التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي: السياسات والأهداف - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
دراسات إعلامية

التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي: السياسات والأهداف

تبحث الدراسة إشكالية التضييق على منصات الشبكات الاجتماعية في سياق العلاقة الارتباطية بين السلطة والإنترنت والحريات من خلال رصد سياسات واستراتيجيات الدول التي تمنع تدفُّق المعلومات في محاصرة هذه المنصات وأهدافها، وتأثير ذلك في حرية الرأي والتعبير والمجال العام الرقمي عمومًا.

الأحد, 06 يناير, 2019 11:02 GMT

احتجاج على استدعاء مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في لبنان للصحافيين والنشطاء والتحقيق معهم (الأناضول)

مقدمة
تتنزَّل مسألة التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية في سياق السلطة والإنترنت والحريات: من يتغوَّل على الآخر؟ إنها مسألة قابلة للتناول العميق في كل مجتمعات العالم تقريبًا مع تنامي استخدامات الاتصال والإعلام والتواصل الإلكتروني في حياتنا اليومية، ومع تَكثُّف التشريعات المتعلقة بالإعلام والإنترنت والحريات والإرهاب... إضافة إلى تطور آليات الرقابة والتضييق والزجر والحجب والمنع المعتمدة من قِبَل السلطات الحاكمة في عديد بلدان العالم.

 فمجتمع المعرفة والمعلومات يُغيِّر الواقع الافتراضي بسرعة مهولة، لكن -في الآن نفسه- يُثوِّر العلاقات الاجتماعية ويجعل العالم يَهْتزُّ من جديد، بفعل ما يمكن اعتباره تجاوزًا للحقوق والواجبات، وخَلْطًا لمعايير التمييز؛ الأمر الذي يستوجب -حسب البعض- إعادة النظر الجدية فيما يُعتبر حرية الرأي والتعبير، بصفتها من المبادئ الأساسية الكبرى في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. ويبحث مجتمع المعرفة والمعلومات، من ناحية أخرى، خلال السنوات الأخيرة بشكل خاص، في كيفية تنظيم حرية الرأي والتعبير، وربما ضبط حدودها، بواسطة القانون: قانون مجتمع المعلومات وأخلاق مجتمع المعلومات، بما يسمح بالتعامل الواضح والقوي مع ما تبثه الشبكات الاجتماعية من محتوى بأرقام مذهلة.

 لقد أضحى الاتصال والتواصل وتبادل المعلومات مفتوحًا للجميع في كامل أنحاء الكون؛ فإلى جانب الفضائيات التليفزيونية، انفجرت ظاهرة مواقع الويب الدينامية الحركية (Sites web dynamiques)، وظاهرة المدونات الخاصة أو مواقع الويب الشخصية للتعبير (Blogs) والتي في أغلبها ذات تَوجُّه سياسي. وأضحت شبكة التواصل الاجتماعي تضم مليارات المشتركين. فقد حَوَّلَ هذا المشهد الوسائطي حياة الفرد إلى فضاء افتراضي رقمي حُرٍّ، يحتاج -بالتأكيد- إلى التنظيم والتقنين. ولكن، من الفاعل في تلك العملية الترتيبية؟ ألا يمكن أن يكون ذلك بعقلية ترويض هذا الفضاء، أو السطو على الحريات داخله، بحجة مقاومة الإرهاب المهدِّد للدولة الوطنية، أو الشتم والثَّلب والقرصنة المهدِّدة للأشخاص والمؤسسات؟ 

 إن المخاوف من حرية الإنترنت التي تؤسس للإرهاب، تجد ما يبررها أحيانًا. فقد ارتفع عدد المواقع الإلكترونية للجماعات المتطرفة عبر الإنترنت من 12 موقعًا، سنة 1997، إلى 150 ألف موقع، سنة 2015(1) ويراهن تنظيم "الدولة الإسلامية"، مثلًا، على وسائط الاتصال، لاستقطاب الشباب، والتأثير فيهم، وتجنيدهم للقتال. ويُدير هذا التنظيم، ضمن الفضاء الافتراضي الديمقراطي التشاركي، سبع أَذْرُعٍ إعلامية، وموقعًا، و90 ألف صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة "فيسبوك" و"تويتر". ورصد تنظيم الدولة من ميزانيته 3 مليارات دولار لتمويل القنوات السبع والإذاعات والمواقع الإلكترونية والمجلات التي تُروِّج لفكر التنظيم في جميع دول العالم بأكثر من 12 لغة(2)، وتستهدف الناشطين الإلكترونيين في فضاء عام افتراضي مفتوح يصعب الإمساك به مهما تطورت آليات الرقابة. 

 إن تضاعف وقع الحرية، اليوم، بفعل الإنترنت وما فعلته في المجتمعات العالمية ومجتمعاتنا العربية ما قبل الثورات وخلالها وبعدها، حَوَّلت المواطن العربي، ولاسيما الشباب، المستكين والمفعول به، إلى مواطن فاعل ومُتمرِّد ومؤثّر...، خارج عن إرادة السلطة الحاكمة، بفضل منتديات الحوار الإلكترونية والمدونات، وتَقاسُم المعلومات النصية والمصورة.

 فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في العالم 4 مليارات مستخدم، أي قرابة 60% من مجموع سكان الأرض. وإلى حد سنة 2017، بلغ عدد المستخدمين النشطين لمواقع التواصل الاجتماعي شهريًّا: 2 مليار على "فيسبوك" (65% منهم يفتحون صفحتهم يوميًّا)، ومليارًا على "يوتيوب"، و950 مليونًا على "واتساب"، و440 مليونًا على "غوغل"، و430 مليونًا على "إنستغرام"، و420 مليونًا على "لينكدإن"، و325 مليونًا على "تويتر"، و230 مليونًا على "تمبلر"، و110 ملايين على "بينتريست" (Pinterest).

 وفي سياق تقاسم المعلومات بين الأفراد الافتراضيين وصناعة الرأي العام، يتم كل دقيقة: زيادة 456 متصلًا جديدًا بالإنترنت، وإجراء 110 آلاف اتصال عبر "سكايب"، وتنزيل 580.312 تغريدة على "تويتر"، وإضافة 300 ألف مشاركة على "فيسبوك"، ووضع زر الإعجاب (j’aime/ like) على 216 مليون صورة تُنشَر عبر "فيسبوك"، وعلى 2.4 مليون صورة تنشر عبر "إنستغرام"، ونشر 345.932 صحيفة، ونشر 4 كتب، وبيع 3692 هاتف جوال.

 ويُختصر حجم البيانات التي تُنتَج عبر الإنترنت في الدقيقة الواحدة كما يلي: رفع أو تحميل 400 ساعة فيديو على "يوتيوب"، وتحميل 830 ألف ملفٍّ على "دروب بوكس"، وإرسال 204 ملايين رسالة إلكترونية، وترجمة محرك البحث "غوغل" لـ70 مليون كلمة، وإنتاج 216 ألف صورة أو مقطع فيديو على "إنستغرام"، ومشاركة 347.222 صورة على "واتساب". ويتم كل يوم كتابة 2 مليون تدوينة، وهو ما يكفي لملء مجلة "تايم" (TIME) 770 سنة كاملة. كما يتم، يوميًّا، قضاء 4.7 مليارات دقيقة على "فيسبوك"، وإرسال 294 مليار بريد إلكتروني، وتنزيل 35 مليون تطبيق(3).

 أمام هذا الكمِّ الهائل لاكتساح المعلومات للمجتمعات الحديثة عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية، يتعاظم التضييق على المحتوى الذي يُنشر عبر المنصات الاجتماعية في دول تُعرف عادة بأنظمتها السياسية المغلقة، بل إن دولًا كثيرة توصف بالديمقراطية لجأت إلى حجب هذه المنصات نفسها. ويمكن أن تتضمن القيودُ الحجبَ الصريح أو الخنق الذي يعمل على إبطاء مواقع معيَّنة والحيلولة دون تدفُّق المعلومات عبرها، وقد يصل الخنق إلى حد يجعلها غير قابلة للاستخدام. فقد أعلنت السلطات الإيرانية، مثلًا، عن خطتها لاستبدال تطبيق محلي الصنع بتطبيق "تليغرام"، بعد إيقافه بشكل نهائي لدواعي الأمن القومي، وبسبب دوره في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في ديسمبر/كانون الأول 2017. وفي عام 2009، حجبت السلطات أيضًا موقعي "فيسبوك" و"تويتر" تزامنًا مع التظاهرات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية.   

 وفي عام 2014، حجبت تركيا موقع "تويتر"، كما حجبت "يوتيوب" لمدة 30 شهرًا. وفي دولة مثل باكستان يصعب على السكان دخول موقع "يوتيوب". فمنذ عام 2009، تمَّ حظره بعدما رفضت إدارة الموقع إزالة فيديو سياسي يحرض على النظام. وتذهب الصين إلى أبعد من ذلك؛ إذ شنَّت السلطات حملة حظر على مواقع التواصل عام 2009، أبرزها "فيسبوك". بينما اتخذت دول أخرى، خلال الفترة الأخيرة، خطوات عملية لإنشاء منصات اجتماعية بديلة؛ حيث أعلن وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر أن بلاده سيكون لديها قريبًا "فيسبوك" مصري. 

 يتحقق التنظيم والتضييق على الشبكات الاجتماعية، في الآن ذاته، من خلال تجديد أغلب دول العالم، ومن بينها الدول العربية خاصة، لمنظوماتها التشريعية، وتطوير خُطَطها وسياساتها العامة في مجال المعلومات والاتصال بهدف الحد من الجريمة الإلكترونية(4) المتفاقمة باستمرار، بدءًا بالتَّحَيُّل المالي والضرر الاقتصادي، مرورًا بنقد الأنظمة السياسية الحاكمة وتعرية المستور فيها عبر عقود طويلة وفضح فسادها بالصورة والنص، وانتهاء بالاعتداء على حُرْمَة الحياة الخاصة للأشخاص والثَّلب والافتراء والتشويه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لاسيما بعد حالات الانسياب والتَّسيُّب التي تشهدها المجتمعات العربية بعد الثورات، وتَراجُع سيادة الدولة وسلطة القانون فوق الجميع.

 إنه مأزق معرفي، للدول جانب مهم من المسؤولية فيه، كما للمجتمع المدني والنُّخَب دور في تناوله سلبًا أو إيجابًا. وهو يقوم على مُفارَقة عجيبة بين الشعار والتنظير والواقع، من خلال التَّعلُّق بما يُشْبِهُ السراب: أخلاق وقانون مجتمع المعلومات والاتصال الإلكتروني، وكذلك مقاومة الإرهاب السيبراني، وصَوْن هَيْبَة الدولة وحماية النظام العام بما تَكْتَنِزانه من غموض واجتهادات وتأويلات وتوظيف في الواقع وفي النصوص القانونية أيضًا. هنا، نضع رهانًا معرفيًّا آخر لا يقل صعوبة: لماذا التضييق على الإنترنت الحر، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية بشكل خاص؟ لماذا، وكيف تتمُّ محاصرة الشبكات الاجتماعية في الدول التي تمنع تدفق المعلومات؟ ما أهداف هذه الدول واستراتيجياتها وسياساتها، وتأثيرات ذلك على المجتمع والحريات وطبيعة الخدمات التي تقدمها الشبكات الاجتماعية؟ كيف نرسم حدود ما يُمكن تقنينه باعتباره يدخل في إطار المعترف به والمباح، وما يُمكن نَعْتُهُ بجريمة تُخِلُّ بقواعد التعامل المواطني المدني الذي على الدولة تأمينه وصيانته؟ ماذا نحتاج من عمل مُمَنْهَج حتى لا يَتعلَّل النظام الحاكم بِحُجَّة مقاومة الإرهاب، وفَرْض النظام العام وسيادة الدولة وهيبتها، وحماية "الأخلاق الحميدة"، ليحاصر الشبكات الاجتماعية، ويضيق عليها، ويحجب المواقع، ويسلب عامَّةَ الناس حقهم في حرية الرأي والتعبير؟

 تدفع مثل هذه الأسئلة إلى البحث في دوافع الدول التي تحاصر تدفق المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالتركيز على المحاور الآتية:

1. سياقات التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي ومحاصرتها في الدول التي تمنع تدفُّق المعلومات. 

2. سياسيات واستراتيجيات التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي.

3. خارطة الدول التي تضيق على شبكات التواصل الاجتماعي، وسجلها في منع وإغلاق تلك المنصات.

4. أهداف التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي (مع التركيز على المجال العربي).

5. تأثير التضييق على المنصات الاجتماعية في حرية الرأي والتعبير والمجال العام الرقمي عمومًا.

6. رهانات الدول في إنشاء مواقع اجتماعية محلية، وحدود استجابتها لاحتياجات الأفراد والجماعات.

