"التصوف السياسي" في السنغال يدير البوصلة الحزبية - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

"التصوف السياسي" في السنغال يدير البوصلة الحزبية

بات السنغال، وهو البلد الإفريقي الذي تتجاوز نسبة الإسلام فيه 90% من عموم سكان البلاد، نموذجا للتعايش والتفاعل بين التصوف والسياسية. وقد فرض انتشار التصوف الواسع في المجتمع السنغالي على النخبة السياسية المحلية التحالف مع المجاميع الصوفية لتحقيق مكاسب انتخابية وسياسية متعددة.

الاثنين, 09 فبراير, 2015 07:55 GMT

جانب من ملتقى إقليمي للطرق الصوفية في العاصمة السنغالية دكار [الجزيرة نت]

ملخص

تعتمد جمهورية السنغال دستورا علمانيا ويسعى نظامها السياسي منذ استقلال البلاد عن فرنسا سنة 1960 إلى ترسيخ علمنة الدولة تشريعا وممارسة، غير أن تغلغل البعد الصوفي في السنغال، وكون الظاهرة الصوفية الإسلامية أصبحت مع التاريخ جزءا من هوية الشخصية السنغالية، أمرٌ قد جعل أيَّ رئيس سنغالي لا بد وأن يعتمد في جزء كبير من مرجعيته السياسية على مشايخ الصوفية والمجاميع الدينية الإسلامية من مريدية وتجانية وقادرية. باتت الطرق الصوفية في السنغال مؤسسات دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية، بل وأصبح للطرق الصوفية تأثيرٌ على الدبلوماسية السنغالية وعلاقاتها ببعض دول المغرب العربي وإفريقيا الغربية، مما بات يعرف في السنغال بالدبلوماسية الروحية. وتعتبر الطريقة المريدية التي يعود تأسيسها إلى الشيخ أحمد بمبا من أبرز الطرق الصوفية في السنغال بل إنها تشكل التصوف السنغالي المحلي فهي عبارة عن "تبيئة" للتصوف الإسلامي في السنغال فإلى جانب الملامح العامة للتصوف الإسلامي نجد البيئة السنغالية حاضرة في هذه الطريقة هذا فضلا عن التجانية المنتشرة بقوة في السنغال والقادرية المنتشرة هي الأخرى.

للزوايا الصوفية دور حاشد وحاسم -على الدوام- في تثبيت أو ترحيل أو حتى مهادنة الأنظمة القائمة والطبقة السياسية عامة في جمهورية السنغال، كما عملت الأخيرة على إضفاء نوع من الاعتبار على هؤلاء المشايخ؛ فمنهم يستمد الحاكم مرجعيته الروحية وسنده الشعبوي، وهو الظهير الأكثر ألفة للأحزاب السياسية، وتعد الطرق الصوفية البوصلة الحقيقية لأي طامع في منصب أو وظيفة سياسية في بلد بات نموذجًا للحياة الديمقراطية في منطقة غرب إفريقيا.

يربط الرؤساءَ السنغاليين بالطرق الصوفية تاريخٌ طويلٌ من المواقف المؤثِّرة على صعيد الاتجاهات العامة لسياسات الحكومات بمختلف مكوناتها؛ وذلك ما بين صداقة ظاهرة مع الزوايا وأتباعها إلى مشاركة إيجابية للفصائل الصوفية في مقتضيات السياسة ومؤشرات الاقتصاد، حتى ترتيب العلاقات الدبلوماسية للسنغال، وإن اتسمت هذه العلاقة بالتوتر أحيانًا؛ فإن خَطْب ودِّ هؤلاء المشايخ من قِبل القوى السياسية هو القاعدة السائدة والثابتة.

