحكمة التقليدية تشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وأغلب مواطني البوسنة والهرسك لن يخوضوا مفاوضات في اتفاقيات قد تُفضي إلى خلق دايتون 2. في يونيو/حزيران 2011، زار فيليب غوردن، مساعد وزير الخارجية الأميركية سراييفو وغيرها من عواصم بلدان المنطقة، وفي حواراته مع وسائل إعلام بوسنية كما في محاضراته التي ألقاها في سراييفو، قال غوردن مرارًا: إن الولايات المتحدة الأميركية لم تؤيِّد دايتون 2(11).

وقَّعت البوسنة والهرسك اتفاقية الاستقرار والشراكة (SAA) مع الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2008. وقد فتحت هذه الاتفاقية الباب أمام البوسنة والهرسك للالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، وكذلك للحصول على مساعدات مالية واستشارية كبيرة من أجل تحقيق عضويتها الكاملة في الاتحاد الأوروبي. إلا أن هذا الهدف تأجَّل بسبب عدم الوفاء بأغلب الالتزامات والاشتراطات الأخرى.

تدعم أميركا بشكل كامل مشروع اندماج البوسنة في الاتحاد الأوروبي، إلا أن أميركا تحتاج إلى ممارسة ضغوط أكثر على البوسنة والهرسك من أجل تلبية وتجاوز الشروط والمعايير التي وضعتها اتفاقيات دايتون. وكما قال فيليب غوردن، مساعد وزير الخارجية لشؤون أوروبا والشؤون الأورو-آسيوية: "البلقان منطقة أوروبية حساسة، وذلك من النواحي التاريخية والجغرافية والثقافية، ومستقبلها يكمن داخل المؤسسات الأورو-أطلنطية. الولايات المتحدة الأميركية لا تزال على الدوام مستمرة في دعم إبقاء باب الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو مفتوحًا، وستكون أميركا جاهزة دائمًا لتقديم المساعدة لدول المنطقة لتجاوز عتبة ذلك الباب"(12). لكن المؤسف هو أن الجهود الحالية لا تكفي لتجاوز تلك العتبة.

دعا حلف الناتو البوسنة والهرسك إلى المشاركة في برنامج الشراكة من أجل السلام، ويقدِّم برنامج الشراكة هذا فرصًا متعددة للدول المشاركة فيه من أجل تطوير مهنية قدراتها العسكرية والحصول على فرص تدريبات تركِّز على عقيدة حلف الناتو.

تُعتبر تلك الدعوة للمشاركة في هذا البرنامج خطوة كبيرة على طريق عضوية حلف الناتو الطويلة. "في إبريل/نيسان 2010، اتفق وزراء خارجية الدول الأعضاء في حلف الناتو على السماح للبوسنة والهرسك بالالتحاق بعضوية برنامج خطة العمل (MAP)، وهي خطوة أساسية للبلدان الطامحة إلى الحصول على عضوية حلف الناتو(13).

خاتمة: لا تزال اتفاقيات دايتون للسلام خيارًا قابلا للتطبيق؛ إذ لم تكن هذه الاتفاقيات، في حدِّ ذاتها، حجرة عثرة أمام البوسنة والهرسك لتحقيق هدف الاتفاقيات الأهم، بل إن الحاجز الأكبر كان -ولا يزال- يتمثل في استمرار صمود العقبات والقضايا الأصلية التي كانت هي الأسس التي دفعت إلى نشوب الصراع: حكومة منقسمة على ذاتها، انقسام إثني وفساد مستشر. وفي الوقت الذي يغرق فيه كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في أزمات اقتصادية وتحديات دولية، فإن خفض جهودهما من أجل إقرار إصلاحات دائمة في البوسنة والهرسك ستكون له أثمان باهظة. لقد حان الوقت لإعادة تنشيط اتفاقيات دايتون للسلام؛ وذلك يكون، ببساطة، عبر فرض تطبيق الاتفاقيات وحثِّ الأطراف دبلوماسيًّا على التوصل إلى تحقيق الوحدة الوطنية التي اتُّفق عليها عام 1995. إن الأمل في تحقيق تقدم على طريق السلام يكمن في فرض تطبيق الاتفاقيات، والوقت لفعل ذلك هو الآن.

