قراءة في رؤية عُمان لقضيتي التقارب مع إيران والاتحاد الخليجي - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

قراءة في رؤية عُمان لقضيتي التقارب مع إيران والاتحاد الخليجي

أثار الموقف العُماني الأخير المعارض للاتحاد الخليجي استياء بعض الأوساط الخليجية، حيث اتسم بحدّة غير معتادة من الدبلوماسية العُمانية. كما ضاعف الدور الذي لعبته عُمان كوسيط بين إيران وأميركا، والذي أسفر عن اتفاق جنيف بين طهران ودول 5+1 في نوفمبر 2013، من الامتعاض الخليجي تجاه سياسة عُمان في هذا الملف.

الأربعاء, 08 يناير, 2014 09:14 GMT

(الجزيرة)

ملخص
ترتبط سلطنة عُمان وإيران بعلاقات قديمة تاريخيًا لم تكن دائمًا ودودة، إلا أنها شكّلت أمرًا واقعًا تفرضه الجغرافيا والمصالح المشتركة بين قوتين بحريتين كبيرتين تسيطران على مدخل الخليج العربي. إنَّ تلك العلاقة المتينة التي تربط بين الطرفين العُماني والإيراني لا تعني أن عُمان غير مدركة للتهديد الاستراتيجي الذي يمكن أن تمثله دولة بحجم إيران لأمن المنطقة، إلا أنها تدرك في الوقت ذاته أن التعامل مع هذا التهديد المحتمل لا يكون باستعداء الأخيرة والتعامل معها كخصم أزلي، أو بالتعاطي معها بلا واقعية تفترض سهولة إلغائها وإقصائها من أي تفاهم إقليمي، وبالتالي فقد كان الخيار العُماني مستندًا في التعاطي مع إيران ببراغماتية تفترض أن التعاون وإبقاء الحوار مفتوحًا مع قوة إقليمية كإيران أجدى لأمن الخليج من استعدائها أو مقاطعتها.

في الوقت نفسه، ترى عُمان أنَّ التصدي لإيران هو السبب الأكثر حضورًا وإلحاحًا وراء طرح مشروع الاتحاد الخليجي بقوة في قمة دول مجلس التعاون الخليجي الأخيرة التي عقدت في الكويت في ديسمبر 2013، وذلك بعد التوصل لاتفاق بين إيران من جهة والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا من جهة أخرى. أي أن المحرك الرئيسي لمشروع الاتحاد الخليجي، خارجي في جوهره، وهو التوجس من إيران، وعُمان لا تشاطر دول الخليج الأخرى هذا التخوف.

يسعى هذا التقرير إلى البحث في الأسباب التي تقف خلف الموقف العُماني الرافض لقضية الاتحاد الخليجي، وطبيعة العلاقات العُمانية-الإيرانية التي انعكست ظلالها على الموقف العُماني الأخير.

مقدمة

أثار الموقف العُماني الأخير المعارض للاتحاد الخليجي، الكثير من الغضب في الأوساط الخليجية، والدهشة في الوقت نفسه، واتسم بالحدّة غير المعتادة من الدبلوماسية العُمانية المعروفة بهدوئها؛ حيث أعلن يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في الحكومة العُمانية، في منتدى الأمن الخليجي الذي عقد في العاصمة البحرينية المنامة في ديسمبر/كانون الأول 2013، أنَّ عُمان لن تكون جزءًا من الاتحاد الخليجي في حال قيامه، ولوح بانسحاب السلطنة من مجلس التعاون الخليجي فيما إذا أصرت دول الخليج العربية على المضي قدمًا في مشروع الوحدة.

ومما ضاعف من الغضب الخليجي تجاه الموقف العُماني الصارم، تزامنه مع المزيد من تقارب السلطنة مع إيران، والدور الذي لعبته عُمان مؤخرًا كوسيط بين إيران والولايات المتحدة الأميركية والذي أسفر عن اتفاق جنيف التاريخي بين طهران ودول 5+1 في نوفمبر/تشرين الثاني 2013. 

في هذا السياق، يحاول هذا التقرير البحث في الأسباب التي تقف خلف الموقف العُماني من قضية الاتحاد الخليجي، وطبيعة العلاقات العُمانية-الإيرانية وأثرها في الموقف العُماني الأخير.