بفضل الطرق الصوفية استقى أول رئيس للبلاد ليوبولد سيدار سنغور (Léopold Sédar Senghor) شرعية حكمه، على الرغم من انتمائه للأقلية الكاثوليكية الرومانية، وبالطرق الصوفية احتمى جلُّ الرؤساء بما في ذلك الرئيس الحالي ماكي عبدول صال، كما انتقم مشايخ "طوبا" و"كولخ" و"تواوين" من الرئيس السابق عبدو ضيوف حين حاول تجاوزهم، فاتهموه بالسير بالبلاد صوب "العلمانية المفترسة للروحانية"؛ وذلك قبل أن يستبدل به أتباع الشيخ أحمدو بمبا خصمه السياسي العنيد الأستاذ عبد الله واد!

رهبانية السياسيين وعلمانية السنغال

يتكون الشعب السنغالي من إثنيات متساكنة منذ عهود غابرة في القِدم، دون أن تنصهر هذه القبائل الإفريقية في وحدة سياسية أو لغوية، ويتضح للمتابع حتى يومنا هذا أن كل جماعة تحتفظ بقيمها الأخلاقية والروحية ومقوماتها الثقافية(1)، وفي هذا السياق تشكِّل جماعة الأخوة المريدية والتجانية الوزن السياسي الأهم في البلاد؛ إذ إنهم يؤثِّرون على أتباعهم على مستوى تسويق المنتوجات الزراعية؛ حيث يشتغل بها ثلاثة أرباع السنغاليين، وذلك -أيضًا- في الاتجاهات العامة للمقترعين خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية، والتجاذبات السياسية، وتستعين المرجعيات الدينية في السنغال بالفئات الاجتماعية المختلفة من أجل تحديد الميول السياسية للأفراد والجماعات، ومن المنظور التقليدي فإن الطبقية المتجذرة في المجتمع السنغالي هي التي تتحكم في كل الأشياء.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى الملفات الساخنة في السنغال وعلاقة أطرافها بالمرجعيات الصوفية، طفت على السطح قضية اعتقال نجل الرئيس السابق كاريم عبد الله واد في ملفات فساد وهو مشتبه فيه بالاستيلاء على أموال عامة؛ وذلك خلال عمله مستشارًا لوالده ثم رئيسًا للوكالة الوطنية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فما كان من والده سوى التلويح في منتصف مارس /آذار 2013 بإشعال ثورة دينية بالاعتماد على بعض من كبار المشايخ(2)، ومستلهمًا في التصريحات التي أطلقها عقب رجوعه من باريس دور زعيم الثورة الإيرانية الراحل آية الله الخميني للضغط على الرئيس السنغالي، وإرغام الائتلاف الحاكم على الإفراج عن نجله المسجون منذ عدة أشهر، تحت طائلة الكسب غير المشروع.

في أوج هذه الأزمة قرر الرئيس السابق طرق أبواب الحاضرة الدينية "طوبا"(3) حيث مقر الزاوية المريدية التي ينسب نفسه إليها، وهنالك أطلق "واد" العنان للمزيد من التصريحات المستفزة، فوفق ما نقلته الصحيفة السنغالية "لوبوبيلير" (Le Populaire) عنه في عددها الصادر يوم 28 من نوفمبر/تشرين الثاني 2014 ورد تصريحه التالي: "سوف أدمر ماكي صال وعائلته... قبل أن يكمل هو تدميري رفقة أفراد أسرتي. إننا في طريقنا إلى حقبة من المواجهة، وسأخوضها فهي معركتي ضده، حيث أنتظر أن يفوز الفريق الأفضل"(4). ويرى مراقبون أن العول الحقيقي لرئيس الحزب الديمقراطي السنغالي (PDS) يكمن في الحماية التي يحظى بها لدى زعماء الطائفة المريدية، التي سبق أن عزز صلته بها منذ وصوله إلى السلطة عام 2001؛ مما ساعد في إعادة انتخابه عام 2007 بعدما تخلت عنه القوى السياسية التي سبق لها التحالف معه.