 إذا كانت الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي هي المجال الحقيقي لتكريس الحريات في المجتمعات العربية ما بعد الثورات، ونقد الأنظمة السياسية الحاكمة والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن التضييق على الإنترنت الحر، وعلى هذه الشبكات بشكل خاص، هو المنفذ الوحيد للأنظمة الحاكمة حتى تُنقذ نفسها من سيول النقد والفضح بالنص والصورة والصوت في زمن الفضاء الاتصالي العالمي المُعَوْلَم المفتوح، وزمن الصحفي-المواطن.

 ونفترض، هنا، أن التضييق يتمُّ عبر سياسات واستراتيجيات وأهداف واضحة المعالم، أساسها حجب المنصات الاجتماعية، أو خنقها، في دول تُعرف عادة بأنظمتها السياسية المغلَقة، ودول أخرى كثيرة توصف عادة بالديمقراطية، وذلك بهدف الحيلولة دون تدفُّق المعلومات.

 ونفترض، أيضًا، أن التضييق يتمُّ عبر وضع التشريعات القانونية المُنظِّمة للتواصل الإلكتروني في وجهها الأول الظاهر، والمستهدفة ضرب الحريات في وجهها الثاني الباطني المخفي، كلما "زاغ" بها الأفراد والجماعات عن منطق "النظام العام والمصلحة الوطنية وسيادة الدولة" حسب الأنظمة الحاكمة طبعًا، بما تحمله هذه المُسَمَّيات من ضبابية في المفهوم والتفسير والتأويل ثم الاستخدام والاستغلال والتوظيف. كما يتم التضييق، في بعض الحالات وفي البلدان المتقدمة في مجال تكنولوجيات المعلومات والاتصال، عبر إنشاء مواقع اجتماعية محلية تضع المجتمع المحلي في سياق مجتمع مغلَق، بعيدًا قدر الإمكان عن المجتمع-العالم وعن المواطن-العالم.

 دوافع التضييق على الشبكات الاجتماعية ومحاصرتها
نجحت ثورة المعلومات في كشف معالم القوة السيبرانية بالجمع بين مختلف أبعاد الثورة الرقمية. وهو ما مكَّن المفكر "مانويل كاستلز" (Manuel Castells) من فك شفرة المجتمع الجديد وأسلوب تأثيره في حياتنا، حيث أكد أن الصراع الاجتماعي قد اختلف، فأضحى بين الذات والشبكات الاجتماعية التي صارت أساس المجتمع(5).

وقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من مجرد أفضية (فضاءات) افتراضية للتعارف والدردشة إلى مساحة لتبادل الأفكار وإبداء الآراء السياسية بحرية لا تفسحها وسائل الإعلام المكتوبة والفضائية؛ الأمر الذي أثار خشية الدوائر السياسية في عدد من الدول. وبدأ التفكير جديًّا في التضييق على استخدام هذه المواقع بذرائع أمنية وسياسية، خاصة أن هذه المواقع قد أثَّرت بشدة في اندلاع الشرارات الأولى للثورات العربية، وفي توسع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية بدول أخرى عربية وأجنبية.

غير أن الحجة الرسمية المستنَد عليها لمراقبة هذه المواقع ومنع تدفق المعلومات هي الحد من التطرف والإرهاب. فتنظيم الدولة، مثلًا، "يستخدم الفضاء الإلكتروني في عملية استقطاب الشباب إلى صفوف الجماعات الجهادية، بالإضافة إلى إتاحة تدفق المعلومات، وتقليص تكلفة تجنيد الأعضاء، وإيجاد مجتمعات للتواصل الإلكتروني يتشارك أعضاؤها الأفكار والنقاش؛ حيث ساعدت هذه المواقع الجماعات الجهادية في تصدير صورة مفادها أن الجهاديين دائمًا منتصرون. وهذا، ما ساعد في تجنيد الشباب وجلب التبرعات. وتستخدم تلك الجماعة الإرهابية المواقع الإلكترونية في نشر جرائمها وطريقة إعدامها للأسرى، وتتفنن في بشاعة طرق الإعدام، لإثارة الذعر في النفوس، مما يفقد المواطنين الثقة في حكوماتهم وقدرتها على حمايتهم"(6) وكانت مثل هذه التقارير سندًا تعتمده العديد من الدول لمنع تدفق المعلومات والتضييق على حرية التواصل عبر الشبكات الإلكترونية. صار إرهاب تنظيم الدولة جسر الحكومات للتضييق على الشبكات الاجتماعية.

 صنَّفت بعض الدول، مثل مصر وتونس وسوريا وليبيا والعراق والمغرب والجزائر...، مواقع التواصل الاجتماعي كمساحة خصبة لنشأة وظهور بعض الجماعات التخريبية التي تربطها علاقة وطيدة بأحداث العنف. فقد شكَّل ظهور جماعة "البلاك بلوك" متغيرًا جديدًا في الساحة السياسية المصرية بعد الثورة؛ إذ عبَّرت تلك الجماعة عن نموذج لحركات العنف غير التقليدية التي ليس لديها ذات الأطر الفكرية والأيديولوجية لحركات العنف التقليدية، مثل: تنظيم القاعدة، والسلفية الجهادية. وتقوم حركة "البلاك" بالدعاية إلى نشاطها من خلال شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وذلك بنشر فيديوهات وصور ومنشورات حماسية تحثُّ الشباب على الانضمام إليها.

 كما اعتبرت بعض الدول أن التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي يأتي في إطار التصدي للانحلال الأخلاقي، فقرَّرت غلق المواقع الإباحية، وتشديد الرقابة على محتوى المنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي، مثلما كان يحدث في تونس مثلًا قبل الثورة. وكان الصراع العربي-الإسرائيلي أحد أهم الأسباب التي تعتمدها الدول العربية، وعدد مهم من الدول الأجنبية، للتضييق على مواقع التواصل الاجتماعي، بحجة التصدي لمحاولات التطبيع مع العدو الإسرائيلي والتواصل مع أجهزته الاستخباراتية. بالإضافة إلى حماية المستخدمين من عمليات القرصنة، خاصة وأن أجهزة الأمن الإسرائيلية تنشر بين الحين والآخر فيروسات، بهدف ضرب أنظمة الحاسوب في الدول المستهدفة، بغية التزود بالمعلومات الاقتصادية والتطورات الصناعية والتكنولوجية وأهم المشروعات الاستثمارية المتحققة.

 ويتداول الناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، في العديد من الدول التي تسعى جاهدة إلى التضييق على المواقع الإلكترونية، ما يفيد بأن أجهزة الدولة تعمل على مراقبة كل صغيرة وكبيرة. وهو ما يطرح إشكالية حرية الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي.

 وجاء في أحد تقارير منظمة "فريدوم هاوس" أن عددًا متزايدًا من الدول بات "يحذو حذو روسيا والصين في التدخل في شبكات التواصل الاجتماعي، ورصد المعارضين عبر الإنترنت، في تهديد خطير للديمقراطية(7). وأظهرت المنظمة في تقريرها، الذي حمل عنوان "الحرية على الإنترنت"، تراجُع 32 بلدًا في مؤشرات حرية الإعلام الرقمي، على رأسها مصر وأوكرانيا. وخلص التقرير إلى أن الهجوم الأكثر حدة في العالم العربي هو الهجوم على حرية التعبير، لكن المقاومة والإصرار الأشد هو على ممارسة حق التعبير.

 سياسات واستراتيجيات التضييق على الشبكات الاجتماعية
تزايد طلب الحكومات، خلال السنوات الأخيرة، لبيانات حسابات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة موقع "فيسبوك"؛ حيث أعلنت شركة "فيسبوك" أن الطلب ارتفع بنسبة 18% خلال النصف الأول من سنة 2018.

 وبالعودة إلى تقرير شفافية "فيسبوك"، عبر موقعه الرسمي(8)، نجد أنه ينص على رفض طلبات البيانات الواردة إليه من أغلب الحكومات العربية، بسبب تشكُّكه في استخدام هذه البيانات. وعلى سبيل المثال، ومثلما تمت الإشارة في تقرير الشفافية، فإن الحكومة المصرية تقدمت خلال سنوات 2015 و2016 و2017 بـ26 طلبًا للاستعلام عن حسابات 32 مستخدمًا لـ"فيسبوك"، ومعرفة البيانات الخاصة بهم. لكن "فيسبوك" لم يستجب لأي طلبات، ما عدا طلبًا وحيدًا سنة 2014. كما تقدمت الحكومة المصرية إلى موقع "تويتر" عدة مرات بطلبات عاجلة بخصوص معرفة بيانات عن مستخدمين، ورفضت الشبكة الرد عليها.

 لذلك، فإن السلطة المصرية، في إطار رؤيتها الاستراتيجية لحماية النظام العام، وهي التي تتعرض إلى عمليات إرهابية كبيرة، وسعيًا منها إلى مزيد التضييق على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، ارتأت اللجوء إلى مجلس النواب، الذي وافق يوم 14 مايو/أيار 2017 على مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. 

 ويهدف القانون إلى "تقنين حجب المواقع الإلكترونية، سواء التي تبث من داخل مصر أو خارجها، وتغليظ عقوبات الاعتداء على الأنظمة المعلوماتية الخاصة بالدولة، علاوة على إحكام السيطرة على ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي"(9)، أو على روابط أو محتوى محل البث، متى قامت أدلة على قيام موقع يبث داخل الدولة أو خارجها بوضع أية عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام أو أي مواد دعائية، أو ما في حكمها، وتُشكِّل تهديدًا للأمن القومي، أو تُعرِّض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر.

 وأشار تقرير منظمة "فريدوم هاوس"، إلى تراجع الحريات الإعلامية في مصر بشكل كبير، خلال العام 2018، حيث حصلت مصر على 68 درجة من 100 بمقياس التضييق الإعلامي، مقابل 63 درجة العام 2017، وحصدت 33 درجة من 40 بمقياس "خرق حقوق مستخدمي الإنترنت"(10).

 أثار القانون المصري الجديد حول جرائم المعلومات حالة جدل كبيرة في الأوساط الشبابية خاصة، بسبب مواده التي تقر عقوبة السجن في الجرائم المتعلقة بشبكات التواصل الاجتماعي. في الوقت الذي تندِّد فيه منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان -على الدوام- بانتهاك الحريات، وخصوصًا على شبكة الإنترنت. وبين مؤيد لهذا القانون بوصفه يكافح الإرهاب في المهد ويحمي البلاد، وبين رافض له بتعلة أن الصياغة الغامضة لبنود وفصول القانون تسمح للسلطات بتأويل الانتهاكات والسيطرة على وسائل الإعلام، يعتبر النظام المصري أن هذه المواقع تُشكِّل مصدرًا للشائعات تهدد أمن البلاد. وأكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في كلمة ألقاها، يوم 22 يوليو/تموز 2018، خلال حفل عسكري، على أن "الخطر الحقيقي الذي يمر في البلاد وفي المنطقة هو تفجير الداخل بالشائعات والأعمال الإرهابية، والضغط بهدف تحريك الناس لتدمير بلدهم"(11). كما أن بعض الوزراء والنواب المصريين طالبوا بضرورة فرض ضرائب على إعلانات "غوغل" و"فيسبوك"، و"إنستغرام" والمنصات الإلكترونية المختلفة المتحصلة على تمويلات من السوق المصرية. وهذا، شكل آخر من أشكال التضييق الاقتصادي على شبكات التواصل.

 وتسعى بعض الدول إلى إيجاد أساليب أخرى لتشديد الرقابة الإلكترونية؛ إذ تقوم هيئة الاتصالات وتقنيات المعلومات في السعودية بدراسة حول إمكانية ربط حسابات شبكة "تويتر" مع هوية أجهزة المستخدمين، وذلك بهدف الحد من استخدام الحسابات مجهولة الهوية. وقد وصف متحدث باسم وزارة الداخلية السعودية مواقع الشبكات الاجتماعية، وخاصة "تويتر"، بأنها أداة يستخدمها متشددون لإثارة الاضطراب الاجتماعي. وتطلب السعودية مراقبة "سكايب" و"واتساب"، وتهدد بحجبهما. وطُلِب من شركات الاتصالات المحلية التنسيق مع الجهات المشغلة لهذه التطبيقات، لبحث سبل مراقبتها وكيفية تطبيق الأنظمة المتبعة أمنيًّا على استخدامها.