العلاقات العُمانية-الإيرانية

ترتبط سلطنة عُمان وإيران بعلاقة قديمة تاريخيًا لم تكن دائمًا ودودة، (1) إلا أنها شكّلت أمرًا واقعًا تفرضه الجغرافيا والمصالح المشتركة بين قوتين بحريتين كبيرتين تسيطران على مدخل الخليج العربي. وقد اتخذت هذه العلاقة شكل التعاون السياسي الناضج بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم في العام 1970؛ حيث أمدت إيران، (2) وكل من الأردن وبريطانيا، السلطان قابوس بالدعم العسكري لمواجهة الثورة في ظفار، في حين كانت بعض الدول العربية تدعم الثوار رسميًا وتدربهم. (3) وفي المقابل سعت عُمان نحو تقريب إيران من دول الخليج العربية الأخرى؛ حيث دعا السلطان قابوس في العام 1976 إلى عقد محادثات بين الدول الثماني المطلّة على الخليج العربي، (4) على أمل تقريب وجهات النظر وإزالة سوء التفاهم التاريخي بين تلك الأطراف، إلا أن المحادثات لم تحقق نجاحًا يُذكر. وعند قيام الثورة الإيرانية وتأسيس الجمهورية الإسلامية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حافظت عُمان على علاقاتها بإيران رغم العداء المتنامي ضد طهران في المنطقة وعلى الصعيد العالمي على حد سواء. وحتى بعد اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية في العام 1980، والتي استمرت نحو عقد من الزمن، وساندت دول الخليج خلالها العراق، استمرت العلاقات العُمانية الإيرانية دون انقطاع.

ولم تكتف عُمان بالحفاظ على خط الاتصال مفتوحًا مع طهران، وإنما لعبت دور الوسيط في مرات عديدة بينها وبين الدول العربية، وبينها وبين القوى الغربية كبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية؛ ففي الحرب العراقية-الإيرانية، احتضنت مسقط محادثات سرية بين الطرفين المتنازعين لوقف إطلاق النار، ورفضت الدعوة لمقاطعة إيران وعزلها دبلوماسيًا واقتصاديًا فى العام 1987، وكذلك رفضت السماح للعراق باستخدام أراضيها في الهجوم على جزر أبي موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، (5) وبعد انتهاء تلك الحرب توسطت عُمان لإعادة العلاقات بين إيران والسعودية وإيران والمملكة المتحدة. (6) كما لعبت السلطنة دورًا مهمًا في استمرار الحوار بين إيران ومصر أثناء فترة انقطاع العلاقات الدبلوماسية بينهما بعد الثورة الإيرانية وحتى مارس/آذار 1991، وساعدت في تحرير الأسرى، والبحارة والصيادين المصريين المحتجزين لدى إيران أثناء سنوات الحرب مع العراق. (7)

إلا أن حرب الخليج الثانية (1990-1991) تسببت في توتر العلاقات بين مسقط وطهران بعد قيام الأخيرة بالتعرض لناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز، وكذلك نشرها للصواريخ المضادة للسفن بالقرب منه؛ مما حدا بعُمان إلى تكثيف تواجدها العسكري في مسندم، المطلة على مضيق هرمز، والتي تبعد مسافة لا تتجاوز الستين كيلومترًا عن الحدود الإيرانية. (8) لكن الطرفين تجاوزا التوتر الطارئ، وعادت العلاقات إلى طابعها التعاوني، حيث توسطت عُمان وبنجاح عدة مرات لتحرير رهائن غربيين محتجزين لدى طهران، كما حدث في العام 2007 من أجل الإفراج عن بحارة بريطانيين، ثم في العام 2011 للإفراج عن رهائن أميركيين؛ حيث تردد أن السلطنة دفعت مليون ونصف المليون دولار أميركي للإفراج عنهم، وأرسلت طائرة لنقل الرهائن من طهران. (9) كما وافقت عُمان على تمثيل المصالح الإيرانية في بعض الدول الغربية التي لا تمتلك إيران فيها أي تمثيل دبلوماسي، كبريطانيا وكندا. وعلى امتداد الخلاف النووي بين إيران والغرب، ظلت عُمان تؤكد على ضرورة الحل السلمي والحوار المباشر بين جميع الأطراف لحل إشكالية الملف النووي الإيراني وتجنيب المنطقة خطر الحرب التي بدت في بعض الأحيان وشيكة.