لما وصل الأستاذ عبد الله واد إلى الحكم، كان يتعمد المجاهرة بانتمائه إلى الطريقة المريدية، كما حاول الضغط على منافسيه خلال الانتخابات الأخيرة حين قطع حملته ونزل ضيفًا لدى الخليفة العام... لقد كان تصرفًا ذكيًّا من سياسي عنيد وحاذق؛ فهو يسعى إلى امتصاص هذه القوة الهائلة بغية تعزيز سلطاته؛ وذلك على الأقل في أعين الناس، وقد وُجِّهت له حينها انتقادات لاذعة من لدن المعارضة بسبب ارتباطه بشيوخ الطرق الصوفية، ويقال: إن الخليفة العام للطريقة المريدية يقف خلف إسقاط نظام عبدو ضيوف سنة 2000، عندما جاهر عام 1992 بمعارضته الشديدة لزيارة البابا بولس الثاني للسنغال، دون أن يثني ذلك الموقف حكومة الرئيس ضيوف عن مساعيها لاستضافة الحبر الأعظم، فكان الردُّ هو إعلان الخليفة دعمه القوي للخصم التقليدي لضيوف، الأستاذ عبد الله واد باعتباره "مريدًا خالصًا".

عارض كبار أساطين الطريقة التجانية بشدة الرئيس سنغور باعتباره ينتمي إلى الأقلية المسيحية التي تناهز الـ5% من تعداد السكان العام، وخلال تلك الحقبة واجه أحد أبرز شيوخ الطريقة التجانية بالسنغال الشيخ إبراهيم إنياس التبشير داخل الأوساط السنغالية، ونظَّم مناظرات وجولات مع الفاتيكان، لكن الرئيس الراحل سنغور فهم مبكرًا تأثير مشايخ الطرق الصوفية؛ التي يُقَدَّر أتباعها بأكثر من 90% من سكان البلاد، فلم يمنعه انتماؤه المسيحي من التقرُّب من هؤلاء، وبالأخص الطريقة المريدية التي أقام معها علاقات مكَّنته من إدارة البلد دون منغصات تُذكر.

عندما فاز الرئيس ماكي صال في الانتخابات الرئاسية لسنة 2010 كان هناك انطباع عام لدى كثير من المراقبين بأنه سيأتي بقطيعة في طبيعة هذه العلاقات من خلال تصريحاته السابقة وتصرفاته اللاحقة؛ التي أبان خلالها عن إرادة سياسية للفصل بين هؤلاء الزعماء الروحيين والاستقطاب السياسي، ومفضِّلاً الخيار الذي اتبعه الرئيس السابق عبدو ضيوف، وتناغمًا مع مساعيه أعلن ماكي أن هؤلاء "الشيوخ مواطنون عاديون"، وفي زياراته الأولى للمدينة المقدسة "طوبا" لم يُقَبِّل يد الخليفة العام، كما أذاعت الصحف آنذاك أنباءً حول استعادة حكومة الرئيس الجديد لسيارات كان الرئيس السابق أعطاها لبعض الشيوخ، وتم الترويج لأنباء أخرى حول استرجاع الحكومة لجوازات سفر دبلوماسية كانت بحوزة بعضهم، أو منع تجديدها.

خفتت وتيرة الزيارات المتبادلة بين طوبا والقصر الرئاسي، وانخفض مستوى التمثيل الحكومي في المناسبات الدينية؛ ولكن هذا الفتور لم يكن عميقًا، كما اتضح أن الرئيس السنغالي قد شكَّل تحالفًا سياسيًّا يضمُّ على الأقل الزعيم السياسي مصطفى نياس (رئيس البرلمان آنذاك)، وكان مراد الرئيس صال هو أن يوفِّر لتحالفه السياسي غطاءً شعبيًّا تتوافر فيه الشعبية الطاغية لحليفه السياسي المنحدر من أسرة الخلافة في الطريقة التجانية.

