السودان وجدلية العسكري والمدني: فرص وتحديات الانتقال - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

السودان وجدلية العسكري والمدني: فرص وتحديات الانتقال

الثلاثاء, 23 أبريل, 2019 09:55 GMT

هل سيحتفظ الحراك السوداني ذو الزخم الشعبي الكبير بشرعية الشارع التي نجحت في فرض إرادتها على المؤسسة العسكرية؟ (الأناضول)

وحده حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان كان يبدو مطمئنًّا إلى خلوده في السلطة على الرغم من عنفوان الحراك الشعبي الذي استمر لمئة وثلاثة عشر يومًا، في أطول ماراثون احتجاجي عرفته البلاد قاده الجيل الجديد من الشباب الذي وُلد في ظل نظام حكمه الطويل حتى بات يمثل ثلثي سكان البلاد. وللمفارقة، كان عنف السلطات المفرط لقمع الاحتجاجات هو الطريق نفسه الذي قاد إلى سقوط النظام عندما تبين لقادة الأجهزة الأمنية عدم جدوى سفك المزيد من الدماء مع صلابة إرادة الثوار الشباب من الجنسين الذين لم يهزهم تقديم أكثر من خمسين شهيدًا والزج بالآلاف في المعتقلات والتعرض لشتى ألوان التعذيب والانتهاكات.

المشهد الأخير في حكم البشير
كان مشهد الساعات الأخيرة لحكم الرئيس، عمر البشير، حافلًا بالمفارقات، فقد ظهر رئيس الحزب الحاكم المفوَّض، أحمد هارون، في برنامج تليفزيوني على الهواء قبيل ساعات من الإطاحة بالنظام لينفي بثقة إمكانية حدوث تغيير على نمط ثورتي أكتوبر/تشرين الأول 1964، وأبريل/نيسان 1985 اللتين أطاحتا بالنظامين العسكريين السابقين، معتبرًا أن معطيات ذلك "غير متيسرة، ولأن متغيرات حدثت تجعل سياقات ما حدث في الثورتين السابقتين مختلفة تمامًا"(1). لم تمض سوى أقل من خمس ساعات على هذا الحديث حتى كذَّب الواقع توقعات زعيم الحزب الحاكم؛ فقد حدث التغيير بالفعل وبالطريقة النمطية ذاتها، وسقط النظام تحت ضغط الحراك الشعبي بإعلان المنظومة الأمنية للنظام انحيازها للشارع في فجر الحادي عشر من أبريل/نيسان 2019، أما المفاجأة الوحيدة فهي أن قرار إنهاء النظام اتخذته منظومته الأمنية نفسها التي استخدمها لقمع الاحتجاجات المطالبة بالتغيير.

نقطة التحول: الجيش ثائرًا لا محايدًا
كان يوم السادس من أبريل/نيسان 2019 نقطة التحول في مسار الاحتجاجات المستمرة منذ نهاية العام الماضي، حين قرر المحتجون أن يتخذوا من الذكرى الرابعة والثلاثين للانتفاضة الشعبية التي أسقطت نظام نميري العسكري عام 1985، موعدًا للاحتشاد أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، في إشارة تهدف للضغط على الجيش للانحياز للثورة، وألهم حجم الحشود الضخمة على نحو غير مسبوق الذي شارك في هذه التظاهرة الاحتجاجية قيادة الحراك على تحويله لاعتصام في عين المكان بكل رمزيته حتى تحقيق هدف إسقاط النظام.

وزاد من قوة تأثير الاعتصام مسارعة أعداد مقدرة من ضباط الجيش لاسيما من الرتب الوسيطة والأدنى إلى حماية المعتصمين من محاولات الأجهزة الأمنية فض الاعتصام بالقوة إلى درجة استخدام القوة المسلحة لصدها، وبات الوضع منذرًا بتفكك تماسك القوات المسلحة بفعل عصيان الأوامر والضغوط التي شكَّلها الضباط المنحازون لـ"الثوار" على قيادتهم. فاقم من تعقيدات الوضع إصرار البشير وقيادات الحزب الحاكم على ضرورة فكِّ الاعتصام بالقوة، بينما كان يعدون لمسيرة مضادة، وكان هذا سببًا مباشرًا لفقدان البشير السيطرة على قادة أجهزته الأمنية والعسكرية(2)، فقد كانت تقديرات قيادات هذه الأجهزة أن فض الاعتصام بالقوة سيكون دمويًّا وبكلفة عالية في الأرواح، واستقر قرار اللجنة الأمنية العليا التي تضم قادة الجيش والشرطة والأمن وقوات الدعم السريع على عدم الاستجابة لأوامر البشير، وكان الحل الوحيد باتفاقهم هو عزله وتنصيب مجلس عسكري بقيادة نائبه الأول ووزير الدفاع، الفريق عوض بن عوف.

