الانتكاسة: الدور المصري في الحرب الإسرائيلية على غزة - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الانتكاسة: الدور المصري في الحرب الإسرائيلية على غزة

فشلت السلطة المصرية في وقف المواجهات بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، فتدنت الثقة في قدرتها على لعب دور رئيسي في جوارها.

الأحد, 20 يوليو, 2014 08:38 GMT

المصدر [الجزيرة]
ملخص

أعلنت السلطة المصرية، بعد عشرة ايام من العدون الاسرائيلي على غزة، عن مبادرة لوقف ما أسمته: الأعمال العدائية بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، فسارعت فصائل المقاومة إلى رفضها أو إلى التحفظ عليها. ويعود هذا الموقف إلى اعتبارين في نظر المقاومة، يتعلق الأول بالشكل حيث نسقت السلطات المصرية مع الجانب الإسرائيلي لكنها لم تنسق مع المقاومة الفلسطينية، ويتعلق الجانب الثاني بالمضمون حيث لم يسبق وقف إطلاق النار الذي دعت إليه مصر أي اتفاق على التداعيات المترتبة عليه، مثل من ضمان أن لا تكرر إسرائيل عدوانها على غزة، ورفع الحصار المضروب على القطاع وهو يعد عملاً عدائيًا ضمن الأعمال الحربية، وغيرها من الاعتبارات التي تعد المحصلة السياسية للأداء الاستثنائي للمقاومة الفلسطينية التي قصفت لأول مرة قلب إسرائيل، وحققت مكاسب عسكرية غير مسبوقة مثل اختراق المجال الجوي الإسرائيلي بطائرات دون طيار.
ويعد هذا الرفض انتكاسة للسلطة المصرية في ملف مرتبط بأمنها الاستراتيجي، وهي انتكاسة مقارنة بدور الرئيس المصري محمد مرسي، الذي نجح في الحصول على اتفاقية لوقف إطلاق النار مقبولة من الطرفين، المقاومة وإسرائيل، ولقيت الامتنان الدولي.

مقدمة

أعلنت السلطة المصرية، بعد عشرة ايام من العدون الاسرائيلي على غزة، عن مبادرة لوقف ما أسمته: الأعمال العدائية بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، فسارعت فصائل المقاومة إلى رفضها أو إلى التحفظ عليها. ويعود هذا الموقف إلى اعتبارين في نظر المقاومة، يتعلق الأول بالشكل حيث نسقت السلطات المصرية مع الجانب الإسرائيلي لكنها لم تنسق مع المقاومة الفلسطينية، ويتعلق الجانب الثاني بالمضمون حيث لم يسبق وقف إطلاق النار الذي دعت إليه مصر أي اتفاق على التداعيات المترتبة عليه، مثل من ضمان أن لا تكرر إسرائيل عدوانها على غزة، ورفع الحصار المضروب على القطاع وهو يعد عملاً عدائيًا ضمن الأعمال الحربية، وغيرها من الاعتبارات التي تعد المحصلة السياسية للأداء الاستثنائي للمقاومة الفلسطينية التي قصفت لأول مرة قلب إسرائيل، وحققت مكاسب عسكرية غير مسبوقة مثل اختراق المجال الجوي الإسرائيلي بطائرات دون طيار.

ويعد هذا الرفض انتكاسة للسلطة المصرية في ملف مرتبط بأمنها الاستراتيجي، وهي انتكاسة مقارنة بدور الرئيس المصري محمد مرسي، الذي نجح في الحصول على اتفاقية لوقف إطلاق النار مقبولة من الطرفين، المقاومة وإسرائيل، ولقيت الامتنان الدولي.

فكيف تحول الموقف المصري من المقاومة الفلسطينية؟

كان لمصر في فترات سابقة الدور البارز في التعاطي مع القضية الفلسطينية بشكل عام، وملف غزة بشكل خاص، وذلك لاعتبارين:

الأول: أن اهتمام مصر بفلسطين وقطاع غزة تحديدًا يصُب في مصلحة الأمن القومي المصري لما تمثله غزة كبوابة شرقية لمصر في الصد والحماية من اعتداءات إسرائيل.

