القوة الناعمة المهدرة:أزمة النظام القوي والدولة الضعيفة بمصر - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
ملفات

القوة الناعمة المهدرة:أزمة النظام القوي والدولة الضعيفة بمصر

هبة رؤوف عزت

الخميس, 13 أكتوبر, 2011 07:12 GMT


من المهم عند التفكير في قوة مصر الناعمة، تلك الدولة المركزية في المنطقة، والمركزية من حيث السيادة ومنطق الحكم، والتي تعطي انطباعا بأنها قادرة على ممارسة سيادتها عبر القوة الصلبة، وتفاخر بأن شرعية نظامها هي شرعية ثورة قادها الجيش، وأن آخر الحروب التي خاضتها قد انتصرت فيها -وهي حرب السادس من أكتوبر 1973- والتي تمنح لمركز الرئاسة الحالي –والممتد منذ ثلاثة عقود- شرعية مضاعفة، أقول: إنه من المهم أن نحاول تلمس الإطار النظري الذي من خلاله يمكن أن نفهم طبيعة القوة الناعمة للدولة المصرية في محيطها الاقليمي والدولي، لأن المشهد المصري يتسم عادة بالتعقيد الشديد نتيجة عاملين:

  1. حجم الدولة نفسها، وتعقد عملية صنع القرار، وتنوع مجالات التأثير.
  2. التاريخ الطويل للدولة المصرية، فهي دولة ذات جذور ضاربة في التاريخ لقرون طويلة وليست كيانا سياسيا مستحدثا.

    وهذا يجعل البحث عن أدوات للتحليل ومفاهيم تعين على التفسير ثم الاستشراف مسألة في غاية الصعوبة، لذا فإن عنوان هذه الورقة ليس به مبالغة، بالفعل الحالة المصرية حالة تحتاج محاولات مضنية للتنظير، لأن النظرية في النهاية هي التي تفكك ما اشتبك، وتلم شتات ما تفرق كي يمكن الفهم بعمق ورسم الأطر والمسارات. وهي مضنية لأن النظام السياسي المصري أهدر كثيرا من الفرص لممارسة القوة الناعمة بما يضني حقا ويؤلم من يخرج من الإطار الزمني اللحظي وينظر لتطور الدور المصري في محيطه الحيوي ومجاله الإقليمي وتراجع هذا الدور التاريخي.

    ولأنه في مجال العلوم السياسية لا يمكن القفز فوق الجهد النظري السابق، ستعود هذه المحاولة للأطر النظرية التي تحكم موضوعين للبحث: موضوع القوة الناعمة وتعريفها وأدواتها، والموضوع الثاني هو فهم طبيعة الدولة المصرية والتحولات التي شهدتها من منظور مفاهيم الدولة في العالم الثالث، من أجل الربط بينهما للوصول لنتائج.

إذ كيف يتسنى فهم القوة الناعمة لمصر ومجالات تأثيرها إذا لم نفهم عن أي قوة ناعمة نتحدث من منظور العلاقات الدولية وما أهم أدواتها في المثال المصري، وهو ما لا ينفك عن تحولات الدولة المصرية نفسها في نظرتها لدورها ودوائرها ومجال تأثيرها وأمنها القومي، وهو ما قد يفسر لنا بشكل مركب ليس فقط سياقات الانتقال من سياسة ناعمة لأخرى، بل التآكل الواضح في القوة الناعمة برمتها ومخاوفنا بشأن ما قد يؤدي إليه ذلك من العجز عن حماية الأمن القومي على المدى القصير والبعيد.

القوة الناعمة: مسارات وأدوات

شهد مفهوم "القوة الناعمة" صعودا بعد نهاية الحرب الباردة، رغم أن ما يعبر عنه كان موجودا قبلها وأثناءها، والذي يتجلى في استخدام أدوات الإقناع والاستمالة وليس الضغط والإكراه في إدارة العلاقات الدولية، كأدوات الدبلوماسية الشعبية وتوظيف الأبعاد الثقافية والتعليمية والإبداعية أو توظيف المعونات الاقتصادية والمنح الدراسية في إدارة العلاقات الخارجية (راجع كل وعود الرئيس أوباما لتطوير العلاقة مع العالم الإسلامي في خطابه في جامعة القاهرة في يونيو/حزيران 2009 بعد توليه الرئاسة والتي تصب في هذا الاتجاه).

لكن للعلوم الاجتماعية دور في بلورة الظواهر بعد استقرارها واستجلائها بصياغة مضمونها في مفاهيم، وصكها في مصطلحات تستوعب مجريات وتطور الظاهرة، وتخلق المساحة الدلالية للمفهوم الجديد بتحديد عناصر تعريفه، وهو ما قام به بامتياز "جوزيف ناي" أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد منذ مطلع التسعينيات، حين أشار لهذا المفهوم في كتاب عن ريادة الولايات المتحدة في الساحة الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة والأدوات التي ينبغي لها أن تستخدمها، ثم أسهب في تطوير المفهوم في كتاب مستقل تحت هذا العنوان للتأكيد على هذه الأدوات في إدارة السياسة الخارجية الأميركية، والأدوات غير التقليدية الثقافية والمعنوية والرمزية والقيادية التي تتيح سبلا  للتأثير في سلوك الأطراف الأخرى في العملية السياسية في الداخل المحلي والوطني أو الخارج الإقليمي والدولي، في الوقت الذي كانت فيه الأداة العسكرية في صعود دَفَعَ المعارضين لها لوصف القطب الأوحد على الساحة الدولية بالإمبراطورية.

والحق أن جوزيف ناي قد بدأ التفكير في هذا الاتجاه منذ السبعينيات بمشاركة زميله أستاذ العلاقات الدولية البارز روبرت كيوهين حين نشرا كتابهما عن "القوة والاعتماد المتبادل: السياسة الدولية في لحظة تحول" عام 1977 الذي تناول فكرة مركزية هي الاعتماد المتبادل غير المتماثل الذي يخلق مساحة للتأثير والنفوذ يمكن في ظلها توظيف أدوات متنوعة للقوة، وقد قام كيوهين بتطوير أفكاره لاحقا في اتجاه الاقتصاد السياسي، في حين اهتم جوزيف ناي بالإعلام والتعليم وبناء النموذج الثقافي للدولة للتأثير في الفاعلين الآخرين، ودفعهم لتبني سياسات تخدم مصالحها.

