الخطاب العام الأميركي في الانتخابات الرئاسية: الصراع الأيديولوجي والتنازع الهُويَّاتي - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
دراسات إعلامية

الخطاب العام الأميركي في الانتخابات الرئاسية: الصراع الأيديولوجي والتنازع الهُويَّاتي

ترصد الدراسة الخطاب العام الأميركي على مستوى اللغة والرؤية السياسية وتعبئة الجماهير أيديولوجيا حسب التصنيف، الذي يكرسه خطاب المرشحين الجمهوريين، بين الـ"نحن" (فئات البيض المتحدرين من أصل أنجلوساكسوني) والـ"هم" بمن فيهم الأقليات والمسلمون، وقيم التعددية والتعايش التي يتمسك بها مرشحا الحزب الديمقراطي.

الأربعاء, 22 يونيو, 2016 09:53 GMT

(الجزيرة)

تُفكِّك الدراسة أسباب التذبذب المتنامي بين دعوات التشدُّد اليميني ودعوات التصحيح اليساري ضمن تجاذبات الخطاب العام الأميركي على مستوى اللغة والرؤية السياسية وتعبئة الجماهير أيديولوجيًّا حسب التَّصنيف، الذي يُكرِّسه خطاب المرشحيْن الجمهوريين، دونالد ترامب وتيد كروز، بين الـ"نحن" (فئات البيض المتحدِّرين من أصل أنجلوساكسوني) والـ"هم" بمن فيهم الأقليات والمسلمون والمهاجرون، وقيم التعدُّدية والتعايش والبوتقة الثقافية التي يتمسَّك بها مُرَشَّحَا الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون وبرني ساندرز. وتتعقَّب أيضًا تأثير السَّرديَّات المتنافسة وتزايد نزعات الانقسام وأحيانًا الاشتباك بالأيدي بين أنصار ترامب ومعارضيه على الرأي العام الأميركي ، ولماذا تحوَّل تصحيح الخطاب العام وتحديد مقومات الزعامة في واشنطن إلى معركة إضافية بين المرشحين.

وتكمن أهمية الدراسة في تشريح الصراع الأيديولوجي بين المرشحين وقوة الدفع وراء تزايد الشعبية غير المرتقبة لما يُسمِّيه الباحث بـ"الترامبية" ( Trumpism ) كظاهرة سياسية في بُعدها الأيديولوجي وظاهرة إعلامية في بعدها الترفيهي، ورصد الترابط المحتمل بين بريقه الأيديولوجي ومواصفات مناصريه من البِيض الذين يجدون فيه المدافع عن هوية جماعية تَتَشَبَّع برؤية ما يُسمَّى "الاستثناء الأميركي". وتبحث في الوجه الآخر لعملته السياسية من حيث التفاف 40% من المحافظين حول برنامجه الانتخابي ونجاحه في تحدِّي المؤسسة الرسمية للحزب الجمهوري رغم مواقفه المثيرة للجدل.

وتعتمد الدراسة منهجية التحليل النقدي للخطاب بأبعاده ومرتكزاته الثلاث: النص، وممارسة الخطاب، والممارسة الاجتماعية والثقافية؛ باعتبار أن اللغة في حدِّ ذاتها ممارسة اجتماعية تقودها الغايات الأيديولوجية. وتقوم هذه المنهجية على تعرية الأيديولوجيات الـمُبَطَّنَة في نص الخطاب، وكشف التحيُّزات الكامنة وتفكيك ممارسة القوة عبر بنياته من خلال السَّرديَّات الرئيسية التي وجَّهت مسار الخطاب العام الأميركي ضمن اثنتين وعشرين مناظرة تليفزيونية، فضلًا عن ثمانٍ وستين مقابلة تليفزيونية وصحفية للمرشحين الرئيسيين الأربعة: (دونالد ترامب، وتيد كروز، وهيلاري كلينتون، وبرني ساندرز) في الأشهر العشرة الحاسمة في سير الحملات الانتخابية من الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2015 إلى الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران 2016 .

وتخلص الدراسة إلى ثمانية استنتاجات رئيسية يقترحها الباحث لفهم صيرورة الخطاب العام الأميركي، وأيضًا لاستيعاب المناخ الاجتماعي والاقتصادي العام الذي مهَّد لصعود "الترامبية" في عام المفاجآت الانتخابية: أولًا: التموقع الاستراتيجي ضمن تفاعلات الخطاب العام بين مركز المهاجِم (ترامب) ومركز المُدافِع (كلينتون وساندرز). ثانيًا: التباعد القياسي أو التجاذب العكسي بين اليمين المتشدد (ترامب وكروز) وأدنى اليسار (كلينتون) وأقصى اليسار (ساندرز) مع خُلُوِّ منطقة الوسط. ثالثًا: العدمية أو التشديد على تراجع الولايات المتحدة سياسيًّا واقتصاديًّا واستراتيجيًّا في وجه الأمم الأخرى. رابعًا: تكريس مبدأ الحمائية السياسية والاقتصادية من قِبَل ترامب كزعيم جديد للحركة المحافِظة وفي مقدمتها حركة الشاي. خامسًا: معاداة المهاجرين الجدد في بلد تشكَّلت هويته أساسًا من تدفُّق أجيال المهاجرين. سادسًا: ضرورة التمييز بين النزول عند الشعب والشعبوية بما لا يعلو فوق التضاريس اللغوية والمعرفية لدى المواطن العادي في أميركا. سابعًا: التلويح بالرُّوح الوطنية ظاهريًّا لخدمة أغراض مُبَطَّنَة للقومية لدى الجماعات اليمينية. ثامنًا: خطايا الحزب الجمهوري خلال العقدين الأخيرين في خدمة مصالح الطبقة العاملة والتعامل مع سائر الأقليات.

مقدمة 

كلما تردَّد صدى السَّرديَّات المثيرة للجدل على لسان المرشحيْن الجمهورييْن، ترامب وكروز، ضمن تحوُّلات الخطاب العام، فاجَأَ ترامب الأميركيين بتصريحات أكثر غرابة وتعارضًا مع القيم الأميركية، لتزداد بذلك حدَّة التصريحات المضادَّة وتتأجَّج حماسة السِّجالات السياسية في التجمعات العامة وعبر وسائل الإعلام بفعل ما تنقله على مدار الساعة ضمن معركة مفتوحة بين سرديَّات المرشحين أنفسهم وبين سائر المحلِّلين من النخبة السياسية.  

ومن تجلِّيات أزمة الخطاب العام الأميركي التأثير المتزايد لترامب في توجيه مناصريه نحو مبدأ الواقعية السياسية، والاعتماد على القوة الخشنة، ومعاداة المسلمين والأقليات، وعزلة أميركا أمنيًّا وسياسيًّا، وفرض إجراءات حمائية على الاقتصاد الأميركي حتى لو تطلَّب الأمر فرض ضرائب وقيود على حرية التجارة مع الدول الأخرى. وعند تبرير هذه الرؤى، يضع ترامب أميركا في سياقات التعصُّب والتقوقع على الذات، والغلبة لهوية جماعية تقتصر على البيض، وإقصاء الآخر (المسلمين والمهاجرين واللاجئين)، والتخلي عن دبلوماسية الأمم المتحدة ومعارضة تشكيل تحالفات دولية، وهي رؤية تُكرِّس الأفكار اليمينية إلى حدٍّ بعيد وتخطب وُدَّ الجماعات المحافظة وجماعات المبشِّرين. وتردُّ هيلاري كلينتون بالقول: إنه "أيًّا كان السبب وراء ما يفعله ترامب، فإنه يضع الأميركيين ضد الأميركيين"، فيما تُشكِّل تصريحاته "وصفة لمزيد من الانقسام في الوقت الذي ينبغي أن نكون متحدِّين"(1). 

1. الإطار المنهجي للدراسة

يشهد الخطاب العام الأميركي تباينًا غير مألوف إلى حدِّ التَّعارض بين مرشَّحي اليمين واليسار في هذا العام، 2016، وسط نجاح الحركة اليمينية بزعامة ترامب وكروز في تأجيج النَّعرات والانقسامات والتشكيك في الآخر والنفاذ إلى أذهان نسبة مهمة من الأميركيين بسرديَّات التخويف غير الموضوعي بشكل غير مسبوق. ويبدو أن "الترامبية" تبتلع فلسفة الحزب الجمهوري وتضع مستقبله على نسق مغاير لما سار عليه منذ تأسيسه عام 1854. 

‌أ. تساؤلات الدراسة

تركِّز الدراسة على تفكيك السَّرديَّات المتنافسة بين المرشحين الأربعة وهي بمثابة أسلحة أيديولوجية ديناميكية يتم إنتاجها وتطويرها وترميمها بفعل السِّجال العلني المحتدم بينهم من أجل كسب معركة توجيه الرأي العام. وتتناول أيضًا قدرة ترامب أكثر من غيره على توجيه الخطاب العام الـمُشْبَع بمفاهيم تنمُّ عن العنصرية والإقصاء ومعاداة أغلب الأقليات في ظلِّ هيمنته على التغطية الإعلامية مما ساعده على تعزيز مكانته بين أنصاره. وقد وجدت وسائل الإعلام المتنافسة ضالَّتها في تصريحاته غير المألوفة لتعزيز مستوى المشاهدة ورفع حصتها من سوق الإعلانات. 

وفي هذا السياق، تُركِّز الدراسة على ثلاثة أسئلة رئيسية:

  1. ما هو مدى فجوة التباين بين الخطاب الجمهوري والخطاب الديمقراطي في معركة السَّرديَّات والسَّرديَّات المضادة بين ترامب ومنافسه الجمهوري (سابقًا)، كروز،  والمرشحيْن الديمقراطييْن كلينتون وساندرز؟
  2. ما التَّمثُّلات الذهنية واعتبارات الهوية التي يستند إليها المرشحون في تشكيل بناهم الفكرية خلال الترويج لبرامجهم في مسعى لاستمالة الناخبين وبقية الرأي العام؟
  3. ما العوامل التي أسهمت في ارتفاع الشعبية غير المرتقبة لـ"الترامبية" كظاهرة سياسية في بُعدها الأيديولوجي وإعلامية في بُعدها الترفيهي مقارنة مع المرشحين الآخرين؟ 

‌ب. أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة في تحديد امتدادات الخطاب العام الأميركي بين أقصى اليمين وأقصى اليسار؛ حيث تتفاعل السَّرديَّات والسَّرديَّات المضادة بين المرشحين الأربعة وتداعياتها على مواقف الأميركيين. وتتبنَّى الدراسة فرضية أن الخطاب الراهن في أميركا -سواء في بُعده اليميني وغاياته الإقصائية أو تَوُجُّهِه الليبرالي المنفتح على مبادئ المواطنة والتعدُّدية والاندماج الاجتماعي- لا يتشكَّل من نصٍّ منفصل أو بنية حوار منعزلة، بل من عملية "تواصل معقَّدة تنطوي على نطاق اجتماعي ومشاركين وعمليات إنتاج واستقبال للخطاب"(2). 

وتُفسِّر الدراسة دواعي الفجوة القياسية بين الخطاب الجمهوري والخطاب الديمقراطي، أو ما يُسمِّيه الباحث بـ"التجاذب العكسي"، بالنظر إلى قدرة ترامب وكروز على اجتذاب المحافظين نحو أقصى اليمين المتشدِّد، واستمالة ساندرز الرأي العام نحو تصورات في أقصى اليسار في الاتجاه المعاكس بدلًا من التجاذب المباشر المفترض من خلال التنافس على مواقف الوسط المعتدل كما كانت الحال عليه في الانتخابات السابقة. 