الثاني: قيمة ومكانة القضية الفلسطينية في قلوب ونفوس الشعب المصري؛ فبالإضافة إلى قدسية فلسطين ومكانتها عند المصريين، هناك العديد من صور التداخل الاجتماعي بين الأسر المصرية والغزاوية، وهناك الكثير من حالات المصاهرة بينهما.

ومن ثم لا تغيب القضية الفلسطينية عن وجدان الشعب المصري، برغم كل التشويهات التي يمارسها الإعلام المؤيد حاليًا للسلطة الحاكمة في مصر للفلسطينيين بشكل عام ولحركة المقاومة الإسلامية "حماس" بشكل خاص، وذلك للارتباط الوثيق بين حماس وجماعة الإخوان المسلمين، فما يقع على الإخوان لابد أن يقع على حماس -حسب زعمهم- وما توصف به جماعة الإخوان المسلمين من أنها "إرهابية" لابد بالضرورة أن توصف به حماس لأنها تابعة لها.

ويغيب عن هؤلاء أنه لابد من التفريق بين الخلاف السياسي الواقع في مصر بين قوى سياسية فشلت في الوصول للسلطة بالصندوق والممارسة الديمقراطية، ومحاولة تصفية الجماعة التي ما فتئت تزعجهم لعشرات السنين، وبين حركة مقاومة مشروعة لشعب ما زال تحت حكم الاحتلال الإسرائيلي، ويستخدم كل ما لديه لمقاومة هذا العدوان، ويُقدم كل التضحيات في سبيل ذلك.

وقد تقلب الموقف الرسمي المصري من المقاومة الفلسطينية، من حسني مبارك إلى الآن، من خلال توفيقه بين هذين الاعتبارين، فمرة يتوافق مع الوجدان المصري فيبادر إلى كبح العدوان الإسرائيلي، ومرة يُصدِّر خصومته السياسية مع الإخوان المسلمين إلى الخارج، فيصير موقفه أقرب إلى الموقف الاسرائيلي.

مبارك: سياسة الحدود الدنيا

ارتبط نظام مبارك برغبة الإدارة الأميركية في تأمين إسرائيل وحمايتها من أي هجوم من فصائل المقاومة المختلفة، ولم يستطع نظام مبارك الخروج عن طوع وإرادة الإدارة الأميركية في ذلك، وقد تمثل ذلك في عدة أمور:

الأول: دعم السلطة الفلسطينية، وبالأحرى حركة فتح على حساب المقاومة الفلسطينية حماس، واختيار المسار الدبلوماسي السياسي فقط، والدفع في اتجاه مواجهة حماس والتضييق عليها في غزة من خلال إغلاق معبر رفح، وعدم السماح بمرور المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الإغاثية إلا في حدود ضيقة، بما يؤثر سلبًا على الشعب الفلسطيني من جانب، وعلى إمكانية حماس في تسيير أمور القطاع، وتحطيم البنية التحتية لها وتمكين السلطة الفلسطينية من العودة للإمساك بمقدرات القطاع مرة أخرى.

الثاني: عدم الاعتراف على المستوى السياسي بقادة حماس وخصوصًا بعد فوزهم في الانتخابات في العام 2006، وسيطرتهم على قطاع غزة، تمثل ذلك في عدم لقائه بهم، وتحديد تعاملهم مع المخابرات العامة كملف أمني، وهذا ما أكده وزير خارجية "مبارك" أحمد أبو الغيط في كتابه "شهادتي.. السياسة الخارجية المصرية 2004-2011" حيث قال أن مبارك كان رافضًا لقاء قادة حماس بعد وصولها للسلطة(1).

الثالث: الوقوف حجر عثرة أمام تقديم أية مساعدات لحماس سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، فكل المساعدات التي تُقدم من مؤسسات أو منظمات أو حكومات، كانت تُقابل في الغالب باعتراض من الإدارة المصرية في نظام مبارك وتُقيد حركتها، وغلق الأنفاق التي كانت تمثل الرئة الضرورية لمرور الأغذية والمساعدات الطبية، بل وصل الأمر إلى التضييق على الشعب المصري وفعالياته التي تدعم القضية الفلسطينية سواء في الجامعات أو النقابات المهنية أو الجمعيات الخيرية أو حتى مجلس الشعب، وفي المقابل تكثيف التنسيق الاستخباراتي مع إسرائيل.