وفي حوار مع الصحافة الأميركية في العام 2012، أكد السلطان قابوس بن سعيد أنَّ "على إيران والولايات المتحدة الأميركية أن يجلسا معًا ويتحدثا"، (10) ولم يكن هذا التصريح سوى مؤشر لما يحدث خلف الكواليس؛ حيث لعبت الدبلوماسية العُمانية دور الوسيط في الترتيب لهذا الحديث بين الطرفين وتعزيز فرص نجاحه. واستضافت مسقط اجتماعات سرية بين دبلوماسيين وقادة أمنيين من كلا البلدين، منذ العام 2011 في محاولة للوصول إلى أرضية مشتركة، إلى أن تكللت جهودها بالنجاح في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 من خلال توصل إيران لاتفاق جنيف مع مجموعة الدول 5+1.

إن نجاح المساعي العُمانية هذه يخدم مصالحها من أكثر من جهة؛ فهو: 

  1. يعني إبعادًا لشبح الحرب والصدام العسكري عن المنطقة، بكل مايعنيه ذلك لأمن عُمان واستقرارها الداخلي؛ 
  2. يضيف هذا النجاح الدبلوماسي إلى رصيد عُمان الدولي، كبلد له ثقله السياسي في المنطقة؛ 
  3. يعزز من علاقة عُمان بالطرفين: إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى؛ 
  4. يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي بين عُمان وإيران في حال تمّ رفع العقوبات المفروضة على طهران، (11) وهو أمر مهم جدًا للاقتصاد العُماني في هذه المرحلة.

وبينما رأى البعض أن في النجاح الدبلوماسي العُماني نجاة للمنطقة؛ حيث يقيها مخاطر حرب عسكرية محتملة، اعتبر البعض الآخر أن عُمان تصرفت منفردةً دون استشارة أو تنسيق مع البيت الخليجي، في الوقت الذي تتعارض فيه السياسات الخارجية للدول الخليجية تجاه ملفات وقضايا مهمة تتعلق بدول محورية في المنطقة كمصر وسوريا ولبنان؛ حيث ينعدم إلى حد كبير التنسيق الخليجي المشترك.

ولا تقتصر العلاقات العُمانية-الإيرانية على الجانب السياسي وإنما تمتد إلى جوانب أخرى من خلال اللجان المشتركة بين البلدين؛ فعلى الصعيد العسكري، وقّع الطرفان في سبتمبر/أيلول 2013 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون العسكري فيما بينهما، (12) بالإضافة إلى المناورات البحرية المشتركة في مضيق هرمز. وفي الجانب الاقتصادي تسعى عُمان لاستيراد الغاز من إيران عبر بناء أنبوب بحري بين البلدين، ويناقش الطرفان تطوير حقول غاز مشتركة في عرض البحر.

وبالإضافة إلى الزيارات العديدة بين كبار المسؤولين من الدولتين، وكتأكيد على تميز العلاقات بينهما، قام السلطان قابوس بن سعيد بزيارة إيران في العام 2009 ثم مؤخرًا في العام 2013 بُعيد انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني.

هذه العلاقة المتينة التي تربط بين الطرفين العُماني والإيراني لا تعني أن عُمان ساذجة أو غير مدركة للتهديد الاستراتيجي الذي يمكن أن تمثله دولة بحجم إيران وإمكانياتها بالنسبة لأمن المنطقة، إلا أنها تدرك أن التعامل مع هذا التهديد المحتمل لا يكون باستعداء إيران والتعامل معها كخصم أزلي، أو بالتعاطي معها بلا عقلانية تفترض سهولة إلغائها وإقصائها من أي تفاهم إقليمي. فإيران وإمكاناتها، أمر واقع وحقيقة جغرافية وتاريخية لا يمكن الالتفاف حولها. وبالتالي كان الخيار العُماني قائمًا على التعاطي مع إيران ببراغماتية وواقعية تفترض أن التعاون وإبقاء الحوار مفتوحًا مع قوة إقليمية كإيران أجدى لأمن الخليج من استعدائها أو مقاطعتها.