وينتمي الاثنان لمدرسة في العلاقات الدولية تنتقد مسلمات المدرسة الواقعية الكلاسيكية بشأن دور الدولة القومية المركزي في العلاقات الدولية، وافتراض أن الدولة كيان متجانس له مصالح محددة، وأن القوة هي وسيلة تحقيق المصالح، وأن هناك تراتبية جامدة في هيكل النظام الدولي. أي أن تلك المدرسة تتجاوز نموذج الدولة القومية لفهم العلاقات الدولية وكل ما تأسس عليه من مركزية وإعلاء من القوة الصلبة.

ولعل ما يهم أيضا في تطوير مفهوم القوة الناعمة هو تحولات مفهوم القوة نفسه، الذي صار موضع بحث ونظر مع التحولات الدولية التي بدأت إرهاصاتها في ظل الحرب الباردة، وظهور رؤى نقدية للمفهوم البسيط للقوة كعلاقة بين طرفين، فقد بدأ الالتفات لذلك المفهوم كمتغير متطور في أبعاده، وجهود ناي وغيره تبني على جهد نظري سبق كتاب ناي وكيوهين، أبرزه ما كتبه ستيفن لوكس في مجال النظرية السياسية منذ العام 1974 في كتابه الشهير "القوة: رؤية راديكالية"، وذكر فيه القوة الناعمة باعتبارها القدرة على تحديد الأجندة، وتوجيه دفة العلاقة الدولية، والتأثير النهائي في صياغة الأطراف المختلفة لأهدافها.

وقد التفت ناي إلى أبعاد القوة الصلبة في تحولها في العقود الثلاث الماضية، فنجده انتقل من الاهتمام بالدبلوماسية الشعبية ودور المواطنين في صناعة قوة الدولة إلى دور المجال الافتراضي وتحولات وسائط التأثير، إلى محاولته ترويض القوة الصلبة بالقوة الناعمة مع أزمة الآلة العسكرية المتضخمة في أفغانستان والعراق بحديثه عن القوة الذكية smart power، وفي ظل تيار متنامٍ ينتقد عسكرة العلاقات الدولية وما أصابها من "لعنة القوة"-الصلبة.

والقوة الناعمة مفهوم مركب، فالنعومة في الحقيقة أصعب في تعريفها من الصلابة، وعلاقتها بالتاريخ وبالذاكرة وبأبعاد النفسية الجماعية والثقافة أعظم أثرا من فكرة السيطرة والهيمنة والتحكم البسيطة الصريحة التي بشرت بها الحداثة وقامت عليها فلسفة الدولة القومية بعد صلح (وستفاليا) في أوروبا في القرن السابع عشر، ونمو مفهوم القوة الناعمة إقرار بأن العقلانية النفعية الأداتية التي لا تعرف إلا حسابات القوة المادية لا تكفي وحدها لإدارة علاقات السلطة والحكم الداخلي أو الجوار السلمي أو الصراع الخارجي.

ولا تعني القوة الناعمة أن أدوات القوة الصلبة تختفي، لكن القوة الناعمة لها لحظتها المناسبة، وهي في الغالب تعمل في إطار من التبادل والتوافق مع أدوات القوة الصلبة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وإلا كانت النعومة مرادفة للضعف والعجز، فلا تكون بذلك خيارا بل تكون اضطرارا، وهو ما يفقدها في الغالب قوتها حتى في بعدها الرمزي، فتندرج تحت بند العلاقات العامة أكثر منها العلاقات السياسية بمعناها المركب، وتنأى عن العلاقات الدولية بالمفهوم العلمي الدقيق.

وبذا فإن مفهوم القوة الناعمة ليس مفهوما ثابتا بل تتغير القوة الناعمة بتغير وسائط وأدوات التأثير الثقافي وتحولاتها النوعية في ظل تحولات مفهوم المكان والجغرافيا، كما قد تزيد وتنقص حسب رصيد رأس المال الأخلاقي للدولة التي تريد أن تلعب دور النموذج المحتذى، وكذا رأس المال الحقيقي الذي تستثمره الدولة في هذا المجال من مخصصات وموازنات فيمكنها من ممارسة النفوذ والتأثير، أو تبخل به لأسباب توازنات انتخابية أو تحالفات حزبية فتضعف، أو تهدره بالكلية فتفقد أدوات هامة في تحقيق مصالحها في الممارسة السياسية الإقليمية والدولية، ويبدو الأمر جليا في الأزمات حين ينكشف القصور، وهو ما سنرصده في الحالة المصرية بجلاء.

منطق الدولة قبل منطق القوة

اتفق علماء السياسة على أن الدولة هي الإطار الذي يتوج البنيان الاجتماعي منذ الفلسفة اليونانية مرورا بالفكر الإسلامي ووصولا للفكر الحديث، حيث استقر القول بأن اكتمال الإنسان الأخلاقي لا يتم إلا في ظل الدولة، ومن هنا استمدت طبيعتها التي تنفرد بها وسيادتها على جميع أشكال التجمعات الأخرى. فالدولة في أحد تعريفاتها المستقاة من نظريات العقد الاجتماعي والمستلهَمة من تاريخ الفكر السياسي الإسلامي نظام معياري للقيم العامة في المجتمع. وهو ما يعلو على الدولة ككيان مؤسسي وبنية قانونية وإدارية، والدولة كسلطة حاكمة.

لم يكن غريبا أن تسعى الدولة القومية إذن لأن تكون فاعلا أخلاقيا كي تكون لها الهيمنة على المرجعية السياسية وتنزعها من المؤسسات الدينية من ناحية والاجتماعية من ناحية أخرى، وتؤسس بذلك سيادتها في مواجهة جميع الأطراف في الداخل والخارج، محتكرة المجال الرمزي والثقافي بقدر ما احتكرت أدوات القوة. والحقيقة أن قدرة الدولة تعني بالأساس القدرة على تنفيذ الأهداف الرسمية والتعبير عن مصالح القوى الاجتماعية، عوضا عن التصور الخاص باستمداد الدولة قوتها من التغلب على المعارضة القوية. ومن ثم فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع هى نتاج التفاعل بين الفاعل القومي والفاعل الاجتماعي رغم أن العلاقة بينهما غير متكافئة.