صحا السودانيون في فجر الحادي عشر من أبريل/نيسان 2019 على ترديد الإذاعة الرسمية الأغاني العسكرية معلنة عن بيان وشيك للقوات المسلحة، وحينها أيقن الجميع أن حقبة البشير قد طويت حتى قبل إذاعة نص البيان، وتدفق ملايين السودانيين إلى الشوارع تعبيرًا عن الابتهاج بحدوث التغيير حتى قبل أن يعرفوا من القادم، ولكن ما إن أطلَّ وزير الدفاع، عوض بن عوف، ليقرأ البيان الذي انتظروه لتسع ساعات حتى انقلبت الفرحة في الوجوه إلى وجوم(3).

ثورة داخل الثورة
ظنَّ الشارع السوداني، بادئ الأمر، أن تغييرًا حقيقيًّا طوى صفحة نظام "الإنقاذ" قد أُنجز وأن شعارهم المرفوع "تسقط بس" قد تحقق في الواقع، ولكن هاهم رجال اللجنة الأمنية العليا نفسها التي تولت قمع "الثوار" يطلون بوجه جديد كبديل للنظام الذي ظلوا يخدمونه حتى قبل ساعات، لتنقلب مظاهر الفرح العارمة إلى وقود لثورة ثانية رفعت هذه المرة شعار "تسقط تاني" ضد قادة التحرك العسكري، وزاد من الضغوط عليهم اتساع دائرة الاعتراضات داخل المؤسسة العسكرية، لاسيما من الضباط المساندين للحراك، على قادة المجلس العسكري الجديد من رموز حقبة البشير، ولم يجد رئيسه، ابن عوف، ونائبه رئيس الأركان، كمال معروف، ومدير جهاز الأمن، صلاح قوش، بدًّا من الاستقالة، وتسليم القيادة للفريق أول، عبد الفتاح البرهان، الرجل الثالث في هرم قيادة الجيش.

بروز اسم جديد لقيادة المجلس العسكري من شخصية خارج رموز النظام السابق، فضلًا عن إحساس الشارع بامتلاكه للقوة والشرعية التي فرضت على المؤسسة العسكرية الاستجابة لمطالبه، والمقبولية التي تتمتع بها شخصية البرهان في المؤسسة العسكرية مهدت الطريق أمام قبول مشوب بالحذر في الشارع بالمجلس العسكري، ومع إعلانه جملة وعود وقرارات ضد رموز ومؤسسات النظام السابق، بدأت تتسع دائرة القبول به باعتباره تحركًا عسكريًّا انحاز للثورة الشعبي، وليس مجرد "انقلاب قصر".

ومع مرور بضعة أيام بدا أن المجلس العسكري الانتقالي آخذ في تقوية مركزه، وتعزيز سلطته كمرجعية لحقبة ما بعد البشير، خاصة بعد حصوله على اعتراف وتأييد دولي وإقليمي واسع وتلقيه عروضًا عديدة بالمساعدات الاقتصادية العاجلة من بعض دول الإقليم، غير أنه لا يزال أمامه طريق طويل للحصول على شرعية شعبية شاملة في ظل تباين واختلافات واسعة بين القوى السياسية حول وجوده ودوره؛ فالحزب الشيوعي وتحالف قوى الإجماع الوطني المعارض يرفضون ابتداء أي دور للمجلس العسكري في إدارة الفترة الانتقالية، ويطالبون بتشكيل مجلس سيادة وحكومة مدنية لإدارة البلاد لفترة انتقالية مدتها أربع سنوات، فيما تدعو بعض قوى تحالف نداء السودان المعارض، لاسيما حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، والمؤتمر السوداني بقيادة عمر الدقير إلى تشكيل مجلس انتقالي مختلط من عسكريين ومدنيين، فيما يطالب تجمع المهنيين الذي قاد الحراك الثوري في الأشهر الأربعة الماضية إلى مواصلة الاعتصام لحين تسليم المجلس العسكري السلطة لتحالف قوى الحرية والتغيير الذي يضم إلى جانبه أحزاب معارضة من تحالفي الإجماع ونداء السودان(4).

جدلية العسكري والمدني
ظل الجدل محتدمًا حول علاقة المدني بالعسكري في مرحلة ما بعد انتصار الثورة وسط القوى السياسية المختلفة؛ فظل التساؤل مطروحًا حول حدود الدور الذي يجب أن تتقيد به المؤسسة العسكرية وما تراه هي عن مهمتها وحدود مسؤوليتها، والذي يشكِّل لُبَّ الصرع الراهن في الفضاء السياسي السوداني، والذي ستحدد دينامياته وتوازنات القوى بين أطرافه مستقبل الأوضاع في البلاد في الفترة المقبلة، وهي قضية بالغة التعقيد لم تبدأ في أعقاب الثورة السودانية الراهنة بل ظلت مطروحة ومحل جدل مستمر على مدار العقود الستة الماضية، وهي ليست نزاعًا بين طرفي نقيض كما يبدو ظاهرها، بل تتداخل فيها عوامل شتى وممارسات متشابكة تجعل الفرز على أساس مدني مقابل عسكري غير قابل للتطبيق في الواقع الأمر؛ فدخول الجيش السوداني في ساحة السياسة لم يحدث من فراغ.