 ولا يزال قرار الحكومة المغربية الصادر في 7 يناير/كانون الثاني 2016، والقاضي بمنع خدمة المكالمات المجانية عبر الشبكات الاجتماعية، يلقي بظلاله بشكل سلبي على صورة المغرب بالخارج؛ فقد "أدرج تقرير إعلامي لصحيفة "الباييس" الإسبانية، واسعة الانتشار، المملكة ضمن تسعة بلدان، أغلبها من إفريقيا، ضيقت على مواقع التواصل الاجتماعي، سنتي 2015 و2016، معتبرًا أنه رغم تعدد الأسباب إلا أن الهدف واحد، وهو تقييد استعمال الشبكات الاجتماعية"(12). وضمت القائمة الإسبانية من إفريقيا كلًّا من المغرب وإثيوبيا ومصر والجزائر وتشاد والكونغو الديمقراطية، ومن الشرق الأوسط العراق، ومن آسيا الصين.

 تتصف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بطبيعة حكم وثقافة خاصة أقرب إلى الانغلاق، فضلًا عن رفض كل ما هو غربي بوجه عام. ومع تعاظم دور تكنولوجيات المعلومات والاتصالات في عالمنا، وتغلغل استخدامات وتطبيقات الإنترنت في تفاصيل الحياة، كان لابد من أن يطول استخدامَ شبكات التواصل الاجتماعي نصيب من العداء الإيراني للغرب. وقد اضطرت السلطات الإيرانية، بدورها، إلى التعامل مع موقع التواصل الاجتماعي "إنستغرام" بشكل مختلف فيما يتعلق بالرقابة على محتواه، خصوصًا أن الرقابة على الإنترنت تعتبر أمرًا روتينيًّا في هذا البلد. إلا أنها لجأت، في السنوات الأخيرة، إلى ما يُعرف بـ"الفَلْتَرَة الذكية" أو التصفية الذكية" للمواقع. وكان الهدف الأساسي من إنشاء بروتوكول "https" هو التحقق من زوار الموقع وحماية الخصوصية من التنصت وهجمات القراصنة.

 كما أعلنت السلطات الإيرانية عن خطتها لاستبدال تطبيق محلي الصنع بتطبيق "تليغرام"، بعد إيقافه بشكل نهائي لدواعي الأمن القومي، وبسبب دوره في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في ديسمبر/كانون الأول 2017. وفي عام 2009، عمد المسؤولون الإيرانيون إلى حظر مواقع التواصل الاجتماعي الأميركية مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" لسنوات عديدة، قبل أن يُطبقوا عليها نظام "الفلترة الذكية" الآنف ذكره.

 ولا يخفى على أحد جدار حماية الصين العظيم الإلكتروني، ذلك الجدار الافتراضي الذي يفصل الإنترنت داخل الصين عن باقي المواقع العالمية، بما يسمح للحكومة أن تحجب بسهولة أي شيء لا يجتاز الفحص. غير أن الصين ليست سوى واحدة من عشرات الدول التي تفرض رقابة مشددة على الإنترنت.

 توالت، خلال السنوات الأخيرة، في كل العالم تقريبًا، الأحداث التي تُثير تَعقُّد مسألة الحريات والإنترنت والسلطة وفخ الإرهاب. ومن أهمها، ما أثاره إدوارد سنودن (Edward Snowden)(13)، مستشار وكالة الأمن القومي الأميركية في "هاواي" ومسؤول نُظُم معلومات الاتصالات السلكية واللاسلكية. فهو لم يقف عند كشفه فضائح تَجسُّس المخابرات الأميركية على رؤساء العالم ومُواطنيه، لكنه استمر في الحديث حتى عن استغلال الحكومات لعبارات مثل "الحرب على الإرهاب" لتقضي على إنترنت آمن يستخدمه مُواطنوها بحرية(14). وباعتبار "الحرب على الإرهاب" يُسمَّى في عالم الاستخبارات بغطاء العملية، فإن إدوارد سنودن يقول: إن الإرهاب يُثير تجاوبًا عاطفيًّا يسمح للناس بالتساهل مع سلطات وبرامج لن يسمحوا بها في أية حالة أخرى. فبرامج تَجسُّس مثل "بول ران" و"إدهيج"، رفضها الكونغرس والشعب الأميركي حينما عُرضت عليه تسعينات القرن الماضي. لكن، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، استخدمتها الحكومة الأميركية بسرية ومبرر الإرهاب دون سؤال الكونغرس. وانتهى سنودن إلى أنه بعد أزمته مع أميركا، في العام 2017، اكتشف أن الديمقراطية يُمكنها أن تموت خلف الأبواب المغلقة. لكننا كأشخاص وُلدنا خلف هذه الأبواب، ليس علينا أن نتخلى عن خصوصيتنا كي نحصل على حكومة جيدة، وليس علينا التخلي عن حريتنا للحصول على الأمن، وإنه من خلال العمل المشترك يُمكن للعالم الحصول على حكومة أمينة وحياة خاصة لكل فرد، وإن هذا بإمكانه أن يحدث(15).

 بهذا التحليل، نقف عند حجم الرَّهبة التي تعيشها الحكومات في أي بلد من العالم من الإنترنت، ومن الحريات التي اكتسبها الفرد عبر الشبكة، مما يجعل هذه الحكومات تلجأ آليًّا إلى حُجج "حماية النظام العام" و"الحرب على الإرهاب" لتقضي على إنترنت آمن يستخدمه مُواطنوها بحرية، فتموت بذلك الديمقراطية في الواقع وعبر الشبكات الإلكترونية.

الاستراتيجيات التشريعية للتضييق على الشبكات الاجتماعية وحرية الإنترنت
توسعت في مجتمعاتنا الحديثة مساحات الرأي والتعبير واحترام حقوق الإنسان عبر الإنترنت تحديدًا مع تكثُّف استخدام شبكات التواصل الاجتماعي. فقد شهد الإعلام في مجتمع المعرفة والمعلومات نشأة الصحفي-المواطن، وميلاد "المؤسسة الإعلامية الإلكترونية-المواطن".

 إن ما نخشاه، اليوم، هو أن يتم التضييق على المحتوى الذي يُنشَر عبر المنصات الاجتماعية بتوظيف الفراغ القانوني للنشر الإلكتروني في التشريع العربي والعالمي(16) والاعتداء على الحريات الاتصالية والإعلامية، المفتوحة -تقريبًا- إلى حد هذه المرحلة الزمنية. ثم المرور إلى تأطير وتَقْنين هذا المولود الإعلامي المُواطنيِّ الجديد، مع تنامي النشريات الإلكترونية، سواء منها الصحف والمجلات، أو القنوات غير الرسمية مثل مواقع الويب والمدونات، التي يتخذ بعضها أيضًا شكل الصحافة الإلكترونية دون الالتزام بأدنى شروط العمل الصحفي الخاضع لمقاييس ومعايير دولية.

 طالما أننا لا نُنْكر، اليوم، وجود هذا العالم الإلكتروني الذي أحكم قبضته على سائر دول العالم دون استثناء، فلابد من وجود تشريع قانوني يسعى إلى سد الفراغ القانوني للنشر الإلكتروني، وقواعد قانونية تُسهم في رَدْع الجريمة الإلكترونية. لكن، يَتعيَّن الأخذ بعين الاعتبار أن التشريعات التي تتناول النشر الإلكتروني يجب أن تكون تشريعات تُسهم في رَدْع الجريمة الإلكترونية، وقادرة على مُواكَبة التطور التكنولوجي من حيث سُرعته. فالتطور السريع لوسائل الاتصال يتطلب إيجاد نصوص تشريعية تَحكُم الحالة، وقابلة للتطور بتطور هذه الحالات وسرعتها، دون السقوط في فخِّ التشريع للتضييق والحجب بحجة حماية وحفظ النظام العام.

 إن الفضاء الرقمي أو الفضاء السيبراني، بهذا الكم الهائل من وسائل الاتصال الموضوعة تحت سلطة عامة الناس، يؤكد أن الرقمي "كقوة طبيعية لها أربع خاصيات أساسية تُمكِّنها من الانتصار: فهي كقوة لا مُمَرْكَزَة، قوة مُعَوْلَمَة، قوة مُنسَّقة، وأخيرًا قوة مُنْتِجَة للسلطة"(17).

 ويمكن أن تتضمن القيود على هذا الفضاء الرقمي القوي ما يمكن أن يُطلَق عليه: الحجب الصريح، أو الخنق الذي يعمل على إبطاء مواقع معينة، والحيلولة دون تدفق المعلومات عبرها. وقد يصل الخنق إلى حد يجعلها غير قابلة للاستخدام. فلا شيء يجب أن يَنْفَلِتَ من سلطة الرَّقيب السُّلطوي في مجتمع المعلومات، ولا أحد يستطيع أن يبني مَلَكُوتًا سُلوكيًّا خارج إكراهات النَّسق الاجتماعي(18)، ولا أحد يستطيع أن يُمارس حريته الذاتية كما يشتهي وكما يُنظَّرُ للحريات في المنتديات الأممية وفي كتب الفلسفة والعلوم السياسية والإنسانية والاجتماعية والقانون. إن الفضاء الرقمي السيبراني مَسْكون في داخله بالتَّحكُّم والقيادة والمراقبة، يعني بالقيود والحدود الأخلاقية، وبالتالي بالنصوص التشريعية المُشرِّعة للغَلْق والقمع والترهيب قبل التنظيم والتقنين، ثمّ آليّات الرقابة والحجب. 

 إن البلدان العربية مُتأخِّرة جدًّا في تأمين مصالح الفرد-المُواطن إلكترونيًّا، لكنها مُتقدِّمة في تأمين الأنظمة الحاكمة. وهي تَسْتَنِدُ، في سَنِّها للتشريعات الإعلامية في ظل تَطوُّر وسائل الاتصال الجديدة، إلى مصلحة النظام الضَّيِّقة قبل المبادئ القانونية الدولية والمعاهدات الدولية، وقَبْل ضوابط أخلاق المجتمع المحلي أيضًا. 

 ولأن "قانون الإنترنت مَعنيٌّ مباشرة بالقانون الدولي"(19)، تحاول الأنظمة العربية "المُواءَمَة بين المبادئ الدولية وأخلاق المجتمع المحلي عبر تأطيرها للظواهر الناتجة عن تطور وسائل الاتصال الحديثة وتكثف استخدام الشبكات الاجتماعية. وكثيرًا ما لا تُوفَّق في هذه العملية. ويكون المَيْل إلى اعتبارات النظام العام المحلي أكثر من المبادئ الدولية.

 فهل حكومات ما بعد ما سُمِّيَّ بالثورات العربية مُقْتَنِعَة فعلًا بحرية الإنترنت؟ أم هي تسعى حقيقة إلى سنِّ تشريعات، ظاهرها حرية وديمقراطية، وباطنها هَيْمَنَة وكَبْت ودكتاتورية، بهدف جَلْدِ الحريات وخَنْق قوة الإنترنت بعد أن صارت الإنترنت المجال اليومي للفرد بتعدد وتنامي الشبكات الاجتماعية واقتحامها كل مظاهر الحياة اليومية للمواطن؟

 تسعى الأنظمة العربية عند توقيعها على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية إلى تعديل تشريعاتها بما يُحقِّق تطبيق هذه الاتفاقيات والمواثيق الدولية، لأن التوقيع يجعلها مُلْزَمَة أمام المجتمع الدولي باحترام تطبيقها وتحقيق بنودها، مراعية بذلك ما يسود مجتمعاتها من موروث اجتماعي وأخلاقي. لذلك، نجد العديد من الأنظمة تلجأ إلى ما يُسَمَّى بالتَّحفُّظ في القوانين الدولية، تقوم الدول بتطبيقه حال وُجود تَعارُض بين هذه المَواثيق وأخلاقيات مجتمعاتها وخصوصياته.

 تونس، مثلًا، وعلى غرار بلدان عربية أخرى، عملت، رغم سياسة حَجْب المواقع قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011، على توفير وتأمين وسائل المبادلات الإلكترونية، ودَعْمِ ثقة المُتدخِّلين على الشبكة، وتأمين حقوقهم عبر إرساء الإطار الترتيبي المُنظِّم للعلاقات الافتراضية بين كافة المتدخلين في الممارسات والتبادل الإلكترونيَّيْن وعبر وضع الآليات الكفيلة بضمان سلامة المعلومات المُتبادَلة وحُسن استغلالها، وبتأمين الأمن السيبراني. فقد صدر أكثر من سبعين نصًّا قانونيًّا يهمُّ، بشكل أو بآخر، الاتصال الإلكتروني في تونس، رغم ما تحمله بعض هذه النصوص في داخلها من ضَرْبٍ للحريات الفردية والجماعية بحجة مقاومة الإرهاب وغيرها(20).

