تقارير
أرسل الى صديق طباعة Share article
القسم الثالث: موقف الأنظمة الحاكمة من الأحزاب الإسلامية
آخر تحديث : الثلاثاء 24 سبتمبر 2013   15:02 مكة المكرمة
سنت الحكومة الطاجيكية عام 2011 قانونا يمنع  الشباب والفتيات من ارتياد المساجد إذا كانت أعمارهم أقل من 18 سنة (الأوروبية)

يُرجع بعض المحللين تلك الصحوة الإسلامية والإقبال على الأحزاب الإسلامية إلى أسباب سياسية ويقولون: إن إقبال الناس على هذه الأحزاب لا يعكس إيمانًا ببرامجها بل كان بسبب فشل النظرية الشيوعية، التي كانت تملأ حياة الناس، فلما فشلت لم يجدوا أمامهم بديلاً سوى أحزاب الإسلام السياسي فأقبلوا عليها.

ويُرجع البعض الآخر ذلك إلى أسباب اقتصادية، ويقولون: إن الأنظمة الحاكمة لما فشلت في حل المشاكل الاقتصادية للشعوب ووجدت تلك الشعوب أحزابًا ترفع شعارات مستمدة من الإسلام، وتتحدث عن القضاء على المشاكل الاقتصادية وتوفير فرص العمل والقضاء على البطالة، وإقامة نظام العدل الإسلامي أقبلت عليها، ويرفض هؤلاء أن يكون ذلك الإقبال بسبب قناعة سكان آسيا الوسطى والقوقاز بالإسلام وبالمباديء التي قامت عليها الأحزاب الإسلامية(1).

ولايمكن القول بأن الصحوة الإسلامية التي شهدتها هذه المنطقة كانت وليدة اللحظة؛ فقد بقي الإسلام مؤثرًا في حياة الناس طوال الفترة التي بقيت فيها آسيا الوسطى والقوقاز تحت سيطرة السلطة البلشفية، ويرى بعض المحللين أن الأحزاب الشيوعية المحلية كانت تعرف هذه الحقائق لكنها كانت تخفي هذه المعلومات عن السلطات في موسكو، فقد لعبت المدارس الإسلامية السرية، والمساجد الخفية، والخانقاهات والطرق الصوفية دورًا مؤثرًا في الحفاظ على التدين بين شعوب المنطقة وخاصة في الأرياف والقرى، كما أن النساء لعبن دورًا أكثر تأثيرًا في الحفاظ على التدين. وكان حوالي ستمائة مسجد سري يعمل في أوزبكستان فقط عام 1945، كما أن حوالي خمسائة مدرسة ومسجد كانت تعمل في طاجيكستان في تلك الفترة(2)، وكان هناك آلاف من الشيوخ غير الرسميين يقومون بأداء المراسم الدينية للناس في الموالد والمآتم والأفراح والأتراح.

ولما شارك الآلاف من شباب المنطقة في ثمانينيات القرن الماضي في الحرب السوفيتية على أفغانستان احتك هؤلاء بالمسلمين الأفغان خارج الأراضي السوفيتية وخاصة بالمجاهدين الأفغان وبعد عودتهم إلى بلادهم نقلوا معهم ما تأثروا به، وفي نفس الوقت كان هناك نشاط كبير للمجاهدين في المجال الثقافي فقد تُرجمت الكتب الإسلامية إلى اللغة الروسية وإلى اللغات المحلية وكُتبت بحروف سيريلكية وكانت مجموعات من المجاهدين توصل هذه الكتب إلى داخل الأراضي السوفيتية، وكان لمركز دراسات المنطقة (Area study center) في بيشاور دور كبير في إعداد هذه الكتب التي أحدثت تأثيرًا كبيرًا على الناس في آسيا الوسطى، وكان يرأس المركز القاضي حسين أحمد زعيم الجماعة الإسلامية حينذاك (توفي عام 2012)(3).