‌ج. أهداف الدراسة

تبحث الدراسة في الصلات الدفينة بين استخدام اللغة أو نبرة الخطابة لدى المرشَّحين وطبيعة الخطاب الذي يُبَشِّرون به والتفاعل اللفظي فيما بينهم في المناظرات التليفزيونية ومع مؤيديهم في التجمُّعات الجماهيرية وخلال المقابلات مع المراسلين والصحفيين، وكيف ينتمي جميع هذه العناصر إلى "المستوى الفردي للنظام الاجتماعي القائم"(3)، بمعنى التقابل بين مُنْتِج الخطاب من ناحية ومتلقي الخطاب من ناحية أخرى خلال عام الانتخابات الرئاسية. 

وتتوخَّى الدراسة تفكيك مقومات "الترامبية" وعلاقتها الجدلية مع أنصارها من جماعات البيض وما تنطوي عليه حمولتها الأيديولوجية من مقومات التسويق لدى الناخبين، وكيف نَفَخَتْ في صدورهم نَفَسًا جديدًا للتمسُّك بهوية فرعية تَنْأَى بنفسها عن قبول الآخر ضمن الهوية الوطنية المشتركة، فيما تحوَّل مُرَشَّحَا الحزب الديمقراطي إلى عَرَّابَيْ حملة الحفاظ على القيم الأميركية.  

‌د. مجتمع الدراسة

تقوم الدراسة على تحليل عينة من السَّردياَّت التي شكَّلت محور الحملات الانتخابية لكلٍّ من ترامب وكروز وكلينتون وساندرز بين الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2015 والأسبوع الثاني من يونيو/حزيران 2016، ورسمت مسار النقاشات المحتدمة وتجاذبات الرأي العام بين الأميركيين من مختلف المشارب السياسية والمذاهب العقائدية. ويُعزى اختيار هذه الفترة الزمنية بالتحديد إلى كونها تُمثِّل المرحلة المحورية التي لم تُحدِّد الفروق بين المرشحين وبرامجهم الانتخابية فحسب، بل وحسمت أيضًا في بلورة التصوُّرات المتناسلة حول زعامة أميركا في المستقبل. كما تعكس ذروة السِّجالات السياسية وتجاذبات الرأي العام وانقسام الناخبين إلى شيع متنافسة سواء في الجلسات العامة أوعبر وسائل الإعلام أو في المنصات التفاعلية في الفضاء العام.  

وتشمل مفردات العينة القصدية اثنتي عشرة مناظرة تليفزيونية بين المرشحين الجمهوريين، ما بين 6 أغسطس/آب 2015 و10 مارس/آذار 2016، نظَّمتها اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري بالتعاون مع كبريات القنوات التليفزيونية في ولايات أوهايو، وكاليفورنيا، وكولورادو، ووسكنسن، ونيفادا، وساوث كارولينا (مرتين)، وأيوا، ونيوهامبشير، وتكساس، وميتشغن، وفلوريدا، ثم عشر مناظرات أخرى تنافس فيها المرشَّحون الديمقراطيون في ولايات نيفادا، وأيوا (مرتين)، ونيوهامبشير (مرتين)، وساوث كارولينا، ووسكنسن، وميتشغن، وفلوريدا، ونيويورك من جهة أخرى. 

وتعتمد الدراسة أيضًا تحليل نصوص إحدى وعشرين مقابلة تليفزيونية وصحفية لترامب، وخمس عشرة مقابلة لكروز، وتسع عشرة مقابلة لكلينتون، وثماني عشرة مقابلة لساندرز، وهي مقابلات فسحت المجال لكلِّ مرشح للحديث بالتفصيل عن مبادئه ومنطلقاته السياسية التي اعتمدها في حشد التأييد بين الناخبين قبل كل انتخابات تمهيدية في شتى الولايات الخمسين بمعزل عن جوِّ التنافس وضيق الوقت خلال المناظرات التليفزيونية. 

‌ه. المقاربة النظرية والمنهجية

تعتمد الدراسة مفاهيم اللغة والخطاب والقوة والأيديولوجيا في ضوء الأعمال الفكرية لميشل فوكو (Michel Foucault) ويورغن هابرماس (Jürgen Habermas) ضمن تطوُّر النظرية النقدية التي نادى بها مثقَّفو مدرسة فرانكفورت. وتتبنَّى أدوات تفكيك التحليل النقدي للخطاب العام في أعمال تون فان دايك (Teun Van Dijk) ونورمان فيركلوف (Fairclough Norman) وروث ووداك (Ruth Wodak)، قبل أن تُقدِّم مجموعة استنتاجات عن صيرورة الخطاب السياسي والإعلامي الأميركي. 

  • التحليل النقدي للخطاب

تكمن أهمية مدرسة التحليل النقدي للخطاب في تقديم أدوات تفكيكية تسمح بتشريح أبعاد الخطاب وما تنمُّ عنه من علاقات القوة ونزعة الهيمنة والاستغلال الأيديولوجي. وتنطوي هذه العملية على مبدأ مهمٍّ يقضي بعدم عزل تحليل النصوص بشكل اصطناعي "عن الممارسات التي تُكرِّسها المؤسَّسات وبقية تيارات الخطاب العام التي تنمو فيها تلك النصوص"، لذلك يستدعي التحليل النقدي للخطاب "الاهتمام بعمليات إنتاج النص وتوزيعه واستهلاكه" كما يقول أحد رواد هذه المدرسة، نورمان فيركلوف(4). 

ويُوجِّه فيركلوف أدوات التحليل نحو التعامل مع النزاع الاجتماعي وتجلِّياته اللغوية عبر الخطاب العام خاصة بالنظر إلى العناصر الخاصة بالهيمنة والاختلاف والمقاومة. ويعتبر تلك الأدوات كفيلة بتحليل علاقات الجدلية بين العناصر السيميائية (بما فيها اللغة) والعناصر الأخرى في الممارسات الاجتماعية كما يقول زميله مايكل مايير(5)، ويوضح المثَّلث في يمين الصفحة منطقة عمليات التحليل النقدي ضمن الأضلاع الثلاثة: إنتاج النص، والممارسة الخطابية، والممارسات الثقافية والاجتماعية. 

 

ويقوم التحليل على عدَّة خطوات يمكن تلخيصها على هذا النحو:

  1. التركيز على تناول المشاكل الاجتماعية. 
  2. قوة العلاقات تستند إلى الخطابة والتأثير الذهني.
  3. الخطاب يُشكِّل المجتمع والثقافة.
  4. الخطاب يُقدِّم تصورات أيديولوجية.
  5. يقوم الخطاب ضمن إطار تاريخي. 
  6. يتوسط الخطاب العلاقة بين النص والمجتمع.
  7. ينطوي الخطاب على التأويل والتفسير.
  8. الخطاب هو شكل من أشكال العمل الاجتماعي.
  9. الدعوة إلى تحليل الخطاب الموجَّه حسب النص(6).

وتبعًا لهذه الرؤية، يتدرَّج التحليل النقدي للخطاب حسب ثلاث خطوات متناسقة: أولًا: موضوع التحليل الذي يشمل النصوص المكتوبة والشفوية والمصوَّرة. ثانيًا: عمليات إنتاج النصوص وتلقِّيها بما فيها الكتابة وإلقاء الخطاب وتصميمه من قبل مُنْتِج النص وأيضًا قراءته أو الاستماع إليه أو مشاهدته من قِبَل المتلقي. ثالثًا: الأوضاع الثقافية والتاريخية التي تتحكَّم في العمليات سابقة الذكر. ويبدو أن الخطوات الثلاث تُردِّد أيضًا صدى ما قاله الفيلسوف هانس جورج جادامير الذي اعتبر "فهم وتأويل النصوص ليس مجرد ما يهتم به العلم، بل هو بشكل جليٍّ جزء من مجموع التجربة البشرية في العالم"(7)

  • مفاهيم إجرائية

في موسم انتخابات رئاسية غير اعتيادية، تزداد قوة التجاذبات ومرونة التحوُّل في تصريحات المرشحين مما يُبرز صيرورة حيوية مثيرة بين طبيعة النص اللفظي (مناظرات، خطب، مقابلات) أو المكتوب (بيانات، تغريدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي) التي يصوغها مرشحو الانتخابات كمنتجي الخطاب، وبين تلقِّيه من قِبَل الجمهور ضمن نسق فكري وسياسي قائم يضمن إمكانية انتشاره وتوالده بين الرأي العام كما هي حال الأميركيين هذا العام، 2016. ويشمل مفهوم الخطاب لدى ميشل فوكو "أنظمة التفكير التي تشمل الأفكار والمواقف ومسارات الفعل والمعتقدات والممارسات التي تبني بشكل منهجي الموضوعات والعوالم التي تتحدَّث عنها"(8). 

لذلك، ينبغي مراعاة المسار الذي يتحرَّك فيه الخطاب بين إنتاجه والتفاعل معه بين مؤيد ومعارض، أي: من مرحلة ولادة السَّرديَّات المختلفة حتى تصبح نواة الخطاب العام. ويتعيَّن هنا التمييز بين صنفين من الخطاب: الخطاب الصغير (discourse) small-d-discourse والخطاب الكبير big-D-discourse (Discourse)؛ إذ يشير الأول إلى "اللغة الفعلية وتشمل الحديث والنص". أمَّا الثاني فهو "المعرفة التي يتم إنتاجها وتداولها خلال الحديث، والطرق العامة للعرض، والتصرُّف، ونَظْم الأفكار، والافتراضات، وأنماط الحديث التي تهيمن على منطقة معينة، والمعتقدات والأفعال التي تُشكِّل نسق الممارسات الاجتماعية"(9). 

وفي هذا السياق، تُحدِّد الدراسة مفهوم الخطاب في العناصر اللفظية والمكتوبة وأيضًا المسموعة والمرئية بفضل تقنيات التواصل في القرن الحادي والعشرين من خلال تكريس بنية تفكير معينة وارتباطها بمنحى معرفي أو سياسي، وصدى التصريحات والنقاشات التي تحيط بموضوع أو قضية معينة. وتتشكَّل هذه الامتدادات من مجموعة من النصوص والمحادثات بين المرشحين؛ باعتبارها نسقًا مشتركًا يُوجِّه النقاش العام على هَدْيِ رموز وعبارات وطرق معينة في الحديث عن القضية يتمُّ استيعابها بما يتجاوز التركيبة اللغوية أو لِنَقُلْ: لغة ما وراء الجملة. 

2. تحليل سرديَّات الخطاب العام الأميركي 

1.2. نقاط التَّماس قي الملعب الأيديولوجي

أ‌. التشكيك في المسلمين

خلال أشهر قليلة بين نهاية 2015 وبداية 2016، سجَّل ترامب رقمًا قياسيًّا في عدد التصريحات التي أثارت غضب الكثيرين من الأقليات في أميركا وشعوب أخرى في العالم. وشكَّلت دعوته لفرض "حظر على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حتى يتبيَّن للسلطات الأميركية ما ينبغي فعله إزاء معضلة التطرُّف والإرهاب"، المنعرَجَ الأكثر تشدُّدًا في موقف المحافظين، والأكثر حدَّة في ردِّ الديمقراطيين الذين ذكَّرتهم بقرار ألمانيا حظر دخول اليهود إليها في الثلاثينات من القرن الماضي. وتقول كلينتون: إنه في الوقت الذي "يتعيَّن أن تبذل أميركا كلَّ ما في وسعها لمحاربة الجهاديين المتطرفين، فإن السيد ترامب يُزوِّدهم بدعاية جديدة. إنه يلعب الأوراق لصالحهم"(10). 