ومن الزاوية النظرية، فإن الطريقة المريدية التي يصل أتباعها إلى حدود الـ3.5 مليون؛ وهي أكبر الطرق انتشارًا في السنغال رأت في هذا التحالف إلغاءً ممنهجًا للدور الريادي لمشايخ "طوبا"، وتقرُّبًا للدولة السنغالية من منافس الطائفة الموازي، ورأت في هذا التطور عاملَ استفزازٍ لأتباع الشيخ أحمدو بمبا، أو هو تحريض للمُخْلِصين على مغادرة الدروس المريدية، لقد نجم عن هذا الفهم تطور خطير على صعيد الوضع ميدانيًّا؛ حيث نشبت بين أنصار الفصيلين الروحيين معارك عديدة، قبل أن يدفع رئيسَ الجمهورية العديدُ من العوامل للقيام بزيارة فورية إلى كير نغاندا (Keur Nganda)؛ حيث يقيم الشيخ سيدي المختار الخليفة العام للطريقة المريدية، وهنالك أظهرت تقارير التلفزيون الرسمي (RTS) أن الرئيس ظهر بمظهر "مريد يزور شيخه"، أو ابن يزور أباه، على حدِّ تعبيره هو بنفسه، وفي هذا السياق كتب الباحث السنغالي سام بوسو عبد الرحمن: "هناك من جهة مَنْ يشير إلى أنه في الوقت الذي كان الرئيس يبدي حياده تجاه المؤسسات الدينية كان المعارض السيد إدريس سك الذي انشق عن التحالف الرئاسي يسعى بشكل حثيث لتحسين سمعته لدى الأوساط المريدية، ولكسب وُدِّ شيوخها من خلال تصريحاته وزياراته المتوالية. ومن جهة أخرى يرى بعضهم في نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة ناقوس خطر على تحالف "الأمل المشترك" أو ما يسمى باللغة الولفية المتداولة في السنغال (bene book yakare)، الذي يتزعمه حزب الرئيس صال؛ فقد خسر تقريبًا في كثير من المناطق ذات الأغلبية المريدية مثل: إمباكي باول، دار المعطي، جوربل... وهذا الواقع يمكن أن يدفع رئيس حزب التحالف الجمهوري الحاكم (APR) إلى مراجعة موقفه من الشيوخ تحسبًا للانتخابات المقبلة". ويبدو -أيضًا- أن التصريحات الأخيرة للرئيس السابق عبد الله واد قد صدرت بالتزامن مع هذه الوضعية التي تُظهر مدى انهيار شعبية الرئيس ماكي صال داخل الأوساط الصوفية، كما يرى متابعون أن الأستاذ "واد" بات في مواجهة عدوين لدودين لشخصه؛ هما: الرئيس ماكي صال، والسيد مصطفى نياس، وزيره الأول السابق، وأن الحسم في الخلاف يعتمد على مدى جدية الخليفة العام في دعمه رسميًّا.

الطرق الصوفية جسر الدبلوماسية السنغالية غير المصنفة إلى العالم

تعود أولى بذور التصوف بالسنغال إلى أواخر القرن السابع عشر؛ حيث خاضت حركة الإمام ناصر الدين بالجنوب الغربي الموريتاني حربًا دينية مقدسة على ضفتي نهر السنغال؛ وذلك من أجل إقامة دولة ذات طابع إسلامي وما يقتضيه ذلك من بسط النفوذ وتجييش الجيوش وتعيين القواد في المناطق التي يتم ضمها وجباية الزكاة، ويرى بعض المؤرخين أن هذه الحرب الدينية غير المسبوقة في المنطقة لها أبعادها السياسية والقومية في المقام الأول، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ إبراهيم تيوب، رئيس جامعة الشيخ أنتا جوبْ خلال محاضرة ألقاها في مدينة "طوبا" المريدية السنة الماضية: إن الإمام ناصر الدين "أشعل ثورة ضد تجارة الرقيق بين إفريقيا وأميركا وأوروبا، التي كان يغذيها الملوك الأفارقة ممن كانوا يشرفون على بيع رعاياهم".