وللحفاظ على التوازن الإقليمي المطلوب، أبقت عُمان مسافة بينها وبين إيران تحفظ استقلالها التام في كل الأحوال، وبقيت محافظة على تحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وعلاقاتها العميقة مع دول الخليج العربية، دون أن يُستلب قرارها لأي طرف. وهي موازنة ليست بالسهلة في منطقة مشتعلة كهذه. واتكاءً على هذه الاستقلالية والتوازن الحذر، استطاعت عُمان أن تقف بوضوح في وجه التهديد الإيراني بغلق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات النفط العالمية حين اشتد الخلاف النووي بينها وبين الغرب. (13) 

ويعزو البعض متانة هذه العلاقة بين البلدين لعرفان عُمان بالجميل الإيراني إبان الثورة الظفارية، إلا أن هذا طرح هش لأن حجم المساعدة الإيرانية في ذلك الوقت لا يستدعي كل هذا الامتنان على مدى العقود الأربعة الماضية؛ فإيران لم تكن الدولة الوحيدة التي مدّت يد العون وإنما شاركتها الأردن وبريطانيا الحليفة التاريخية لعُمان، ومساعدتها في حد ذاتها لم تكن فاصلة. أضف إلى ذلك أن تلك المساعدة لا يمكن أن تُعزى إلى الكرم الإيراني، وإنما إلى ضرورات سياسية واستراتيجية راعاها بلا شك، نظام الشاه السابق المدعوم في حينه من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، لاسيما حين يكون الخصم شيوعيًا. وعُمان، بالضرورة، ليست غافلة عن كل تلك الاعتبارات حتى تظل مكبلة بالجميل طوال هذه السنين. وفي كل الأحوال، فإن هذا الطرح لا يستقيم مع منطق السياسة العُمانية الخارجية المعروف ببراغماتيته.

والأهم من ذلك أن في مقتضيات الأمن القومي العُماني ما يكفي ليفسر العلاقة العُمانية-الإيرانية؛ فسواحل إيران لا تبعد إلا مرمى حجر عن السواحل العُمانية، والدولتان تتحكمان معًا في واحد من أهم المعابر المائية في العالم، اقتصاديًا وأمنيًا؛ حيث يمر من مضيق هرمز ما يزيد على 40% من النفط الخام في العالم.

 كل هذا يعني أن مصلحة عُمان وأمنها القومي يقتضيان أن تحافظ على علاقة ودية مع جارتها الواقعة في الضفة الأخرى من الخليج، وأن تُبقي قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، عوضًا عن اصطناع عدو بهذا الحجم في خاصرتها.

أضف إلى ذلك، أن اعتبارات الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية هي المحدد الرئيسي الذي يملي سياسات السلطنة الخارجية، وهي المعيار الذي يحدد أصدقاء عُمان وأعداءها؛ (14) حيث اتخذت عُمان موقفًا حازمًا من كل من هدد أمنها الداخلي واستقرارها، وخير مثال على ذلك أنها لم تتبادل العلاقات الدبلوماسية مع سوريا إلا في وقت متأخر جدًا (في العام 1987)، وذلك بسبب موقف سوريا الداعم للجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي، ولم تمض في اتفاق تطبيع العلاقات مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلا بعد قيام الأخيرة بتصفية مراكز الجبهة فيها. (15)

وباعتبار هذا المحدد، فإن أي صدام إقليمي، سيشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرار عُمان وأمنها الداخلي. ومن جهة أخرى، فإن إيران لم تشكّل خطرًا على استقرار عُمان الداخلي ولم تحاول تقويض وحدتها الوطنية بأي شكل من الأشكال، وامتازت علاقتها بعُمان بدرجة من الندية تناسب المزاج العُماني ونزعته التاريخية نحو الاستقلال. وهذا ما لم تنجح في إدراكه، فهمًا وممارسة، بعض الدول الخليجية. إذ أنَّ المد السلفي وسعيه لاختراق المجتمع العُماني، يشكّل دون شك هاجسًا لدى القيادة العُمانية، وكذلك محاولة السعودية فرض نفوذها على دول خليجية أخرى يثير الكثير من الحساسية لدى تلك الدول وعُمان من بينها. وقد جاء الإعلان العُماني الأخير في العام 2011 عن اكتشاف خلية تجسس تعمل لصالح الإمارات العربية المتحدة، ليثير الكثير من علامات الاستفهام حول العلاقات الخليجية-الخليجية. هذه الهواجس والأسئلة كان لها -إلى جوانب عوامل أخرى- دور بلاشك في اتخاذ عُمان قرارها الرافض لمشروع الاتحاد الخليجي. 