ومن ثم فإن الدولة الضعيفة تكون غير قادرة على تنفيذ السياسات العامة وتفتقد الاستقلالية في مواجهة النخب الاجتماعية المهيمنة. كما أن الدولة الضعيفة تفتقد وجود إدارة قائدة تمتلك السلطة الكاملة على عملية صنع القرار، كما أن أجهزتها ليس لديها المعلومات الكاملة ولا تتسم بالمهنية. ومن ثم فإن قوة الدولة ترتبط بوجود إدارة متناغمة وقوية لديها تماسك في رؤيتها لعملية صنع السياسات، ولديها مهارة توظيف المنهج التفاوضى والتشاركي عند اتخاذ القرار. كما أن هذه الإدارة القوية تمتلك المعلومات الكافية بداخلها.

وقد كتب عالم الاقتصاد جونار ميردال مفهوم "الدولة الرخوة" في تحليله لنماذج التنمية في آسيا، واصفا الدولة الرخوة بأن من صفاتها أنها تصدر القوانين ولا تطبقها، لأنه في الدولة الرخوة لا تجد من يحترم القانون فيعم الفساد فتفقد الدولة مكانتها.

وقد طبق الباحث سامر سليمان تلك الرؤية على الدولة المصرية في أطروحته للدكتوراه التي صدرت في كتاب تحت عنوان (النظام القوي والدولة الضعيفة)  واصلا إلى استنتاجات مفادها أن "الدولة القوية" تأتي من تحالفها الاجتماعي الحاكم الذي يسمح بالتغيرات الاقتصادية ويحقق أهدافا مجتمعية. ويرى أن مصر منذ قيام ثورة يوليو ظلت نموذجا للصراع الطبقي والاجتماعي، فقد أممت الثورة الصراع الاجتماعي لصالحها عبر معادلة "الدولة الريعية-الرعوية"، حيث مثلت مصر بمواردها الكثيرة فرصة للاستبداد السياسي، لتقوم الدولة بتوزيع تلك الموارد بمنطق العطايا وربطها بالولاء السياسي للنظام الاشتراكي ثم تشوه هذا النظام في ظل الانفتاح وصولا إلى عهد مبارك، حيث تمحورت موارد مصر في قناة السويس والبترول والمساعدات الأجنبية.

وفي عهد مبارك توسع دور الدولة الأمني، لكن تقلصت الإيرادات التي وصلت إلى أضعف مدى في منتصف الثمانينيات، فتمت مراجعة تعريف دور الدولة، فإذا ما تدفقت الموارد اتسع دورها، وإذا نضبت الأموال تقلص مجال عملها. ويرى أن مجال الإنفاق هو الإنفاق للسيطرة السياسية، فمثلا الإعلام والثقافة والشؤون الدينية هي مجالات الإنفاق التي مثلت التغطية السياسية لحكمه. وفي سبيل الحصول على شرعية جماهيرية تكفل التغطية السياسية حرصت الدولة على دعم السلع، وبالتوازي تم الخضوع لمقررات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تغيير هيكل الاقتصاد بتصفية القطاع العام.

أما الإنفاق على التنمية وفي مقدمتها التعليم الذي وجهت له الدولة استثمارات ضرورية، ممثلة في إنشاء المدارس، دون أن تعالج قلب المشكلة التعليمية، أي أجور المدرسين، التي كانت تتطلب هيكلة جديدة للأجور، فلا تستطيع الدولة تحملها ماليا، فشهد تعثرا توازى مع إخفاق جهود التنمية المستدامة، وعجز الدولة عن كفالة الحد الأدنى للحياة الكريمة للمواطن مع تنامي استقطاب حاد في الأجور بين القطاع العام والقطاع الخاص وبروز نخبة اقتصادية سيطرت على عملية صنع القرار السياسي، بما أدى لانتشار الفساد وتردي السياسات العامة فضلا عن عدم عدالة التوزيع الإقليمي للموارد العامة ثم إلى احتدام الصراع السياسي.

فالدولة المحملة بتاريخ وتراث من المركزية المرتبطة بالاستبداد فشلت نتيجة عجز مؤسساتها في تنفيذ خططها، واتبعت في العقود الماضية الوسائل الأكثر تخفيا وأقل تكلفة سياسيا، مثل ضريبة التضخم (طبع النقود)، ثم اضطرارها بعد ذلك إلى فرض ضريبة على المبيعات، ثم أخيرًا العمل على إصدار قانون للضرائب على الدخل. لكنها رغم كل الاجتهادات فشلت في رفع إيراداتها، بل تزايدت نفقاتها، مع عدم قدرة النظام على تعبئة التأييد السياسي.

ومع أفول الدولة الراعية لصالح بزوغ دولة "الجباية"، شهدت مصر تراخي آليات السيطرة السياسية والاقتصادية، وازدياد الاستبداد، وهو مؤشر على أفول وضعف الدولة رغم هيمنة النظام السياسي. ولا شك أن تصاعد دور رجال الأعمال اللافت بعد انتخابات العام 2000 يؤكد فقدان الدولة لمساحة تحكمها المطلق في البرلمان. وهو ما يعني أن حزمة القوانين تخدم فئة محدودة بما يفقد القانون مصداقيته والدولة شرعيتها.

من هنا فإن الإصلاح يبدأ من تدخل الدولة لضمان كفاءة المرافق العامة، وتحقيق عدالة مقبولة في توزيع الثروات والدخول، ودعم الصناعات والمشروعات الوطنية الوليدة لمجابهة مشكلة البطالة، ودعم التعليم للقضاء على الأمية والتسرب والجهل، والتأثير على العادات والسلوكيات لجعلها أكثر إيجابية وأقل سلبية، وتشجيع الحراك الاجتماعى عن طريق محاربة جميع أشكال التمييز السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي بين المواطنين.