 فقد ورد في تقرير الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال بالجمهورية التونسية، الذي صدر مباشرة بعد الثورة خلال شهر أبريل/نيسان 2012، وتحديدًا في الفرع الثالث والمُعَنْوَن: "الإعلام الإلكتروني: بين اللاقانون والتأطير الخانق للحريات"، أن "الإعلام الإلكتروني في ظل النظام السابق يُعاني كذلك من الخشْيَة والحصار والقمع، حتى إن تونس اعْتُبِرَتْ، من قِبَل عديد المنظمات الحقوقية والمختصة الدولية، من أَلَدِّ أعداء الإنترنت بصورة عامة والإعلام الإلكتروني بصورة خاصة.

 ويُعبِّر الإطار القانوني الموروث في هذا المجال عن تَخبُّط النظام الاستبدادي وتناقضاته، حيث يُراوح بين منطق اللاقانون، ونصوص في ظاهرها عصرية وفي جوهرها مُعادية للحرية والاستقلالية. ويكفي للتدليل على ذلك، التشريعات المُتعلِّقة بحماية المعطيات الشخصية وكذلك بالسلامة المعلوماتية. فالنظام السابق كان ينظر إلى تكنولوجيات الاتصال بصورة عامة من خلال ثُنائية الخِشْيَة والتوظيف: التوظيف في خدمة تَلْميع صورته وإنجازاته... ومن جهة ثانية من خلال تشريعات ظاهرها تَحَرُّرِي وجوهرها زَجْرِي خانق للحريات"(21).

 و"لقد تَعمَّق البُعد اللاديمقراطي واللاتحرري للإطار القانوني لحرية الإعلام وللحريات بصفة عامة. وتجسدت أقصى درجات الصبغة القمعية في السنوات الأخيرة للنظام. ويمكن اعتبار تعديل الفصل 61 مكرر من المجلة الجزائية، بمقتضى القانون عدد 35 لسنة 2010 والذي أضاف فقرة ثانية للفصل المذكور، أَوْضَحَ تجسيد لاستفحال التَّوجُّه الانغلاقي والقمعي للنظام"(22).

 لقد خضعت بعض قوانين الإعلام والاتصال الإلكتروني في تونس، ولاسيما قانون الإعلام أو مجلة الصحافة، إلى المراجعة والتنقيح والتطوير في موفى سنة 2011، بمقتضى المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرَّخ في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر(23) والمرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري(24) وذلك في اتجاه مزيد من الحريات العامة والخاصة واحترام حقوق الإنسان ودعم الإعلام ومنح الأمان والمسؤولية للعاملين في قطاع الإعلام والاتصال بما ينسجم مع منظومة الحكم الرشيد، وتمكين الناشطين عبر الشبكات الاجتماعية من مجالات التعبير الحر.

 يستند تنظيم النشر الإلكتروني إلى طبيعة القوانين المُنظِّمة التي قد تُؤدي إلى التَّحرُّر أو إلى التَّقْييد، وأية وصاية على الإنترنت هي وصاية على عقل البشر. فالحرية المطلقة قد تُؤدي إلى المساس بالنظام العام. والتَّقييد المطلق قد يُؤدي إلى المساس بحقوق الإنسان. فحين نربط الحريات والإنترنت بالأخلاق وَاجِهَة التشريعات ومرآتها الظاهرة، فإننا نَنْزَلِقُ في البحث عن حُدود أخلاقية لا حدود لها؛ إذ تذهب في اتجاهات مختلفة أحيانًا، أو مُتقابلة أحيانًا أخرى. وتلك هي ماهية الموضوع الأخلاقي نفسه، كما يُقر فيلسوف الأخلاق "إيريك فايل"(Eric Weill) (25).

تتوه الحريات الفردية عبر الإنترنت بين الواقع الاتصالي اليومي العالمي، وبين النص التشريعي المفروض بمنطق السلطة الشعبية التي تَتحوَّل في هذه الحالة إلى مُنافية ومُعادية للرغبات والانتظارات والمكاسب الشعبية. هكذا، هي حال تشريعات الإنترنت في البلدان العربية.

 يتساءل الباحث الفرنسي، "جيل برهولت" (Gilles Berhault)(26)، عن بِناء الكَوْن من جديد أو "إنقاذه". وقد يكون هذا الأمر عبر مدى التَّوفُّق في تسخير "الميديا" وتحديدًا الإنترنت لإعادة تشكيل العالم وربما بناء الكَوْن من جديد أو "إنقاذه". وفي سياق إعادة بناء العالم وتشكيل الفضاء الاتصالي المُعَوْلَم، فإن الحُكَّام والخُبراء الذين يُحدِّدون -اليوم- حدود التشريع الإعلامي في العالم، وفي العالم العربي أيضًا، في ظل تطور وسائل الاتصال الجديدة، هم الذين يُوظِّفون هذه المسائل لإعادة إنتاج حريات لا تتضارب -نظريًّا- مع مصالحهم السياسية والمالية والتكنولوجية. فالفضاء الرقمي، الذي تَحكُمه الإنترنت، بالنظر إلى ما تشهده الإنسانية من تطور علمي وتقني، كان نِتاجًا لازدهار الفكر الإنساني في إطار مفهوم "العالم-القرية"(27)، ومن ثمة ظهور الحاجة المُلحَّة إلى تنظيم وحماية المُنْتَج الذهني بهدف المحافظة على هذا الازدهار الفكري وتوظيفه للرُّقيِّ بالمجتمعات، وترسيخ الحريات الاتصالية.

 ويُفترَض التَّطرُّق إلى مسألة الحماية القانونية والتشريعية التي من شأنها أن تكفُلَ لأصحاب الحقوق ما يُخوِّله القانون للفرد الافتراضي، لاسيما في الفضاء السيبراني الرَّحب والمُتجدِّد، الذي يصعب التعامل معه بالنظر إلى تَشعُّبه من جهة، وتَطوُّره السريع واللامتناهي، "وتَحْويرِه بشكل عميق لنظام اشتغال مجتمعنا"(28)، من جهة أخرى.

 لعل هذه الحرية اللغز، وربما المنطق التجاري أيضًا، قد دفعا مؤسس موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، "مارك زوكربيرغ" (Mark Zuckerberg)، خلال قمة مجموعة الثماني الكبار، التي انعقدت بتاريخ 27 مايو/أيار 2011، بحضور زعماء الدول الصناعية الثماني الكبرى، إلى الدعوة لـ"عدم إقرار تشريعات للإنترنت". وهي دعوة قَدَّمها الفاعل القوي في المجال الرقمي، وما يرتبط به من نفوذ مالي، إلى الفاعلين الأقوياء في العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا وحربيًّا. إنه منطق الفعل والقوة والتَّمكين، ونُفوذ الأقوياء الذين يَحْكُمون تشريعات التواصل الإلكتروني والتشريع العالمي كله، وبين أيديهم مصير الحريات، ومصير الإنترنت، أو ما تَبقَّى من هذا المصير بعد أن أضحت كل حركاتنا وسكناتنا الافتراضية مُستباحة استخباراتيًّا بأرقى أشكال التَّجسُّس الإلكتروني، ولمْ يَنْجُ منها حتى كبار القادة السياسيين لبلدان العالم المُتقدِّم.

 كلما زادت السلطة الحاكمة في مُراقَبتها ومُعاقَبتها لأصحاب المواقع وللشبكات الاجتماعية زاد اتساع رُقْعة الاحتجاج الافتراضي، وزادت قوة الشبكات الاجتماعية التي صارت السلطة الخامسة في المجتمع مباشرة بعد السلطة الرابعة مُمَثَّلَة في الإعلام، وربما قبلها في الترتيب أصلًا.   

 ونخشى أن تندرج الأصوات، المتعالية للحد من "العنف والإرهاب السيبراني" والجريمة الافتراضية الإلكترونية ضمن هذا الخوف من المجال العام الافتراضي، الذي بدأ يتشكَّل داخل هذا السياق الثَّوريِّ في مجتمعات مختلفة من العالم، بما في ذلك أميركا نفسها. فالبناء الديمقراطي للمجتمعات العربية لا يزال هشًّا، ولاسيما تواصل ضعف مساحة المجتمع المدني، بما يجعل الافتراض يُشكِّل خطرًا إذا أُسيء استعماله أو أُفْرِط في استخدامه دون وَعْي. 

 ولا يُمكن لأي مجال من مجالات الفعل الإنساني أن يَسْلَم من مساعي الانحراف به عن أهدافه الأصلية وصولًا إلى خدمة الأغراض الإجرامية والإرهابية. لذلك، تكون مواجهة هذه المساعي التحريفية بالتحصين، بما من شأنه أن يخدم الحرية. لكن البعض يستغل هذه الانحرافات كذريعة للتضييق على الحرية خِدمة لمصالح خاصة. وهي سياسة فاشلة مُسْبَقًا، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار أن التَّطوُّر التكنولوجي وكَسْر الحدود التقليدية في الفضاء المُعَوْلَم لا يُمكنه إلا أن يسير باتِّجاه معالجة المشاكل الناجمة عن سوء استعمال الحرية بمزيد من الحرية والشفافية والتَّرْشيد.

 إن استخدام الشباب المتزايد للإنترنت وللشبكات الاجتماعية، واهتمامه بها، قد يكون هو الذي دفع باتجاه التفكير بضرورة سن التشريعات اللازمة لحماية المجتمع من نفوذها المتصاعد ذاته، ومن الإرهاب السيبراني والجريمة الإلكترونية أيضًا. وهذا، ما قد يُبرِّر الخوف من المجال العام الافتراضي.

 في سياق الثورة الرقمية(29) والتَّخويف من هاجس الجريمة الإلكترونية و"الإرهاب السيبراني"، تَضَعُ "الأعمال الإرهابية عن بُعد"(30) في الميزان، الأخلاق والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. فلماذا، في بلداننا العربية، تَنْحَصِر قضايا وجرائم الشبكات الإلكترونية والمعلوماتية في حرية الرأي والتعبير وفي الفِعْل التَّحرُّري السياسي، وتتقلص أو تكاد في الفعل الاقتصادي والمالي مثل سرقة الملكية الفكرية والقرصنة؟

 إن "الأنظمة الاستبدادية هاجسها الأساسي هو الحفاظ على الحُكْم وامتيازاته، والتغطية على فسادها. لذلك، فما يَهمُّها أساسا هو التَّحَصُّن بأُطُر قانونية وَرَدْعِيَّة، تَكْفُل لها البقاء في الحُكم، والضَّرب بقوة على يد كل من يُهدد مصالحها، سواء كانوا أشخاصًا أو شبكات اجتماعية أو جماعات افتراضية. كما أن الخطر الإلكتروني والمالي، القائم الآن والقادم مُستقبَلًا بأكثر حدة، لا يدخل ضمن اهتمامات أغلب الحكومات العربية. ما يَهمُّها فقط، ويُزعجها أيضًا، حرص المجتمع المدني العربي والمدونين على فضح الفساد السياسي السائد في بعض المجتمعات عبر شبكة الإنترنت.

 وينبغي، في هذا السياق، أن نُلاحظ بِحَذَرٍ أن ما تتعمَّد الأنظمة السياسية والمؤسسات الإعلامية تسميته جريمة إلكترونية، أو إرهابًا سيبرانيًّا، ليس بالضرورة كذلك. إنما قد يكون تَرْهيبًا مُبَرمَجًا يستخدمه السياسيون عن قَصْدٍ لمحاصرة ما هو بصدد التَّكَوُّن، أو ما بدأ يَتكوَّن من فضاء افتراضي عام يُناقش الشأن العام مناقشة عامة حرة فيأتي على نَقْد وفَضْح الفساد السياسي دون غيره. ولعل القُدرة التي تتميز بها شبكات التواصل الرقمي قد دفعت الأنظمة السياسية إلى محاولة ربطها، باستمرار، بظاهرة الجريمة والإرهاب، بما يسمح لها بإخضاعها لآليات الرقابة والمُحاصَرة الدَّقيقتيْن، وأحيانًا الغَلْق والحَجْب أيضًا، باسم القانون والأخلاق دائمًا(31).

 وأخشى ما نخشاه، أن يقع الخُبراء والمجتمع المدني، في فَخِّ التَّنظير لمَشْروعيَّة كَبْح الحريات باسم مكافحة الجريمة الإلكترونية، باعتبار أن حرية التعبير أصبحت لا تجد فضاءها الحر سوى عبر شبكة الإنترنت، ولاسيما منها شبكات التواصل الاجتماعي. وهو ما يطرح إشكالية "المعلوماتية، والإنترنت، والحرية"(32)، التي تُقابلها -بالتأكيد- رقابة الدولة لشبكات الاتصال الإلكتروني، بما يُمكن أنْ يُعَنْوَنَ "الرقابة، والإنترنت، والديكتاتورية".