عُمان ومشروع الاتحاد الخليجي

لمن يراقب الشأن الخليجي، لم يكن القرار العُماني القاضي برفض الانضمام للاتحاد الخليجي مفاجئًا بقدر ما كانت حدّة التعبير عنه صادمة؛ فعُمان كانت شديدة الوضوح والحسم في رفضها الانضمام لمشروع العملة الخليجية الموحدة، وفي هذا مؤشر واضح على التوجه العُماني في هذا الصدد، والذي يجعل من رفضها اللاحق لمشروع الاتحاد أمرًا متوقعًا ومتسقًا مع سابقه. كما أن السلطنة سبق وأن أعربت عن رفضها لمشروع الوحدة في القمة الخليجية في العام 2011. وبالتالي فإنَّ موقفها الذي عبّر عنه يوسف بن علوي، الوزير العُماني المسؤول عن الشؤون الخارجية، في منتدى الأمن الخليجي بالمنامة في ديسمبر/كانون الأول 2013، لم يكن جديدًا أو بلا مقدمات.

المفاجئ، كما أشرنا سلفًا، هو حدة الموقف، والتلويح بالانسحاب من مجلس التعاون لدول الخليج فيما لو مضت دوله قدمًا في مشروع الوحدة. ولعلَّ هذه الحدة تتناسب مع جدية طرح المشروع هذه المرة؛ حيث آثرت عُمان أن تكون حازمة في التعبير عن موقفها حتى تتمكن الأطراف الأخرى من إعادة تقييم المشروع في ضوئه. (16) وربما يكون الإصرار الخليجي على إعادة طرح المشروع، رغم تعبير عُمان عن رفضه في العام 2011، جعلها تشعر أن صوتها لم يكن مسموعًا في المرة الأولى.

أما الرفض في حد ذاته فهو متوقع، لعدة أسباب: 

  • أولاً: السياسة الخارجية العُمانية كانت دائمًا مبنيةً على أساس النأي بالبلاد عن الصراعات الدولية والإقليمية، وتجنب النزاعات التي لا تعنيها وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والإيمان بالحوار والحلول السلمية، والتعامل ببراغماتية بعيدة عن العواطف والأدلجة. هذا النهج لا يمكن أن يندمج بسهولة مع السياسة الخارجية لدول خليجية أخرى، التي لا يمكن التوفيق بين اختلافاتها الجوهرية في هذا الصدد. كما لا يمكن أن تسمح عُمان، لأطراف أخرى، بجرها نحو مستنقع الصراعات الإقليمية والزج بها في حروب بالوكالة، بدعوى الوحدة الخليجية والأمن الخليجي المشترك؛ فعلى سبيل المثال، اتخذت عُمان موقفًا حذرًا من الملفين المصري والسوري، في حين دخلت كل من السعودية وقطر والإمارات بكامل قواها، مستخدمة المال والإعلام، والسلاح أحيانًا، للضغط والتأثير على أطراف النزاع في تلك الدول. وحتى هذا التدخل لم يكن محسوبًا أو مبنيًا على تنسيق مسبق فيما بينها، وإنما عملت هذه الدول منفردةً وحسب ما تعتقد أنه يجسد مصالحها القومية. وكانت النتيجة لا تُحمد عقباها؛ فالفوضى تعم مصر، والحرب الطائفية تنهك سوريا وسيؤدي ذلك إلى نتائج كارثية تنعكس على المنطقة بأسرها على المدى البعيد. فيما يخص عُمان، فإن الدخول في خضم صراعات كهذه، مقامرة بالأمن الداخلي العُماني، وتقويض لنهجها الذي تسير عليه منذ عقود، وللمكاسب التي حققتها من ورائه إقليميًا ودوليًا. ويبدو أن عُمان لا ترى إمكانية تبرير الانخراط في مسار الاتحاد الخليجي بدافع الصالح المشترك الذي تدعو إليه دول خليجية أخرى.