الرابع: موافقة السلطة المصرية الضمنية على العدوان الإسرائيلي على غزة، وأبرز مثال على ذلك لقاء تسيبي ليفني في القاهرة في العام 2008 قبل توجيه ضربة عسكرية لغزة، بالرئيس المصري حسني مبارك، ونظيرها أحمد أبو الغيط، والوزير عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية، وعرضها رغبة إسرائيل في الإطاحة بـ"حماس" التي تسيطر على قطاع غزة، وأن هذا الوضع لابد أن يتغير، وهذا ما سوف تقوم إسرائيل بتحقيقه(2). كل ذلك على خلفية الرفض المبدئي للمقاومة المسلحة، والتعامل مع حماس كجزء من تضييق النظام المصري على الإخوان المسلمين.

مرسي: انفراجة قصيرة

بعد انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسًا لمصر في العام 2012 كان هناك أمل يحدو الفلسطينيين بوجه عام وفي غزة بشكل خاص، بحدوث انفراجة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وخصوصًا أن ثِقل مصر في المنطقة يمكن أن يخدم الفلسطينيين، والخلفية الإسلامية للرئيس مرسي ربما تصُب في صالح المقاومة الفلسطينية.

والمتتبع لتاريخ جماعة الإخوان المسلمين التي ينحدر منها الرئيس مرسي يجد أن القضية الفلسطينية كانت وما زالت في صميم اهتمام الجماعة، وقد خاضت معارك سياسية عديدة لخدمة القضية الفلسطينية لما لها من أهمية عند المسلمين(3).

راهن الفلسطينيون على أن الرئيس مرسي سيكون أكثر تعاطفًا وتفهمًا للحالة الفلسطينية، وقد يُقدم على إجراءات لصالح الفلسطينيين، كالعمل على تحسين الحالة المعيشية والإنسانية في قطاع غزة، من خلال تحسين العمل على معبر رفح وتخفيف مشكلة الوقود والكهرباء، ووضع حد لظاهرة الأنفاق، وربما أيضًا تفعيل فكرة المنطقة الحرة بين مصر والقطاع وتسهيل التجارة بين الطرفين(4).

تفاعلت وجهتا نظر في دائرة متخذي القرار في إسرائيل بشأن تأثير ذلك في الحد من "حرية" إسرائيل في الاعتداء على قطاع غزة. شددت وجهة النظر الأولى على أنه من أجل الحفاظ على حد أدنى من العلاقات مع مصر وعدم الوصول إلى قطيعة سياسية معها فإن إسرائيل مضطرةٌ إلى "ضبط النفس" والامتناع عن القيام بعمليات عسكرية كبيرة ضد قطاع غزة، على منوال الحرب التي شنتها على القطاع في أواخر عام 2008. أما وجهة النظر الأخرى، فقد أقرت بالضرورة القصوى في الحفاظ على علاقات إيجابية مع مصر، ولكنها في الوقت ذاته دعت إلى محاولة تعويد النظام المصري الجديد على ميزان القوى على أرض الواقع، واختبار ردود فعله بالعدوان على غزة، أو مدى تكيفه معه، والتعامل مع هذه الردود وفقًا لتطور الأحداث من دون الوصول إلى قطيعة مع مصر.

لقد اختلف رد فعل النظام الجديد في مصر على العدوان اختلافًا ملموسًا عن تعامل نظام مبارك؛ إذ رفضت مصر العدوان الإسرائيلي، ووقفت سياسيًا ومعنويًا إلى جانب المقاومة، ونشطت دبلوماسيًا وسياسيًا على المستويات العربية والإقليمية والدولية من أجل وقف العدوان الإسرائيلي، والتوصل إلى اتفاق تهدئة يضمن الشروط والمطالب الأساسية للمقاومة ويحققها(5).