وهناك مَنْ يرى في ترامب أول مشروع سياسي فاشي في تاريخ الولايات المتحدة، ويُحدِّد كارل برنستين (Carl Bernstein)، المعلِّق في صحيفة الواشنطن بوست وأحد المراسليْن اللذين فجَّرا فضيحة ووترغيت عام 1974، دواعي نعت ترامب بالفاشية الجديدة، قائلًا: "هو ضرب جديد من الفاشية في ثقافتنا تقوم على فكرة سلطوية وديماجوجية تتبنَّى فكرة معاداة المهاجرين والتعصُّب التي يناصرها ترامب. وأعتقد أن الحاجة تدعو لتأمُّل الماضي. ولحدِّ علمي حتى الآن، لم يسأل أي صحفي دونالد ترامب هذا السؤال: "ما الفاشية، سيد ترامب؟ ما الاختلاف بينك وبين خطاب فاشي؟"(11). 

ويعكس الجدول رقم (1) البِنى الفكرية التي تستند إليها ردود المرشَّحين الآخرين وتقوم على ألفاظ الشجب أو الامتعاض أو الخروج عن مقومات الزعامة في أميركا ودلالاتها السلبية بدرجات متفاوتة. وتتَّسم لغة المرشَّحين الديمقراطيين بالتشديد على حكم معياري قاطع ضد التحريض على الانقسام (كلينتون) والغوغائية (ساندرز وأومالي)، لكن ردود المرشَّحين الجمهوريين ظلَّت نسبيَّة ولم تصل إلى مستوى الشجب الديمقراطي، وتراوحت بين عبارات التأويل المفتوح منها "الخطير" أو "التهجُّمي" أو أنه "مدعاة للسخرية"، فيما يبقى ردُّ كروز الأقل اعتراضًا على مغزى ما رمى إليه ترامب. 

الجدول رقم (1) يُبيِّن ردود أفعال مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري لانتخابات الرئاسة تجاه تصريحات ترامب عن المسلمين

المرشحون الديمقراطيون

العبارة

هيلاري كلينتون

"يستدعي الشجب، وهو تصريح مغرض ويدعو لإثارة الفرقة"

برني ساندرز

"غوغائي"

مارتن أومالي (غادر السباق)

"غوغائي فاشي"

المرشحون الجمهوريون (غادروا السباق)

العبارة

تيد كروز

"ليس من سياستي"

ليندسي غراهام

"خطير بصراحة"

جون كيزيك

"يدعو للانقسام بشكل مشين"

جيب بوش

"معتوه"

ماركو روبيو

"تهجُّمي وشاذ"

كارلي فيورينا

"رد فعل مبالغ فيه وخطير"

كريس كريستي

"موقف مثير للسخرية"

رغم أن كروز لم يُؤيِّد تصريح ترامب ولم يُندِّد به صراحة، فإنه حاول مسايرة المدِّ المحافظ وحثَّ على "نشر قوات أمن" لمراقبة الأحياء التي يسكن فيها المسلمون الأميركيون. وقال: "نحن بحاجة إلى تمكين الأجهزة الأمنية للقيام بالدوريات وحفظ أمن أحياء المسلمين قبل أن تصبح راديكالية، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على مسايرة منطق اللياقة السياسية. حلفاؤنا الأوروبيون يشهدون اليوم ما ينتج عن المزيج السَّام من فئات المهاجرين الذين اخترقهم الإرهابيون وبين أحياء المسلمين الراديكاليين المنعزلين"(12)

وتوضح الخريطة المعجمية للجدول رقم (2) التباين بين المرشحين في طبيعة التَّمَثُّلات والقرائن والحكم المعياري والبنية الفكرية في شموليتها للمسلمين والإسلام

المسلمون/الإسلام

دونالد ترامب

تيد كروز

هيلاري كلينتون

برني ساندرز

 

 

 

السَّرديَّة الرئيسية

فرض حظر تام وكامل على  دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حتى يتوصل نواب هذه الأمة إلى ما ينبغي فعله إزاء ما يحدث.

فرض رقابة على أحياء المسلمين الأميركيين كمعاقل للتطرف.

- ترامب وكروز يُشجِّعان الإرهاب ويُعزِّزان موقف داعش.

- محاولة غير صائبة لتجريم المسلمين.

- رسالة خاطئة إلى الدول الإسلامية الحليفة.

- أفكار غوغائية.

- استخدام هجمات بروكسيل للتهجُّم على المسلمين في العالم.

- هذه ليست قيم أميركا.

 

 

 

 

التَّمَثُّلات

- خطر إرهاب الإسلام الراديكالي.

- المساجد معاقل التطرف.

- المسلمون الأميركيون يعرفون من يتعاطف مع الجماعات المتطرفة.

- خطر الإسلام الراديكالي.

 - ترابط الإرهاب والتطرف مع تزايد المهاجرين.

- ضرورة التمييز بين المسلمين والجهاديين والمتطرفين.

- عدم الخلط بين العدو الإرهابي لأميركا والمسلمين الأميركيين وهم على خطوط الجبهة في مكافحة التطرف.

التشكيك في أن يكون كل مسلم إرهابيًّا تصوُّر فظيع.

 

 

 

 

القرائن

- تكرار الحوادث الإرهابية في باريس وبروكسل وكاليفورنيا وفلوريدا.

- تسلُّل عناصر داعش ضمن المهاجرين واللاجئين.

- ليس هناك حلٌّ آخر.

مخاطر التقاء الهجرة والتطرف في أحياء المسلمين.

- الإرهابيون لا يُمثِّلون الإسلام.

- فكرة ترامب حمقاء وقصيرة النظر.

سنصبح أمة ضعيفة إذا سمحنا لدعوات التمييز العنصري وكراهية الأجانب بالتفرقة بيننا.

 

 

 

الحكم المعياري

أولوية حماية أمن الأميركيين.

مراقبة أحياء المسلمين الأميركيين ضرورة أمنية.

- أميركا لا تقبل دعوات التمييز والانقسام.

- الإرهابيون يسعون للنَّيْل من القيم الديمقراطية التي هي أساس نمط حياتنا ولن يفلحوا.

- ينبغي أن نتضامن في محاربة جميع أشكال التمييز.

- سأبذل كل ما في وسعي (كعضو في مجلس الشيوخ) لإيقاف الحظر على دخول المسلمين.

 

 

 

أنماط المعاني

- القطيعة بين الـ"نحن" والـ"هم".

- التلويح بحلول "عملية" لمكافحة الإرهاب.

- تبرير الإسلاموفوبيا.

- تجاوز اللياقة السياسية التي تخفي خطر الإسلام الراديكالي.

 

- استحضار نظرية المؤامرة.

 - اعتماد المنطق القانوني.

- القطيعة بين الـ"نحن" والـ"هم".

- تبرير الإسلاموفوبيا.

 

 

- التنبيه إلى مخاطر الأحكام الشمولية.

- الحثُّ على تفادي التعصب والتمييز والإقصاء.

- تجويف أميركا من قيمها العليا وخرق مبادئ الدستور.

- فخورة بالمواطنة المشتركة مع المسلمين.

- مقاومة الأفكار الهدَّامة.

- التنبيه إلى خطر الدعوات الحماسية لكراهية المسلمين.

- عدم التفريط في مبادئ الدستور الأميركي من أجل القضاء على داعش.

 

النبرة الخطابية

تشكيكية، انعزالية، حماسية

تشكيكية، تحذيرية، تبريرية.

توضيحية، تصحيحية، تستند إلى المنطق أكثر من المشاعر.

تصحيحية، تعتمد منطق المقارنة،

تُذكِّر بالقيم والمبادئ المشتركة.

 

 

البنية/المرجعية الفكرية

- حرب بدوافع دينية.

- كراهية المسلمين للغرب.

- صدام الحضارات.

ليست حربًا باسم الدِّين بل هي حرب باسم الأيديولوجيا السياسية والدينية التي تستهدف الأميركيين.

الإسلام ليس عدونا، والمسلمون شعب مسالم ومتسامح وليست له صلة بالإرهاب.

لسنا في حرب مع أي دين.

 

تُظهر الخريطة المعجمية المنحى المحافظ نحو شَيْطَنَة المسلمين والعرب في ضوء الصور النمطية المتداولة، فيما اعتمد الديمقراطيون حقولًا دلالية مناقضة تستند إلى المفهوم المعياري العام بأن أميركا تُمثِّل نسيجًا متنوِّعًا ومتجانسًا من شتَّى الديانات والثقافات والمرجعيات العِرقية والإثنية. 

وتبرز العلاقة بين الممارسات الخطابية والممارسات الاجتماعية من خلال استثمار ترامب وكروز في تصوُّرات اليمينيين المحافظين عن الإسلام والمسلمين تحت ظلال هجمات سبتمبر/أيلول 2001 وغيرها من التفجيرات المتعاقبة. ويتماشى موقفهما إلى حدٍّ كبير مع اعتقاد أغلبية المحافظين وفئة "الواسب" (WASP) (وَهُمُ البِيضُ البروتستانت المتحدِّرون من أصل أنجلوساكسوني الذين يعتبرون أنفسهم الطبقة المتوسطة، وإن كانوا من الطبقة العاملة)، والمبشِّرين الإنجيليين بقيام "حرب دينية" بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي تحت وطأة التوظيف التأويلي لسلسلة التفجيرات الأخيرة وتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق. 

لكن ساندرز ذكَّر الأميركيين بمبدأ التعددية والتعايش باعتباره نسقًا ذهنيًّا رئيسيًّا في ثقافتهم عبر التاريخ، وقال: إن ما يحاول شخص مثل ترامب فعله هو "نشر الفرقة والانقسام"، ونحتاج لوقف هذه الدعوة "لكي لا تتحوَّل أي مجموعة اجتماعية إلى كبش فداء"(13). 

وبعد ثلاثة أشهر، عزَّز ترامب موقفه بمقولته الجديدة: "الإسلام يكرهناIslam hates us "، وإن الإسلام ينطوي على "كراهية هائلة" للغرب. ودعا لفرض طوق أمني عليهم إمَّا بمراقبة المساجد أو إغلاق بعضها. وسعى ترامب وكروز بهذه الاتهامات الشمولية الـمُبَطَّنَة لأكثر من مليار مسلم في العالم وكأنهم مجرمون بالوكالة لتعميق الهوة بين "الأنا" الإيجابي و"الآخر" السلبي واستغلال تفجيرات باريس وكاليفورنيا وبروكسل وفلوريدا في دَمْغِ الإسلام والمسلمين بتهم التعصُّب والتطرُّف وتقويض مقومات الحضارة الغربية، لِيُؤَجِّجا بذلك حدَّة المواجهة في ملحمة ما يُعرف بـ"صدام الحضارات" مع حلول الذكرى العشرين لصدور كتاب صموئيل هانتنغتون. وعقب مقتل 49 شخصًا برصاص الشاب الأميركي، عمر صديقي متين، في ولاية فلوريدا، قال ترامب إنه تلقى عدَّة "رسائل تهنئة" تشيد بصواب استخدامه عبارة "الإسلام الراديكالي"، وزاد إليها عبارة "إرهاب الإسلام الراديكالي" في مسعى لغرسها ضمن قاموس الخطاب العام في أميركا. 