وبعد ذلك بعقود قليلة ظهرت أكبر وأهم مدرسة للتصوف في المنطقة على يد الحاج عمر طال الفوتي (1794-1864) بعدما أعلن الجهاد على الممالك الوثنية في السنغال ومالي وأجزاء من موريتانيا قبل أن يتمكن من تأسيس إمبراطوريته الكبيرة، التي امتدت إلى داخل غينيا، وكان أول مبشر بالطريقة التجانية في بلاد السودان؛ وفي السنغال يعود الفضل في انتشار الطريقة إلى الحاج مالك سي، الذي وُلد في داغانا بمنطقة سينلوي الحالية، قبل أن يستقر نهائيًّا بتيواون منذ عام 1902، جاعلاً من هذه المدينة مركزًا للعلم والثقافة الإسلامية في السنغال، وبمرور الزمن صار التصوف حالة شعبية، وظاهرة اجتماعية، ونوعًا من أنواع التدين الشعبي.

اليوم، تعتقد النخبة الحاكمة في السنغال بمحورية الدور الذي يمكن أن تُؤَدِّيه الطرق والزوايا الصوفية؛ سواء في إعادة صياغة المعادلة السياسية على المستوى الداخلي؛ حيث أصبح التيار الصوفي مطالبًا بتأمين العديد من الحاجيات السياسية، كمواجهة التطرف الديني، وتحصين ما أسماه بعض الكتَّاب بالهوية الدينية السوداء؛ (من هؤلاء الكتاب: الأستاذان بوكاري صمبا، وعبد العزيز كبيه)، ومواجهة هذه الزوايا للجماعات الإسلامية المناهضة للخطاب الصوفي كالوهابية، أو حملة مشعل الإسلام السياسي واستخدام هؤلاء كخزان انتخابي.

لا يقتصر التصوف راهنًا على خدمة الحاجيات السياسية الجديدة على مستوى ما يؤديه من أدوار على الصعيد الداخلي فقط؛ بل أصبح مطالبًا بخدمة حاجيات سياسية جديدة على الصعيد «الخارجي» أيضًا. إن المعجم السياسي السنغالي أصبح مؤثثًا بمصطلح جديد يشير إلى هذا الدور، وهو مصطلح "الدبلوماسية الروحية"، أو ما تسميه السلطات السنغالية بالدبلوماسية غير المصنفة.

مارس السنغال الدبلوماسية الروحية من خلال الزوايا الصوفية، خاصة الطريقة التجانية بالنظر إلى امتداداتها التي تشمل الكثير من بلدان العالم، خاصة مصر أيام جمال عبد الناصر، كانت علاقة جمال عبد الناصر ممتازة مع الشعب السنغالي، وكان يُعَدُّ من أهم الأصدقاء الشخصيين لشيخ الطريقة التجانية الشيخ إبراهيم إنياس، وكذلك سعى السنغال إلى استثمار علاقة أتباع هذه الطريقة لتعزيز ارتباطاته الاقتصادية والسياسية والروحية مع المملكة المغربية؛ حيث يوجد ضريح أبي العباس أحمد التجاني في مدينة فاس، وقد استطاع المغرب الاستفادة كثيرًا من هذا العامل؛ فسعى لإبرام المئات من الاتفاقيات الاقتصادية والعقود الاستثمارية مع السنغال، وفي ظل ازدهار قطاع السياحة الروحية بين البَلَدَين فضَّل المغرب إلغاء تأشيرات الدخول بالنسبة إلى السنغاليين عامَّة، دون أن تغفل السلطات السنغالية الدور الكبير لتعزيز ارتباطاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من أجل تقوية علاقاتها بدول الجوار، خاصة موريتانيا عبر الطريقة المريدية.

يعتقد الباحث السنغالي سام بوسو عبد الرحمن أن الطرق الصوفية "أَدَّت في الماضي دورًا مهمًّا في فتح قنوات التواصل بين الشعوب الإفريقية؛ وهو دور تحتاج إليه القارة في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى". غير أن المنطقة قد عرفت في العقود الأخيرة حالة تركيز واهتمام بالطرق الصوفية من طرف الأنظمة الحاكمة، خاصة السلطات السنغالية التي عملت من خلال آليات مختلفة على استقطاب الزوايا والطرق الصوفية؛ بل انخرطت في توظيف هذه القوى الروحية في محاولة للاستفادة من النفوذ القوي لها خارج الحدود.