 تتعدد أمثلة الرقابة للإنترنت ومستخدميها. يكفي أن نشير من بينها إلى آلية الرقابة والغلق الإلكتروني في تونس قبل ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010- 14 يناير/كانون الثاني 2011، والتي أطلق عليها الشباب "الإنترنتي" اسم ساخر "عمار 404"(33)، و"شرطي الإنترنت". ففي سياق فضاءات "الحرية الافتراضية"(34)، أَمْكَنَ لشبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية، على غرار "فيسبوك" و"تويتر" أن تلعب دورًا ملحوظًا في قيادة ثورة الشباب التي أطاحت بالأنظمة السياسية في عدد من البلدان العربية خلال سنة 2011. فالنضال الإلكتروني للشباب لمُقاوَمة الفساد يصبح لدى النظام السياسي جريمة وإرهابًا، وتصبح حرية الرأي والتعبير تَعَدِّيًا على حقوق الإنسان وعلى سيادة الدولة بما يُخضعها لسلطة القانون بوصفها جريمة تستوجب العقاب، وتصبح الشبكات الاجتماعية أداة جرم محتمل يستحق الاستعداد للمواجهة والمحاصرة والمراقبة والمقاطعة... إنه منطق الدولة قبل منطق الشعب والحريات.

 لقد كان الشكل الرقابي المفروض على الشبكات الاجتماعية، في تونس قبل الثورة، غير قانوني، ومُنَدَّدًا به محليًّا ودوليًّا. أما الآن، وبعد ثورة الحرية، فقد صارت الرقابة على الإنترنت شرعية باسم القانون، وصار "عمار 404" سيد القانون، حيث أُحدِثَتْ بمقتضى الأمر عدد 4506 لسنة 2013، المؤرَّخ في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2013(35)، مَؤسَّسة عمومية اسمها "الوكالة الفنية للاتصالات"، تتولى من بين مهامها متابعة حركة الإنترنت وما ينشره ويتبادله المُدوِّنون والأفراد الافتراضيون، وذلك تحت عنوان متابعة النشاط الإرهابي عبر شبكة الإنترنت.

 وتتمثَّل المهمَّة الأساسية للوكالة الفنية للاتصالات، حسب نص بلاغ التأسيس الصادر عن وزارة تكنولوجيا المعلومات والاتصال التونسية، في "تأمين الدعم الفني للسلطة القضائية في معالجتها لجرائم أنظمة المعلومات والاتصال والبحث فيها، وذلك من منطلق القناعة بضرورة حماية فضائنا السيبراني الوطني من الجرائم، مثلما نولي اهتمامًا بحماية للفضاء المادي. وهو ما أجمعت عليه مختلف الدول، وأساسًا الدول المتقدمة والديمقراطية منها"(36)

 إن القراءة المتأنية للقانون الداخلي المُنظِّم لعمل الوكالة الفنية للاتصالات تقودنا إلى أن هذا القانون يَتضمَّن فقط تحديد المهام الإدارية للجنة المُكلَّفة بإدارتها وطرق التمويل وأنظمة الرَّدع والعقاب. ويخلو من أي تعريف "للجرائم الإلكترونية"، أو تعداد أنواعها، والعقوبة المُسلَّطة عن كل نوع منها. فتعريف أهداف الوكالة لا تتضمن مسألة مقاومة الإرهاب(37). وهو ما يُمكن إثباته من خلال الفصل 2 من قانون الوكالة، والذي ينص على أن "تتولَّى الوكالة الفنية للاتصالات تأمين الدعم الفني للأبحاث العدلية في جرائم أنظمة المعلومات والاتصال".

 ولقد أثار هذا الغموض في تحديد الجرائم المذكورة مخاوف الرأي العام التونسي، وبعض المنظمات الحقوقية والعالمية، حول إمكانية استعمال هذه الوكالة لفرض الرقابة من جديد على مستعملي الإنترنت، والتضييق على الناشطين والأحزاب والمجتمع المدني والجماعات الافتراضية. وهو ما يُعيد إلى الأذهان طبيعة الأنشطة الرقابية التي اتُّهِمَتْ بالقيام بها "الوكالة التونسية للإنترنت" قبل 14 يناير/كانون الثاني 2011.

 إن كل هذا الغموض الذي يَكْتنِف قانون الوكالة الفنية للاتصالات "يتناقض مع سلامة نِيَّة "السلطة الحاكمة الآمرة" بإحداث هذه الوكالة من أجل إرساء قواعد شَفَّافة للبحث في الجرائم المتَّصلة بتكنولوجيات المعلومات والاتصال، ويُقلِّص الضمانات التي يجب أن تتوفر في مثل هذه المهمات "الخاصة"، والتي تمنح لبضعة أشخاص تَمَّ تعيينهم من طرف حكومة حزبية الحق في اختراق الفضاء الإلكتروني الخاص للتونسيين"(38)، وحق التَّعدِّي الشرعي على حرية الشبكات الاجتماعية بعد أن قوَّضت سلطة الحكومات والأحزاب الحاكمة والمؤسسات الاقتصادية المالية والمؤسسات ذات البعد الديني القداسي.

 لقد ورد في مجلة "نواة" الإلكترونية، باعتبارها من المواقع التونسية المُساهمة في الفعل الثوري، "أن حكومات ما بعد الثورة سعت إلى القيام بإجراءات تُشرِّع للعودة بالبلاد إلى خانة "دولة البوليس" من خلال الرقابة على الإنترنت بطرق قانونية، وإصدار قانون الإرهاب(39) الذي يتضمن عدة فصول قد تُهدِّد حقوق الإنسان في حال تأويلها وتطبيقها على النحو الأمني التقليدي.

 لكن مختلف القوانين المذكورة، ومن بينها قانون الوكالة الفنية للاتصالات، تخرق ما جاء في دستور تونس الجديد لسنة 2014 من حقوق وحريات، وتجعل منه مُجرَّد "حِبْر على ورق". ولعل أبرز الفصول الواردة في الدستور، والتي تمنع سَلفًا إصدار قوانين وهياكل مُخصَّصة لفرض الرقابة على حرية النشر والإعلام واستعمال شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية، هي الفصلان 24 و31. فقد نَصَّ الفصل 24 من الدستور على أن "تَحمي الدولة الحياة الخاصة، وحُرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية". ونَصَّ الفصل 31 على أن "حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة. لا يجوز ممارسة رقابة مُسبقة على هذه الحريات".

 لعبة الحكم للتَّمَكُّنِ من الحريات والإنترنت والشبكات الاجتماعية
إن الفضاء الافتراضي، العام والحر، يُزْعج السلطات العربية، لاسيما منها الاستبدادية المُنغلقة. وتريد هذه السلطات أن تراقب الحركة الإلكترونية، وتَحْجُب المواقع، وتُسْكِت الأقلام، وتَمْنع الأدمغة من التفكير. كل ذلك، بِتَزْكِية من المجتمع المدني، ما دامت السلطات تُرَوِّج أنها تسعى فقط لـ"مقاومة الإرهاب عبر الشبكات الإلكترونية". وكل ذلك، باسم القانون المُنظِّم لهذا "الجهد".

 إن تَقْنِين الفضاء السيبراني والحَدَّ من الجريمة الإلكترونية في البلدان العربية، باسم المصلحة الوطنية والنظام العام والأخلاق تحديدًا، كلمة حق قد تكون فعلًا أُريدَ بها باطل، تستثمرها السلطة لتبرير تَسَلُّطِها، وتُوَظِّفها لتقنين هَيْمَنَتِها وتَشْريع ديكتاتوريَّتها عبر سَنِّ النصوص القانونية المُناسبة لها، المُعَرْقِلة لحرية الإعلام، والمُعوقة للنَّفاذ الشامل والمُنْصف إلى تكنولوجيا الرقمي، وللاستخدام الحر للشبكات الاجتماعية. فهل يُمكن اعتبار قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية في مجتمع المعلومات تبريرًا للديكتاتورية، أم دفاعًا عن القيم الأخلاقية لمجتمع المعلومات؟ من جديد، أي أخلاق أو أخلاقيات؟ وضمن أي مجتمع أو مجتمعات للمعلومات في صيغة الجَمْع، بما يحمله من تَنَوُّع واختلافات رغم محاولات الاستنساخ العَوْلَمِي؟ أي مصلحة وطنية؟ وأي نظام عام؟ وأي خطر يتهدَّدها من الشبكات الاجتماعية التي جعلها التطور التكنولوجي المتسارع بين أيدي عامة الشعب؟

 إن الجريمة الإلكترونية جريمة حق عام، تُرتكب بالوسائط الإلكترونية. وبذلك، فهي ليست جريمة خاصة، باستثناء بعض الحالات التي تتخذ طابعًا إعلاميًّا سياسيًّا حسب تقدير السلطة الحاكمة. وما نخشاه، في البلدان العربية، أن يُصبح الاستثناء قاعدة، والقاعدة استثناء، ما دام التواصل الإلكتروني قد يَقُضُّ مضاجع الحُكَّام العرب، وما دامت الشبكات الاجتماعية شبحًا مخيفًا مرعبًا يزحف على قواعد الحكم المرتجِّ بالفساد الموروث تاريخيًّا.

 من نافلة القول: إن الجريمة الإلكترونية مرفوضة في مختلف المحافل الدولية والمحلية، ووجود نص تشريعي يُعتبر أمرًا مهمًّا لحماية الحريات ومكافحة الجريمة والمحافظة على القيم الأخلاقية. كل ذلك لا يمنع من أن يكون النص التشريعي ذريعة يُمكن أن تَستفيد منها الأنظمة الديكتاتورية لتمرير بعض أهدافها ومُخطَّطاتها كذريعة منها للتضييق على الأفراد. لذلك، لابد أن تكون التعديلات والتشريعات الحديثة مدروسة بعناية ودقة لمحاربة الجريمة دون تضييق على الحريات. والمهم صياغة القانون بالشكل الذي يجعله في خدمة مكافحة الجريمة، وليس حماية الديكتاتورية وضرب الحريات.

 إن الدور الذي يلعبه المدونون العرب ما بعد الثورات العربية، وباعتبارهم من مُكوِّنات المجتمع المدني الفاعل، يكاد ينحصر في المسألة النقدية والتشهيرية والاحتفالية الإلكترونية كَتَرْنيحة المَخْمُور بنسائم الحرية، دون أن يرتقي إلى التفكير في تطوير التشريعات العربية للاتصال الإلكتروني، التي تهمهم بدرجة كبيرة رغم انشغال الحكومات العربية بهذه المسألة بشكل متزايد مباغت خلال الأشهر الممتدة من مُوفَّى سنة 2011 إلى سنة 2012 وما بعدها أيضًا، بما يحصنها من مخاطر هذا المارد الزاحف بقوة.

 لقد أصدرت سوريا قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة بتاريخ 8 فبراير/شباط 2012. كما قامت موريتانيا، خلال سنة 2011، بإدخال تعديل على قانون الصحافة المَكتوبة لِيَشْمل الصحافة الإلكترونية، وذلك على النحو التالي: "يشمل هذا القانون الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزة والصحافة الإلكترونية ووكالات الصحافة التي تَبثُّ بشكل مُنتظم معلومات عامة أو مُتخصِّصة (...)". ويشمل هذا التعديل أيضًا إضفاء صفة الصحفي على الصحفيين العاملين في حقل الإعلام الإلكتروني. وهي صفة، وإن أَسْعَدَت المدونين، فإنها تجعلهم تحت طائلة قانون الصحافة، وتحت طائلة العقوبات التي طالما تهربوا منها في غياب نصوص قانونية تنطبق عليهم. كما تَمَّ في موريتانيا، وخلال سنة 2011 أيضًا، إصدار القانون المُتعلق بدعم الصحافة، الذي تَمَّ بموجبه إنشاء صندوق للدعم العمومي مُخَصَّص للمؤسسات الصحفية الخاصة المكتوبة والسمعية البصرية والإلكترونية "التي تُسهم حَقًّا في تكريس حق الجمهور في الإعلام".

 وفي نفس السياق، قام الأردن في 16 سبتمبر/أيلول 2012، بإصدار القانون المُعدِّل لقانون المطبوعات والنشر، الذي يُنظِّم مجال الإعلام ومن بينه الاتصال الإلكتروني، ولَقِي مُعارَضة من مُكوِّنات المجتمع المدني. ومن بين الاحترازات التي شَدَّد عليها مُعارضو هذا التعديل القانوني، ما يتعلق بالفقرة (ب) من المادة 49 من القانون. "فالنص القانوني عندما أقرَّ بأن الموقع الإلكتروني ستُطبَّق عليه جميع التشريعات النافذة ذات العلاقة بالمَطبوعة الصحفية، فإنه يُلزِم بشكل غير مباشر بضرورة الالتزام بالشروط الخاصة في قانون المطبوعات والنشر من حيث تعيين رئيس تحرير مُسجَّل في نقابة الصحفيين. وهذا، يتعارض تمامًا مع طبيعة عمل المواقع الإلكترونية وخاصة المدونات الشخصية، التي لا يملكها صحفيون في الغالب. فالإنترنت مفتوحة للجميع. كما أن مسألة إلزاميَّة العُضويَّة في النقابة تخالف بشكل صريح المعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير"(40).