ما يُحسب ضد دايتون(14)

فيما يتعلق بالدور الذي لعبه اتفاق دايتون، فإن أغلب المحلِّلين المحايدين توصلوا إلى استنتاج بأنه العائق الأساس وحجر عثرة تمنع البوسنة والهرسك من التطور الطبيعي، ويجعل من إمكانية عملها غاية في الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة.

لاحظ العديد من الدراسات، وهي تشير إلى عيوب الاتفاقيات، أن طبيعة الدولة التي حاولت إنشاءها، ومنذ توقيع الاتفاقيات، كانت نُخبوية ومصطنعة وجامدة ومعقَّدة إلى أبعد الحدود. ومع ذلك، فسيكون من التبسيط تجاهل ما لدايتون من ميزات؛ فمن ناحية، هناك حفاظ على السلم العام في المنطقة، ومن ناحية أخرى، هناك تعزيز شبكة مؤسسات الدولة.

من وجهة نظر سياسية بحتة، فإن الاتفاقيات أسَّست لتطور البنية التحتية المؤسسية، كما أن اتفاقيات دايتون قررت الزيادة في عدد الوكالات والمنظمات العاملة، أساسًا، في مجال حقوق الإنسان وسياسات اللجوء والاندماج الأوروبي. خلال فترة وجيزة، أسَّست اتفاقيات دايتون لعملية تطور مؤسسات ما بعد فترة الحرب في البوسنة والهرسك، ومع ذلك، فإن استغلاله، في نهاية المطاف، من قبل نُخب سياسية داخلية وخارجية، أظهر أنه يمثِّل إشكالاً إلى حدِّ هذا اليوم.

رفض الصرب والكروات تقبل حقيقة أن البوسنة والهرسك دولة ذات سيادة؛ وذلك بأن وَضَعا خططًا لتقسيم أراضيها فيما بينهما، وإلحاق أقاليمها بدولتي صربيا وكرواتيا لتصبح جزءًا لا يتجزأ منهما، وقد استَبَقَت صربيا وكرواتيا، منذ البداية، توقُّع أن مجرد التفكير في إنشاء دولة بوسنية سيؤدي حتمًا إلى انقسامها. وانطلاقًا من مثل هذه الرؤى، فإن إمكانية إقامة دولة متعددة الإثنيات مؤسَّسة على الثقة والتعاون المتبادلين قد نُسفت منذ البداية(15).

لقد كان أ.د. كريتو محقًّا عندما استنتج ما يلي: "في الواقع، فإن ترتيبات ما سُمي بـ"تقاسم السلطة" التي رآها اللاعبون الخارجيون جدَّ ضرورية لإنهاء العنف، لعبت في النهاية ضد تحقيق الانتقال الحاسم إلى تشكيل حكومة فعالة". ولهذا السبب ذهب المفكر السياسي ديفيد تشاندلر إلى وصف فترة دايتون بأنها كانت فترة "الديمقراطية المزورة"(16).

بغضِّ النظر عن إحلال السلام والحفاظ عليه وعن التعزيز الفوري لأهم مؤسسات الدولة داخل أطر ليبرالية-ديمقراطية، فإن النظام السياسي الذي فرضته اتفاقيات دايتون في البوسنة والهرسك عقَّد الوضع الصعب أصلًا للمواطنين العاديين من أصل المناطق التي كانت فيها مجموعاتهم أقلية بعد الحرب. هذا لأن الدستور المُضمَّن في الملحق الرابع من اتفاقيات دايتون قرَّر الفصل بين الإثنيات وعدم توافق التعدد الإثني على المستوى المؤسسي.