  • ثانيًا: بغضّ النظر عن كل المبررات التي يمكن أن تساق دعمًا للاتحاد الخليجي، يبقى التصدي لإيران هو السبب الأكثر حضورًا وإلحاحًا وراء طرح المشروع بقوة في هذا التوقيت تحديدًا بعد التوصل لاتفاق بين إيران من جهة والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا من جهة أخرى. أي أن المحرك الرئيسي لمشروع الاتحاد الخليجي، خارجي في جوهره، وهو التوجس من إيران، وعُمان لا تشاطر دول الخليج الأخرى هذا الخوف أو -على الأقل- لا توازيها في مقداره. فمن المعلوم أن تأسيس مجلس التعاون الخليجي جاء أساسًا كردة فعل على الثورة الإسلامية الايرانية، والتهديد الذي أطلقته بتصدير ثورتها عبر الخليج؛ حيث بقي نهج هذه الدول في التعامل مع إيران مرتهنًا لذلك التهديد، دون إعادة تقييم أو مراجعة للوضع وما طرأ عليه من تغيير. (17)

    وعُمان، حتى وإن اتفقت مع باقي دول الخليج وأقرت بالتهديد المحتمل الذي تمثله إيران على أمن المنطقة؛ فهي حتمًا لا تتفق مع الأسلوب الذي تنتهجه تلك الدول في التعامل مع هذا التهديد. من وجهة النظر العُمانية، كما تعكسها علاقة السلطنة بإيران، فإن الاحتفاظ بعلاقة تعاونية مع الجارة الكبرى والإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة بين  جميع الأطراف هي الوسيلة الأنجع لاحتواء هذا التهديد وتحييده. كما أن مبادىء النضج السياسي تقتضي الإيمان بعدم وجود أعداء أبديين، وأن تعزيز المصالح المشتركة بين الدول خير ضامن لأمنها، أما التكتل في مواجهة إيران، ومقاطعتها والتعامل معها كعدو أزلي، لن يحافظ إلا على التوتر الحالي في المنطقة، وقد يقود في المستقبل إلى صدامات لن يستطيع الخليج، متحدًا، النهوض منها معافى.  

    وبالتالي، فإنَّ العمل على تحويل إيران إلى حليف استراتيجي، سياسي واقتصادي، أجدى من الاستمرار في معاداتها. وعلى أساس هذه القناعة، لم يكن من الممكن أن تنضم عُمان إلى اتحاد، يمثل في جوهره خطوة استعدائية موجهة ضد إيران، لن ينتج عنها إلا المزيد من التقويض لأمن المنطقة وأمن عُمان معها بالضرورة.

  • ثالثًا: ترى عُمان، كما عبّر عن ذلك سيف المسكري نائب الأمين العام السابق للشؤون السياسية بمجلس التعاون الخليجي، أن مشروع الوحدة سابق لأوانه وأن هناك الكثير من الخطوات السابقة على ذلك والتي لم يتم إنجازها. فمن المفترض أن يكون الاتحاد تتويجًا لمنظومة متكاملة من التعاون في كافة المجالات، وأن يسبقها مشوار طويل يهدف لمواءمة السياسات المالية، والاقتصادية، والاجتماعية، والترتيبات السياسية والدستورية بين الدول الأعضاء. أما القفز نحو النتيجة دون الأخذ بأسبابها فسيؤدي بالضرورة إلى فشل المشروع بما يعنيه ذلك من خسائر فادحة على الصعيدين الوطني والخليجي المشترك. فمسيرة مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في العام 1981، كانت مخيبة للآمال من نواح عدة للشعوب كما لصناع القرار. والإنجازات القليلة التي حققها على مدى ما يزيد عن ثلاثة عقود لا تليق بحجم الآمال واستحقاقات الشعوب، ولا بدوره الاستراتيجي الهام؛ فالأوْلى إذًا التركيز على إنجاح المشروع القائم وبث الحياة فيه، عوضًا عن الدخول في مغامرة جديدة غير محسوبة تكون فيها الرهانات أعلى بكثير والخسائر المحتملة أكثر فداحة.