وطَّد السنغال علاقاته ببعض حكومات غرب إفريقيا؛ كغينيا ومالي بالتحديد، وحكومات شمال إفريقيا كالمغرب وموريتانيا، عبر أتباع الطريقة التجانية البالغ عددها أكثر من خمسة ملايين مُريد، ووصل الأمر إلى أن صارت هذه الزوايا بدائل روحية عن الأحزاب القومية والأممية؛ بل إن بعض القوى في العالم لا تدَّخر جهدًا من أجل كسب ودِّ بعضها وتعاطف زعمائها الدينيين؛ غير أن مواقف بعض الصوفيين في السنغال لم تخلُ من انحرافات؛ فقد وُجِّهت الانتقادات إلى بعض مشايخ هذه الطرق نتيجة بعض المواقف الشاذة؛ فخلال العدوان على غزة أصدر الإمام إمباو عمر جانو فتواه الشهيرة -قبل أن يقوم بزيارة إسرائيل- بغرض التأكيد على مظلومية اليهود التاريخية، وشجب ما أسماه بـ"العدوان الحماسي على تل أبيب".

يُوصف السنغال بالبلد الإفريقي الأكثر تأثيرًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وهو ما مكَّنه من تنظيم قمة الدول الأعضاء في المنظمة سنة 2005، كما تأخذ دكار بعين الاعتبار ما توفره بلدان الخليج العربي من عون اقتصادي من أجل تنفيذ مشروع "السنغال الناهض"، الذي ينجزه الرئيس الحالي، والحكومات السنغالية تشاطر الدول العربية العديد من المواقف السياسية؛ لاسيما ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية، ولها انحياز لا تكذبه العين إلى جانب دول محددة في بعض من الملفات الشائكة؛ مثل: النزاع الدائر في "الصحراء الغربية" التي تعترف للمغرب بالسيادة عليها، وعلى الرغم من ذلك سمحت الزيارة -غير المسبوقة للرئيس ماكي صال، في أواسط يناير/كانون الثاني الجاري إلى عين ماضي بالأغواط بالجزائر، التي تحتضن المقر المركزي للطريقة التجانية بإحداث قطيعة مع حالة من الفتور أحاطت بعلاقة البلدين، وشكَّلت تحولاً لافتًا في نظرة دكار الحليف التقليدي للرباط إلى الجزائر؛ حيث نشأت الطريقة التجانية.

خلال تواجده بالجزائر انتقل الرئيس ماكي صال إلى القصر القديم؛ حيث وقف عند مسقط رأس مؤسس الطريقة سيدي أحمد التجاني؛ حيث قرأ الأوراد، وتحدث طويلاً عن الأبعاد الروحية التي تجمع كلا الشعبين؛ قائلاً: "إن السنغال فيه ما فيه من أبناء سيدي أحمد التجاني وذريته والمنتمين إليه... حيث كان خير مرشد، وخير منفذ لتعاليم دين الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم. إنني اليوم أتيت لأشهد بكفاءة أسرة التجانية وبأخلاقها الحميدة، وأبيت إلا أن أصطحب معي كل أبناء الزوايا التجانية الكبيرة المتواجدة بالسنغال من مشايخ ومقاديم".(5) وهنالك -أيضًا- أنعم شيخ الطريقة الشيخ علي التجاني على الرئيس السنغالي بـ"إجازة الطريقة"؛ وهي الرتبة العليا التي لا يظفر بها إلا من يتوافر على قدر كبير من الكفاءة والتميز.