الإشكال الجوهري، الذي فرضته دايتون على مستوى التنظيم الدستوري للمؤسسات، يمكن تحديده في مؤسسة الرئاسة المؤلفة من ثلاثة أشخاص، ينتمي كل واحد منهم إلى إثنية مختلفة, وفي الفيدرالية المبنية على المعطى الإثني، وفيتو "المصلحة الحيوية" (كما جاء في الملحق الرابع، الفصل 5)، وأخيرًا إقرار المحاصصة الإثنية داخل المؤسسات العمومية. إن المؤسسات السياسية الرسمية التي أنشأتها دايتون لم تضع استراتيجية قوية بما يكفي لزرع ثقافة الشمولية؛ فأولًا: لقد تحولت البوسنة والهرسك، واقعيًّا، من بلد شديد التداخل/التعايش السكاني في العام 1991 إلى بلد عُزلت فيه الإثنيات الثلاثة، بشكل كامل تقريبًا، عن بعضها البعض مع حلول عام 1995. ثانيًّا: فإن المؤسسات التي أُنشئت للإشراف والمراقبة، ومن ثم، فرض تنفيذ احترام حقوق الإنسان والحريات والعامة، كانت تضم جزءًا من الموظفين الدوليين؛ فمن بين 22 وضعية، فإن المؤسسات التي كان من المفترض أن تكون محلية وأن تتطور في إطار الدولة حديثة التكوين (أو التي أُعيد تكوينها)، أصبحت تابعة لصنَّاع القرار من بعض الهيئات الدولية، وهو ما بات يمنع باستمرار تحقق الوعود بإطلاق عملية سياسية محلية من أجل "دمقرطة" الحياة السياسية في البوسنة والهرسك. إلا أنه، مع ذلك، فإن المظهر السلبي لاتفاقيات دايتون للسلام، خلال العشرين عامًا الماضية، تمثَّل في نشر التقصير في أداء تلك المؤسسات تجاه الجماعات "المحلية"؛ ففي كل يوم يزداد عدم اكتراث مواطني البوسنة والهرسك وفقدانهم الأمل في التأثير في صناعة القرار السياسي خارج شبكاتهم الشخصية أو المحلية. وقد بدا ذلك واضحًا في الفترة الأخيرة؛ حيث لم تتعد نسبة المشاركة في انتخابات 2014 54%، وهو ما يعكس استياءً واسعًا في صفوف المواطنين. هذا الجمود الذي بات سمة غالبة في هذا المجتمع غير المتجانس ليس حالة فريدة في شرق وجنوب شرق الفضاء الأوروبي، ولا يمكن ربطه بميولات فطرية لشعب البوسنة والهرسك، لكنه، في المعنى الأوسع، يمكن ربطه فعليًّا بالتجارب الفقيرة التي خبرها في ظل العجز السياسي للحكومة المركزية كما فرضها دايتون(17).

في الواقع، فقد تم تقييم مستوى ثقة عموم الشعب في المؤسسات السياسية الوطنية العاملة داخل مناطق الإثنيات الثلاث بأنه أدنى من مستوى الثقة في المؤسسات السياسية المحلية(18).

في خطوة تدل عن وعي بالتناقضات الذاتية للدستور المفروض، دعت اللجنة الدولية في تقرير لها، نُشر في إبريل/نيسان 2005 تحت عنوان "موقع البلقان في مستقبل أوروبا"، إلى إجراء عملية تغيير دستورية في البوسنة والهرسك تكون موجَّهة نحو تيسير الانضمام المحتمل لها إلى الاتحاد الأوروبي(19).