موقف الأنظمة الحاكمة

اتسم موقف الأنظمة الحاكمة في آسيا الوسطى والقوقاز من الصحوة الإسلامية عمومًا ومن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية بالعدائية، وحظيت في موقفها هذا بتأييد أميركا والدول الغربية وروسيا؛ لظنها أن أي نوع من الانفتاح والحرية سيؤدي إلى سيطرة الأحزاب الإسلامية على المنطقة.

وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي بفترة وجيزة، بدأت مرحلة من الصدام العنيف بين الحركات الإسلامية وتلك الحكومات، بعد أن رأى الحكام المستبدون في آسيا الوسطى أن كراسيهم معرضة للخطر إذا ما أطلقوا الحريات وحقوق الإنسان. وإن كانت العلاقة بين الأحزاب الإسلامية والحكومات تختلف من دولة إلى أخرى إلا أن الحالة العامة كانت تتسم بالصدام، الذي اتخذ أشكالاً مختلفة ولكنه حافظ على أساليب المؤسسات الاستخبارية في ظل القبضة الحديدية لـ(KGB). واستخدمت حكومات تلك الدول وسائل وأساليب عدة لمحاربة أحزاب الصحوة الإسلامية، من أبرزها:

أولاً: الحرب القانونية
لجأت تلك الدول إلى إصدار قوانين تحظر الأحزاب الإسلامية، ويشمل الحظر كل الأحزاب والحركات الإسلامية وإن لم يكن لها نشاط سياسي، بل ويشمل كل من يمارس شعائر دينية بعيدًا عن هيمنة رجال الدين الرسميين؛ فقد أصدرت طاجيكستان وأوزبكستان وكازاخستان قانون حظر الأحزاب الإسلامية(4)، وأصدرت حكومة أوزبكستان قانون "حظر الأنشطة الدينية وتنظيم المساجد" عام 1998(5)، وأصدرت المحكمة العليا الطاجيكية منذ عام 2011 أحكامًا بحظر كثير من المنظمات الإسلامية، منها المنظمات التالية: الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، والحركة الإسلامية الأوزبكية، و"حركة طالبان"، و"حركة الإخوان المسلمين"، و"لشكر طيبة" (جيش طيبة)، و"جماعة التبليغ"، و"الحركة الإسلامية الباكستانية"، وجماعة "المبلِّغ الديني"، والفرقة السلفية، وجماعة "طاجيكستان الحرة" وغيرها(6). وبسبب تلك القوانين الجائرة لا يوجد حزب ذو توجه إسلامي مسجل رسميًا في أية دولة من دول آسيا الوسطى سوى حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان، وقد أعطى هذا الوضع يدًا مفتوحة للحكومات في التعامل القمعي مع المتدينين ومع الأحزاب ذات التوجه الإسلامي.

ثانيًا: سياسة تجفيف المنابع
ومن أهم الوسائل التي تستخدمها هذه الدول لمحاربة أحزاب الصحوة الإسلامية محاولة تجفيف الينابيع الفكرية التي تغذي الحركات الإسلامية والأحزاب ذات التوجه الإسلامي، وقد أخذ ذلك أشكالاً مختلفة، منها على سبيل المثال:

  1. منع البعثات التعليمية إلى الدول الإسلامية: فقد منعت هذه الدول جميع البعثات التعليمية التي كانت تُبعث إلى الدول الإسلامية، بل وأكثر من ذلك فقد استدعت هذه الدول جميع الطلاب التابعين لها الدارسين في الدول الإسلامية، مثل: السعودية ومصر وباكستان وغيرها، كما حدث في طاجيكستان وأوزبكستان وغيرهما من دول آسيا الوسطى، فقد استدعت حكومة طاجيكستان 134 طالبًا كانوا يدرسون في جامعة الأزهر بمصر(7) بحجة خوف الحكومة من أن يؤثر فيهم التيار الوهابي المتشدد.
  2. منع الأنشطة الدينية وإغلاق المساجد والمدارس: لقد سنّت دول آسيا الوسطى قوانين تمنع على أساسها الأنشطة الدينية، وتجبر الناس على أن يخضعوا لما يسمى بالإسلام الرسمي. وأصدرت حكومة إمام علي رحمان في طاجيكستان قانونًا باسم قانون "حرية الاعتقاد والمؤسسات الدينية" في مارس/آذار عام 2009 يسمح للحكومة أن تحدد أنشطة الأحزاب والجماعات والمؤسسات الدينية، كما أنه يعطي للحكومة حق ممارسة الرقابة الشديدة على الكتب الدينية، وتعطي الحكومة حق تحديد أماكن أداء العبادة والمراسيم الدينية. كما أن القانون المذكور يوجب تسجيل الأنشطة الدينية لدى الحكومة وفي نفس الوقت يجعل تسجيل أية مؤسسة دينية أو نشاط ديني لدى الحكومة وأخذ الإذن منها من أصعب الأمور، وهو ما عنى إغلاق آلاف المدارس والمساجد التي أُنشئت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وقد تعرض كثير من تلك المدارس لهجمات تفتيشية من قبل الحكومة، وبناء على هذا القانون نفسه أجبرت الحكومة في عام 2010 حزب النهضة الإسلامي على إغلاق المسجد المركزي التابع له، وهددت الحكومة بحل الحزب إن لم يستجب لمطلب الحكومة، ومن هنا قال محي الدين الكبيري رئيس حزب النهضة الإسلامي في آخر خطبة له في المسجد المذكور يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2010: "إن مجلس شورى الحزب توصل إلى هذا القرار الصعب (إغلاق المسجد) لأجل حفظ السلام والاستقرار ولتفويت الفرصة على أية محاولة لزعزعة الأوضاع"(8).

وفي هذا الصدد منعت الحكومة الطاجيكية عام 2011 الشباب والفتيات من ارتياد المساجد إذا كانت أعمارهم أقل من 18 سنة، وذلك عن طريق قانون سَنّه البرلمان الطاجيكي بإيعاز من الرئيس رحمان علي سمي بقانون "المسؤولية الأبوية"؛ ويجرّم القانون المذكور التحاق الأولاد بالمدارس الدينية غير المسجلة في طاجيكستان، كما أن القانون المذكور يجرّم حضور الأولاد والبنات الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة لأي اجتماع ديني(9).

وفي عام 2006 قامت الحكومة الطاجيكية بتفتيش المساجد وإعادة تقييم أوضاعها خشية استخدام دور العبادة غير المرخصة لنشر "الأفكار المتطرفة". وفي هذا الإطار أُنشئت هيئة لهذا الغرض، وقامت الهيئة المذكورة بتفتيش مساجد مدينة دوشنبه للتحقق من أوضاعها القانونية والتثبت من مطابقة مبانيها لمتطلبات التخطيط والصحة العامة، وبانتهاء التحقيق في أواخر العام نفسه تم تقديم الموضوع للنيابة العامة، فأوصت النيابة العامة بعد ثلاثة أشهر بهدم ثلاثة عشر مسجدًا، والإبقاء على ثمانية عشر مسجدًا آخر شريطة تسجيلها رسميًا لدى السلطات المختصة، كما وجدوا أن تسعة وعشرين مسجدًا "غير رسمي" ينبغي إعادة تصنيفها كمساجد قانونية(10)، وقد أغلقت السلطات الأوزبكية أكثر من ثلاثة آلاف مسجد خلال سنتين أو ثلاث سنوات وحولتها إلى كازينوهات ومصانع(11).

أصدرت السلطات الأوزبكية تعليمات خاصة بصلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، فقد منعت الأئمة والدعاة من استغلال صلاة التراويح للمواعظ والخطب، وأن يكون ختم القرآن خلال الأيام العشرة الأولى من شهر رمضان، وأن يكون الانتهاء من صلاة التراويح مبكرًا، وألا تقام صلاة التراويح إلا في المساجد الكبيرة. وكل هذه الإجراءات هدفت للحيلولة بين المسلمين وبين المصادر التي يمكن أن يستقوا منها المعارف الدينية، تحت ذرائع محاربة الإرهاب والتطرف.