 إن السلطات في العالم العربي غير مستعدة إلى حد الآن للتفريط في هيمنتها على الإعلام، وفي تَسلُّطها على حرية الرأي والتعبير والنشر والإعلام. هذا، ما نلمسه في أغلب البلدان العربية. وهذا، ما قد يحمله في باطنه محتوى المرسوم عدد 115 لسنة 2011، المُؤرَّخ في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، المُتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر في تونس. فمن أهم ما يميز هذا القانون الحرص على منع وزارة الداخلية من التدخل في شؤون الصحافة والنشر، ومَنح هذا الاختصاص إلى السُّلطة القَضائية في جميع مراحل التَّعبير عن الأفكار والآراء ونشْر الأخبار والمعلومات، مع الالتزام في نفس الوقت بالواجبات والقيود التي من المفروض مراعاتها في مجتمع ديمقراطي، حتى لا تحيد عن الأهداف التي تتنزل في إطارها. هذه المسألة، لُغْزٌ في البلدان العربية، ما دام الحديث يبقى مُتواصلًا حول مدى استقلالية القضاء.

 إن شباب الإنترنت، الذي خلق منظومة "النيوميديا" (New media) أو الإعلام الجديد والصحفي-المواطن، يحتاج إلى الاهتمام أكثر بحقيقة التضييقات على الشبكات الاجتماعية، وبِسَنِّ التشريعات التي تحميه في استخدامه لوسائل الاتصال الحديثة، قبل أن تحمي السلطة الحاكمة ذاتها، ولا نقول الدولة، لأن حماية الدولة مُشْتَرَكَة بين الحاكم وعامة الناس.

 تأثير التضييق على المنصات الاجتماعية في حرية الرأي والتعبير والمجال العام الرقمي
يعتقد الفيلسوف "ميشيل فوكو" (Michel Foucault) أن "السلطة لم تعد تُـفهَم بوصفها تقتصر على الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وشرطتها وقوانينها، بل تُفهَم بوصفها جملة من علاقات القوة المحايثة والمنبثة في الفضاء الاجتماعي بكل مجالاته ودوائره ومؤسساته"(41). هذا، يعني نشأة مفهوم جديد للسلطة وللفضاء العام الذي كان الفيلسوف عالم الاجتماع الألماني، "يورغن هابرماس" (Jürgen Habermas)(42)، من أبرز المُنظِّرين له عبر عديد المنشورات في الغرض، بدأت تجد صدى أقوى مع نشأة الفضاء العام الافتراضي ولاسيما عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

 وقد أصدر عالم الدراسات المستقبلية "ألفين توفلر" (Alvin Toffler) كتاب "تَحوُّل السلطة، المعرفة والثروة والعنف على أعتاب القرن الحادي والعشرين" (Power Shift) سنة 1990، أكد فيه أن جميع هياكل السلطة على مستوى العالم تتفكك نتيجة دخول المعلومة في مقومات القوة إلى جانب العنف والثروة، اللذين يفرضان حضورهما عبر مختلف مراحل التاريخ القديم والمعاصر؛ مما غير من جوهر التفاعل الاجتماعي المنتج للسلطة داخل كل مجتمعات العالم تقريبًا، وغيَّر مفهوم الاقتصاد والحياة الاجتماعية وعلاقات السلطة في المجتمع(43)

 في سياق هذه الرؤية الجديدة للسلطة، وهذا التحول الثوري في مفهوم الفضاء العام، وصراع السلطة الحاكمة من أجل المحافظة على سلطتها التقليدية عبر التاريخ، برزت قضية الرقابة الإلكترونية كإحدى أهم القضايا الشائكة، الآن، في مجال التعاطي الدولي مع حقوق الإنسان الرقمية، والتي أصبحت رديفًا موازيًا لحقوق الإنسان بشكلها الذي تبلور منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وصارت الدول تختلف وفق درجة تطورها السياسي والديمقراطي في التعامل مع الفضاء الإلكتروني، وما أتاحه من أدوات جديدة للرأي والتعبير وحالات التوازن بين الأبعاد الأمنية والسياسية.

 وقد جاء في دستور الولايات المتحدة الأميركية أن الحق في حرية التعبير وإبداء الرأي موضوع في المواد الأولى للتعبير عن المعتقدات والأفكار بدون تضييقات من الحكومة لا مبرر لها. وتناوُل هذا الحق، والتأكيد عليه في الدستور، هو أحد أوجه الديمقراطية. وبالنسبة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن الحق في حرية التعبير في المادة 19 ليس مهمًّا فقط باعتباره قائمًا بذاته، وإنما هذا الحق ضرورة لتحقيق حقوق الأفراد الأخرى.

 لقد أصبح المقياس اليوم لتصنيف ديمقراطية الدول، هو مدى احترامها لحرية التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتشير أغلب الإحصائيات الرسمية إلى أن الدول العربية تحتل مراكز متقدمة في التضييق على حرية الرأي والتعبير. ولكن السؤال الذي يبقى محلَّ جدل متواصل هو ما مدى مصداقية هذه المنظمات التي تقوم بمثل هذا التصنيف، ويتهمها البعض بارتباطها بـ"لوبيات" سياسية أجنبية عالمية وبخضوعها لتأثير قوي من الكيان الصهيوني الممتد في كل المنظمات والتنظيمات العالمية والدول العظمى في العالم.

 لقد صنَّفت منظمة "فريدوم هاوس" مصر بأنها دولة "لا توجد بها حرية"(44)، بعد أن لفتت إلى حجب أكثر من 100 موقع إخباري على الإنترنت، بجانب الهجمات الإلكترونية التي تعرض لها العديد من نشطاء حقوق الإنسان. واستند التقرير إلى عقوبات السجن لبعض المصريين بسبب النشر على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو ما ترده مؤسسات الحكم في مصر إلى مقاومة الفكر العنيف المؤسس للإرهاب والاعتداء على مؤسسات الدولة، وإلى التصدي "للمجموعات الخارجة عن القانون" التي تستخدم الشبكات الاجتماعية بكثافة للترويج لمخططاتها.

 وتشير تقارير أخرى إلى أن السلطات السورية تمارس الرقابة على المعلومات وما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي بمطلق الحرية، بموجب نصوص قانون الطوارئ الصادر منذ أكثر من أربعين سنة. وتفرض الحكومة قيودًا على استخدام البروتوكولات الإلكترونية الأساسية، التي تتيح للمستخدمين إنشاء مواقع على شبكات التواصل الاجتماعي بل وإرسال الرسائل الإلكترونية. وقد قامت قوات الأمن باعتقال العديد من الناشطين وعزلهم عن العالم الخارجي، في فترة حرجة جدًّا تمر بها البلاد منذ العام 2011. ولكن، وبالرغم من كل هذه القيود، يواصل السوريون إيجاد سبل جديدة للتغلب على الرقابة والمراقبة المفروضة على الإنترنت.

 وفي البحرين، قامت الحكومة بحجب بعض مواقع الشبكة التي تنتقدها، في مرحلة تعتبرها دقيقة بالنسبة إلى بلدهم وشعبهم بعد محاولات النظام الإيراني اختراق النسيج المجتمعي في إطار صراع طائفي تاريخي بين السُّنَّة والشيعة. وإن كانت بعض التقارير قد بيَّنت رفع الحظر تدريجيًّا عن بعض المواقع، فإن ذلك يبقى شريطة التزام جميع مواقع الشبكة بتسجيل نفسها لدى وزارة الإعلام بذريعة حماية حقوق الملكية الفردية. ولا يكاد يغيب عن أي بلد عربي تحجير انتقاد الأسر الحاكمة عبر الشبكات الاجتماعية.

 مع التوسع الكبير في عالم التكنولوجيا الرقمية، بدأت الحكومات تستخدم الإنترنت في التجسس على مواطنيها بشكل متزايد. وظهر ذلك في العديد من الأماكن حول العالم، ومنها إيران التي تستخدم قائمة سوداء كبيرة من الروابط الممنوعة. وأكثر المواقع المُحرَّمة هي تلك التي تحتوي على محتوى سياسي أو محتوى حكومي، وتجاوزت نسبتها الـ40%. وقد وصفت هيئة "مراسلون بلا حدود"، في سنة 2012، إيران بأنها من أقل الدول حرية في مجال استخدام الإنترنت، بحسب التقارير الموضحة بواسطة منظمة "فريدوم هاوس".

 في شهر فبراير/شباط من سنة 2012، قامت "منظمة المادة 19" بالنظر في وضع حرية الإنترنت في تونس، وعلى وجه الخصوص بدراسة درجة توافق القوانين المنظمة للإنترنت في تونس وتطابقها مع القوانين والمعايير الدولية المعنية بحماية حرية التعبير وحق الخصوصية الشخصية للأفراد. وأظهرت الدراسة أن "الحاجة للإصلاح في هذه القضية كبيرة وملحَّة. وعلى الرغم من أن حرية الإنترنت ازدادت من الناحية العملية منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، إلا أن القوانين التعسفية التي كانت جزءًا من الأجهزة الرقابية لحكومته ما زالت سارية المفعول. لذلك، فإن هنالك خطرًا حقيقيًّا يتمثَّل في تقييد حرية التعبير على الإنترنت مرة أخرى، طالما لم يتم التخلي عن هذه التشريعات وإسقاطها من القانون"(45).

لقد نشأت إشكالات قانونية كثيرة في علاقة المواطن التونسي باستخدام الشبكات الاجتماعية، تجسدت عبر عدة محاكمات لمدونين شباب تونسيين، بتُهم تتعلق بمحتوى نصوصهم ومنشوراتهم، أو بِتُهم قد تكون كيدية تمثَّلت أساسًا في استهلاك مواد مخدرة. واستند تعامل السلطة السياسية في تونس مع الناشطين الإلكترونيين عبر نصوص قانونية، هدفها المعلَن حمايتهم وحماية الوطن، وباطنها رقابة وردع وزجر بعقوبات سالبة للحرية وأخرى مالية. وهذه النصوص التشريعية فيها ما هو جزائي يتعلق بالحق العام، وفيها ما يتعلق بالإرهاب، وفيها أيضًا ما يتعلق بالإنترنت عبر نصوص سُنَّت ما قبل الثورة وأخرى ما بعد الثورة لممارسة سلطة الرقابة والحجب والزجر.

 وبدأت تتشكَّل، اليوم في تونس، مخاوف حول إمكانية انتهاء حرية الإنترنت قريبًا. فبحسب تقارير سنوية لمنظمة "فريدم هاوس"، المعنية بحرية الإنترنت، انتقلت تونس من تصنيفها بلدًا "غير حر" بالنسبة إلى الإنترنت عام 2011 إلى بلد يتمتع بحرية جزئية في أعوام 2012 و2013 و2014. وتوضح إحصاءات المنظمة ومقاييسها المعتمدة في التصنيف أن عوائق حرية الوصول كانت 21 (من أصل 25) في عام 2011، لتُصبح 14 في عام 2012، ثم 12 في عام 2013، و11 في عام 2014. وبينما كان اختراق خصوصية المستخدمين في تونس يصل إلى 32 من أصل 40 رتبة أو درجة في عام 2011، فقد أصبح 20 في عام 2012، و21 في عام 2013، و20 في عام 2014. وهو ما يبدو طبيعيًّا في ظل الرقابة التي كان يفرضها نظام الرئيس الأسبق، ابن علي، على الإنترنت. وفيما يتعلق بالترتيب الإجمالي لتونس في حرية الإنترنت كان ترتيبها 81 من أصل 100 سنةَ 2010، وصارت 46 في عام 2012، و41 في عام 2013، و39 في عام 2014(46).

 لقد كان الناشطون الإلكترونيون، قبل "ثورة" 2011، يشعرون بالاختناق في الفضاء الافتراضي لاعتبارات عدة. فبالإضافة إلى الرقابة المستمرة على الإنترنت، كانت مواقع التواصل الاجتماعي كـ"يوتيوب" لمشاركة الفيديو و"فليكر" لمشاركة الصور، محجوبة عن مستخدمي الشبكة لمنعهم من نشر محتويات ضد النظام السياسي القائم. وقد وجد الناشطون الإلكترونيون ملاذهم في أنظمة التخفي (البروكسي)، أو الأنظمة المحاربة للحجب، لدخول هذه المواقع واستخدامها. ويستخدم الناشطون الإلكترونيون، اليوم، كل وسائل التواصل الاجتماعي، وأكثرها شعبية في تونس، "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب"، رغم بعض المحاولات التي حصلت خلال فترة حكم حزب حركة النهضة لحجب مواقع تنشر مواد جنسية بحجة احترام الأخلاق الحميدة. وكان هذا الأمر محل قضايا عدلية عُرضت على أنظار المحاكم التونسية على امتداد سنوات 2011 و2014.