فإصلاح الدولة أمر حتمى لتحقيق التنمية والرفاهية، ولا يغني عنه تدفق الدخول الريعية أو المساعدات أو الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن الحاجة الماسة لاستئصال الفساد في جميع المستويات، وإلا انتقلنا لحالة الدولة الفاشلة Failed State  التي تعجز تماما عن القيام بوظائفها الأساسية، فلا تحمي مواطنيها ولا تضمن سلامتهم البدنية، وتعاني من اضطرابات داخلية وتدخل أجنبي في شؤونها، وانهيار منظومة العدالة، وانتشار العنف وعدم الاستقرار الظاهر.

ورغم أن الحالة المصرية لا يبدو عليها هذه العوارض في الظاهر فإن مؤشرات وإرهاصات ذلك بدأت منذ مطلع الألفية بشكل قد لا يراه الناظر من الخارج لكن يدركه من يتابع ارتفاع معدلات الجريمة، وتردي الأمن والسلامة على الطرق، وانتفاضات يومية يقوم بها الناس في الريف والبدو وبعض المناطق العشوائية وأطراف الحضر الذين بدؤوا يحتجون على الدولة بشكل عشوائي عجزت القوى السياسية حتى الآن عن نظمه في خيط واحد من الاحتجاج السياسي في تيار عام للتغيير يتجاوز الحركات الاحتجاجية المتناثرة وأحيانا المتنازعة التي ظهرت على الساحة في السنوات الماضية.

لذا يبدو التساؤل عن منطق الدولة المصرية أسبق من السؤال عن طريقة توظيفها للقوة، إذ إن هذا التوظيف ينبني على قدرات الدولة من ناحية وإدراك صانع القرار للدور من ناحية أخرى. وقد لا تتوفر مقومات للقوة الصلبة، لكن الدولة توظف تاريخها أو مكانتها الرمزية فتخلق هذا الدور خلقا بالحركة الدائبة والسعي القوي فتكتسب مصداقية في مجال ما أو يبرز منها رواد في مجالات ودوائر ما بما يمنحها قوة ناعمة ذات تأثير.

والعكس، قد تملك الدولة مقومات القوة لكنها تهدرها لغياب وعي صانع القرار بالموارد الناعمة التي لدى الدولة، أو لقرار سياسي بتقليص الدور لأسباب تنشأ في عقله بناء على فهم محدد للمخاطر والفرص، من هنا كان اهتمام العلاقات الدولية بإدراك صانع القرار وبنيته العقلية والنفسية.

عناصر القوة الناعمة لمصر: هدر الإمكانية

مصر دولة تملك كل مقومات القوة الناعمة سالفة البيان، فهي تملك التاريخ كرصيد حضاري، وتملك الموقع والثقل الديمغرافي في قلب الأمة العربية، وتملك المؤسسة الدينية البارزة، وهي الأزهر بما يمنحها مكانة إسلامية، وتملك الامتداد في قلب القارة الأفريقية، وتملك العقول والسبق العلمي في المنطقة العربية والريادة الفكرية والثقافية، والتجربة الليبرالية الأقدم في العالم العربي، ولا مجال هنا لسرد التاريخ المعروف لتلك المجالات، لكن هذه الأرصدة تآكلت لعدة عوامل عبر العقود الماضية لأسباب موضوعية سبق ذكرها تتعلق ببنية الاستبداد في ظل نظام حاكم لا يريد أن يتنازل عن مركزيته في إدارة العملية السياسية، غير مدرك للإشكالية الكبرى: أن ضرب مقومات القوى الناعمة في الداخل لفرض السيطرة والتحكم هو تبديد لفرص القوة الناعمة في الخارج، ومن هنا فإن التحول للاصلاح والديمقراطية، وتعزيز قوة المجتمع المدني ليست خيارا داخليا فحسب بل هي شرط القوة الإقليمية لمصر، وإذا أردنا التركيز على كل تلك العوامل فإن المساحة لن تتسع، لكننا سنتناول ثلاثة عناصر أساسية:

التاريخ كرصيد حضاري:
يعد التاريخ رأس مال معنويا يمكن توظيفه قوة ناعمة، ولا نقصد بالتاريخ الأبعاد المتحفية التي انشغل بها النظام المصري باعتبارها مصدر دخل القطاع السياحي الصاعد في الاقتصاد المصري، الذي يحظى بنسبة من الاستثمارات المحلية تفوق ما يسهم به في الدخل القومي لو قيس بالإمكانية أو قورن بالدخل من السياحة في دول أخرى.

ومجددا يغفل النظام عن أن القوة الناعمة الثقافية والإعلامية في هذا القطاع الذي يكرر الخطاب الرسمي أنه "قاطرة التنمية" لن يكتب لها الاستقرار والنمو في ظل غياب الفاعلية في الأداء الخدمي ورفع كفاءة المرافق لأساسية للمواطنين كما للسائحين.

التاريخ الذي نقصده هو الامتداد والعمق الزمني في العلاقات وفي الأدوار، فقد قامت مصر عبر تاريخها بأدوار متنوعة في محيطها الجغرافي، لكن الجغرافيا وحدها لا تكفل استمرار الدور التاريخي، كما أن مرور الزمن دون ممارسة فعلية ومتجددة الرؤية والأهداف لا يضمن استمرار ذلك الدور.

وقد تراجع الدور المصري التاريخي في الدوائر المختلفة، الإقليمية العربية والأفريقية والإسلامية بل والدولية. فقد اتخذ النظام في العقود الثلاثة الماضية منحى التركيز على الشأن الداخلي، وتم عزله عن محيطه العربي بعد كامب ديفيد، وعندما عادت العلاقات العربية-العربية لمسارها مرة أخرى كانت هناك قوى جديدة تريد أن تلعب أدوارا على الساحة، فلم يدرك صانع القرار المصري تلك المستجدات.

ويمكن أن نضرب مثالا بالأبعاد العلمية والثقافية، فقد كانت مصر لفترة طويلة المركز التعليمي والفكري والإعلامي في العالم العربي، توفد المعلمين وأساتذة الجامعات لدول الشمال الأفريقي كما لدول الجزيرة العربية، بما كفل نفوذا مصريا في تلك الدائرة لعقود طويلة.