ومع انتشار هذا التصوُّر بقيام حرب دينية وصدام حضاري في أذهان جُلِّ المحافظين الأميركيين، تتوخَّى اللغة الخطابية لكل من ترامب وكروز الظهور بمظهر الزعيم القادر على حماية أمنهم ودحر الجماعات المتطرفة. غير أن ترامب تردَّد أكثر من مرة في التنصُّل من التنديد بجماعة كو كوكس كلان (Ku Klux Klan)، وهي ميليشيات متطرفة ومتعصبة تدعو لمجتمع أميركي خالص من البيض وتناهض وجود السود وسائر الأقليات في الأراضي الأميركية، بعد أن أعلنت تأييدها لحملته الانتخابية في مارس/آذار عام 2016. 

وتظل السَّرديَّات السياسية لترامب وكروز خصبة في أبعادها الأيديولوجية -إلى حدِّ تلاقيها مع الغوغائية والسلطوية- كزعيمين يُثيران حماسة الجمهور ويستمدَّان قوتهما من استغلال المشاعر والتحيُّز للهوية الجماعية والتعصب ضد المسلمين بمن فيهم المسلمون الأميركيون، وبغضِّ النظر عن وجود مواصفات عقلانية أو غير عقلانية في تصريحاتهما أمام الجمهور وعبر وسائل الإعلام وهذا جزء من حيرة المحلِّلين. 

ومن خلال التداخل ببن نزعتيْ الغوغائية والسلطوية في انتشار "الترامبية" بالخصوص، يمكن تعقب أثر البريق الأيديولوجي في توالد قوتها عند التركيز على نقاط الاختلاف والصدام وليس التشابه والتلاقي سواء إزاء المسلمين في الخارج أو الأقليات في الداخل. وتقول روث ووداك: إن القوة هي "علاقات الاختلاف وخاصة بشأن آثار الاختلاف في البنى الاجتماعية. والوحدة الثابتة في اللغة والمسائل الاجتماعية الأخرى تضمن أن اللغة تتشابك مع السلطة الاجتماعية من خلال عدد من الطرق: اللغة تعمل بمثابة فِهْرِس للقوة، فهي تُعبِّر عنها، وتشارك معها عندما يقوم خلاف أو تحدٍّ للقوة... توفر اللغة وسيلة محاكة بدقة عن الاختلافات في مستوى القوة ضمن الهياكل الاجتماعية الهرمية"(14). 

ب‌. الهاجس الإنساني والقلق الداعشي

جسَّد السِّجال حول المخاطر الأمنية المحتملة وراء استقبال بعض اللاجئين السوريين نقطة تحوُّل أخرى في تجاذبات الخطاب العام الأميركي. وعارض ترامب بشدة دخولهم أو حتى دخول أبنائهم إلى الولايات المتحدة بالقول: "نحن لا نعرف من أين يأتي أولياء أمورهم، ليس لديهم وثائق هوية من أي نوع، لقد تحدثت إلى أفضل خبراء القانون وأفضل خبراء الأمن، ليست هناك على الإطلاق أي طريقة لمعرفة من أين يأتي هؤلاء الناس، قد يكونون من سوريا وربما هم أعضاء في تنظيم "الدولة الإسلامية" أو لهم صلات به"(15) 

وخلال ذروة الأخذ والردِّ حول الوازع الإنساني والتهديد الإرهابي المحتمل لدخول اللاجئين السوريين خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2015، كان تيد كروز يتابع عن كثب ويُعيد حساباته الاستراتيجية بشأن تنامي شعبية غريمه ترامب وانفتاح المحافظين على أفكاره؛ فقرَّر نسف رؤية كلٍّ من هيلاري كلينتون التي عاينت بداية الأزمة السورية عام 2011 والرئيس باراك أوباما، قائلًا: "إن ما يقترحه باراك أوباما وهيلاري كلينتون بشأن قدوم عشرات الآلاف من اللاجئين المسلمين السوريين إلى هذا البلد، لاسيما في ضوء ما حدث في باريس، ليس أقل من الجنون"(16). 

وينتبه القارئ هنا إلى تركيبة لغوية مقصودة "اللاجئين المسلمين السوريين" خلافًا للعبارة المتداولة "اللاجئين السوريين"، وكأنَّ كروز يَغْرِفُ من نفس الجدول المتدفِّق بتَمثُّلات الخوف والاحتراس من "السوريين المسلمين" وليس "السوريين المسيحيين"، وهذه مجاراة للنسق الذهني الذي ابتدعه ترامب بسردية "إرهاب الإسلام الراديكالي". ويحاول كلاهما أن يُقْنِعَا الأميركيين بأن ديانة اللاجئين هي الأخطر وقد تدفعهم إلى القيام بأعمال إرهابية ضد أميركا بدلًا من النظر إلى معاناتهم الإنسانية وحاجتهم إلى اللجوء لملاذ آمن من ويلات الحرب المفتوحة. 

وقدَّم كروز تبريرًا مثيرًا عندما سأله أحد الصحفيين: "ماذا كان سيفعل هو بشأن والده الذي جاء لاجئًا بعد فراره من بطش النظام الشيوعي في كوبا إذا أبلغه المسؤولون الأميركيون أن لا مكان له في الولايات المتحدة بسبب المخاوف الأمنية ذاتها؟" فردَّ كروز: إن الأمر مختلف "ودعونا نرى لماذ يكون من المهم تحديد ما نعمل على مكافحته الآن. لو كان والدي عضوًا في حركة دينية وسياسية، مثل: الإسلام الراديكالي تُرَوِّج لقتل أي شخص لا يشاطرها نفس المعتقد المتطرف أو تفرض عليه اعتناق الديانة الإسلامية قسرًا، وقتها يكون السؤال في محله!". وهنا يستعرض كروز قدرته الخطابية والتأويل الأيديولوجي حتى لا يبدو معاديًا للمسلمين. وكما يقول يورغن هابرماس، تظل اللغة وسيلة أخرى للهيمنة والقوة الاجتماعية؛ إذ تسهم في إضفاء الشرعية على علاقات قوة منظَّمة، و"اللغة أيضًا تكريس أيديولوجي"(17). 

في المقابل، دعت كلينتون في سبتمبر/أيلول عام 2015 لاستقبال خمسة وستين ألفًا من اللاجئين السوريين، وأن "تأخذ الولايات المتحدة دور الزعامة في هذه العملية"، وعبَّرت عن أملها في أن "تتحرك الأمور لاستقبال ما بين عشرة آلاف وخمسة وستين ألفًا منهم وتبدأ إجراءات التدقيق الأمني في خلفياتهم قريبًا"(18). 

غير أن ساندرز قلَّل مما هو مرتقب من الولايات المتحدة إزاء الأزمة السورية وحاول تقسيم المسؤولية الإنسانية والأخلاقية بشأن محنة اللاجئين على عدَّة جهات إقليمية ودولية، وأوضح أن "لدى الولايات المتحدة مسؤولية أخلاقية مع أوروبا ودول الخليج، مثل: السعودية، للتأكد من أنه عندما يُغادِر الأشخاص دولًا، مثل أفغانستان وسوريا دون أي شيء سوى ما يرتادونه من ثياب، بطبيعة الحال نمد أيدينا للمساعدة"(19). 

الجدول رقم (3) يوضح تَمثُّلات مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري للأزمة السورية

الأزمة السورية/اللاجئون

دونالد ترامب

تيد كروز

هيلاري كلينتون

برني ساندرز

 

 

 

السَّرديَّة الرئيسية

قد يكون اللاجئون من سوريا أعضاء في داعش.

- استقبال اللاجئين المسلمين السوريين ليس أقل من الجنون.

- استثناء اللاجئين المسيحيين السوريين من الحظر.

السماح بدخول 65 ألفًا من اللاجئين السوريين مع التدقيق في خلفياتهم.

- يتعيَّن على العالم أن يستجيب للأزمة.

- على الولايات المتحدة أن تكون جزءًا من الرد.

 

 

 

التَّمَثُّلات

- تفجيرات أوروبا وكاليفورنيا تعكس نجاح الإرهابيين.

- قد يكونون إرهابيين في صورة لاجئين.

 

- اقتراح ثلاثة مشاريع قوانين لحظر دخول اللاجئين السوريين.

- إعادة فحص سجلات اللاجئين المقيمين في الولايات المتحدة.   

- ضرورة زعامة الولايات المتحدة في التعامل مع أزمة اللاجئين السوريين.

- مسؤولية أخلاقية على عاتق الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.

 

 

 

القرائن

- الاشتباه في علاقة أحد مفجِّري باريس مع داعش.

- كيف يدفع اللاجئون فواتير الهاتف الجوال وعليها أعلام داعش؟

- إعلان داعش وإرهابيي الإسلام الراديكالي الحربَ على أميركا.

- تنامي التطرف في أحياء المسلمين في أوروبا.

- ينبغي أن نفعل المزيد من أجل التخفيف من الأزمة وليس أقل من ذلك.

- ليس الوقت مناسبًا لتسجيل مكاسب سياسية.

ليس وقت الديماجوجية ونشر مشاعر الخوف ولا لتحقيق مكاسب سياسية من وراء الكارثة.

 

 

الحُكم المعياري

عدم التسامح مع أعداء أميركا والمشتبه فيهم وإن كانوا لاجئين.

مكافحة الإرهاب هي الأولوية.

رحَّبنا دومًا بالمهاجرين واللاجئين.

ينبغي أن لا تدير أميركا ظهرها للَّاجئين من مناطق مثل سوريا وأفغانستان.

 

 

 

 

أنماط المعاني

- انشطارية الـ"نحن" و"الآخرون".

- هوية مطاطية بين الإرهابيين واللاجئين.

- إقصاء الكل بسبب الخشية من البعض.

- الحاجة لإجراءات استباقية ضد الإرهاب.

- انشطارية الـ"نحن" و"الآخرون".

- هوية مطاطية بين الإرهابيين واللاجئين.

- حماية الأمن القومي أولًا.

- اقتراح ثلاثة تشريعات ضد دخول اللاجئين.

 

- أسبقية القيم الأميركية على مركب الخوف المتنامي.

- إغلاق الباب أمام اللاجئين السوريين يُحدِّد من نحن كأميركيين.

- ما يُجسِّد عظمة أميركا إنسانيًّا وحضاريًّا.

- حظر دخول اللاجئين السوريين ليس من القيم الأميركية.

- استقبال اللاجئين جزء من مكافحة التمييز العنصري ومعاداة الأجانب والخوف.

 

النبرة الخطابية

تشكيكية، تخويفية.

- تحذيرية، تتوخى العقلانية.

- تُعارض التعاطف الإنساني.

تحفيزية، تفاؤلية،  عملية.

- تقييمية، تأملية.

- توفيقية بين التفكير العقلاني والتعاطف الإنساني.

 

 

البِنية/المرجعية الفكرية

- نظرية المؤامرة ضد أميركا.

- صدام الحضارات.

- نظرية المؤامرة ضد أميركا.

- التنافس الأيديولوجي بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي.

هُويَّة وعظمة أميركا  تكمن في الانفتاح على المهاجرين واللاجئين.