ثالثًا: محاربة مظاهر التدين
ومن الوسائل التي تستخدمها السلطات الحاكمة في دول آسيا الوسطى والقوقاز محاربة مظاهر الالتزام بالإسلام؛ فقد منع النظام الحاكم في طاجيكستان أغلب مظاهر التدين في المجتمع؛ منها على سبيل المثال أداء الصلاة أثناء فترة العمل، ومنع أداء الصلاة إلا في المسجد، كما أن الحكومة منعت النساء من ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والأسواق وأماكن العمل والدوائر الحكومية، كما منعت وضع صورة لامرأة محجبة على جواز السفر، ولا يحق للمرأة المحجبة أن ترشح نفسها في الانتخابات العامة(12)، وذلك على أساس قانون خاص سنّته حكومة إمام علي رحمان لهذا الغرض، ويقول المعارضون لهذا القانون: إنه كان سببًا في أن تترك عشرات الآلاف من البنات الدراسة في المدارس(13)، كما أنها منعت إطلاق اللحية، إلى جانب ذلك تمنع الحكومة أن يحفّظ الإنسان أولاده شيئًا من القرآن الكريم، وإذا وُجد طفل يحفظ شيئًا من القرآن يتم تغريم والديه(14)، والحال لا تختلف في باقي دول آسيا الوسطى، فقد تواترت الأنباء من أوزبكستان حول تشديد السلطات الأوزبكية في جميع أرجاء البلاد اضطهادها للمسلمات المتحجبات؛ حيث يقوم رجال الشرطة المنتشرون في كل مكان بنزع حجاب كل امرأة محجبة وإن كانت كاشفة لوجهها، مع تسجيل اسمها وعنوانها ومن ثم تحويل ملفها وملف أقاربها إلى القوائم السوداء، وأما النقاب الذي يغطي الوجه كاملاً فلم يعد له وجود في أوزبكستان منذ سنوات(15).

رابعًا: القهر والقتل والخطف
ومن أهم الوسائل التي يستخدمها حكام دول آسيا الوسطى الاعتقال والتعذيب في السجون والاغتيال، وهناك آلاف من قصص اغتصاب النساء والتعذيب والقتل داخل السجون الأوزبكية لمجرد تهمة تدريس القرآن الكريم للبنات، تروي سيدة أوزبكية مهاجرة تسمي نفسها "رابعة" -وهي إحدى اللاجئات الأوزبكيات إلى كازاخستان اللاتي اعتُقل أزواجهن- في مقابلة لها في إذاعة "بي بي سي الأوزبكية" قصة مأساتها ومأساة الأسر الإسلامية في أوزبكستان قائلة: "لما كنت في أوزبكستان اتهمتني الأجهزة الأمنية هناك بتهمة تدريس القرآن للبنات، ثم قاموا باعتقال زوجي، وضربوا على منزلنا حصارًا مشددًا بمنع الدخول والخروج، إلا بإذن السلطات ومراقبتها. ولما اقتادوني أنا أيضًا إلى مركز الاعتقال سمعت صراخات النساء المسجونات، وكانت قوات الاستخبارات التي اقتادتني إلى هناك تهددنني بالقول: "لقد جمعنا في هذا المكان رجالاً مخصوصين وسنضعكِ بينهم".

 وتستمر السيدة الأوزبكية في حكاية مأساتها وتقول بأن أختها الشقيقة تعرضت لتعذيب وحشي على أيدي المحققين، وكانوا يطلبون منهما الإدلاء بشهادات زور بحق معلّمة النساء في مسجد "القبة الزرقاء" بمدينة "قارشي" بأوزبكستان، واسمها "مهر النساء حمداموف" وتضيف قائلة: "لقد شاهدت أختي الشقيقة وهي ممدة ملقاة وراء الكرسي في غرفة التحقيق، وقد عذبوها لإجبارها على الإدلاء بشهادتها بحقي بأني درست للبنات القرآن الكريم، ثم طالبوني أيضًا بأن أدلي بشهادة ضد السيدة "ذات الخمار" والسيدة "مهر النساء" بأنني تعلمت على أيديهما القرآن وأنهما قامتا بإعدادي للجهاد، وأنهما درّستاني دروسًا في الجهاد"(16).