  • رابعًا: الخلافات المتزايدة بين دول مجلس التعاون الخليجي حول عدد من القضايا والملفات الإقليمية تجعل من الصعب تصور قيام الاتحاد ونجاحه؛ فالخلاف القطري-السعودي، والخلاف الإماراتي-السعودي، ثم شبكة التجسس الإماراتية التي تمّ الإعلان عن اكتشافها في عُمان في العام 2011، كلها مؤشرات على عمق الخلافات في البيت الخليجي الواحد. (18) كما أنَّ مشروع العملة الخليجية الموحدة ما هو إلَّا مثال حاضر في الأذهان، على مشروع تعاوني طموح فشل بسبب الخلافات والتنافس بين أطرافه. (19)

  • خامسًا: الاختلافات بين دول الخليج العربية على صعيد الانفتاح والتجربة السياسية وتوازنات القوى وأنماط العلاقة بين الدولة والمكونات التقليدية للمجتمع، لا يمكن إغفالها. وبالنسبة للدول الأكثر انفتاحًا وتقدمًا في تجربتها السياسية، فإنَّ الدخول في وحدة مع دول تقل عنها تجربة، أو تختلف عنها في التوجه، سيشكَّل تحديًا حقيقيًا لا يستهان به.

    أضف إلى ذلك أن تجربة ما يُعرف بالربيع العربي أثبتت أن هذه الدول -وعُمان ليست استثناءً- غير مستقرة سياسيًا، وأنها ترقد على بركان قد يثور في أية لحظة؛ حيث لا يمكن اعتبار العلاقة بين الأسر الخليجية الحاكمة وشعوبها، على أحسن ما يرام منذ نشوء هذه الدول، ومستوى العنف الذي تمارسه بعض الأنظمة الخليجية حتى تستطيع الحفاظ على سيطرتها على الوضع، يزداد يومًا بعد يوم. كما أنَّ مناخ الحريات وأوضاع حقوق الإنسان في الدول الخليجية بشكل عام، ليس في أحسن حالاته. كل هذا يجعل من ترتيب الوضع الداخلي أولوية وضرورة وجودية لابدَّ من إنجازها قبل التفكير في الوحدة بما تحمله من تحديات ومشاكل جديدة. وبذلك تكون احتمالات فشل أية وحدة بين كيانات أو دول غير مستقرة تمامًا مرجحة.

  • سادسًا: عُمان -كباقي الدول الخليجية- تخشى من النفوذ السعودي على سيادتها وقراراتها، وتسعى بالتالي إلى إبقاء مسافة آمنة بينها وبين الرياض، تحفظ لها استقلالها وسيادتها على قرارها ومصيرها. بالإضافة إلى القلق من تأثير المد السلفي على جو التسامح والتعايش المذهبي في عُمان.

خاتمة

إن الموقف العُماني، على صرامته، قابل للتغيير إذا ما انتفت الأسباب التي يستند عليها. فالوحدة في حد ذاتها لا يمكن أن تكون مرفوضة من حيث المبدأ؛ إذ إنَّ عُمان، كدولة مؤسسة لمجلس التعاون الخليجي، وقّعت على النظام الأساسي للمجلس والذي تنص مادته الرابعة على أن الغاية النهائية من وراء تأسيس هذا الكيان المشترك هو الوصول إلى الوحدة. كما أن عُمان لا يمكن أن تغفل عن أن الوحدة الخليجية الناجحة المستدامة، جزء أساسي من تطلعات شعوب المنطقة بما في ذلك شعبها.

وفي جميع الأحوال لا ينبغي أن يُقرأ موقف عُمان الحالي كمؤشر على أنها ضد التقارب الخليجي أو أنها تسعى لشق الصف؛ إذ إن الدور الذي لعبته وتلعبه السلطنة ضمن مجلس التعاون الخليجي، يشير إلى عكس ذلك؛ فعُمان إحدى الدول التي أسست المجلس وعملت على إنجاحه والتزمت بقراراته وبرامجه، وسعت دومًا نحو تقريب وجهات النظر. وقامت بواجبها أثناء حرب الخليج الثانية، وتقدمت في العام 1991 بمشروع لتأسيس جيش خليجي موحد، تم رفضه من قبل دول أخرى.