 خلقت إشكالات قانونية كثيرة فيما يتعلق بحرية استخدام الشبكات الاجتماعية والتضييقات المفروضة عليها من نظام الحكم ما بعد العام 2011، تجسدت عبر عدة محاكمات لمدونين شباب، بتُهم تتعلق بمحتوى نصوصهم ومنشوراتهم، أو تُهم قد تكون كيدية وتمثَّلت أساسًا في استهلاك مواد مخدرة. والأمثلة على ذلك عديدة، منها: قضية المدون مهيب التومي، وسفيان شورابي، وعزيز عمامي، والمدون والناشط ياسين العياري، والمدونة لينا بن مهنا، والمدون الصحبي العمري.

 تعكس كل هذه القضايا حجم الضغط المسلط على الفاعلين في الشبكات الاجتماعية، وحزم السلطة في تتبعهم قانونيًّا وقضائيًّا في حال تجاوزوا القانون بشكل أو بآخر، أو عبر اختلاق قضايا لهم، من خلال تُهَم تتراوح بين الحق العام مثل العنف واستهلاك المخدرات والاعتداء على الأخلاق الحميدة...، وتهم أخرى تدور في فلك حرية الرأي والتعبير حيث ينزلق المدون في فخ الثلب والاعتداء على النظام العام وعلى مؤسسات السيادة في الدولة...

 وقد أرجعت منظمة "فريدوم هاوس" هذا الانتهاك لحرية الناشطين الإلكترونيين عبر الشبكات الاجتماعية إلى بعض القوانين المتعلقة بالإنترنت يتواصل العمل بها منذ ما قبل "الثورة" في 2011، وإلى بعض القضاة الذين يتخذون إجراءات ضد محتويات منشورة على شبكة الإنترنت. وهو ما يضع مسألة الحريات عبر الشبكات الاجتماعية موضع سؤال في مجتمعاتنا المعاصرة، باعتبارها لم تستوعب بعد حدود الحرية.

 إنشاء مواقع اجتماعية محلية وحدود استجابتها لاحتياجات الأفراد والجماعات
لا يزال هاجس السيطرة يتطور لدى بعض الدول، وكانت الحلول هي اللجوء إلى إنشاء تطبيقات بديلة لأهم مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر وواتساب.

 لقد جاء الإعلان التركي عن طرح تطبيق وطني لتبادل الرسائل عبر الهواتف المحمولة كبديل محلي لتطبيق "واتساب" الأميركي، مثيرًا العديد من المخاوف بشأن تعزيز الرقابة الحكومية على الاتصالات الرقمية. إلا أنه أيضًا أعاد إلى الواجهة مسألة تنامي استحواذ عمالقة التواصل الاجتماعي وعلى رأسهم: "فيسبوك" و"غوغل" على مواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولات الانفلات من هذه الهيمنة عبر طرح بدائل وطنية. والحال أن مثل هذه المحاولات قد حققت نجاحًا في بعض الدول مثل روسيا من خلال موقع "في كي"، والصين عبر موقع "وي تشات"، وغيرها. كما تم إطلاق بعض مواقع التواصل الاجتماعي العربية، بيد أنها لم تحقق النجاح المنشود.

 يتمتع العالم العربي بعدد وافر من المنتديات النشطة، والتي يميل أغلبها إلى التخصص وتكوين مجتمعات افتراضية تجمعها اهتمامات مشتركة. فتجربة شبكة "قعدة" الجزائرية (Ga3da)، وعلى الرغم من عدم استمرارها، بدأت تحاكي شبكة "مايندس"(Minds)  التي أسستها مجموعة "أنونيموس"، وتعتمد على منح المستخدمين حصة من أموال الإعلانات بنظام للنقاط يقوم على أنشطتهم على الشبكة.

 كما قدمت مجموعة من المواقع العربية الأخرى تجارب مماثلة، على الرغم من تواجدها بالولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها تم تطويرها على أيدي مهندسين عرب، مثل:

  •  موقع باز ((Bazz الذي يقدِّم ما يشبه منصة تحكم يتمكن من خلالها المستخدم من نشر المحتوى عبر حساباته المختلفة، والحصول على الموضوعات الأكثر تداولًا،
  • تطبيق تشاينو(Chaino) ، الذي أسسه مهندسان مصريان، ويعمل تحت مظلة شركة "بي توجزر" بالولايات المتحدة المنتجة أيضًا لتطبيق زينجو لتبادل الصور. وركزت الشبكة على مفهوم "الخصوصية"، وتحكُّم المستخدم وقدرته على حذف البيانات بشكل نهائي وغيرها من الخصائص التي طالما كانت مثار انتقادات لفيسبوك.

 وفي إطار مزيد إحكام السيطرة على الإنترنت قامت الصين، والتي تُصنَّف ضمن الدول الأعداء للإنترنت، بإطلاق تطبيقات اجتماعية صينية في ضوء سياستها للرقابة على الشبكة الدولية الخاضعة لرقابة صارمة ضمن مشروع "الدرع الذهبية" الذي تديره وزارة الأمن العام؛ ما دفع النظام لفرض الحظر على كبرى شركات التكنولوجيا في العالم، وفي مقدمتها "غوغل" و"فيسبوك"، وإنشاء شركات بديلة توفر خدمات مماثلة لأكثر من 770 مليون مستخدم بالبلاد.

 يبدو من غير المنصف المقارنة بين "فيسبوك" والتطبيقات التي يمتلكها "واتساب" و"إنستغرام"، والتجارب الأخرى في المجال ذاته، ليس فقط بالنظر إلى القاعدة العريضة التي اكتسبها الأول بحكم دخوله المبكر للسوق، واستحواذه على النصيب الأكبر بحكم امتياز الارتياد المبكر للسوق؛ فقد أضحى من الصعب رحيل المستخدمين عن الشبكة المترابطة التي صاروا جزءًا منها بالفعل، ولكن أيضًا بالنظر إلى حجم الاستثمار الذي تمتلكه الشبكة، ويجعلها في حالة من التطور المستمر يصعب مجاراته. ففيسبوك أنفق ما يقارب 8 مليارات دولار على البحوث والتطوير خلال العام 2017، مقارنة بما يُقدَّر بحوالي 380 مليون دولار عام 2011.

 إن إقامة بدائل على النطاقات المحلية للدول، تكون قادرة على تجاوز الشبكات الاجتماعية مثل "فيسبوك" و"تويتر"، تبقى رهينة تقديم قاعدة تقنية قوية، توفر تصميمًا جيدًا واستخدامًا سهلًا، في إطار سياسة تراعي خصوصية المستخدمين واحتياجاتهم وخصائصهم. ولابد أن تخرج هذه الشبكات والنطاقات المحلية البديلة من عباءة الشبكات الاجتماعية الحالية، لتقدم منتجًا مختلفًا عنها، يمتلك قدرة خاصة على اجتذاب المستخدمين، دون السقوط في فخ تجسيد سياسات المنع والحظر التي تتبعها دول مثل الصين. ويبقى نجاح هذه الشبكات الاجتماعية المحلية مرتبطًا باتباع قواعد السوق المعروفة بالاستثمار في البنى التحتية والبشرية للتكنولوجيا، وتوفير المناخ الملائم للعمل والاستثمار وريادة الأعمال. الأمر الذي ينتهي إلى تقديم منتج تقني إبداعي، قادر على التجاوب مع خصوصيات بيئة إنتاجه المحلية، من حيث الخصوصية التكنولوجية، وخصوصية الهوية التي تشغل عديد بلدان العالم. وهو ما كان محل تفاوض واختلاف كبيرين حول مسألة "إدارة الإنترنت" خلال القمة العالمية حول مجتمع المعلومات جنيف 2003 وتونس 2005.

 خاتمة
تندرج مسألة "التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي: السياسات والأهداف" التي تعرضنا إليها خلال هذه الدراسة، في سياق السلطة والإنترنت والحريات. فالمجتمع المعرفي والمعلوماتي مثلما يغيِّر الواقع الافتراضي في زمن قياسي، فهو يحيك في نفس الوقت خيوط العلاقات والروابط المجتمعية، ويهزُّ عرش أقوى الحكومات، بِفِعْلِ ما يُمكن اعتباره تجاوزًا للحقوق والواجبات. ما استوجب إعادة النظر بصفة جدية فيما يُعرَف بحرية الرأي والتعبير وإعادة تنظيمها بل وتقنينها، خاصة وأن شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية تضم مليارات المشتركين، وحَوَّلَ معها المشهد الوسائطي حياةَ الفرد إلى فضاء افتراضي رقمي حُرٍّ.

 لقد بيَّنا أن تَحوُّل مواقع التواصل الاجتماعي من فضاء دردشة إلى مساحة لتبادل الأفكار وإبداء الآراء السياسية بحرية لا تفسحها وسائل الإعلام المكتوبة والفضائية، قد أثار خشية الدوائر السياسية في عدد من الدول؛ وهو الدافع الرئيسي للتضييق على استخدام هذه المواقع، ولكن الذرائع كانت بالأساس أمنية وسياسية، حفاظًا على الأمن العام ومقاومة للعنف والإرهاب عبر الشبكات. 

 وأمام هذا الكم الهائل لاكتساح المعلومات للمجتمعات الحديثة عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية، يتعاظم التضييق على المحتوى الذي يُنشر عبر المنصات الاجتماعية في دول تُعرف عادة بأنظمتها السياسية المغلَقة، بل إن دولًا كثيرة توصف بالديمقراطية لجأت إلى حجب هذه المنصات نفسها. وتوالت سياسات واستراتيجيات التضييق على الشبكات الاجتماعية وتشديد المراقبة الإلكترونية.

 وقد انتهينا عند حجم الرهبة التي تعيشها الحكومات في أي بلد من العالم من الإنترنت، ومن الحريات التي اكتسبها الفرد عبر الشبكة. بل إن بعض الدول قد لجأت إلى توظيف الفراغ القانوني للنشر الإلكتروني في التشريع العربي والعالمي، واختارت الاعتداء على الحريات الاتصالية والإعلامية، خاصة في بعض الدول العربية، والتي تَسْتَنِدُ، في سَنِّها للتشريعات الإعلامية في ظل تَطوُّر وسائل الاتصال الجديدة، إلى مصلحة النظام الضَّيِّقة قبل المبادئ القانونية الدولية والمعاهدات الدولية، وقبل ضوابط أخلاق المجتمع المحلي أيضًا.

 وقد خصصنا حيزًا للبحث في تأثير التضييق على المنصات الاجتماعية في حرية الرأي والتعبير والمجال العام الرقمي. فقضية الرقابة الإلكترونية تحتل صدارة القضايا الشائكة الآن في مجال التعاطي الدولي مع حقوق الإنسان الرقمية، وأصبحت رديفًا موازيًا لحقوق الإنسان بشكلها الذي تبلور منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. ومع التوسع الكبير في عالم التكنولوجيا الرقمية، بدأت الحكومات تستخدم الإنترنت في التجسس على مواطنيها بشكل متزايد. وظهر ذلك في العديد من الدول أشرنا إلى بعضها خلال البحث، على سبيل الذكر لا الحصر.

 وكان لزامًا أن نتطرق إلى رهانات بعض الدول التي يسكنها هاجس السيطرة في إنشاء تطبيقات لمواقع اجتماعية محلية. ولكن مسألة طرح بدائل على النطاقات المحلية للدول قادرة على تجاوز "فيسبوك" تبقى رهينة تقديم قاعدة تقنية قوية توفر تصميمًا جيدًا واستخدامًا سهلًا، في إطار سياسة تراعي خصوصية المستخدمين واحتياجاتهم وخصائصهم.

إن الخوض في مسألة التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي يكشف إلى حد ما خيوط لعبة السياسة والحكم والمال للتَّمَكُّن من الحريات والإنترنت، في مشهد أخطبوطي مفارق محيِّر بين المنطقي واللامنطقي، طالما أن قوة هذا الوسيط الناشئ قد تتجاوز أحيانًا قوة السلطات القديمة والتقليدية عبر التاريخ.

 وتتواصل، بالتالي، المعركة التقنية والقانونية بين سلطة تسعى إلى أن تسلب من عامة الناس حقهم في حرية الرأي والتعبير، وبين قوة مجتمعية افتراضية ناشئة عاهدت نفسها على عَدَمَ التفريط في مكاسب حرية الرأي والتعبير ونجاعة الإنترنت، مهما تطورت آليات الرقابة الإلكترونية على الإنترنت، ومهما سُنَّت التشريعات القانونية، المُنظِّمة للمجتمع والديمقراطية ظاهريًّا، والكابحة للحريات وحقوق الإنسان باطنيًّا.