وفي خطوة أخرى واضحة لتبادل الأدوار بين القوى الدولية "المسؤولة" عن التطور السياسي في البوسنة والهرسك، جاء في القرار أن الدستور البوسني، كما تمت هندسته في اتفاق دايتون للسلام عام 1995، لم يعد فعَّالًا، وأن هناك حاجة إلى إطلاق حوار شامل وحقيقي في إطار عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

بعد انقضاء عشرين عامًا، من دون حدوث أي تغيير واضح، يظل هذا التقييم صالحًا تمامًا. إذن، فالسؤال هنا: ما الذي بقي للبوسنة والهرسك أن تنتظره من اتفاقيات دايتون للسلام في المستقبل؟ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أرسلت في تقريرها التقييمي لانتخابات البوسنة والهرسك العامة سنة 2014، رسالة قوية تؤكد على أن "غياب الرغبة السياسية في تجاوز اتفاق دايتون يحرم البلاد من تجاوز التقسيم الإثني الداخلي وتحقيق تقدم حقيقي في البوسنة والهرسك". وبحسب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فإن "انتخابات البوسنة والهرسك، رغم أنها دارت في أجواء تنافسية، إلا أن الانقسامات الإثنية الداخلية وانعدام الثقة تبقى هي أهم العوامل الرئيسية"(20).

نفس صيحة الفزع تقريبًا، أُطلقت أيضًا في تقرير حول التقدم المرحلي في عام 2014 الصادر عن المفوضية الأوروبية انتقد "غياب الرغبة السياسية الجماعية لدى الزعماء السياسيين في القيام بالإصلاحات الضرورية"، وأكد بشكل أساسي على أن البلد يبقى "في وضع الجمود" فيما يتعلق بعملية الاندماج الأوروبي.

ومع ذلك، فإن اللغة التي استخدمتها أوروبا، في السنوات العشر الأخيرة، كانت غامضة في أحسن التقديرات، وأن الفعالية والتأثير اللذين استُعمِلا سابقًا مع سلوفاكيا ورومانيا يبدو أنهما كانا غائبين(21).

قد يكون مُحقًّا الاستنتاج الذي يرى أن التزام الاتحاد الأوروبي كان أقل من محدود إلى حدِّ الآن، أو حتى تائهًا، فيما يتعلق بالإصلاحات الدستورية التي يحتاجها البلد بشكل استثنائي، وهو ما عبَّر عنه سورنسن عندما قال: "لا يوجد لدينا، إلى حدِّ هذه اللحظة، أي نوع من المُقترحات لأي تعديلات دستورية"(22).

يبدو أن تغييرًا قد لاح في الأفق في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2014 من خلال المبادرة الألمانية-البريطانية، التي عرضت على الورق، فرصة لتحقيق تقدم نحو بلوغ عضوية الاتحاد الأوروبي. وقد ظلَّ الاشتراط قائمًا بأن يُقر سياسيو البوسنة والهرسك الإصلاحات الجوهرية ويتفقوا عليها.

وكان من بين الإصلاحات المقترحة: قضايا حقوق الأقليات ووضع آليات للتنسيق، وتنشيط الاقتصاد وتحقيق استقراره، وتعزيز سيادة القانون، وتقليص البيروقراطية أو تخفيض الميزانية المخصصة لتسيير الحكومة(23).

فيما يخص الولايات المتحدة الأميركية، فرسائلها إلى البوسنة والهرسك كانت متضاربة فيما إذا ينبغي إدخال إصلاحات، أو ضرورة الإبقاء على الدستور الذي كان جزءًا من اتفاقيات دايتون. أحد أسباب ذلك التضارب هو أن السياسة الخارجية الأميركية عرفت تغييرًا واضحًا خلال العشرين عامًا الماضية، ذلك أن إدارتي الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما اختارت التركيز على قضايا منطقتي الشرق الأوسط وآسيا-المحيط الهادئ.

على الرغم من ذلك، وفي الوقت الذي تم فيه، بشكل ممنهج، نقل الالتزام الأميركي تجاه البوسنة والهرسك إلى الاتحاد الأوروبي مع عملية "الانضمام"، فإن مقالًا، نشرته الصحف البوسنية، وكتبته هيلاري كلينتون بالاشتراك مع وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، في عام 2011، لاحظ أنه "يجب ألا يكون هناك أي شك حول عزم المجتمع الدولي على مواصلة الوقوف إلى جانب التسوية المتفق عليها في دايتون التي أنهت الصراع". ورسالتنا هنا شديدة الوضوح: "نحن ملتزمون بأن تكون البوسنة والهرسك دولة موحدة، مع كيانين نابضين، وتضم الشعوب الثلاثة المُكونة لنسيجها الاجتماعي"(24).