لكن تنامي القوة العلمية والإعلامية لدول الخليج نتيجة توظيف بعض عوائد النفط في قطاعات التعليم والإعلام لتحقيق الاستقلال الكامل، ولتوظيف تلك القوة الناعمة في محيط دول مجلس التعاون، وتراجع ريادة التعليم المصري المدرسي والجامعي لتعثر سياسات التنمية، وتقديم مخصصات الأمن على مخصصات الرعاية ونوعية الحياة في تخطيط السياسات العامة، وتردي الأوضاع المهنية، وفقدان السبق في مجالات الإعلام والإنتاج الفني، وصعود الحضور لدول مختلفة على الساحة العربية في مجال النشر والصحافة والفضائيات، كلها عوامل أدت لتراجع الدور المصري الذي صار يلاقي منافسة شديدة حتى في مجال مهرجانات السينما.

ورغم أن الطاقة البشرية المصرية ما زال لها الصدارة في تلك المنصات العربية المختلفة، فإنها لا يتم استثمارها باعتبارها قوة ناعمة مصرية، إذ يحتاج ذلك لخطة واضحة وإستراتيجية ثقافية تفيد من المتاح وتحول المخاطر والتهديدات التي تلقاها القوة الناعمة المصرية إلى فرص وآفاق، لكن العقل المصري ما زال يعيش في تاريخه وليس في لحظته، مستكينا لرصيد قديم لا يدرك أنه يفقده، رغم أن أرصدة الآخرين تقوم على قوته البشرية في أحيان كثيرة.

وما يسري على الثقافة والصحافة والإعلام يسري على التعليم، فقد تطور التعليم الجامعي في الدول العربية، ولم يعد التعليم المصري جذابا للغالبية العظمى من الشعوب العربية، والأجيال الجديدة الصاعدة، التي ستشكل النخب المؤثرة في مجتمعها لم تتعرض للتأثير التعليمي والثقافي المصري نظرا للغزو الأجنبي في تلك المجالات، من غزو ثقافي لغزو تعليمي-مدرسي وجامعي. وبعثات الدراسات العليا للدول العربية لم تعد تتوجه لمصر بل للدول الأجنبية أو لفروع الجامعات الأجنبية في دول الخليج. وسيكون لهذا أثر بالغ على تآكل القوة الناعمة المصرية التي كانت ظاهرة في هذا الضمار تاريخيا.

المكانة الإسلامية:
فقد حظيت مصر بمكانة متميزة بحكم كونها مركزا للعلم الديني، ومثل الأزهر شعاعا تعليميا وفد له طلاب العلم عبر القرون، وحصلت مصر بذلك نفوذا دينيا في أقطار العالم الاسلامي. لكن نهضة الدولة الحديثة منذ عصر محمد علي فرضت قيودا على هذا الدور، إذ توازى بناء الدولة مع محاولة تحجيم العلماء كنخبة اجتماعية لها دور سياسي لا ينكر، وبدأت الدولة تمارس سيطرتها التدريجية على موارد هذه المؤسسة التعليمية من خلال التحكم في استقلالها المالي والقانوني.

وتم ذلك بالتدريج حتى وصل لذروته في الحقبة الناصرية، وكان ما جرى من خضوع وتبعية سياسية للأزهر في عصر السادات ومبارك تحصيل لما سبق، حيث يظل اختيار قيادات المؤسسة الدينية في يد رئيس الجمهورية، وتتبع الأوقاف موازنة الدولة، ولا يوجد سلطة للواقفين على ما أوقفوه من أموال ولا لورثتهم، وتم توجيه المؤسسة الدينية التي تسمى بالرسمية لخدمة أهداف الدولة، من تمجيد للاشتراكية تارة، وبيان توافق الإسلام مع الليبرالية تارة أخرى، وثار ما ثار حول فتاوى الفوائد البنكية، فضلا عن توظيف الدولة المنابر للدعاية للنظام، وتجفيف منابع التدين غير الرسمي سواء أكان تنظيميا أو دعويا بزعم مكافحة الارهاب منذ اغتيال السادات، فضلا عن إهمال التربية الدينية في المدارس، وجمود جهود تطوير الأزهر والتعليم الديني به التي ظلت كلاما إعلاميا دون مضمون حقيقي. بل حرصت الدولة على تدجين الطرق الصوفية ونقابة الأشراف بما يضمن لها وحدها توجيه دفة الخطاب الديني وتجفيف منابع التدين المستقل.

ربما أثمر ذلك استقرارا أمنيا بالتوازي مع إحكام القبضة البوليسية للجهاز الأمني على المساجد والمعاهد الأزهرية وجامعة الأزهر وأنشطتها، لكن ما لم يلتفت له النظام هو أن تطوير وتجديد الخطاب الديني والتعليم الديني لا يتم بمراسيم فوقية ولا بقرارات سيادية، بل هو حصيلة الحرية الفكرية ومناخ التعلم الحر الذي ساد الأزهر لقرون، ومن هنا عزوف الكثير من الدول الإسلامية عن إرسال طلابها اليوم للأزهر، والبحث عن أماكن بديلة خاصة في الدراسات العليا، بدءا من كليات الدراسات الإسلامية الصاعدة في الشرق الإسلامي أو في الجامعات الغربية، وصولا لتأسيس برامج وطنية للدراسات الإسلامية بهاجس أمني مقابل في الدول غير العربية من انتشار الفكر التكفيري والمعارض بين الأغلبية كما بين دول الأقليات المسلمة، وتنامي القلق من انتشار الفكر السلفي والوهابي.

ولم يقم الأزهر بتطوير مضمون المناهج ولا طرق التدريس بالوتيرة التي توافق وتنافس التحديات التي يواجهها والمنافسة من دوائر متنوعة صاعدة في مجال الدراسات الإسلامية، ونظرة على دوائر تعليم الوافدين في الأزهر كافية لبيان الحالة التي هو عليها الآن والتي كان يجب الاهتمام بها لأنها ذراع قوية للقوة الناعمة في الدائرة الإسلامية.

ونظرا لأن لعب الدور الناعم متروك للدعاة والمشايخ دون استثمار وتوجيه من قبل الدولة لهم أو وضع دورهم في إطار إستراتيجية عامة، ناهيك عن تردي وضع الدعاة الاقتصادي وتراجع مكانتهم الاجتماعية، فإن السياسة الخارجية المصرية فشلت في توظيف هذا الدور لدعم مكانة مصر في دوائر الكتل الإسلامية في المنظمات الدولية، ونافستها بقوة المملكة السعودية التي نجحت في الترويج لصورتها، وتوفير الموارد الكافية لإدارة قوتها الناعمة المرتبط بالحرمين الشريفين في هذا المضمار.