وتعتقل سلطات هذه الدول الآلاف بتهمة الانتماء إلى الأحزاب الإسلامية ويموت كثيرون منهم تحت التعذيب، ولا أحد يستطيع أن يكشف عن موت قريبه لوسائل الإعلام، وتقول الجمعية الحقوقية في أوزبكستان: إن عدد ضحايا التعذيب الوحشي للمعتقلين في عام 2010 تزايد بشكل ملحوظ، منهم 39 شخصًا لقوا حتفهم جرّاء التعذيب، وأشار التقرير إلى أن جثامين هؤلاء القتلى سُلّمت إلى ذويهم بطريقة سرية وتحت مراقبة أمنية شديدة، وأُجبر الأهالي على إجراء مراسم دفنهم بشكل سري وسريع حتى لا تتسرب أنباء الوفاة جرّاء التعذيب. وتعرض أقارب القتلى للتهديد بالسجن والتعذيب إن هم كشفوا لأية وسيلة إعلامية معلومات حول الضحايا(17)، وإذا رفعت مؤسسات حقوق الإنسان صوتها حول هذه الخروقات تعرضت لما يتعرض له هؤلاء الضحايا من القتل والتعذيب والاغتيال. ونفس هذا التعامل يتكرر في طاجيكستان وكازاخستان وغيرها، وقد تلجأ هذه السلطات للاغتيالات بطرق ملتوية، مثلما حدث مع السيد «شريبوف سبز علي» أحد مرشحي البرلمان الطاجيكي الذي حصد 90% من أصوات دائرته، ورغم ذلك أسقطوه، ثم حاولوا اغتياله بحادث سيارة قُيد ضد مجهول.

خامسًا: خلق المشكلات
ومن الوسائل المهمة لمحاربة الأحزاب الإسلامية السعي لإيجاد المشاكل داخل تلك الأحزاب، أو التضييق عليها فقد كشفت وثيقة سرية (تحمل رقم 20/32) صادرة عن اجتماع عقده رئيس الجمهورية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 مع وزراء الأمن والعدل والشؤون الدينية عن إصدار أوامر بمراقبة القيادة العليا والوسطى لحزب النهضة، والتضييق على تلك القيادات ومحاولة شراء مواقفها بأية طريقة، وفصل 50% من أعضاء حزب النهضة المعروفين في المؤسسات الحكومية، وخلق مشكلات داخل الحزب لتفجيره سياسيًا من الداخل. وقد جاء الكشف عن تلك الوثيقة من قبل روسيا، حينما شهدت علاقاتها توترًا مع حكومة طاجيكستان بهدف تفجير أزمة داخلية في البلاد، وقد أعلن الجنرال "جوباروف" نائب وزير الدفاع الروسي لشؤون المنطقة (أفغانستان-طاجيكستان-أوزبكستان) في تصريحات صحفية أن "كل ما حدث في طاجيكستان في حقبة التسعينيات أو ما يحدث حاليًا، فإن لروسيا يدًا فيه"(18).

سادسًا: الحرمان من الحقوق السياسية
ومن الوسائل التي تستخدمها حكومات دول آسيا الوسطى لمحاربة الأحزاب الإسلامية حرمان تلك الأحزاب من حقوقها السياسية؛ فالأحزاب ذات الصبغة الإسلامية لا يُسمح لها بالمشاركة في الانتخابات؛ لأنها غير مسجلة، بل هي محظورة، والحزب الوحيد الشرعي المسجل في طاجيكستان وهو حزب النهضة الإسلامي، حاله لاتختلف عن حال الأحزاب المحظورة بسبب التزوير الذي يرافق كل الانتخابات، فقد شارك الحزب في انتخابات عام 2005 وحصل على مقعدين فقط من مقاعد البرلمان الثلاثة والستين، كما أنه لم يحصل في الانتخابات البرلمانية عام 2010 إلا على مقعدين كذلك مع أن استطلاعات الرأي كانت تؤكد على أن الحزب يحظى بتأييد من 40 إلى 50% من آراء الشعب الطاجيكي، وحينذاك قالت الحكومة للحزب: إن هذين المقعدين هدية منّا للحزب بمعنى أن الحزب لم يكسب أي مقعد في حقيقة الأمر، وقد تحدث محي الدين كبيري(19) بالتفصيل عن التزوير الذي وقع في كل الانتخابات، لكنه قال: نحن نسكت لئلا ندخل في دوامة الحرب ثانية.