في هذه الزيارة سمحت الدبلوماسية غير المصنفة، للرئيس السنغالي بالتعبير عن طبيعة الزيارة قائلاً: "هنالك بُعد روحي مهمٌّ لزيارتي للجزائر يضاف إلى البُعد المؤسساتي السياسي والاقتصادي". وما بين العامليْن تتأرجح الزيارة؛ فهي تُشَكِّل رافعة لمستوى العلاقات الجزائرية-السنغالية، ودفعًا قويًّا للمبادرة الجديدة من أجل التنمية في إفريقيا "النيباد" (NEPAD)، التي أوشك البلدان على نسيان مجهوديهما من أجل إخراجها للقارة، بعدما كانت "النيباد" قد تولدت من اندماج مبادرة المشاركة الألفية من أجل تنمية إفريقيا (ماب)، التي تزعمتها الجزائر إلى جانب مصر وجنوب إفريقيا ونيجيريا عام 2000، والخطة السنغالية الجديدة لحل مشاكل القارة الإفريقية (أوميجا) التي اعتمدها رؤساء الحكومات الإفريقية في قمة لوساكا؛ التي انعقدت خلال الفترة من 9 إلى 11 من يوليو/تموز 2001، واعتُبِرَتْ فيما بعد نقطة تحول في تاريخ العمل الإفريقي المشترك.

الأدوار الاقتصادية والاستثمارية للطرق الصوفية في السنغال

لا تنحصر الأدوار المنوطة بالطرق الصوفية في السنغال على ترسيخ البعد الرباني في نفوس الأتباع من المؤمنين؛ كما تناول ذلك المتدخلون في ملتقى دكار 2007، ولا في تشييد جسور الألفة بين الحياة الروحية للسنغاليين والغايات السياسية لقادتهم؛ لكن الطرق الصوفية قد تضفي على أنشطتها الدينية طابعًا اقتصاديًّا وتجاريًّا أيضًا، وفي هذا الصدد يتوافد نحو 3.5 مليون مؤمن من كل أنحاء السنغال وأوروبا والأميركتين ليلة الأول من يناير/كانون الثاني من كل عام إلى مدينة "طوبا" المقدسة، لإحياء ذكرى مؤسس الطريقة المريدية الشيخ أحمدو بمبا مبكي من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية، ويمثل التضامن الاجتماعي الأساس الذي يرتكز عليه الموسم السنوي "ماكال طوبا"، الذي يؤمَّل منه أن يُشَكِّل فرصة لجلب الملايين من العملات الأجنبية الصعبة إلى خزينة الدولة السنغالية، كما يحرص الخليفة العام للطريقة على أن تُجَسِّد التظاهرة مظاهر حسن الضيافة لبلد "التيرانغا" (تعني حسن الضيافة باللغة الولفية السائدة في السنغال)، ويذهب كثير من الباحثين في السنغال -مثل: بكاري أمباي، أستاذ وباحث في قسم اللغة العربية في جامعة أنتا جوب- إلى أن التنافس بين الزعامات الروحية على الأمور المادية يهدد بانهيار الصورة الوردية التي يحملها لهم الأتباع.(6)

ومهما يكن فإن ظاهرة تنامي الثقل الاقتصادي للمريدين في السنغال مستمرة وفي اطِّراد، كما تزداد الامتيازات التي يحتكرها أتباع هذه الطائفة، وتعود مظاهر كل ذلك إلى طبيعة مشاريع التنمية الاجتماعية والزراعية والاجتماعية التي يضطلع بها المريدون في السنغال، ويعيش نحو 58% من السنغاليين في مناطق ريفية؛ حيث يعملون في صيد الأسماك وزراعة الفول السوداني، وهي مشاريع تتزاحم الطبقات الميسورة من أبناء الطرق الصوفية على الاستثمار فيها، وسجلت الإحصائيات الاقتصادية الحكومية ارتفاعًا كبيرًا في الإنتاج الزراعي من هذه الأصناف؛ التي يطلق عليها محليًّا تسمية "الاقتصاد غير المقنَّن" داخل المناطق الريفية التي يسيطر عليها أتباع المريدية خاصة، وفوق ذلك فإن نسبة الأنشطة الاقتصادية في مدينة طوبا المقدَّسة وحدها تفوق نسبة الـ60% من مجمل الاقتصاد السنغالي، وتحوَّلت طوبا من قرية تبعد عن العاصمة دكار بـ194 كيلو مترًا إلى ثاني المدن السنغالية أهمية.(7)

