كلمة رئيس هيئة تكوين العلماء، الشيخ محمد الحسن الددو في ندوة: "التحولات في الحركات الإسلامية"

d1fd748a74364c44be58eb1c881b6deb_18.jpg
كلمة رئيس هيئة تكوين العلماء، الشيخ محمد الحسن الددو (الجزيرة)

كلمة الشيخ الددو 

...أمَّا بعد، فإن التحولات من طبيعة الحياة، والعمل الذي لا يرتبط بتوجيه سماوي لابد أن يرتبط بالأرض؛ فلذلك يختلف عمل الليل عن عمل النهار في أولويتهما وفي أدائهما؛ فالذي يعمل في الليل لابد أن يركِّز على الإنارة ويبذل فيها والذي يعمل في النهار لا يحتاج إلى ذلك. ولهذا اختلف عمل الحركات الإسلامية وأداؤها وأولوياتها واهتماماتها من مرحلة إلى مرحلة ومن واقع إلى واقع، وكانت فترة الربيع العربي مِفصلًا بارزًا وتحولًا كبيرًا أدَّى إلى بعض التحولات الفكرية والتحولات التنظيمية في العمل. 

من التحولات الفكرية البارزة ما كان سابقًا على الربيع ولكن أكَّده الربيع وزاد فيه، ومنها ما هو من نتاج هذا الربيع. فالآن أدركت الحركات الإسلامية أنه يمكن التعاون بين مختلف المكونات الفكرية في إقامة مشروع واحد وهذا المشروع تمثِّله الثورة وأصبحت هذه القناعة راسخة في عمل الحركات الاسلامية وفي فكرها. 

ثانيًا: أدركت المكونات الأخرى الفكرية في الوطن العربي قيمة الحركة الإسلامية وأنها أصبحت رقمًا وطنيًّا لا يمكن تجاهله ولا إقصاؤه. 

ثالثًا: أدركت الحركات الإسلامية ضرورة الشراكة والحفاظ على السلم الاجتماعي مع مختلف مكونات الشعب؛ لأن الشعب أصبح له أثر بارز في هذه الثورات وهو الذي يقدِّم ويؤخِّر وهو صاحب القرار. 

أخيرًا، أصبح التفكير في الدولة ومقوماتها ومصداقيتها حاضرًا في فكر الحركة الإسلامية منذ الربيع العربي، فقد كانت الحركة الإسلامية في أغلب البلدان العربية بعيدة جدًّا عن الحُكم مشاركة وأصالة، فلمَّا جاء الربيع العربي ودخلت الدائرة أو دخلها بعضها أصبح من المهم التفكير في الدولة وأصبحت مصداقية الدولة ومقوماتها واقتصادها وتأثيرها من أولويات الحركة. 

أمَّا التحولات التنظيمية فمن أهمها ما يتعلق بالفصل بين العمل السياسي والعمل الدعوي والتربوي في أداء الحركة الإسلامية، فالحركة الإسلامية أصل قيامها ومسوغه العمل الدعوي والتربوي ودخولها السابق في العمل السياسي في أغلب الأحيان إنما يكون ردَّة فعل أو لاستغلاله في الجانب الدعوي. واليوم أصبح العمل السياسي ركيزة أساسية في عمل الحركة الإسلامية، فلا شك أن قيادة السياسة تختلف عن قيادة العمل الدعوي وأن مؤهلات الداعية تختلف عن مؤهلات السياسي وأنه من الصعب جدًّا أن نجد شخصية قادرة على قيادة العمل الدعوي والعمل السياسي في نفس الوقت، فاحتيج إلى أن يكون لدينا قيادتان: قيادة توجِّه في العمل السياسي مختصة في هذا الجانب وقيادة أخرى توجِّه في العمل الدعوي والتربوي مختصة في هذا الجانب. وحينئذ يبقى التنسيق، والتشاور، وتبقى الأطر الجامعة هي الناظم والضامن لعدم الانحراف في أيِّ اتجاه من الاتجاهين؛ لأن بوصلة العمل السياسي يمكن أن تنحرف عن مقصود إقامة الدِّين وسياسة الدنيا به، وهو مقصود الحركة الإسلامية، والعمل الدعوي يمكن أن تنحرف بوصلته كذلك إلى جهة التشدد والتطرف أو إلى جهة التنازل والميوعة، وكل ذلك مذموم غير مرضٍ؛ فاحتيج إلى وجود بوصلة جامعة؛ فالسياسي يقوِّم الدَّعوي والدَّعوي يقوِّم السياسي والتعاون بينهما ضرورة. ولذلك، قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله، لما سُئل عن شروط القائم بالأمر، قال: لا أراها اليوم تجتمع في واحد؛ فإن لم تجتمع فوَرِعٌ عاقِل؛ فبالعقل يسأل وبالورع يكفُّ؛ "فوَرِعٌ عاقل"؛ فبالعقل يسأل حتى يتصور الأمور على حقيقتها وحتى يتخذ القرارات الصائبة الناشئة عن العقل، و"بالورع يكفُّ" أي يقف دون ما لا علم له به فيحمله ورعه على ترك ما لا علم له به. 