- مشروع الثورة السياسية (ديمقراطية اجتماعية).

- مكافحة أشكال التمييز والمظالم الاجتماعية.

 

ج‌.      "الحياد" في تسوية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي

"برني ساندرز ينزل بالمطرقة على الوضع السياسي القائم إزاء إسرائيل"، هكذا لخَّص أحد المراسلين الأميركيين ما أثارته جرأة ساندرز خلال المناظرة التليفزيونية مع كلينتون في ضاحية بروكلين في مدينة نيويورك عندما قال: "إن اسرئيل عام 2014 استخدمت القوة "غير المتناسبة" التي أودت بحياة أكثر من 1400 شخص وأصابت 10 آلاف آخرين خلال الردِّ على الصواريخ التي أطلقها حركة حماس من غزة. وشدَّد على أنه "إذا كنا سنمضي قُدمًا بإحلال السلام في تلك المنطقة التي شهدت الكثير من الكراهية والكثير من الحرب، يتعيَّن علينا معاملة الشعب الفلسطيني بالاحترام والكرامة. لا يمكن أن نستمر في الوقوف مع طرف واحد. هناك طرفان في هذه القضية"(20). 

ويشكِّل هذا التصريح نقطة مفصلية في تعامل مرشحي الرئاسة الأميركية مع قضية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي وسُبُل تسويته، فقَلَب به رأسًا على عقب عقيدة طويلة الأمد في السياسة الأميركية وهي الدعم الثابت غير القابل للنقاش لإسرائيل. والأكثر من هذا، تأتي هذه التصريحات من مرشح يهودي أميركي عمل في الكونغرس منذ عام 1974؛ حيث تمرَّس على المنطق السياسي والاعتبارات الدبلوماسية التي تحكم واشنطن. 

وفي عبارة مثيرة شكَّلت عين العاصفة، أضاف ساندرز قائلًا: "سيأتي وقت، إذا كُنَّا نتوخَّى تحقيق العدالة والسلام، يتعيَّن علينا أن نقول: إن نتنياهو ليس على صواب كل الوقت... وإذا أردنا النجاح، يتعيَّن أن نكون صديقًا ليس لإسرائيل فحسب، بل وأيضًا للشعب الفلسطيني". وشدَّد أيضًا على أن "حلَّ الدولتين هو الفرصة الوحيدة لتحقيق السلام، وهو سلام يستدعي بعض التنازلات من كلا الطرفين"(21). 

وأثار ساندرز بذلك سجالًا محتدمًا كأول مرشح في انتخابات الرئاسة يجرؤ على تحطيم أحد التابوهات المحظورة عند تناول العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، ويزيح بذلك أحد المرتكزات التاريخية في فلسفة الحزب الديمقراطي منذ تأسيسه عام 1828. وتُعزِّز هذه الرؤية الجريئة لساندرز موجة النقاش العام حول ضرورة إجراء تقييم استراتيجي لمكاسب أميركا وخسائرها من جرَّاء  تأييدها التاريخي لإسرائيل. 

ومن المآخذ التي سجَّلها ساندرز على منافسته كلينتون تجنُّبها الردَّ على السؤال بشأن إسرائيل وعدم الحديث عن حاجيات الشعب الفلسطيني خلال خطابها حول الشرق الأوسط أمام لجنة العلاقات العامة الإسرائيلية-الأميركيةAIPAC  في واشنطن قبل أيام من عقد المناظرة التليفزيونية. وقد تمسَّكت كلينتون بالسرديَّة التقليدية التي تُناصِر إسرائيل على طول الخط ضمن استراتيجيتها لكسب ودِّ الناخبين اليهود الأميركيين، واعتبرت الفلسطينيين تهديدًا لإسرائيل من خلال التلويح بالتهديدات التي تُمثِّلها حركة حماس، فيما تعهَّدت باستقبال رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض خلال الشهر الأول من تولِّيها منصب الرئاسة.  

الجدول رقم (4) يبيِّن تَمثُّلات مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي

النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي

دونالد ترامب

تيد كروز

هيلاري كلينتون

برني ساندرز

 

 

 

 

السَّرديَّة الرئيسية

- دعوني أكن شخصًا غير منحاز.

- المفاوضات الأكثر صعوبة من نوعها في العالم.

- لن تكون لديَّ أية نية في تبني موقف الحياد.

- سأكون في صفِّ دولة إسرائيل دون الحاجة لأي تبرير.

- التفاوض بشأن حلِّ الدولتين.

- تحقيق السلام مع الأمن أمر ممكن وهو السبيل الوحيد لضمان بقاء إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية قوية على المدى الطويل.

السلام يعني إنهاء ما يرقى إلى احتلال الأراضي الفلسطينية وإقامة الحدود المتفق عليها وسحب المستوطنات في الضفة الغربية كما فعلت إسرائيل في غزة.

 

 

 

 

 

 

 

التَّمَثُّلات

- أوباما أساء لإسرائيل.

- أولويتي رقم واحد هي تفكيك الصفقة الكارثية مع إيران.

- ليس بيد الأمم المتحدة تحديد الحلِّ.

- ستقف الولايات المتحدة مع إسرائيل، وتهزمان إرهاب الإسلام السياسي.

- إذا حاول الفلسطينيون عبر الأمم المتحدة إعلان دولة فلسطينية من جانب واحد، ستستخدم أميركا حقَّ النقض (الفيتو).

 

- تقاسمنا دائمًا التزامًا راسخًا لا يتزعزع بتحالفنا وبمستقبل إسرائيل كوطن آمن وديمقراطي للشعب اليهودي.

- حكومة هيلاري كلينتون ستؤكد أن لدى الولايات المتحدة مصلحة وطنية قوية ودائمة في ضمان أمن إسرائيل.

- يتعيَّن أن تكون أميركا صديقًا ليس لإسرائيل فحسب، بل وأيضًا للشعب الفلسطيني.

- يتعيَّن علينا أن نقول: إن نتنياهو ليس على صواب كل الوقت.

 

 

 

 

القرائن

إسرائيل ربما لم تُرِدْ التوصُّل إلى صفقة.

أنا حليف وصديق لإسرائيل مدى العمر.

 

- فلسطين لم توجد منذ عام 1948.

- إسرائيل تستخدم الصواريخ لحماية المدنيين بينما تستخدم حماس المدنيين لحماية صواريخها.

- نريد رئيسًا أميركيًّا مناصرًا لإسرائيل.

جهود متزايدة لنزع الشرعية عن إسرائيل في الساحة العالمية.

تزايد التحديات في الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

 

 

 

الحكم المعياري

يتعيَّن على الفلسطينيين الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الأخذ بعين الاعتبار أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للكسر تمامًا.

إسرائيل هي الديمقراطية الليبرالية التي تشاطرنا قيمنا، وتُعزِّز المصالح الحيوية للأمن القومي الأميركي.

أمن إسرائيل غير قابل للتفاوض.

- خيار السلام الوحيد هو إجراء مفاوضات ناجحة حول حلِّ الدولتين.

- لا يمكن أن نستمر في الوقوف مع طرف واحد. هناك طرفان في هذه القضية.

 

 

 

 

 

أنماط المعاني

- ليست الأمم المتحدة صديقًا لإسرائيل ولا للديمقراطية.

- ستنتهي الأيام التي تُعامَل بها إسرائيل وكأنَّها من الدرجة الثانية في اليوم الأول من رئاستي.

 

 

 

- سأنقل السفارة الأميركية إلى القدس في أول يوم من رئاستي.

- هناك فرق بين الإرهابيين الذين يقتلون النساء والأطفال والقوات المسلحة التي تحمي الأبرياء في إسرائيل.

- تحتاج أميركا لإسرائيل قوية بما يكفي لردع أعدائها.

- يتعيَّن على القادة الفسطينيين إنهاء التحريض على العنف والتوقُّف عن الاحتفال بالإرهابيين كشهداء، ومنح أسرهم مكافآت مالية.

- نجاح المفاوضات رهين بتقديم تنازلات من جميع الأطراف.

- الولايات المتحدة وإسرائيل مُتَّحِدَتان من خلال عدَّة روابط تاريخية وبالثقافة والالتزام العميق بمبادئ الديمقراطية والحقوق المدنية وسيادة القانون.

 

 

 

النبرة الخطابية

- تأكيدية لتأييد إسرائيل.

- براغماتية في تناول النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.

 

- تأكيدية للوفاق الأميركي-الإسرائيلي.

- استهجانية لسلوك الفلسطينيين إزاء إسرائيل.

- تحفيزية، تأكيدية للوفاق الأميركي-الإسرائيلي.

- مُبشِّرة بتحقيق الوعد بضمان التفوق العسكري لإسرائيل.

جريئة، تصحيحية،

 تتوخَّى التوازن والواقعية في تقييم تحديات السلام.

 

 

البنية/المرجعية الفكرية

- إمكانية التوصل إلى صفقة رغم صعوبة المفاوضات.

- نجاعة الوساطة المحايدة في إبرام الصفقة ضمن حلِّ الدولتين.

التحالف بين أميركا وإسرائيل هو حجر الأساس الاستراتيجي للولايات المتحدة.

استراتيجية التحالف الأميركي-الإسرائيلي.

مبدأ التعايش السلمي ومراعاة حقوق الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

على الرغم من التباين السياسي والفسلفي الشاسع بين ساندرز في أقصى اليسار وترامب في أقصى اليمين، فإنهما يتفقان مبدئيًا حول موقف الحياد في أية مفاوضات إسرائيلية-فلسطينية في المستقبل. وشكَّل ذلك مناسبة مواتية لتيد كروز لتأكيد دعمه لإسرائيل؛ إذ قال: "بصفتي رئيسًا، لن تكون لديَّ أية نية في تبنِّي موقف الحياد. سأكون في صفِّ دولة إسرائيل دون الحاجة لأي تبرير"(22)

وثمة نقطة التقاء أخرى بين ترامب وساندرز وهي معارضة التدخل المباشر في بعض الدول؛ وفي الوقت ذاته، يُلوِّح ترامب بمعارضته غزو العراق عام 2003 وبدور كلينتون في قرار تنحية معمر القذافي في ليبيا عام 2011 وكيف تحوَّلت الدولتان إلى مرتع للجماعات الجهادية. 

د‌.       سرديَّات عن واقع أميركا، وأخرى عن التغيير

تتباعد مواقف المرشحين الأربعة إلى حدٍّ كبير في توجيه أنساق الخطاب العام بشأن القضايا المحورية في السياسة الخارجية والداخلية، مثل: الاتفاق النووي الجديد مع إيران، واستئناف العلاقات مع كوبا بعد قطيعة استمرت قرابة ستة عقود، وأداء الرئيس أوباما، وسَنِّ قانون الرعاية الصحية الذي يُعتبَر أهم إنجاز له على الصعيد الداخلي. 

الخريطة المعجمية للجدول رقم (5) تستعرض تباين الدلالات والتَّمثُّلات الفكرية لدى مرشحي الحزبين

التَّمثُّلات الفكرية للمرشحين

دونالد ترامب

تيد كروز

هيلاري كلينتون

برني ساندرز

 

شعار الحملة

"العودة بأميركا إلى عظمتها من جديد".

- "محافظون شجعان".

- "إعادة إحياء وعد أميركا".

- "وقت الحقيقة".

"هيلاري من أجل أميركا".