خاتمة

الصوفية في السنغال ملاذ سميك للمؤمنين؛ ولكنها كذلك حرز قوي يعلِّقه كلُّ قاصدٍ بابَ الإمارة أو السلطة، ويرى متابعون للشأن السنغالي أن هذا الدور بات مهدَّدًا بالتراجع بعد اجتياح المجتمعات المسلمة في دول غرب إفريقيا، من لدن موجة الإسلام السياسي والحركات الجهادية؛ فهل يمكن أن تشكِّل هذه الحالة تهديدًا -في المستقبل المنظور- للإسلام الصوفي في السنغال ولأدوارها السياسية في المنطقة؟

وما لم تتخذ الحكومة السنغالية تدابير عاجلة للحد من الفوارق الهائلة بين الأسر الصوفية "النبيلة" والمترفة وبين الأتباع من الجماهير التي يغلب على أوضاعهم شبح العوز والفاقة، فإن ممارسة الاستتباع ستكون كفيلة بالإجهاز على الخيارات المتاحة حتى الآن أمام المواطنين ممن يسكنون أكواخ الطين أو القش.

___________________________________________
* عبيد إميجن: باحث موريتاني مهتم بالشؤون الإفريقية.

الهوامش والمراجع

(1) انظر موقع المعرفة حيث معلومات شاملة عن السنغال في المرجع التالي:
http://www.marefa.org/index.php/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%84#.D8.A7.D9.84.D8.B3.D9.8A.D8.A7.D8.B3.D8.A9

(2) انظر موقع الوكالة الإفريقية:
http://apanews.net/news/fr/article.php?id=810324

(3) أفردت صحيفة (والفجر) السنغالية حيزًا معتبرًا من صفحاتها الداخلية للحديث حول سؤال: لماذا "طوبا لا تبارك زيارة عبد الله واد؟".

(4) Je vais détruire Macky et sa famille…Il veut me détruire avec ma famille. Nous allons vers une période d'affrontements. Je vais en guerre contre lui, que le meilleur gagne»

(5) يمكننا مراجعة موقع الخبر الجزائري: http://www.elkhabar.com/ar/

(6) انظر موقع: بوابة إفريقيا الإخبارية، في الرابط التالي:

http://www.afrigatenews.net/content/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%84-%D8%AD%D8%B5%D9%86-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81-%D9%88%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A

(7) انظر: مساهمة المريدية في المجال الاجتماعي والاقتصادي:
http://www.cavasenegal.com/alazhartb/files/magal2013frum2.pdf

تعليقات

 

نرشح لكم

تحاول هذه الورقة رصد الأداء الاقتصادي الصوفي بغرب إفريقيا عمومًا وبالسنغال بشكل خاص ومدى تأثيره على سياسة الحكومات بالمنطقة، وكيف يلعب دور المكمل في علاقته بالدولة، دون أن يشكِّل ورقة ضغط، حيث ظل في حدود لا يتجاوزها مقابل أدوار أخرى ذات أهمية للسلطات السياسية.

2018/10/12

يُقدِّم التقرير قراءة لنتائج الانتخابات التشريعية والجهوية والبلدية التي عرفتها موريتانيا مؤخرًا ويربطها بالسياق الموسوم بالتجاذبات الحادة بين أغلبية بدأت في التحضير مبكرًا، فيما يبدو، لرئاسيات 2019 وبين معارضة متعددة الأطراف وغير متجانسة الطرق ولا متفقة في الرؤى.

2018/10/04

تتناول هذه الورقة الانعطافة التي يقوم بها حزب الله في الساحة اللبنانية، وذلك بالانخراط في الدولة لاستعادة ثقة جمهوره وللتعامل مع العقوبات التي تُفرض عليه أو على إيران. وتراجع العقوبات والتحديات التي تواجهه على هذا الصعيد.

2018/10/01