سابعًا: حظر وسائل التواصل الاجتماعي
تحرم حكومات دول آسيا الوسطى شعوب المنطقة من الوصول للمعلومات كما تمنعها من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك عن طريق فرض الرقابة على الإنترنت، وتقول بعض التقارير: "إن أوزبكستان تستعين بأجهزة الشرطة لمراقبة مستخدمى الإنترنت، وتفرض تركمانستان تعريفة باهظة على استخدام الشبكة العنكبوتية، أما في كازاخستان فإن القانون يحدّ كثيرًا من نشاط أصحاب المدونات. واضطر التركمان إلى انتظار العام 2008 للتمكن من الاستفادة من الإنترنت فى منازلهم، ولكن بأسعار خيالية: فتكلفة الاشتراك عبر الاتصال السريع الذى تحتكره الدولة تبلغ سبعة آلاف دولار (5 آلاف يورو) في الشهر. ويخضع الإنترنت لقيود قاسية أيضًا؛ فاليوتيوب والفيس بوك وتويتر، وقواعد المدونات مثل لايف جورنال، غير متاحة، على غرار مواقع المعارضة"(20)، وتصدر تهديدات مستمرة من قبل الجهات الموفرة للإنترنت بألا يُستخدم ضد الحكومات(21).

موقف الغرب

يقف الغرب عمومًا والحكومة الأميركية خصوصًا من كل تلك الإجراءات الإقصائية موقف المتفرج أحيانًا، وفي بعض الأحيان موقف المؤيد للحكومات، وقد وردت هذه الشكوى بالتواتر في تقارير مؤسسات حقوق الإنسان التي تقدمها عن دول آسيا الوسطى(22)، ويبدو أن السبب وراء ذلك يكمن في عدة أمور:

  1. الغرب عمومًا وأميركا على وجه الخصوص لا يريدان للحركات الإسلامية أن تستفيد من الديمقراطية، والديمقراطية تكون مقبولة ويجب الدفاع عنها في نظر الغرب إذا جاءت إلى سدة الحكم بمن يحمل الفكر المعادي للإسلام، وأما إذا كانت وسيلة لإيصال الإسلاميين إلى الحكم فعندئذ يحارب الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ودول آسيا الوسطى ليست مستثناة من هذه القاعدة.
  2. للولايات المتحدة الأميركية مصالحها في دول آسيا الوسطى بخصوص حربها على الإرهاب، وخاصة في أوزبكستان وطاجيكستان، ومن هنا تسكت على جميع انتهاكات حكومتي هاتين الدولتين لضمان مصالحها.
  3. تمارس حكومات تلك الدول كل ماسبق باسم محاربة الإرهاب، وتلقى الدعم على ذلك من الحكومة الأميركية.

ردود أفعال الأحزاب الإسلامية

تخلتف ردود أفعال الأحزاب الإسلامية في آسيا الوسطى تجاه السياسات القمعية التي تتبناها الحكومات من حزب لآخر؛ فهناك أحزاب تتبنى الخط الجهادي، وترى أن وسيلة التغيير في ظل الظروف التي تحكم دول آسيا الوسطى مثل باقي دول العالم الإسلامي هي الجهاد المسلح فقط، وهناك أحزاب ترى وسيلة التغيير من خلال العمل السياسي والتوعية الشعبية إلا أنه يقوم بذلك بلهجة متشددة مثل حزب التحرير، وهناك تيار يرى أن الوسيلة الوحيدة لإحداث التغيير هو الانخراط في العمل السياسي القائم مثل حزب النهضة الإسلامي، وهناك جماعات لا تشتغل إلا بالدعوة والتبليغ ولا ترى في باقي الأعمال فائدة مثل جماعة التبليغ. ويكمن الإشكال في تعامل الحكومات مع تلك الجماعات والأحزاب؛ إذ تتعامل مع كل الأحزاب بطريقة تعسفية واحدة، ولا تميز بين المتشدد والمعتدل ولا يهمها المنهج الذي يتبناه كل حزب.