ولن تسترد مصر تلك المكانة ولا فاعلية تلك القوة دون تحرير للأزهر والمؤسسة الدينية من قبضة الحسابات الأمنية والسياسية، ودون دعم لاستقلال التفكير الديني والتجديد الحقيقي، وهو خيار سياسي بالأساس ما زال النظام غير قادر على إدراك آثاره البعيدة، مكتفيا بالمكاسب المحدودة قصيرة الأجل المترتبة على تأميم الدولة للدين في دوائره الرسمية.

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الفكر الديني وإنتاجه لا يقتصر على المؤسسة الرسمية، ففي مصر عقول إسلامية فذة، لكن يظل الإشكال هو توجس النظام من فكرها الإسلامي وانعكاساته الحركية، وبالتالي هو غير قادر على الوعي بأنها تشكل -بغض النظر عن موقفه السياسي- رصيدا للقوة الناعمة المصرية في المجال الإسلامي.

القوة المدنية، والدور الإنساني:
تعد القوة الاقتصادية والخبرة السياسية والزخم الفكري والأيديولوجي والعلمي والثقافي والإبداعي مقومات مركزية ومصادر للقوة الناعمة، لكن الذي يغيب أحيانا عن التحليل أنها كلها تنبني على أسس وموارد مدنية بالأساس، أي أنها ترتكز على قوة مجتمعية، من هنا فإن الإشكالية التي نواجهها في الحالة المصرية هي أن تراجع المد الفكري، وتعثر التحول الديمقراطي، وتفكيك المجتمع المدني، والهيمنة الحكومية على العمل النقابي، وتعويق الفعل السياسي والاحتجاجي، وتقييد حرية الرأي والتعبير، كلها أسباب تفت في عضد القوة المدنية المصرية التي هي منبع القوة الناعمة، ولذا فإن خيار القوة الناعمة ليس خيارا بسيطا لصانع السياسة الخارجية، بل هو خيار إستراتيجي لصانع القرار السياسي والسيادي، ولا شك أن نضوب موارد التمدن، وتشرذم القوى الاجتماعية، وملاحقة قوى التغيير وتغييبها تؤثر سلبا على الإمكانات المدنية التي تستقي منها القوة الناعمة قوتها.

ويعجز النظام المصري المرة تلو المرة في المواقف والأزمات المختلفة عن إدارك مكامن قوته الناعمة، ولا يميز بين حسابات الاستقرار ومقومات الاستمرار، والتي قد تتعارض إذا لم تحسم بدقة وحساسية بالغة، من هنا فإن الاعتبارات الأمنية، وإحكام القبضة على مفاتيح التغيير، وتعويق التحول المدني والديمقراطي، والتضييق المستمر على حرية التعبير تنذر على المدى المتوسط والبعيد بإهدار القوة الناعمة التي تملكها مصر.

وفي الحالة المصرية ونتيجة ثقل الكتلة الديمغرافية فإن الدولة لو تركت القوى المدنية تنشط في مجالات متنوعة يمكن أن تعتمد عليها في القيام بأدوار لا ترغب الدولة أو لا تستطيع الوفاء بها. وتفعيل تلك القوى لخدمة المصلحة القومية يغيب في معظم الأحيان.

كان يمكن لمصر لو استمرت في تجربتها الديمقراطية أن تكون مركز إشعاع للحريات المدنية والتغيير السياسي، لكن النظام المصري أغلق نوافذ التغيير بسياسات تعبر عن دولة رخوة بامتياز، ففقدت مصر مصدرا هاما للمكانة والتأثير. وترتب على ذلك -كما ذكرنا- تردي مقومات القوة الداخلية على جميع الأصعدة الأخرى لغياب الحريات وتجمد النظام وانسداد الأفق عبر ثلاثة عقود.

والمثال الذي يمكن أن نضربه ولا نجد له ذكرا في تحليل القوة الناعمة المصرية هو مثال الإغاثة والعون الإنساني، فقد أضحى هذا القطاع في ظل تنامي الأزمات على المستوى العالمي من المجالات الهامة في التعاون الدولي وممارسة الدور، وهو يقوم على تعبئة موارد مجتمعية بالأساس، ولمصر باع في هذا المضمار تاريخيا عبر جمعياتها الأهلية، فضلا عن زخم القطاع التطوعي وعاطفية الشعب المصري التي جعلته يتبرع لدعم نضالات التحرر، ومساندة الدول العربية والإسلامية في لحظات الكوارث، مقدما العون الإغاثي بسخاء لا يعوقه إلا هاجس الأمن وقلق أجهزة المخابرات قبل الحادي عشر من سبتمبر، ثم التخوف من تهمة تمويل الإرهاب بعدها.

ويمكن لمصر لو فتحت الباب للعمل الإغاثي والإنساني ووجهته بحكمة وحنكة أن تكسب بالقوة الناعمة نفوذا وتأثيرا لا تريد قيادتها أن تكسبه بالقوة الصلبة التي تخلت عنها لأسباب عديدة وفق تقديرها، وذلك خيار لن يكلف الدولة موارد، لأن الموارد ستأتي من الناس لدعم غزة وإغاثة المضارين من سيول باكستان وإندونيسيا أو في الصومال، وهو ما تقوم به لجان الإغاثة المصرية في النقابات والجمعيات الإسلامية المصرية التي تسهم بجهد.

لكن المعوقات في جمع التبرعات، وتحويل الموارد، وشحن المساعدات، وتسهيل السفر لا تتناسب والإمكانية التي يمكن أن ترفع هذا الدور ليكون دورا أساسيا، وذراعا للقوة الناعمة، وعونا للدبلوماسية المصرية التي لا ترعى تلك الجهود بل تتقاعس عن دعمها وتوفير الغطاء السياسي اللازم لها.