حكومة الولايات المتحدة الأميركية، التي يتركز اهتمامها على مراكز أخرى ولا تسمح بأية تغييرات جوهرية تكون خارج نطاق تحكمها، أصدرت تعليمات إلى سفارتها في البوسنة والهرسك بتأكيد الفوائد الكبرى التي حققتها اتفاقيات دايتون، وذلك في الوقت الذي تعترف فيه واشنطن بأن أحكام الاتفاقيات غالبًا ما مثَّلت حاجزًا أمام إجراء الإصلاحات الواسعة المُلزمة للبوسنة والهرسك من أجل الالتحاق بالاتحاد الأوروبي(25).

في ضوء هذه المعطيات، يمكن الخلوص إلى استنتاج أن اتفاق دايتون قد فقد مبرِّر وجوده في سياق حقيقة الأوضاع الاجتماعية والسياسية في البوسنة والهرسك. وهنا نقتطف مرة أخرى مما كتبه أ.د. كريتو: "لقد أصبحت اتفاقيات دايتون علامة مخزية لفشل التدخل الدولي في بناء/إعادة بناء الدولة والتأسيس لثقافة السلام"(26).

لقد كانت فكرة إنشاء مؤسسات قائمة على منطق التفرقة، من أجل فرض السلام في منطقة مزقتها الحرب، صائبة وفعالة في ذلك الوقت. لكن على المدى الطويل، فإن جموده، بالإضافة إلى الركود السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يجد جذوره في تلك المؤسسات السياسية القائمة على منطق التفرقة في البوسنة والهرسك، قاد في نهاية الأمر إلى بروز انتقادات راديكالية من قبل صانعي السياسات والباحثين المتخصصين على حدٍّ سواء. أمَّا اللاعبون الدوليون، الفاعلون بقوة في مجال سياسة الدولة، فإمَّا أنهم بدأوا في الرحيل تدريجيًّا من البوسنة والهرسك (كما رأينا في حالة الولايات المتحدة الأميركية)، أو أنهم قدموا مواقف غير موحدة حول ضرورة إقامة نظام دستوري جديد (كما هي حال دول الاتحاد الأوروبي).
_______________________________
د. فريد موهيتش، محاضر لمادة الفلسفة بجامعة القديسين سيريل وميثوديوس بالعاصمة المقدونية سكوبيا، ورئيس الأكاديمية البوشناقية للعلوم.

ملاحظة: النص بالأصل أُعِدَّ لمركز الجزيرة للدراسات باللغة البوسنية، وترجمه إلى العربية الباحث المتخصص في شؤون البلقان د. كريم الماجري.