وأعلنت رئاسة الجمهورية، مساء الأربعاء (21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012) التوصل إلى اتفاق للتهدئة بين حماس وإسرائيل، ووقف الاعتداءات، وتضمنت بنود الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية لوقف إطلاق النار: قيام إسرائيل بوقف كل الأعمال العدائية على قطاع غزة برًا وبحرًا وجوًا، بما في ذلك الاجتياحات وعمليات استهداف الأشخاص، على أن تقوم الفصائل الفلسطينية بوقف كل الأعمال العدائية من قطاع غزة على إسرائيل بما في ذلك استهداف الحدود.

كما تضمن الاتفاق فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وعدم تقييد حركة السكان، أو استهدافهم في المناطق الحدودية، والتعامل مع إجراءات تنفيذ ذلك بعد 24 ساعة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

وتضمن الاتفاق ثلاث آليات للتنفيذ:

الأولى: تحديد ساعة الصفر لدخول الاتفاق حيز التنفيذ.
والثانية: حصول مصر على ضمانات من كل طرف للالتزام بما تم الاتفاق عليه.
والثالثة: أنه في حالة وجود ملاحظات من أي طرف عليه الرجوع إلى مصر لمتابعة رعاية المفاوضات(6).

لقد كان الوضع مختلفًا في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي؛ حيث أظهر كل الدعم المادي والمعنوي لغزة، من خلال فتح المعبر، وإرسال الوفود الرسمية والشعبية، وكان على رأسها زيارة رئيس الوزراء الأسبق هشام قنديل إلى القطاع في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 إبان الهجوم الإسرائيلي وقتها.

السيسي: تشديد الخناق

المتتبع لأداء المشير عبد الفتاح السيسي لا يجد عناءً شديدًا في تحديد هوية الرجل في التعامل مع غزة وحماس، فهو رئيس المخابرات العسكرية في عهد الرئيس المخلوع مبارك، فكان مشاركا في التنسيق الأمني مع إسرائيل، والشخصية الفاعلة في المجلس العسكري فيما بعد مبارك والمسؤول عن ضمان اتفاقية كامب ديفيد، فمهامه تجعله على صلة متينة مع المؤسسة الأمنية الاسرائيلية.

وقد دفعت سلطة الانقلاب التي قادها عبد الفتاح السيسي إلى تبني موقف تجاه المقاومة الفلسطينية شبيه بالموقف الإسرائيلي، فباتت حماس هي العدو الذي يهدد الأمن المصري، وباتت تنظيمًا إرهابيًا، وهي نفس التوصيفات التي ترد في خطاب الإدارة الإسرائيلية، إضافة إلى أن سلطة الانقلاب نفذت مطلبًا إسرائيليًا وهو غلق الأنفاق ولكن بدعوى حماية الأمن المصري من خطر حماس.

ويمكن القول: إن الاختلاف الوحيد بين نظامَي مبارك والسيسي هو أنه كان يُسمح في عهد الأول للأنفاق بالعمل جزئيًا بعلم المخابرات العامة التي كان على رأسها عمر سليمان، كمنفذ لدخول الإمدادات الطبية، أما في عهد السيسي فقد تم تدمير المئات من الأنفاق وغلق معبر رفح بشكل شبه دائم.

وقد وصل عدد العالقين في غزة الممنوعين من السفر لأغراض إنسانية؛ من دراسة، وعمل، وغير ذلك، إلى نحو 15 ألف مواطن. فيما وصلت الأوضاع المعيشية والاقتصادية في قطاع غزة إلى حالة بؤس غير مسبوق، وفي هذه الأوضاع شنت إسرائيل عدوانها على غزة.

إذن، الموقف المصري في عهد السيسي مقيد في رد فعله بسبب القيود التي تفرضها عليه الولايات المتحدة الأميركية، وبسبب عدائه الشخصي مع حركة حماس، وساعدته في ذلك أجهزة الإعلام التي ما زالت تسيء إلى حماس بشكل لم يسبق له مثيل، وتعتبرها مذنبة بحكم علاقتها مع الإخوان، وتحاول تصويرها دائمًا بأنها سبب المشاكل التي تحدث، وأنها وراء كل "العمليات الإرهابية" التي تجري في ربوع مصر، حتى إن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب (المرتبط بعلاقة وثيقة مع النظام) تأخر لثلاثة أيام في إصدار بيان لإدانة العدوان على غزة.