ففي كل مرة تتغلب الحسابات الضيقة خاصة المتعلقة بعداء النظام للتيار الإسلامي، وتخوفه من نشاط الجمعيات الإسلامية وانتشارها على قدرته على التمييز بين الضبط الداخلي لأسباب التنازع السياسي –بحدود- وبين التوظيف الذكي لتلك القوة في كسب نقاط في مجال العلاقات الخارجية، وتحسين صورة مصر وتأكيد دورها الإقليمي، وهو ما نجحت فيه تركيا بامتياز رغم ضريبة الدم الغالية التي دفعها المدنيون الأتراك الشهداء في موقعة قافلة الحرية.

الثمن: دورة الأزمات والعجز
تدفع مصر الآن ثمن إهدار قوتها الناعمة، وأزمتها مع دول حوض النيل من ناحية وإدارة موقفها من غزة من ناحية أخرى دليل على ذلك، نتطرق لهما كمثالين في الختام، ولكن نؤكد قبلها على ملاحظتين:

أولا: أن القوة الناعمة في حالة الدول المركزية الكبرى مثل مصر لا تنفصل بالكلية عن القوة الصلبة، فهي تنبني عليها في كثير من الأحيان، ومن هنا فإن تراجع القوة الصلبة -خاصة التاريخي منها كتوازن القوة العسكرية- يؤدي لفقدان القوة الناعمة لمقوماتها الأساسية ووقوفها في فراغ، وبالتالي فإن القدرة على الردع تمنح للقوة الناعمة مساحة للحركة، فتكون خيارا موظفا لدعم قوة الدولة وليست محاولة عاجزة يائسة لملء فراغ القوة. صحيح أن هناك دولا توظف القوة الناعمة دون أن تملك قوة صلبة بالمعنى التقليدي خاصة العسكري، لكن يخطئ من يظن أن هناك قوة ناعمة دون أي نوع من القوة الصلبة.

فحتى حالة القوة الإعلامية لدول الخليج كما في مثال قناة الجزيرة نفسها كقوة ناعمة توظفها دولة قطر في كسب دور متنامٍ على الساحة العربية، حتى هذه تستند لقوة صلبة هي القوة الاقتصادية (الغاز والنفط بالأساس) التي مكنتها من بناء صرح إعلامي ينافس دوليا، وهي القوة الصلبة نفسها التي مكنتها من الاستفادة من القوة العسكرية الصلبة لدولة أخرى -هي الولايات المتحدة- بالسماح بوجود قاعدة عسكرية للأخيرة توفر لقطر غطاء الحماية في ظل وضع إقليمي متوتر (بغض النظر عن تقويمنا لذلك الخيار من منظور الأمن القومي العربي).

ثانيا: إن إدارة القوة الناعمة ليست هامة سهلة، فهي أقرب للثروة القابلة للتناقص، وإهدار الفرص وسوء الإدراة قد تهددان رصيد القوة الناعمة بالتآكل، وهو ما لا يدركه صانع القرار حين يفاخر بالتاريخ ولا يصنع من ذلك الماضي -عبر مواصلة استخدام الموارد المعنوية- رصيدا متجددا  للمستقبل. هذا ما فعله النظام المصري في رصيده التاريخي من القوة الصلبة في حالتين واضحتين:

1- في موقفه حيال القضية الفلسطينية غير مدرك أن القوة الناعمة لن تستمر إذا لم يحافظ على هذا الرصيد، والذي أهدره منذ عقد معاهدة السلام مع إسرائيل، رغم أن المعاهدة في ذاتها لم تكن لتهدد الرصيد لأسباب كان يمكن تفهمها تكتيكيا، لكن ما أهدره هو انسحاب مصر من دورها الإقليمي تباعا ثم بشكل حازم مؤخرا (رغم استمرار التصريحات الإعلامية بعكس ذلك)، وتراجع دورها الفعال في نصرة قضايا الشعب الفلسطيني.

وهو ما تبين بشكل متراكم وصولا للذروة في حرب غزة، وأيضًا في التصعيد مع حماس، وحرصه على الكشف عن قضية حزب الله (الذي كان يمكن أن يتم في سياق مختلف للدور الإقليمي المصري بأن يتم تناولها على المستوى المخابراتي وليس بشكل سياسي تصعيدي من إعلان ومحاكمة)، وهو ما جعل أطرافا أخرى تدخل على خط الوساطة بين الفصائل الفلسطينية، وزاد من قوة العلاقة بين حماس وحزب الله، ورفع من أسهم الدور السوري الذي تراجع في بعض اللحظات التاريخية، بل وسمح لإيران بممارسة بعض النفوذ الناعم (أو الصلب أحيانا) عبر العقود الماضية فضلا عن بروز الدور التركي الصاعد.

التراوح غير الحكيم بين الصلابة والنعومة وسوء التوقيت وعدم التوفيق في اختيار رد الفعل الملائم للموقف في التعامل مع غزة خاصة بعد فوز حماس، وعدم القدرة على التمييز السياسي المحنك بين الخلاف الأيديولوجي مع إسلاموية حماس والدور المصري المرتبط بأمن مصر القومي أفسد صورة النظام المصري، فبدت سياسته صلبة حين وجبت النعومة وناعمة حين وجبت الشدة، خاصة في التعامل مع القصف والاعتداءات الصهيونية المتكررة على الشريط الحدودي في رفح من جهة فلسطين، وتحليق الطيران الإسرائيلي حرا فوق الأراضي الفلسطينية، والقصف المتكرر شبه اليومي الذي صار يمر مرورا عابرا لا يلفت النظر بل لا يغطيه الإعلام المصري أحيانا، فقط تحمله رواية الشهود القادمين من غزة والعالقين طويلاً على المعبر على الحدود المصرية.

وظهر هذا أيضا جليا في غياب مصر بل تعنتها تجاه الحضور المدني الإنساني الدولي في المشهد الإغاثي لدعم غزة، من ضرب المتظاهرين الأجانب في حملة الحرية الذي شهدته كاتبة هذه السطور في قلب القاهرة، مرورا بتراخي الإدانة لاقتحام سفينة الحرية وقتل النشطاء المدنيين، بل وجدنا ذلك سابقا في الموقف من حرب يوليو/تموز 2006 بين حزب الله والعدو الصهيوني، وهو مجال الإغاثة كمجال من أهم مجالات القوة الناعمة كما ذكرنا.