وحول مستقبل الأحزاب الإسلامية خاصة والصحوة الإسلامية عامة؛ فالتوقعات تتجه إلى القول بأن تلك الأحزاب ستقوى، خاصة مع فشل أساليب القمع في منع الناس من تأييد هذه الأحزاب، كما أن هذه الأنظمة الديكتاتورية الحالية تعاني من مشكلات كبيرة على صعيد الشرعية وطرق وصولها إلى الحكم إضافة إلى الفساد والفشل في تقديم برامج تحل المشكلات، ومن هنا فإنها لن تستطيع مقاومة الإصرار الشعبي على تجريب البديل الإسلامي خاصة في أوزبكستان وطاجيكستان.
___________________________________
د. مصباح الله عبد الباقي - الأستاذ المشارك بجامعة سلام كابول-أفغانستان

المصادر والمراجع
- حجت كاظمي ومريم نظامي، "زمينه هاي تاريخي شكل گيري بحران هاي قوم گرايي، محلي گرايي وبنياد گرايي در آسياي مرکزي" الخلفيات التاريخية لتكوّن الأزمات القومية والعصبيات الوطنية، ونشأة الأصولية في آسيا الوسطى والقوقاز" مجلة "مطالعات ميان فرهنكي" السنة السادسة، العدد:14، من ص111 إلى 138، ص 129.
- أحمد رشيد، (جهاد: إسلام پيکار جو در اسياي مرکزي) "الجهـاد: الإسلام المحارب في آسيا الوسطى"، ترجمة جمال آرام (طهران ـ إيران عام 1387ه ش)، ص 58- 59.
- راجع لمعرفة المركز المذكور الرابط التالي: http://irspk.org/irs_cms/yoo/index.php?option=com_content&view=article&id=79&Itemid=5 4، والباحث كان متابعًا لأنشطة المركز المذكور في فترة الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي.
4 - جلات خان زاهد فياض راجع، "أحزاب سياسي قزاقستان" (الأحزاب السياسية في كازاخستان): http://www.fayaz12.blogfa.com/post-17.aspx
5 -  حزب التحرير أوزبكستان، موقع الأبحاث المتخصص بالوهابية، 28/2/1389 ش:
http://www.vahhabiyat.com/showdata.aspx?dataid=5769&siteid=1
6 - فاطمة عطري، طاجيكستان مبارزه با افراط كرايي يا مقابله با إسلام (طاجيكستان، مواجهة التطرف أم الإسلام)، بنك مقالات العالم الإسلامي، سايت ايراس، 29/1/1389:
 http://islamworld2020.persianblog.ir/post/392/
7 - علي عبدالعال، حزب \"النهضة\" الإسلامي في طاجيكستان، موقع كورديو:  
http://www.kurdiu.org/ar/wtard.php?pageid=3381
-علي عبد العال، المصدر السابق.
- (نگراني از وضعيت ازادي عقيده در تاجيکستان) "المخاوف من أوضاع حرية المعتقد في طاجيكستان"، بي بي سي الفارسي، 28 سپتامبر 2011: http://www.bbc.co.uk/persian/world/2011/09/110928_l16_tj_religious_rights.shtml ، وراجع أيضًا الرابط التالي: http://www.assakina.com/news/news2/8386.html
10  - طاجيكستان تمنع الأطفال من دور العبادة، السكينة للحوار، 18/6/2011: http://www.assakina.com/news/news2/8386.html
11  - جراح في جسد الأمة الإسلامية: مسلمو أوزبكستان... اضطهاد.. تجويع.. تهجير، 24/10/2011:
 http://www.norelhaq.com/vb/showthread.php?50509-%CC%D1%C7%CD-%DD%ED-%CC%D3%CF-%C7%E1%C3%E3%C9-%C7%E1%C5%D3%E1%C7%E3%ED%C9-%E3%D3%E1%E3%E6-%C3%E6%D2%C8%DF%D3%CA%C7%E4-%C7%D6%D8%E5%C7%CF-%CA%CC%E6%ED%DA-%CA%E5%CC%ED%D1%281%29
12  - تصريحات سمعها الباحث من محي الدين كبيري أثناء زيارته في كابول يوم 29-31 مايو/أيار 2013، وراجع كذلك حوارًا حول (تاجيکستان وممنوعيت حجاب در مدارس دولتي اين کشور)، طاجيكستان ومنع الحجاب في المدارس:
   http://iransharghi.com/index.php?newsid=3768
13  - (صدور قانون منع حجاب در مدارس تاجيكستان) http://www.rajanews.com/detail.asp?id=50838
14  - شعبان عبد الرحمن، نظام مبارك يدير الحكم في طاجيكستان، مجلة المجتمع: http://www.magmj.com/index.jsp?inc=5&id=11188&pid=3018&version=204
 15 - يحيى بن ثابت الطشقندي، الأوزبكيات اللاجئات إلى كازاخستان، موقع المسلم،26/10/2010:
 http://www.almoslim.net/node/135960
16  - تقرير نقلاً عن إذاعتي البي بي سي الأوزبكية وإذاعة أوروبا الحرة على العنوان التالي:
 http://www.almoslim.net/node/135960
17  - تزايد حالات الاعتقال والقتل والتعذيب في أوزبكستان، موقع المسلم، 6/1/2011:
 http://www.almoslim.net/node/139487
18  - راجع لذلك:
http://www.magmj.com/index.jsp?inc=5&id=11188&pid=3018&version=204
19  - في تصريحات خلال زيارته إلى كابول يوم 20-30 مايو/أيار 2013م.
 20 - دول آسيا الوسطى تضع الإنترنت تحت رقابة مشددة، اليوم السابع، 18 فبراير/شباط 2011: http://www.youm7.com//News.asp?NewsID=354130 
21  - (اداره ارتباطات تاجيکستان: اينترنت را منبر نفرت وحقارت نکنيد)، الاتصالات الطاجيكية: لا تجعلوا الإنترنت منبرًا للبغض والتحقير، إذاعة بي بي سي بالفارسية، 30 ژانويه 2013 - 11 بهمن 1391: http://www.bbc.co.uk/persian/world/2013/01/130130_tj_l16_zkh_internet_communication_control.shtml
22  - تقرير لمؤسسة "Human Rights Watch" على موقع بي بي سي بالفارسية، ديده‌بان حقوق بشر: (غرب به نقض حقوق بشر در ازبکستان توجه ندارد)، الغرب غير مهتم بانتهاكات حقوق الانسان في أوزبكستان، 13 دسامبر 2011: http://www.bbc.co.uk/persian/rolling_news/2011/12/111213_l03_rln_uzbekistan_human_rights.shtml