وفي العدوانين السابقين (2008) (2012) كان يتم فتح معبر رفح جزئيًا لنقل الجرحى وإدخال المساعدات الدولية ووفود التضامن، لكن في العدوان الحالي لم يفتح المعبر إلا لساعات بعد مرور أيام على العدوان، ومُنعت وفود التضامن والمساعدات من دخول قطاع غزة.

وقد عكست الصحف الإسرائيلية ومنها صحيفة "جيروزاليم بوست" هذا التحول في الموقف المصري؛ حيث قالت: إن مصر تدين اعتداءات إسرائيل على قطاع غزة، وتعلن رفضها ظاهريًا للحرب، إلا أنها في الحقيقة قد تكون راضية عن إلحاق الضرر بالحركة الإسلامية حماس التي -تدعي أنها- تشن هجمات مسلحة على أراضي سيناء.

وهذا ما أكده تسيفي ميزال، السفير الإسرائيلي السابق لدى مصر، ويعمل الآن في مركز القدس للشؤون العامة؛ حيث قال: "مصر ليست في عجلة من أمرها لتشهد نهاية النزاع القائم، ولا أعتقد أن المصريين يذرفون الدموع عندما تهاجم إسرائيل حماس، حتى إن الإدانة المصرية لهجمات الجيش الإسرائيلي جاءت على استحياء مع غياب تام لأي تعليقات للسيسي في وسائل الإعلام المصرية"(7).

القاهرة إذن حريصة في هذه المرحلة على أن ترى حماس ضعيفة، علاوة على أن توتر علاقات مصر ببعض القوى الإقليمية مثل قطر وتركيا جعل النظام المصري يتعنت بصورة أكبر.


تقديرات

نلحظ في الحرب على غزة هذه المرة أن واشنطن أدركت حجم الخسائر الاستراتيجية والنفسية التي تتكبدها إسرائيل في هذه المواجهة؛ مما دفع الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أن يعرض بشكل علني، وغير مسبوق، على بنيامين نتنياهو الوساطة، بهدف وقف المواجهة والعودة إلى الاتفاق الذي رعته القاهرة في العام 2012.

إلا أن ثمة تطورات أساسية جرت تجعل وقف المواجهة هذه المرة مختلفا عن السابق، منها تغير في موازين القوى على الأرض، وهو ما تعكسه شروط المقاومة للتهدئة. كما أن العودة إلى أوضاع ما قبل الحرب حيث الحصار المحكم بعد غلق الأنفاق، واستمرار الاعتداءات الاسرائيلية، والفشل السياسي لحكومة "التوافق" وبالتالي فشل المصالحة، وحالة الانسداد مع مصر، هو تحديدًا ما لا تريده المقاومة.

إذن، لا يستطيع أحد التكهن بالسيناريوهات المحتملة للعدوان الإسرائيلي على غزة ومدى استمراره، لكن ثمة تراكم خبرات من الحربين السابقتين قد يساعد على وضع بعض الخلاصات والتقديرات المحتملة؛ منها:

الأول: استهداف مناطق إطلاق القذائف والصواريخ من غزة، بالقصف الجوي الإسرائيلي، ويتصف هذا السيناريو بانخفاض عدد الإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي، لكنه لا يحسم المعركة في غزة؛ وهذا ما يحاوله الجيش الإسرائيلي. لكن تكلفته كبيرة لأنه يطيل أمد تعرض البلدات الإسرائيلية لقصف المقاومة.

الثاني: توغلات برية محدودة في غزة، لإظهار إصرار إسرائيل على ضرب حماس. وأبرز سلبيات هذا السيناريو، يتمثل في أن عدد القتلى يكون كبيرًا؛ مما يتسبب في أضرار بشرية من الجانبين.

الثالث: سيناريو اجتياح كامل لقطاع غزة وإعادة احتلاله عمليًا، وهو ما لا يفضله الجيش الإسرائيلي، ولا الرأي العام الإسرائيلي لتكلفته الكبيرة المتوقعة، وهذا ما توعدت به حماس إسرائيل إذا أقدم على هذه الخطوة.