 وإذ نكتفي بهذا الحد من البحث، فإننا، من خلال العناصر الرئيسية التي تطرقنا إليها، نفتح الآفاق رحبة للخوض مجددًا في هذه المسألة الشائكة الجديدة المتجددة، خاصة أننا لا ندرك حجم التطورات التقنية والبرمجية التي قد تبلغها شبكات التواصل الاجتماعي في المستقبل مع انتشار تكنولوجيا الجيل القادم للإنترنت أو إنترنت الأشياء، وما سينجر عنه من استراتيجيات وسياسات مراقَبة وتضييق من الدول الحريصة على عدم زعزعة كيانها. دول، لها دوافع لممارسة هذا التضييق على الشبكات الاجتماعية ومحاصرتها، ولها سياسات واستراتيجيات للتضييق، أهمها تشريعية بعنوان حماية المجتمع وتنظيم استخدام حرية الإنترنت وحماية قيم الدولة، وباطنها لعبة أخطبوطية في الحكم والسياسة للتَّمَكُّن من الحريات والإنترنت والشبكات الاجتماعية. وهو ما سيفرز تأثيرات مؤكَّدة للتضييق على المنصات الاجتماعية في حرية الرأي والتعبير والمجال العام الرقمي الذي يُنتج معنى جديدًا للفضاء العام ولممارسة الديمقراطية والتشارك في الحكم. فإلى أي حد سيكون رهان الدول في إنشاء مواقع اجتماعية محلية مستجيبًا لاحتياجات الأفراد والجماعات، ومكرِّسًا لحرية المواطن في عالم اتصالي افتراضي مُعَوْلَم ومفتوح بلا حدود؟

____________________________________________________________________

*د. جوهر الجموسي، أستاذ مختص في علم اجتماع الاتصال بالمعهد العالي لفنون الملتيميديا بجامعة منوبة-تونس 

مراجع

(1) عماد، محمد، "الإفتاء المصرية: 80% من "داعش" تم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، وكالة خبر للأنباء، 30 يوليو/تموز 2015، (تاريخ الدخول 30 يوليو/تموز 2015):

https://bit.ly/2NypHVi

 (2) "7 قنوات و90 ألف صفحة فايسبوك أَذْرُع داعش الإعلامية"، جمهورية، 12 مارس/آذار 2015، (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2015):

http://goo.gl/8cpngg

 (3)  Coëffé, Thomas, Le média des professionnels du digital، Chiffres Internet–2017, blogdumoderateur, 29 décembre 2016, (Vu Le 24 février 2017):

http://www.blogdumoderateur.com/chiffres-internet

 (4) الكعبي، محمد عبيد، "المجرم المعلوماتي"، الشباب في الفضاء السيبراني: الحماية القانونية والحدود الأخلاقية، تقديم جوهر الجموسي، أعمال المنتدى الدولي الأول، 24 و25 فبراير/شباط 2010 بقطب الغزالة لتكنولوجيات الاتصال بتونس، الجمعية التونسية لقانون الإنترنت والملتيميديا، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-الألكسو، تونس، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، 2012، ص 187-189.

 (5) Castells, M. The Rise of Network Society, (Wiley-Blackwell, United Kingdom, 2010), 2nd ed.

 (6) حجازي، أسماء، "الإرهاب الإلكتروني وتأثيره على الأمن الدولي"، المركز الديمقراطي العربي، 17 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 5 يونيو/حزيران 2018):

  https://democraticac.de/?p=53078

 (7) "النواب المصري يقر عقوبة السجن المشدد لمرتكبي جرائم المعلومات"، العربي الجديد، 10 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 5 يونيو/حزيران 2018):

https://bit.ly/2NzAz59

 (8) “Facebook Transparency Report”, (Visited on 7 Jun 2018) : 

https://transparency.facebook.com

 (9) "البرلمان المصري يوافق على قانون تقييد مواقع التواصل الاجتماعي"، العربي الجديد، 14 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 5 يونيو/حزيران 2018):

https://bit.ly/2CCR5Ar

 (10) المرجع السابق.

 (11) "مصر تحارب الفيسبوك.. مراقبة من لديه خمسة آلاف متابع.. وفرض ضرائب على الإعلانات"، القدس العربي، 22 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 30 أغسطس/آب 2018):

https://bit.ly/2A5o1iv

  (12) "المغرب 9 عالميًّا في التضييق على شبكات التواصل الاجتماعي"، اليوم 24، 15 يوليو/تموز 2016، (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2018):

https://bit.ly/2INuZeP

 (13) فجَّر فضيحة بدأت بكشف مراقبة أميركا لصحافيين، ليُسرِّب بعد ذلك تفاصيل حول مراقبة واسعة النطاق وشاملة على 5 مليارات مستخدم للإنترنت من قبل NSA أو وكالة المخابرات الأميركية.

 (14) مجدي، زهراء، "كيف تحافظ على خصوصيتك على الإنترنت، 8 نصائح من إدوارد سنودن"، ساسة بوست، 22 أبريل/نيسان 2015، (تاريخ الدخول: 30 أغسطس/آب 2018):

https://bit.ly/2IQPBCP

 (15) المرجع السابق.

 (16) الجموسي، جوهر، مدخل إلى قانون الإنترنت والملتيميديا، (الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، تونس، 2012)، ص 9-18.

 (17)  Negroponte, N. L'homme numérique, (Ed. Laffont, Paris, 1995), p.281.

 (18) الجموسي، جوهر، المجتمع الافتراضي، (نوفابرنت، تونس، 2007)، ط 1، ص 15.

 (19) Hollande, A., Linant de Bellefonds, X. Pratique du droit  de l’information et de l’Internet, (Editions Delmas, Paris, 2008), Sixième édition, p. 11.

 (20) الجموسي، مدخل إلى قانون الإنترنت والملتيميديا، مرجع سابق، ص 9-18.

 (21) تقرير الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال بالجمهورية التونسية، تونس، أبريل/نيسان 2012، ص 15.

 (22) المرجع السابق، ص 17.

 (23) مرسوم عدد 115 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 يتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، (العدد 10، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2011).

 (24) مرسوم عدد 116 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 يتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 84، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2011).

 (25) Weil, Éric, Philosophie morale, (Edition Vrin, Paris, 1961), p. 12-13.    

 (26)Berhault, G. Développement durable 2.0, L’internet peut-il sauver la planète?, (Edition de l’aube, Diffusion Seuil, Paris, 2008), p.18-20.

 (27) Mcluhan, M. Pour comprendre les médias, (Editions Seuil, Paris, 1968).

 (28) Dehousse, Franklin; Verbiest, Thibaut; Zgajewski, Tania, Droit des technologies, Introduction au droit de la société de l’information, synthèse en droits belge et européen, convergence télécoms-Audiovisuel-Internet, (Editions Larcier, Bruxelles, 2007), p.7.

 (29) "القمة العالمية لمجتمع المعلومات، جنيف 2003، تونس 2005"، الاتحاد الدولي للاتصالات، جنيف ديسمبر/كانون الأول 2005، (تاريخ الدخول: 30 أغسطس/آب 2018):

https://bit.ly/2yywqc2

 (30)  Kurbalija, J. An introduction to internet governance, (Diplo Fondation, Genève, Switzerland, 2009), p.93-95.

 (31) الجموسي، جوهر، "الإرهاب السيبراني: هل هو حرب غير مُسمَّاة؟"، المجلة الجزائرية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة المسيلة، الجزائر، 2015.

  (32) Hollande,  Linant de Bellefonds. Pratique du droit de l’information et de l’Internet Editions, op, cit, p. 307-332.

 (33) -"Not found 404": هو النص المكتوب الذي يظهر على الشاشة للمبحر الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت كلما حاول اقتحام موقع إلكتروني تمت محاصرته ومراقبته وغلقه من قبل النظام السياسي في تونس قبل ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011. وقد اعتمده "الشباب الإنترنتي" كتسمية ساخرة لظاهرة الحجب، بما يحمله من إيحاءات لاسم شاحنة نقل "بيجو 404".

 (34) Global information society watch 2009, Information and democracy: Accessing the law, John Palfrey Havard Law School blogs.law.havard.edu/palfrey, published by Association for Progressive Communications (APC) and Humanist Institute for Coorporation with Developing Countries (Hivos), 2009, p.19-20.

 (35) أمر عدد 4506 لسنة 2013 مؤرَّخ في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 يتعلق بإحداث الوكالة الفنية للاتصالات، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

 (36) "كل التفاصيل عن إحداث الوكالة الفنية للاتصالات"، التونسية، 21 نوفمبر/تشرين الأول 2013، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الثاني 2015):

 http://goo.gl/EJjyWD

  (37) العشي، خولة، "بدعوى مُكافَحة الإرهاب: عمار 404 يعود من جديد عبر الوكالة الفنية للاتصالات"، نواة، 17 أغسطس/آب 2014، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الثاني 2015):

 http://bit.ly/1Sopnos

 (38) المرجع السابق.

 (39) صدر قانون الإرهاب الجديد في تونس خلال سنة 2015 بمقتضى قانون أساسي عدد 26 لسنة 2015 مُؤرَّخ في 7 أغسطس/آب 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ أغسطس/آب 2015. وتضمن هذا القانون 143 فصلًا. وتُلغى بموجب هذا القانون الجديد الأحكام المُخالفة له، وخاصة القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرَّخ في 10 ديسمبر/كانون الأول 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال كما وقع تنقيحه بالقانون عدد 65 لسنة 2009 المؤرخ في 12 أغسطس/آب 2009.

 (40) مركز حماية وحرية الصحفيين، المملكة الأردنية، مطالعة قانونية على القانون المعدل لقانون المطبوعات والنشر، إعداد: محمد قطيشات مدير وحدة المساعدة القانونية للإعلاميين "ميلاد"، 1 سبتمبر/أيلول 2012، (تاريخ الدخول: 30 أغسطس/آب 2018):

http://www.jordanzad.com/index.php?page=article&id=94011

 (41) حرب، علي، "هكذا أقرأ ميشال فوكو"، مجلة نزوى، (العدد 83، يوليو/تموز 2015)، ص 34-35.

 (42)  Habermas, J. L'espace public. Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise, Paris, Payot, réed. 1988.

 (43) توفلر، ألفين، تحول السلطة، المعرفة والثروة والعنف على أعتاب القرن الحادي والعشرين، ترجمة لبنى الريدي، مج. 1، 2، الألف كتاب الثاني 181، 217، (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995-1996).

 (44)  "حجب وحبس ورقابة ومصادرة.. هذه أيضًا إنجازات للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر"، العربي الجديد، 25 مايو/أيار 2018، (8 يونيو/حزيران 2018):

https://bit.ly/2Psa4QR

 (45) "تونس وثيقة تمهيدية عن القوانين الضابطة للإنترنت المادة 19"، المادة 19، (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2018):

https://www.article19.org/data/files/medialibrary/3014/12-04-02-LA-tunisia-AR.doc

 (46) انظر التقارير السنوية لمنظمة "فريدوم هاوس" حول حرية الإنترنت في العالم، وتنشر على موقعها:

https://freedomhouse.org

تعليقات

 

نرشح لكم

تبحث الدراسة حالة الموقع الإلكتروني "مامفاكينش" في لحظة تسود فيها معالم التحول والتجاذب السياسيين بالمغرب إثر بروز حركة 20 فبراير. وتفسر كيف أضحت مراقبة الإنترنت وصحافة المواطن من الوسائل التي تنخرط بها السلطة، والفاعلون في أوساط المجتمع المدني، في الصراع.

منذ 13 ساعات

يقدِّم الملف نتائج دراسات المرحلة الثالثة من المشروع البحثي المشترك بين مركز الجزيرة للدراسات وجامعة كامبريدج، والتي تناولت "الإعلام في مراحل الانتقال السياسي: تركيا نموذجًا"، باستقصاء العلاقة التبادلية بين ديناميات الانتقال وبنية المنظومة الإعلامية ووظيفتها.

2019/04/18

تُقدِّم هذه الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، وتبحث وضع مقاربة تعيد رسم العلاقة بين الإعلام والرأي العام والأزمات، في سياق أزمة مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول.

2019/04/09

تناقش الدراسة طريقة بناء هوية المرأة المغربية في البرامج الحوارية التي توفر مساحة تثير الرغبة في الاستقصاء البحثي لما تنطوي عليه من مهمة توجيهية في المجتمع، وتسهم في إضفاء الصبغة الاجتماعية على وسائل الإعلام عبر بث الأفكار والقيم للجمهور.

2019/03/19