"من أجل مستقبل جدير بالإيمان".

نحن/الهوية المركزية

الطبقة المتوسطة، فئة "الواسب".

المحافظون اليمينيون.

أميركيون من شتى الأعراق.

أميركيون من شتى الأعراق.

الفلسفة السياسية

بين الواقعية السياسية والمذهب التجاري.

الواقعية السياسية الأحادية.

براغماتية العمل في ظل التعاون الدولي.

الليبرالية التقدمية.

 

وضع أميركا

تراجع سياسي واقتصادي.

في الاتجاه الخطأ.

عظيم، وفي نمو متواصل.

جيد ويحتاج لإصلاحات جوهرية.

السياسة الخارجية الراهنة

كارثية، تفتقر للمفاوضين المحنَّكين.

مأساوية.

تحتاج لإجراءات أخرى لحماية الأمن القومي.

تحتاج لمناصرة الحرية والتعاون مع الحلفاء.

 

استخدام القوة

تطوير القدرات العسكرية بهدف الردع.

استخدام القوة الخشنة.

 

الاعتماد على القوة الذكية.

استخدام القوة هو الخيار الأخير.

 

 

التعامل مع داعش

- تحطيم منشآتهم الحيوية دون نشر قوات برية.

- تفضيل دور روسيا وأطراف أخرى في تضيق الخناق على التنظيم.

استراتيجية الأرض المحروقة وإن استهدفت المدنيين.

التعاون مع حلفاء أميركا.

تشكيل تحالف فعَّال مع الدول الإسلامية.

 

مصير الأسد

محاربة داعش أهم من إزاحة الأسد.

إزاحة الأسد تُعزِّز قوة داعش.

العمل على الجبهتين.

عدم تدخل أميركا لتغيير الأنظمة القائمة.

 

الاتفاق النووي مع إيران

مكسب لطهران وخسارة لواشنطن.

سيء للغاية وخيانة لأمن أميركا وحلفائها خاصة إسرائيل.

ثمرة التعاون الدولي.

انتصار للدبلوماسية.

الانفتاح على كوبا

لم يجلب الاحترام لأوباما.

يمنح الشرعية لنظام فاسد.

الحضور الأميركي في كوبا ضروري.

إنجاز تاريخي.

 

مفهوم التغيير

إدارة السياسة على غرار إدارة الأعمال.

استعادة القيم المحافظة.

إصلاحات تدريجية.

ثورة سياسية وإصلاحات جذرية.

 

قانون الرعاية الصحية "أوباما كير"

ينبغي إلغاؤه واستبدال ما هو أفضل به.

الطب القائم على الاعتبارات الاجتماعية كارثة.

إنجاز يُعوِّض الفشل في إصلاح النظام الصحي في التسعينات.

الرعاية الصحية حقٌّ للمواطنين وليست امتيازًا.

 

وعند تَأَمُّل الحمولة الأيديولوجية في المربعين اللذين يتحصَّن فيهما ترامب وكروز، تظهر عدَّة تقاطعات بينهما وبين فئات المحافظين و"الواسب" من الأغلبية البيضاء وهي معقل التأييد الرئيسي لهما. وتبدو مؤشرات التلقي والتفسير والتأويل لهذا الخطاب إيجابية في أعينهم؛ لأن ترامب نجح أكثر من كروز في أن يُمثِّل لهم زعيمًا لحركة "ثورية تصحيحية" للنظام الرأسمالي الأميركي ومُبَشِّرًا بإعادة الولايات المتحدة إلى سابق قوتها العسكرية وهيبتها في العالم بشعاري "أميركا أولًا America First" و"العودة بأميركا إلى عظمتها من جديد Make America Great Again". كما أنه يعمد إلى تَوْشِيَةِ سرديَّاته المتكرِّرة بحمولة أيديولوجية يُلوِّحُ بَرِيقُها باستعادة المركز الاجتماعي والقوة الاقتصادية للأغلبية البيضاء وإنْ تطلَّب الأمر معاداة النخبة السياسية وسائر الأقليات في الداخل والشعوب الأخرى في الخارج. 

وينمُّ شعار "العودة بأميركا إلى عظمتها من جديد" في حقيقته عن أحلام فئة المحافظين من البيض بعد أن تآكل نفوذها الاقتصادي والثقافي وتولَّدت لديها مشاعر الغضب على النظام السياسي القائم وأداء الكونغرس وبقية الهيئات الفيدرالية في واشنطن، فضلًا عن وضع الاقتصاد الأميركي منذ الأزمة المالية عام 2008. كما أنها لا تستسيغ المنافسة المتنامية من فئات المهاجرين المتدفقين من كل حدب وصوب، وأن الوقت قد حان لعودتها إلى مركز الصدارة اقتصاديًّا وثقافيًّا. وكما يقول فان دايك، ترتبط الأيديولوجيات السائدة بالنضال الذي تخوضه فئة ضد أخرى، وتُشدِّد على إبراز محدِّدات الهوية وفي اختيار من يكون ضمن عضويتها ومن يظل ضمن  الفئة الأخرى(23). 

ويمكن اكتشاف علاقات السببية غير الواضحة، كما يقول نورمان فيركلوف، بين الممارسات الذهنية والأحداث والنصوص (تركيبة الخطاب لدى حملة ترامب) والبنيات والعلاقات والعمليات الاجتماعية والثقافية الواسعة (نظرة الفئة البيضاء إلى وضعها وإلى بقية الأقليات) من أجل التحقيق في كيفية قيام تلك الممارسات الذهنية والأحداث والنصوص، وكيف تشكَّلت من الناحية الأيديولوجية من خلال علاقات القوة والنضال من أجل القوة (تضامن الأغلبية البيضاء مع ترامب القوي ماليًّا وآفاق استعادة قوتها ونفوذها الاجتماعي)، وأيضًا كيف أن ضبابية تلك العلاقات بين الخطاب والمجتمع هي في حدِّ ذاتها عامل يسعى للحفاظ على القوة والهيمنة (محاولة ترجمة حنكة ترامب في إبرام الصفقات المالية إلى قوة سياسية في البيت الأبيض)(24). 

وعلى هذه الوتيرة، ينتعش الأمل لدى فئة "الواسب" وبقية اليمينيين في أن يفوز ترامب في انتخابات الرئاسة ليعيد إليهم مجد الأيام الخوالي، وهو الذي يريد إدارة شؤون الحكم على غرار سجلِّه في إدارة الأعمال. ومن خلال عبارة الـ"نحن" الانتقائية، ينشر جرعة نفسانية بين مناصريه بأنهم يتشاطرون هوية جماعية فرعية تُمثِّل وحدها "أميركا الأصيلة"، وتتمسَّك بأحقيتها في أن تبقى الفئة الاجتماعية المحورية داخل المجتمع الأميركي. وتلاحظ روث ووداك أن مفاهيم الأيديولوجيا والقوة والتسلسل الهرمي والفرق بين الذكورة والأنوثة والمتغيرات الاجتماعية الأخرى تظل "ملائمة لتفسير أو شرح النص"(25). 

وتظل عبارات ترامب ودلالاتها المباشرة والرمزية مدروسة وإِنْ بدت عفوية. ويَشِعُّ بريق الاستغلال الأيديولوجي في أعين مؤيديه عندما يُردِّد ما قاله في ولاية وسكنسن: "أنا بارع في صفقات الأعمال، وستصبحون أغنياء جدًّا وبسرعة"، ويُسقط ضمنيًّا هذا الشعور بالقوة على نفوس الكثيرين من جمهوره تبعًا لقاعدة "الضعيف يميل إلى تَمَثُّل نفسه على غرار القوي!". 

وتظل تصريحاته خصبة بما يعزوه إلى نفسه كشخصية ثريَّة ومؤثِّرة ويفخر باستثماراته في عدَّة دول بالعالم، وتقديمه الدعم المالي لعدد كبير من مرشحي الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وقد يكون تأييد ترامب بمثابة صكِّ استثمار في تخيُّل القوة والتقرُّب ممن يُمثِّلها فيما يَعِدُ ترامب باستعادة مركز الطبقة المتوسطة (العاملة) ومن ثم عظمة أميركا. لكن المعسكر الديمقراطي يعتبر تجليات "الترامبية" وانتشارها غير المرتقب تحولًا سلبيًّا في الخطاب السياسي؛ لأنها تُهدِّد القيم العليا التي يُكرِّسها الدستور الأميركي وتدعو للانقسام والإقصاء وتجريد أميركا من رُوح التعددية والتعايش من خلال استهداف مختلف الأقليات. 

وتنطوي معركة الخطاب العام على مفارقة مثيرة عند تأمُّل أيٍّ من الحزبين تمكَّن من تقديم أفكار التغيير والتجديد وإثارة قدر أكبر من الزخم الخطابي والإعلامي كما فعل جون كنيدي عام 1960، ورونالد ريغان عام 1980، وبيل كلينتون عام 1992، وباراك أوباما عام 2008. ويبدو أن هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة، لا تتسم بتلك الحيوية المرتقبة ولا ببريق الجديد الذي يُؤَجِّج عادة تأييد الناخبين، وقد أعلنت عزمها على مواصلة العمل بأغلب السياسة العامة التي اعتمدها الرئيس أوباما خلال الأعوام السبعة الماضية مع احتمال إعادة النظر في مبدأ استخدام القوة إزاء بعض الأزمات الدولية. 

ويبدو أن هناك تبادل أدوار غير مقصود إذا حاولنا قياس حركية التغيير بين المعسكرين. وفيما يفتقر الخطاب الديمقراطي إلى الزخم السياسي والإعلامي باستثناء تأييد فئات الشباب لما يصطلح عليه ساندرز بالثورة السياسية، يبقى الحزب الجمهوري هو الأكثر إنتاجًا لسرديَّات التغيير والتجديد بغضِّ النظر عن مساوئها أو محاسنها، وهي تُشكِّل على غرابتها قوة الدفع في انتشار "الترامبية" بين الأميركيين. وهذا يقودنا إلى مجموعة من الخلاصات. 

2.2. استنتاجات

ثمة مؤشرات متزايدة على ترجيح الكفة لصالح الخطاب اليميني في ظل غضب جماعات المحافظين والطبقة العاملة، وتعثُّر الخطاب اليساري ضمن تجاذبات الرأي العام الأميركي، كما أنها تبرز معادلة استراتيجية مهَّدت للمرشحين الجمهوريين وخاصة ترامب الوقوف في مركز المهاجم مما دفع كلينتون وساندرز إلى التموقع في منطقة الدفاع على أرضية الملعب الأيديولوجي لصدِّ التموُّجات السلبية في الخطاب العام. ومن ثم يتخنْدَق كلٌّ منهما في مربع ردِّ الفعل وليس الفعل، ويواجه تحديات في صياغة سرديَّات أصيلة متماسكة من شأنها أن تعرقل استراتيجية الهجوم لدى ترامب وتستميل الناخبين إلى مراجعة مواقفه وتقييم سياساته المعلنة. 