علاوة على أن إعادة احتلال القطاع مرة أخرى يجعل إسرائيل مسؤولة مباشرة عن تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية لسكانه، حسب معاهدات جنيف، وهكذا تعود إلى حمل القنبلة الموقوتة التي ظنت أنها نجحت في التخلص منها؛ وهو ما قد يعجّل بالانتفاضة الثالثة التي قد تقلب الحسابات وتعيد الجميع إلى نقطة الصفر.

الرابع: إعلان إسرائيل من جانب واحد وقف إطلاق النار؛ ما سيحسّن وضعها أمام العالم، وحينئذ ستبدو كأنها مستجيبة للضغوط الدولية، لكنها لن تحقق بذلك أي إنجاز سياسي.

السيناريو الخامس: التوصل إلى اتفاق تهدئة بوساطة دولية، ولكن مثل هذا الاتفاق لابد له أن يشمل تنفيذ مطالب حركات المقاومة، لكن هناك مصلحة مصرية وإسرائيلية في منع حماس وكتائب المقاومة من الحصول على نتائج سياسية في مستوى إنجازاتها العسكرية، فمصر تعتبر حماس تهديدا لأمنها وتخشى من تنامي قوتها، وإسرائيل لا تخفي عزمها على القضاء على حماس، فكل من مصر وإسرائيل ستسعيان إلى التقليل قدر المستطاع من مكاسب المقاومة. ويبدو هذا هو السيناريو الراجح.
_________________________________________________________________
د.جمال نصار، باحث أول في مركز الجزيرة للدراسات

الهوامش والمراجع:
(1) http://www.egyptianpeople.com/default_news.php?id=17418
(2) http://www.elaph.com/Web/Politics/2008/12/394497.htm
(3) د.صفوت حسين، دراسات في تاريخ الحركة الإسلامية، ويكيبيديا الإخوان المسلمين
http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9
(4) محمد جمعة، تداعيات فوز "مرسي" على القضية الفلسطينية
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=959314&eid=1531
(5) وحدة تحليل السياسات بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدوان الإسرائيلي على غزة يفشل في تحقيق أهدافه
http://www.dohainstitute.org/release/f30774db-0c35-4e8d-a50a-259614fb0f8d
(6) المصري اليوم
http://www.almasryalyoum.com/news/details/248163
(7) موقع الجزيرة نت
http://www.aljazeera.net/news/arabic/2014/7/14/%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%B2%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%8A%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%B6%D8%AF-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3

تعليقات

 

نرشح لكم

تتناول هذه الورقة مستقبل "حزب العدالة والتنمية"، بعد خسارته لانتخابات الإعادة في إسطنبول، التي وضعت الحزب أمام تحدٍّ غير مسبوق يتعلق بوحدته وقاعدته الجماهيرية، وهو ما قد يؤدي إلى تبكير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وإعادة النظام الرئاسي إلى دائرة النقاش مجددًا.

2019/07/16

من المحتمل أن يواجه الرئيس الموريتاني المنتخب، محمد ولد الغزواني، جملة من التحديات الداخلية من أبرزها تنظيم الكتل والأحزاب والشخصيات السياسية التي دعمته وضبط إيقاع هذه التوليفة غير المتجانسة، هذا فضلًا عن تحديد علاقته المستقبلية مع الرئيس الخارج من السلطة، محمد ولد عبد العزيز.

2019/07/15

تُقدِّم هذه الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الثاني من مجلة لباب، وتستقصي فرضية مفادها أن أهمية دراسات المستقبلات ومحوريتها في السعي لتطويع المستقبل في ضوء توظيف مُعطياته، أفضت إلى أن تتبوأ مكانة مهمة في المجتمعات المتقدمة، وكذلك السائرة في طريق النمو.

2019/07/14

تناقش هذه الورقة مآلات الخطوة التصعيدية الإيرانية بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم عن النسبة المحددة طبقًا للاتفاق النووي الموقع عام 2015. وتتناول مواقف الأطراف الأوروبية وتبحث نقاط اختلافها واشتراكها مع السياسة الأميركية تجاه إيران.

2019/07/11