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا:  
الى الأعلى
 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
تعليقات القراء: + - 
التعليقات لا تعبر إلا على رأي أصحابها.
1   ماساة المسلمين في دول آسيا الوسطى
يوسف     الأحد 20 أكتوبر 2013   12:06  مكة المكرمة 
ما قرأته في هذا البحث الجميل عن ما يتعرض له الدين الاسلامي والمسلمون في دول آسيا الوسطى من تجفيف للمنابع وتضييق شديد وقتل واعتقالات لحق انه شيء يدمي القلب. لقد كنت اظن ان ذلك كان يحصل فقط في تركيا وتونس ولكن ما يحدث سابقا في ذلك البلدين من حرب على الدين لا شيء مقارنة بما يحدث في دول آسيا الوسطى. هذه الدول التي كانت يوما مركزا علميا وفكريا مهما في الحضارة الاسلامية برز منه ابرز الفقهاء والادباء والفلاسفة والعلماء في شتى المجالات.
  تعليقك على الموضوع:
الاسم:*
البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق:*
محتوى التعليق:*
(*)هذه الحقول مطلوبة     -    سياسات نشر تعليقات القراء

يمكنكم اقتناء الكتاب عن طريق:

الجزيرة شوب

الدار العربية للعلوم ناشرون