الهوامش والمراجع
1 Source: Has the Dayton Peace Agreement Stopped Progress in Bosnia and Herzegovina? by Colonel Edwin W. Larkin United States Army National Guard, United States Army War College Class of 2013
(Note: Here are given integral passages from the text summarized in14. ABSTRACT)
2 Larry Wentz, Lessons From Bosnia: The IFOR Experience (Washington, DC: National Defense University, 1997), 12
3 F.n. 3 Colonel (Retired) Stephen J. Gerras, Ph.D, THINKING CRITICALLY ABOUT CRITICAL THINKING: A FUNDAMENTAL GUIDE FOR STRATEGIC LEADERS ( Department of Command, Leadership, & Management, U.S. Army War College, 2008), C2
4 Human Rights Watch, Bosnia and Herzegovina, Country Summary: January 2012, http://www.hrw.org/sites/default/files/related_material/bosnia_2012.pdf  (accessed November 24, 2012) 
5 f.n. 18 Edward P. Joseph, What to do about Bosnia and Herzegovina?: The Case for Accelerated NATO Membership and OSCE Coordination of Constitutional Reform, (United States Institute For Peace, May 2009), 1.
6 Steven Woehrel, Bosnia: Current Issues and U.S. Policy, 4.
7 Valery Perry, “At Cross Purposes? Democratization and Peace Implementation Strategies in Bosnia and Herzegovina’s Frozen Conflict,” Springer Science + Business Media B.V. (July 2008): 46.
8 Hillary Rodham Clinton, Secretary of State: Remarks With Bosnian Presidency Chairman Bakir Izetbegovic and EU High Representative Lady Catherine Ashton, (Sarajevo: October 2012) http://sarajevo.usembassy.gov/speech_20121030.html  (accessed November 15, 2012).
9 Elvira M. Jukic, “Serb Leader Advocates Croat Unit in Bosnia,” BalkanInsight, November 22, 2012.
10 Steven Woehrel, Bosnia: Current Issues and U.S. Policy, 6.
11 Ibid., 10.
12 Philip H. Gordon ,Assistant Secretary of State for European and Eurasian Affairs, Keynote Address to the Conference: “The Western Balkans: Progress, Stagnation or Regression?”, June 14, 2011, 2.
13 Steven Woehrel, Bosnia: Current Issues and U.S. Policy,
14 This section consults several equally important sources, but it’s accent is shared with the paper of Anca Doina Cretu, Twenty Years After: The Dayton Accords, Legacies and Opportunities in Bosnia and Herzegovina,Graduate Institute of International and Development Studies, Geneva, Papiers d'actualité/Current Affairs in Perspective
Fondation Pierre du Bois, No 6, July 2015
15 See Paula Pickering, Peacebuilding in the Balkans: The View from the Ground Floor (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2007).
16 f.n. David Chandler, Bosnia: Faking Democracy After Dayton (London: Pluto Press, 1999).
17 A.D. Cretu, op.cit.
18 Bertlesmann Stiftung, BTI 2014, Bosnia and Herzegovina Country Report (Gütersloh: Bertelsmann Stiftung, 2014). Accessed at http://www.bti-project.de/uploads/tx_itao_download/BTI_2014_Bosnia_and_Herzegovina.pdf
19 International Commission on the Balkans, The Balkans in Europe's Future (April 2005). Accessed at www.cls-sofia.org/download.php?id=44
20 Press Release (13 October 2014. Accessed at http://www.osce.org/odihr/elections/bih/125488 )
21 Milada Anna Vachudova, "The Leverage of the European union on Reform in Postcommunist Europe," (Paper presented at Workshop 4, "Enlargement and European Governance," Turin 22-27 March 2002. Accessed at http://ecpr.eu/Filestore/PaperProposal/0171f7e2-349c-4dfb-a368-adb8ce1c23de.pdf )
22 Taken from Oscar Fernandez, Valery Perry and Kurt Bassuener, "Making the Market on Constitution Reform in BiH in the Wake of the EU Initiative," Democratization Policy Council (March 2015), 4.
Accessed at http://www.democratizationpolicy.org/uimages/DPC%20Policy%20Brief%20-%20CR%20after%20the%20new%20EU%20initiative.pdf  )
23 Elvira Jukic, "UK, Germany Launch Joint Initiative on Bosnia," Balkan Insight, 5 November 2014. Accessed at http://www.balkaninsight.com/en/article/uk-germany-propose-bosnia-s-renewed-eu-perspective .
24 "Joint OP-ED on Bosnia and Herzegovina by Foreign Secretary William Hague and Secretary of State Hillary Clinton," Embassy of the United States Bosnia & Herzegovina, 8 June 2011. Accessed at http://sarajevo.usembassy.gov/speech_20110608.html  )
25 Fernandez, "Making the Market on Constitution Reform in BiH in the Wake of the EU Initiative," p.5
26 Cretu, op.cit.

نبذة عن الكاتب