2- الأزمة الثانية التي تجلى فيها تآكل القوة الناعمة لمصر هي أزمة توزيع مياه حوض النيل وحصة مصر منها، حيث اكتشف النظام أن دول حوض النيل قادرة على التفاهم بينها وتوقيع اتفاقيات رغم اعتراض مصر، وظن أن بعض الزيارات الدبلوماسية المتبادلة ستنقذ ما أهدرته عقود طويلة من تبديد رأس مال مصر من القوة الناعمة مع دول حوض النيل خاصة والدول الأفريقية عامة عبر القرون، خاصة في القرنين الماضيين، سواء بالتعاون الاقتصادي والسياسي المباشر في القرن التاسع عشر الذي انطلق من اعتبار السودان مجالا حيويا لمصر، واستمرار ذلك رغم الاحتلال البريطاني عبر تواصل القوى السياسية، أو بعد الاستقلال حيث كان للرئيس جمال عبد الناصر فلسفته، واعتبر أفريقيا إحدى الدوائر المركزية لمصر، وطور علاقاته الدبلوماسية ومكانته الأفريقية بقوة، وكان من أدواته ووسائله في ذلك: الوزارات المصرية، والدبلوماسية المصرية، وشركة النصر للتصدير والاستيراد في أفريقيا جنوب الصحراء. كما كان من مظاهر ذلك أيضا استقبال الدارسين الأفارقة في الجامعات المصرية بمصروفات رمزية، ودعم الجمعيات العلمية كالجمعية العلمية الأفريقية، وتحفيز الدراسات الأفريقية من خلال دعم معهد الدراسات الأفريقية.

لكن جاء بعد عبد الناصر الرئيس أنور السادات بسياسة مختلفة توجهت بالأساس لصداقة الولايات المتحدة الأميركية والغرب والصلح مع إسرائيل، فقطعت الدول العربية علاقاتها مع مصر وابتعدت الدول الاسلامية، فتجاهلت الدول الأفريقية مصر وتجاهلتها مصر، وانكفأت مصر على نفسها في السبعينيات بزعم بناء الاقتصاد الحر، وبناء التجربة الديمقراطية التي آلت في نهاية عصر السادات لنهاية مؤلمة باعتقال جميع أطياف المعارضة، ثم جاء مبارك بسياسة ثالثة مخالفة كل الاختلاف تتبنى مبدأ عدم  تخطي حدود مصر ولا مجال أبدا للصدامات مهما تكن نتائجها إيجابية أو سلبية.

وأصبح الحضور المصري في الدوائر الأفريقية رمزيا واحتفاليا، وحدث الفراغ في قيادة القارة الذي ملأته فورا دولة جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري، ومن يشهد المؤتمرات الدولية سيرى على الفور إلى أين يتجه الدبلوماسي المصري الذي يحرص على التواصل مع نظرائه من الدول الغربية، وإلى أين يقصد الدبلوماسي الأفريقي الذي يحرص على التعرف والتواصل مع نظرائه من القارة الأفريقية، وقد يكون من اللافت أن الدولة التي حرصت على بناء سياسة خارجية مع الدول الأفريقية بشكل متواصل وقوي هي ليبيا (لكن لهذا سياق ومنطلق آخر ولا مجال لتحليله هنا).‏

لقد كان لمصر رصيد في دعم قوى التحرر في مرحلة الاستقلال في كثير من الدول الأفريقية، لكن هذا الرصيد تبدد، والجهد الذي بذلته مصر في شجب تحرك دول المنبع بدعوى الحق التاريخي في مياه النيل كان الأولى أن يتجه لمراجعة أسباب تقصير الدبلوماسية المصرية عبر عقود في البناء على إرث تاريخي قوي للدور المصري في أفريقيا، وكيفية تخصيص اهتمام أعمق وموارد أكبر لاستدراك ما فات.

ورغم أن الخبير د.عمرو حمزاوي يظن أن القوة المصرية الناعمة في أفريقيا قد انتهت فإن الخبير الإستراتيجي رئيس شركة النصر سابقا محمد غانم يعتقد أن الوقت لم يفت بعد لاستدراك الأمر لو تحققت الإرادة السياسية وتمت مراجعة الإستراتيجيات والتوجهات.

نؤكد في النهاية أن خيار القوة الناعمة يظل خيارا صعبا ومركبا على عكس ما قد يظن البعض، فالقوة الناعمة -كما ذكرنا- ترتكز على قوة مدنية تشترط مساحة من الحرية والديمقراطية والمشاركة في صنع القرار الإستراتيجي، وتستند لخيارات في تخصيص الموارد بما يحفظ للقطاعات المختلفة في الدولة قوة تستطيع أن تستثمر بعضها في المجال الخارجي الإقليمي والدولي، وتشترط حنكة سياسية تميز بين الخصومة السياسية والإمكانية والمكانة الوطنية للخصوم، وكلها عناصر فقدتها مصر عبر العقود، وتحتاج لأن تعيد ترتيب أوراقها وتشحذ همتها من أجل استعادة ما أهدر واسترداد ما بُدد.
______________
مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

تعليقات

 

المزيد من الملفات

يُقدِّم الملف تأصيلًا معرفيًّا لسياقات نشأة الصحافة الإلكترونية العربية وتطورها، ومقاربة تركيبية لتحديات البنية الهيكلية والتشريعية والمهنية والتكنولوجية والمسارات المستقبلية لهذا القطاع الصحفي.

2019/02/10

في ثلاث أوراق بحثية، يسلِّط مركز الجزيرة للدراسات الضوء بمتابعة تحليلية على النقاش الدائر في إيران اليوم بشأن مرحلة ما بعد خامنئي، وهذه المتابعة لا تركز على الأسماء المطروحة بقدر تركيزها على مراكز القوة والنفوذ المؤثرة في رسم المشهد واختيار المرشد القادم.

2019/01/24

ليست المسألة الكردية مستجدة أو طارئة على هذه المنطقة بل هي منغرسة في تاريخها وجغرافيتها وديمغرافيتها لاسيما منذ إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط على ضوء ترتيبات سايكس-بيكو قبل مئة عام.

2018/08/23