إلا أنها في مقابل ذلك، حرصت دائمًا على استقلال سياستها الخارجية، وعلى اتخاذ ما تراه ضروريًا من قرارات لحماية أمنها القومي واستقرارها. وفي هذا السياق، يمكن فهم موقفها الأخير من مشروع الاتحاد الخليجي.
_____________________________________
بسمة مبارك سعيد - باحثة ومحامية عُمانية

المصادر
1- فقد وقعت المناطق الشمالية من عُمان تحت الاحتلال الفارسي لفترات متفرقة، حتى تم إجلاء الفرس نهائيًا على يد الإمام أحمد بن سعيد في القرن الثامن عشر. وأحمد بن سعيد هو مؤسس الدولة البوسعيدية، التي ينتمي إليها السلطان قابوس بن سعيد.
2- التي كان يحكمها الشاه محمد رضا بهلوي آنذاك.
3- نوار، إبراهيم. (1992، 1 أكتوبر/تشرين الأول) السياسة الخارجية العُمانية من العزلة إلى دبلوماسية الوساطة. استرجعت في 27 ديسمبر/كانون الأول 2013 من http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=217392  &
4- إيران والعراق بالإضافة إلى دول الخليج الست.
5- عز العرب، محمد. (2004، ديسمبر/كانون الأول) العلاقات العربية-الإيرانية: حدود الانفراج وآفاق المستقبل. استرجعت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2013 من http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/C2RN78.HTM
6- مكتبة الكونجرس، دراسات الدول: عمان. استرجعت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2013 من
 http://lcweb2.loc.gov/cgi-bin/query/r?frd/cstdy:@field(DOCID+om0094)
7- إبراهيم نوار، مصدر سابق.
8- مكتبة الكونجرس، دراسات الدول: عمان، مصدر سابق.
9- ميلر، جوديث. (2012، 31 يناير/كانون الثاني) المشهد من الخليج. استرجعت في 2 يناير/كانون الثاني 2013 من http://www.foxnews.com/world/2012/01/31/view-from-gulf-americas-quiet-go-between-speaks/
10- جوديث ميلر، مصدر سابق.
11- لاسيما في مجال الغاز الطبيعي، الذي تحتاجه عُمان وتمتلكه إيران بكميات كبيرة؛ حيث تشير بعض التقارير إلى أن العقوبات المفروضة على طهران تشكّل عائقًا أمام إتمام اتفاق البلدين في هذا الجانب.
12- صحيفة تايمز أوف عمان، عدد 18 سبتمبر/أيلول 2013.
13- جوديث ميلر، مصدر سابق.
14- محمد عز العرب، مصدر سابق.
15- محمد عز العرب، مصدر سابق.
16- عُمان أيضًا تدرك أن رفضها الحاسم هذا، سيفتح المجال أمام الأطراف الأخرى المترددة لطرح شكوكها وأسئلتها، وهذا ما حدث بالفعل.
17- المحروقي، زاهر. (2013، 10 ديسمبر/كانون الأول) مجلس التعاون الخليجي وداعًا. استرجعت في 3 يناير/كانون الثاني 2013 من http://alroya.info/ar/citizen-gournalist/visions/80506----
18- زاهر المحروقي، مرجع سابق.
19- انسحبت الإمارات بعد اختلافها مع السعودية حول مقر البنك المركزي الموحد.

تعليقات

 

نرشح لكم

يعالج هذا البحث العلاقة المركبة والمعقدة بين المجال السياسي وبين مجال التصوف في غرب إفريقيا متخذا من الطريقة المريدية بالسنغال حالة للدرس، وذلك في ضوء التحديات المستجدة التي تواجهها الطرق الصوفية بغرب إفريقيا وقد بات لزاما عليها تجديد نفسها والتكيف مع هذه المستجدات.

2018/11/13

تتعدد أوجه تأثير العقوبات على إيران ولا يمكن حصر تأثير هذه العقوبات في المجال الاقتصادي، وهو ما تبحثه هذه الورقة التي تناقش آثار هذه العقوبات في السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

2018/11/07

تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في جنوب اليمن على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط حكومة الرئيس هادي بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغييرها من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله.

2018/11/04