وكذلك من التحولات التنظيمية التحول إلى العلنية والأطر الحزبية والجمعيات. وهذا التحول كان قائمًا قبل الربيع العربي في بعض المناطق ولكن أكده الربيع العربي وزاده وأصبح من المهم البارز أنه هو المستقبل المنظور في عمل الحركة الإسلامية؛ فالحركة الإسلامية لم تعد تخطِّط الآن على مراحل الخفاء والاستتار بل أصبح المنظور في عملها هو العمل العلني من خلال الأطر الحزبية ومن خلال الجمعيات المرخصة، وهذا الذي تخطط له الحركات الإسلامية. 

ثالثًا: تغيير معايير اختيار القيادة من الأخفياء إلى الرافعات الانتخابية. قبل الربيع العربي كانت الحركة الإسلامية من معايير اختيارها لقياداتها أن تختار الأخفياء غير المشهورين؛ لأنهم عرضة للسجون والاعتقالات وغير ذلك. اليوم بعد الربيع العربي، أصبح المعيار مختلفًا تمامًا؛ فالقيادات من معاييرها أن تكون رافعات انتخابية لها شهرتها الشعبية وتأثيرها الاجتماعي. بعد ذلك، اعتبار الموازنات الجهوية والعِرقية والتخصصية في كل مجالات الحركة، وهذا جديد على الحركة الإسلامية؛ فالحركة الإسلامية في أصل نشأتها وتكوينها في تنظيمها وأطرها لم تكن تراعي المكوِّنات الاجتماعية في داخل أفرادها، واليوم بعد الخروج إلى العلن وبعد إلقاء السياسة بظلها على الحركة لابد من هذه الموازنات من النظرة الجهوية ولابد من التقسيم فيما يتعلق بوظائف الحركة وقياداتها ومختلف أنشطتها وفعالياتها، لابد من الموازنات في ذلك وهي موازنات إما جهوية وإما عرقية وإما تخصصية باختلاف البلدان وواقعها. 

أخيرًا، اشتدت الحاجة إلى الشفافية وقوة الرقابة، وتقويم الأشخاص الذين أصبحوا يمثِّلون الحركة نجاحًا وإخفاقًا بدل الواجهات، فأصبحت الشفافية والرقابة في هذا المفصل الذي نحن فيه من التاريخ ضرورة مهمة جدًّا، فالأشخاص لم يعودوا يمثِّلون أنفسهم وإنما أصبحوا يمثلون من وراءهم فلذلك أخطاؤهم محسوبة على الجميع ونجاحاتهم محسوبة للجميع. ومن هنا، احتيج إلى تقويمهم أكثر من أي وقت ماضٍ واحتيج كذلك إلى تشديد الرقابة عليهم وإلى الشفافية المطلقة في هذه الأمور، فالإدارة مكتوبة من قبل. ربما كانت الحركة الإسلامية في أوقات السرية تستغني عن الكتابة لخطرها وضررها؛ واليوم انتقلت من هذه المرحلة فأصبحت الأمور تحتاج إلى شفافية وضبط كامل. وهذه مجرد ملامح فيما يتعلق بالتحولات الفكرية والتحولات التنظيمية، وأشكر لمركز الجزيرة للدراسات اهتمامه بهذه التحولات ومتابعتها.