ومع اتساع الهوة بين التصوُّرات الفلسفية بين المرشحين إلى حدٍّ قياسي، تراجعت الرؤى المعتدلة وخَفَتَ صوتُ تيار الوسط بعد أن أَمْلَت الحسابات الانتخابية على حملة كلينتون نفسها مجاراة رؤى ساندرز اليسارية بشأن عدة قضايا محورية. ويمكن تحديد المواقع الأيديولوجية للمرشحين على الشكل الآتي مع الانتباه إلى خلوِّ منطقة الوسط وما حولها؛ حيث كان جلُّ المرشحين يتحصَّنون في السابق: 

 

قد يُلوِّح المعسكر الديمقراطي بما يعتبره سمات غوغائية أو حيلًا أيديولوجية في دهاء وليس بالضرورة ألمعية ترامب. لكن ينبغي أن لا نُسْقِط من هذا التحليل شقًّا آخر من المعادلة التي ساعدته على هذا "الفتح السياسي المبين" وهو يتطلَّع إلى شرف تمثيل الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة. ويكمن هذا الشق في تحديد تأثير التحولات الاقتصادية والثقافية داخل الولايات المتحدة بموازاة توقيت حملته الانتخابية، وكيف ساعدت على توسيع قاعدته الشعبية ومدى تقلبات وضع الحزب الجمهوري. 

هناك عدَّة نقاط التقاء تجمع ترامب وكروز مع أنصارهما من "الواسب" والمبشِّرين الإنجيليين وبقية الجماعات المحافظة. ويستدعي تحليل هذه التقاطعات استحضار علاقة جدلية محتملة بين طبيعة أفكارهما ومستوى تلقيهما والتمسُّك بهما من قِبل مؤيديهما. ولا يمكن إيجاد تفسير متكامل لاتساع الهوة بين المرشحين وحدَّة التجاذبات القياسية في الخطاب الأميركي دون الأخذ بعين الاعتبار عدَّة تحوُّلات سياسية واقتصادية وثقافية داخل أميركا وفي بقية العالم، ويمكن اختزالها في ست نقاط رئيسية:

  • العدمية

لوَّح ترامب منذ البداية أكثر من أي مرشح جمهوري آخر بما يعتبره تراجع أميركا الشامل سياسيًّا واقتصاديًّا واستراتيجيًّا في وجه الأمم الأخرى، وأن حكومة الرئيس أوباما فشلت في مواجهة تلك التحديات وإِنْ كان أوباما قد نجح في تقليص معدل البطالة من 10% عام 2009 إلى 5% عام 2016 وسط مؤشرات على تعافي الاقتصاد الأميركي من أعراض الأزمة المالية عام 2008. 

ويظل نجاح الرئيس أوباما في طي صفحة العداء والمواجهة مع إيران، بعد الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في يوليو/تموز 2015، وبدء علاقات جديدة مع كوبا، واتفاقية التعاون عبر المحيط الهادئ المبرمة في فبراير/شباط 2016 بعد سبع سنوات من التفاوض، يظل هذا النجاح عرضة للانتقاد والاستخفاف من قِبَل ترامب الذي يعتبره مكسبًا للدول الأخرى وليس للولايات المتحدة. كما يتهم البيت الأبيض والكونغرس بخيانة الطبقة المتوسط، وأن نظام الرعاية الصحية الذي يُعدُّ أحد أهم إنجازات الرئيس أوباما ينطوي على  تقييد حرية الأميركيين في اختيار أطبائهم وأن النظام أصبح عرضة لمساومات وتلاعبات شركات الخدمات الصحية وصنع الأدوية. 

وتمشيًا مع خيبة الأمل ومشاعر الإحباط بين فئات واسعة من الأميركيين بسبب التراجع الاقتصادي وتقلُّص الدخل الفردي خلال السنوات العشر الماضية، يُلوِّح ترامب بالقول: إن مناصريَّ يريدون "من يستطيع أن ينفخ النظام الحالي إلى الجحيم". 

  • السياسة الحمائية

يمتدُّ القلق من تنامي قوة "الآخر"، في ظلِّ النظرة السوداوية إلى وضع أميركا، إلى المناداة بتكريس الحمائية السياسية والاقتصادية إزاء الدول الأخرى وإِنْ كانت الولايات المتحدة قد وقَّعت عدة اتفاقيات للتجارة الحرة مع عدة دول ومنها اتفاقية النافتا مع كندا والمكسيك عام 1992. ويبدو أن الوجه الآخر لموقف ترامب المناوئ للهجرة يتضح في دعوته للتصدي للفارق في الميزان التجاري الأميركي مع اليابان والصين والمكسيك التي تتدفَّق مصنوعاتها من السيارات أو منتجاتها الزراعية إلى الأسواق الأميركية. 

وفيما تُشكِّل الصين سوق الاستيراد الرئيسية للولايات المتحدة قبل كندا والمكسيك، يقول ترامب: إنها "أكلت غذاءنا وهي تمصُّ دم الولايات المتحدة". ويُلوِّح مرارًا بقدرته على لَيِّ ذراع تلك الدول بقبول منتجات وسلع أميركية بنفس القيمة في أسواقها، وتغريم الشركات الأميركية التي تفتح معامل في الخارج بضريبة قد تصل إلى 45% إِنْ أرادت عرض منتجاتها في الأسواق الأميركية. ويمتدُّ صدى هذه الحمائية الاقتصادية بين مؤيديه ممن فقد بعضُهم وظائفهم بفعل الأزمة الاقتصادية عام 2008 أو يساورهم القلق بسبب تنامي نقل مصانع الشركات الكبرى إلى دول أخرى لتدني أجور اليد العاملة هناك. ولا يُفكِّر هؤلاء مليًّا في أن هذه السياسة الحمائية ستأتي بعواقب سلبية على حركية الاقتصاد ونمو دخلهم الفردي. 

  • معاداة المهاجرين الجدد

تعكس صور التجمعات الانتخابية للمرشحين الأربعة تباينًا جليًّا في المواصفات العِرقية لمؤيديهم من الناخبين. وفيما تظهر الملامح البيضاء والصفراء والبُنِّية والسوداء وممثلو مختلف الأقليات العِرقية حول كلينتون وساندرز، تبدو الفئة الرئيسية في صف ترامب الأكثر بياضًا والأقل تمثيلًا للخليط الاجتماعي في أميركا، وأغلبهم من ذوي الأصول الأوروبية وفي أعمار تترواح بين الخامسة والأربعين والرابعة الستين. ويشعر هؤلاء بالقلق أيضًا إزاء التغيُّر الديمغرافي وتأرجح الكفة لصالح بعض الأقليات خاصة اللاتين الذين يتَّهِمُهم ترامب بأن أغلبهم "مجرمون" و"مغتصبو نساء" وذلك تحت شعار ضرورة الحدِّ من الهجرة غير الشرعية وتشييد جدار عازل بين الولايات المتحدة والمكسيك. 

وتمثِّل معارضة الهجرة غير الشرعية إحدى لَبِنات البرنامج الانتخابي لترامب، وهي معارضة تحمل في طياتها عدم ارتياح أغلب المحافظين من تزايد أعداد المهاجرين إلى الولايات المتحدة بمعدل مليون مهاجر جديد كل عام. وهي أيضًا إحدى السرديَّات الرئيسية لحركة الشاي، عام 2009، عند ظهورها على أيدي المحافظين إلى أقصى اليمين وهم يدفعون الحزب الجمهوري إلى أن يكون أكثر معارضة للمهاجرين وأكثر حمائية بما يقترب من حدِّ الانعزالية بسبب التشكيك في "مخاطر" الهجرة والتجارة الحرة والتدخل العسكري في بؤر الصراع في العالم. 

وتمتد خيوط التقارب بين حملة ترامب وفلسفة حركة الشاي إلى حدٍّ كبير. وهي تعكس وجود مناخ ذهني واجتماعي ملائم بشكل مسبق مهَّد لتنصيب ترامب نفسه زعيمًا لهذا التيار المنادي بفرض قيود على الهجرة غير الشرعية بشكل علني والهجرة عمومًا بشكل ضمني. والملاحظ أن ترامب الذي يتحدَّر من أسرة ألمانية كانت تُعرف باسم درامبف (Drumpf) لا يشير إلى تجربة أسلافه مع الهجرة من أوروبا عندما عَبَرُوا المحيط الأطلسي نحو الولايات المتحدة عام 1885. 

ويبدو أن ترامب وفئة "الواسب" التي تناصره يساورهما القلق من تأرجح الكفة ديمغرافيًّا لصالح أقليات، وخاصة اللاتين الذين سيُشكِّلون الأغلبية الجديدة في أميركا بحلول عام 2025، وأيضًا ماليًّا لمهاجرين جدد تمكَّنوا من تحقيق نصيب من حُلمهم الأميركي. وينمُّ شعاره المنادي بـ"استعادة عظمة أميركا" عن الرغبة في التمسُّك بفكرة الاستثناء الأميركي، وهو يمثِّل بالنسبة له ضمنيًّا استثناء أميركا البيضاء وليس أميركا بكلِّ أطيافها. 

ويبدو أن ترامب وكروز تمكَّنا من تغليب خطر داعش على القيام بالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية إزاء اللاجئين السوريين الذين أصبحت محنتهم تغيب تدريجيًّا من الخطاب العام. وبحلول يونيو/حزيران 2016، لم تستقبل الولايات المتحدة سوى 1400 من اللاجئين السوريين. ويعكس نجاح ترامب وكروز في تطبيع سرديَّة التخويف وشَيْطَنَةِ اللاجئين فَشَلَ المعسكر الديمقراطي في تقديم سردية أقوى وأكثر فعالية في سياق الحفاظ على القيم الإنسانية الأميركية. 

  • الشعبوية أم النزول عند الشعب؟

يستخدم ترامب عادة لغة بسيطة تساير لغة الشارع العادي في أميركا وأساليب الشتم والإثارة ويتجاوز قواعد اللياقة السياسية، فضلًا عن تجاهل الآداب العامة أحيانًا. وتُشكِّل هذه الممارسة الخطابية نتيجة حتمية لتلاقي عنصريْن أساسيْين: أولهما: محدودية الثقافة السياسية لدى ترامب نفسه والذي قال إنه يستمد معرفته بالشؤون الدولية من خلال متابعة بعض البرامج الإخبارية على شاشة التليفزيون، وثانيهما: المستوى الدراسي والمعرفي لجلِّ مؤيديه الذين لم يدخلوا الجامعة ولم يحصلوا على شهادات عالية. 

إلا أن مسايرة ترامب لهذه الازدواجية ليست عفوية أو بريئة، بل تعكس منحى آخر من مناحي التسخير أو الاستغلال الأيديولوجي لخطاب الشعبوية في تضخيم الانطباع العام بشأن الهوَّة الفعلية أو المفترضة بين النخبة السياسية في واشنطن وعامة الشعب الأميركي على امتداد القارة. وهي بذلك تُمثِّل امتدادًا للمنطلق الغوغائي التي يتبناه ترامب منذ البداية، وإحدى أوراق اللعب التي يستقطب بها أنصاره. 

  • دغدغة المشاعر الوطنية أم القومية؟

من المفارقات المثيرة أن تتباين المرجعيات والمآرب وراء تبني المعسكرين الجمهوري والديمقراطي ما يبدو في ظاهره تجسيدًا للروح الوطنية. وقد يبدو ترامب في أعين مناصريه زعيمًا وطنيًّا يريد حماية أمن بلاده وتعزيز إجراءات الأمن على حدودها، ويصبو إلى استعادة مكانتها كأكبر قوة عظمى في العالم. لكن التحليل النقدي لتصريحاته ومواقفه المعلنة يكشف أنه يتحرَّك عبر منطقتين منفصلتين ويمزج بين رؤيتين مختلفتين: الرُّوح الوطنية والقومية، وقد نبَّه الكاتب البريطاني جورج أورويل (George Orwell) إلى مغبة الخلط بينهما. 

ينبغي التمييز بين قيم الروح الوطنية التي تنمُّ عن روح الغيرة والتضحية من أجل الآخرين، وبين  مخاطر القومية التي تظل في المحصلة النهائية مجرد نسخة مزوَّرة فاسدة من الروح الوطنية وإِنْ تخفَّت بردائها. وقد تابع العالم ألبرت أينشتاين (Albert Einstein) عن قرب ازدهار القومية في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وخلص إلى القول: إن "القومية هي وباء الطفولة، هي الحصبة للبشرية"، وقال الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول الذي عاين عن قرب تأثير النزعات القومية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية: إن "الرُّوح الوطنية هي عندما تأتي محبَّتك لشعبك في المقام الأول، أمَّا القومية فهي عندما تكره أن يأتي شعب آخر قبل شعبك". 

وفيما تنمُّ خطب كلينتون وساندرز عن التشبث بالروح الوطنية في أبعادها المثالية والرمزية، تنطوي الخطب الحماسية لترامب أمام مؤيديه على مغالطة غير مألوفة حينما تَنْبَنِي مواقفه ظاهريًّا على الروح الوطنية، وهي روح تتغذَّى من الشعور بالهوية المشتركة والتفكير الجماعي والتضامن وتضخ الشعور بالانتماء إلى فئة اجتماعية يقودها زعيم قوي، ثم تتحوَّل نفسيًّا وذهنيًّا إلى حبِّ الذات الفردية لدى ترامب وحبِّ الذات الجماعية لدى الأغلبية البيضاء كإحدى "القيم النبيلة" التي يتعيَّن الدفاع عنها ضمن حملته على الكثير من المحظورات السياسية والاجتماعية. وهي تعكس ما يبدو أنه تضخم النرجسية لدى هذه الفئة الاجتماعية التي توصف بـ"جيل الأنا" الذي بدأ يظهر في السبعينات من القرن الماضي بين فتيان اعتبروا أنفسهم مركز العالم وترعرعوا على تصرُّفات صبيانية ضد اللياقة السياسية خلال إقامتهم في حرم الجامعات. وسُمِّيت هذه النزعة بـ"ثقافة الأصالة". 

  • خطايا الحزب الجمهوري

قد يُخفي النمو المتسارع للظاهرة "الترامبية" العوامل التي سمحت باختراق صفوف الحزب الجمهوري الذي أصبح أعضاؤه التقليديون يتساءلون عن مصير التَّرِكَة السياسية وثقافة زعمائه الكبار، مثل: إبراهام لينكولن (1861-1865)، وتيودور روزفلت (1901-1909)، ورونالد ريجان (1981-1989). 

وفي ظل ما استعرضَتْه هذه الدراسة لم يأت صعود ترامب من فراغ، ولا يمكن أن يُعزى تنامي شعبيته إلى حنكته السياسية أو برنامجه الانتخابي بما فيه من مواقف عنصرية وعدائية مثيرة للجدل، بل ينبغي أن نضيف إلى التحليل قدرته على استغلال مجموعة أخطاء ارتكبها زعماء الحزب الجمهوري استراتيجيًّا وسياسيًّا منذ عدة سنوات سواء إزاء مسألة التعددية أو عدم الانفتاح على الأقليات. 

ظلَّ زعماء الحزب يُكرِّسون اهتمامهم إلى مصالح الطبقة الثرية وأرباب العمل والمضاربين في وول ستريت بدلًا من اعتماد رؤى استباقية تحول دون حدوث قطيعة مع الطبقة العاملة. وباختصار، يخفي نجاح ترامب وراءه فَشَلَ نخبة الحزب أو مؤسسة الحزب التي يفاخر بأنه ليس منها ولا يتعاون معها، بل يريد أن يستولى على زعامة الحزب بحكم الأمر الواقع إِنْ وجد طريقًا إلى البيت الأبيض. 

وثمة خطأ ثان لم يتدراكه زعماء الحزب الجمهوري منذ نهاية رئاسة ريغان الذي اشتُهر باستقطاب فئة مهمة من الناخبين سُمِّيت "ديمقراطيُّو ريجان"، ولم تنفتح زعامة الحزب على الأقليات بل ظلَّ الحزب إلى حدٍّ كبير بمثابة حزب الرجل الأبيض، وظلَّ قادة الحزب يرفضون الإقرار بتلك المشاكل، فضلًا عن التعثرات التي وقع فيها الحزب خلال رئاسة بوش الابن بتوصية من نائبه آنذاك، ديك تشيني. وبعبارة أخرى، وجد ترامب الظروف مهيأة لنجاحه أكثر من الاعتماد على عصاميته أو أَلْمَعِيَّتِه السياسية، ويعكس نجاحه أزمة حقيقية في مسار الحركة المحافظة في الولايات المتحدة، وربما احتضار الحزب الجمهوري العجوز الذي لم ينجب حفدة من السلاسة السياسية  للينكولن أو روزفلت أو ريجان.

______________________________________

د. محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسين وزميل في مركز تحليل السرديات وتسوية النزاعات، واشنطن.

مراجع

1. Reston, Maeve, Merica, Dan, “In Trump attacks, Hillary Clinton finds her voice”, CNN, 26 May 2016, (Visited on 26 May 2016):

http://www.cnn.com/2016/05/26/politics/hillary-clinton-donald-trump-attacks/

2. Van Dijk, T. A., News Analysis: Case Studies of International and National News in the Press, (Lawrence Erlbaum Associates, Hillsdale, N.J, 1988), p. 2.

3. Dijk, T. V., Discourse and Power, (Palgrave McMillan, 2008), p. 87.

4. Fairclough, N., Critical Discourse Analysis: The Critical study of Language, (Longman, London, New York, 1995), p. 9.

5. Meyer, M., “Between theory, method, and politics: positioning of the Approaches to CDA”, in Wodak, Ruth and Meyer, Michael (eds.) Methods of Critical Discourse Analysis, (Sage Publications, 2001), p. 22.

6. Fairclough, N., Wodak, R., Critical Discourse Analysis, (Longman, 1997), p. 271-280.

7. Gadamer, H. G., Truth and Method, (Bloomsbury, 1975), p. xi.

8. Quoted form Lessa, Lara, Discursive Struggles within Social Welfare: Restaging Teen Motherhood, British Journal of Social Work, 2006, 36 (2), p. 283–298.

9. Gee, J. P., Social Linguistics and Literacies: Ideology in Discourses, Critical Perspectives on Literacy and Education, (London, New York, 1990), p. 142.

10. Frizell, Sam, “Hillary Clinton Blasts Donald Trump’s Comments on Muslims”, CNN, 5 December 2015, (Visited on 12 April 2016):

http://time.com/4141599/hillary-clinton-trump-muslims

11. Amato, John. “Carl Bernstein: Donald Trump Is An American 'Neo-Fascist'”, CNN, 3 March 2016, (Visited on 22 March 2016):

http://crooksandliars.com/2016/03/carl-bernstein-donald-trump-american-neo

12. Diamond, Jeremy. “Ted Cruz: Police need to 'patrol and secure' Muslim neighborhoods”, CNN, 27 March 2015, (Visited on 12 May 2016):

http://www.cnn.com/2016/03/22/politics/ted-cruz-muslim-neighborhoods/

13. Oh, Inae, “Bernie Sanders Slams Donald Trump's Anti-Muslim Rhetoric”, 9 December 2015, (visited on 25 March 2016):

 http://www.motherjones.com/mixed-media/2015/12/bernie-sanders-donald-trump-tonight-show

14. Wodak, R., Meyer, M., Methods of Critical Discourse Analysis, (Sage Publications, 2001), p. 11.

15. Roth, Samantha-Jo, “Donald Trump Can Tell Refugee Children ‘You Can’t Come Here’”, The Huffington Post, 2 February 2016, (Visited on 3 May 2016):

http://www.huffingtonpost.com/entry/donald-trump-syrian-refugee-children_us_56b8e1d4e4b01d80b24743ea

16. Swan, Jonathan, Hattem, Julian. “Cruz to offer bill banning Syrian refugees”, The Hill, 16 November 2016, (Visited on 4 may 2016):

http://thehill.com/policy/national-security/260317-cruz-to-offer-bill-banning-syrian-refugees

17. Habermas, J., Erkenntnis und Interesse, (Suhrkamp, Frankfurt, 1977), p. 259.

18. Kaplan, Rebecca, “Hillary Clinton: U.S. should take 65,000 Syrian refugees”, Face the nation – CBS, 20 September 2015, (Visited on 23 March 2016):

http://www.cbsnews.com/news/hillary-clinton-u-s-should-take-65000-syrian-refugees/

19. Gore, D’Angelo. “Sanders’ Support for Syrian Refugees”, Fact Check, 1 December 2015, (Visited 23 March 2016):

http://www.factcheck.org/2015/12/sanders-support-for-syrian-refugees/

20. Sanders, Bernie, “Speech prepared for AIPAC’s conference and delivered at a rally”, Tikkun, 24 March 2016, (Visited 12 May 2016):

https://www.tikkun.org/nextgen/clinton-sanders-trump-and-cruz-on-israel-and-us-foreign-policy

21. Ibid.

22. Cruz, Ted, “Speech delivered at AIPAC’s conference, Tikuun, 24 March 2016, (Visited 12 May 2016):

https://www.tikkun.org/nextgen/clinton-sanders-trump-and-cruz-on-israel-and-us-foreign-policy

23. Van Dijk, T. A., Ideology: A Multidisciplinary Approach, (Sage Publications, 1998), p. 183

24. Fairclough, N., Discourse and Social Change, (Polity Press, Cambridge, 1992), p. 135.

25. Wodak, R., Meyer, M., Methods of Critical Discourse, Sage, 2001, p. 3.

تعليقات

 

نرشح لكم

تبحث الدراسة، التي نُشرت في العدد الثالث من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، في السياقات المنتجة للهويات المصطنعة، وأسراب الذباب الإلكتروني المُؤَدْلَج، والعشائر الإلكترونية، سعيًا لاستقطاب الرأي وبناء الواقع وفق ما تمليه أجندة قوى الضغط والفاعلين في السياسة والاقتصاد والثقافة.

2019/10/17

تقدم الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الثالث من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، تحاول فهم دوافع ومبررات تحويل الشبكات الاجتماعية إلى أدوات للفعل السياسي في الفضاء العام الافتراضي من خلال نموذج الحراك الشعبي في الجزائر.

2019/10/10

تبين الورقة أهمية المناظرات التليفزيونية في الانتخابات الرئاسية التونسية كفضاء عام للنقاش والجدال بين المرشحين، كما أنها تشكِّل منطلقًا جوهريًّا في إرساء تقليد ديمقراطي عريق اعتمدته الديمقراطيات المقارنة على مستوى الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية بالنظر إلى حجم تأثيراتها الإيجابية.

2019/10/07

تقدم الورقة ملخصًا لأبرز القضايا والمحاور التي ناقشتها الرسالة الجامعية* للباحث، عبد اللطيف حيدر، حول مضامين البرامج السياسية الساخرة في شبكة الجزيرة، وتُقيِّم الجهد الأكاديمي الذي لا يواكب أهمية السخرية المتلفزة كقالب برامجي حديث في المعالجة الإعلامية بعد الثورات العربية.

2019/08/01