قد تختلف بعض التفاصيل، إلا أن سقوط نظام "الإنقاذ" الذي أسسته الحركة الإسلامية السودانية بانقلاب عسكري في العام 1989 وقاده الرئيس المعزول عمر البشير لثلاثة عقود، يعيد للمرة الثالثة السيناريو نفسه الذي أسقطت به ثورتان شعبيتان نظامين عسكريين سابقين في العام 1964، وفي العام 1985، ويتكرر في المرات الثلاث نسق الأحداث والوقائع ذاتها: تحريض من قوة سياسية مدنية للجيش للانقلاب على نظام منتخب كما حدث في انقلاب الجنرال إبراهيم عبود في 1958، وانقلاب العقيد جعفر نميري في 1969، وانقلاب عمر البشير في 1989، ثم تعقبها بعد فترة تطول أو تقصر انتفاضة شعبية للإطاحة بالأنظمة الشمولية. بيد أن المفارقة أن القدرة على التخلص من حكم العسكر الذي تمهده قوة مدنية لا يتحقق في نهاية المطاف للثورات الشعبية إلا بمساعدة العسكر أنفسهم، ثم لا يلبث العسكر أن يعودوا للانقلاب على النظام الديمقراطي قصير العمر بدعوة من حزب سياسي. وهذه الحالة يجري وصفها في أدبيات السياسة السودانية بـ"الدورة الخبيثة" في إشارة إلى التعاقب المتواتر بين أنظمة مدنية لا يتعدى عمرها خمس سنوات وأنظمة عسكرية شمولية متطاولة العمر، ومن بين سني السودان المستقل الثلاثة والستين، دامت هيمنة الأنظمة العسكرية على السلطة لاثنتين وخمسين سنة منها، لتؤكد أن دور الجيش المتعاظم بمساعدة القوى المدنية يشكل داء السياسة السودانية المزمن، والمفارقة أنه كذلك دواؤها المر، فيما يبقى الشفاء منه في حكم المستحيل في ظل بقاء معطيات النظام السياسي السوداني القديم على ما هي عليه.

وبدون معرفة معطيات وجدلية العلاقة بين العسكري والمدني في السياسة السودانية في العقود السبعة الماضية يجعل من العسير فهم ديناميات ومحددات الصراع على السلطة في السودان وكيفية تشكيل طبيعة وخارطة النظام السياسي في البلاد؛ فالأمر هنا لا يتعلق بمجرد سرد وقائع تاريخية، لكنه تفكيك لابد منه لإثبات حقيقة "الاعتماد المتبادل" بين العسكري والمدني في تشكيل قواعد اللعبة السياسية، فالانقلاب العسكري الأول في السودان، الذي حدث في 17 نوفمبر/تشرين الأول 1958، الذي دشن دخول الجيش معترك السياسة والسلطة، بعد أقل من ثلاث سنوات من حصول البلاد على استقلالها، كان في واقع الأمر عملية تسليم وتسلم بين رئيس الوزراء المنتخب آنذاك، عبد الله خليل، والفريق إبراهيم عبود.

فقد رأى خليل، وهو عسكري متقاعد برتيه أميرال، أن تدخلًا مصريًّا على وشك الحدوث يهدف لإسقاط حكومته الائتلافية لصالح أحزاب موالية للقاهرة فآثر قطع الطريق عليها باستدعاء الجيش لاستلام السلطة، ليسجل بذلك سابقة دخول الجيش السوداني للسياسة بدعوة من حزب مدني، فقد كان خليل أيضًا سكرتيرًا عامًّا لحزب الأمة، المستنِد على طائفة الأنصار، ويدفع حزب الأمة عن نفسه التهمة بأن الرجل الثاني في الحزب فعل ذلك بصفته الشخصية وليس بقرار حزبي، غير أن الشاهد في الأمر أن الزعيمين الدينيين، السيد عبد الرحمن المهدي، زعيم طائفة الأنصار وراعي حزب الأمة، والسيد علي الميرغني، زعيم طائفة الختمية، سارعا إلى إصدار بيانيين يؤيدان الانقلاب باعتباره "الثورة المباركة". ولم يلبث قادة الحكم العسكري أن انقلبوا على مهندسي الانقلاب وزُجَّ بالجميع في السجون ليؤسَّس أول نظام شمولي في البلاد(5).

الدورة الخبيثة وإعادة إنتاج الشموليات
لم تمض ست سنوات على النظام العسكري الأول حتى هب السودانيون في ثورة شعبية أطاحت، في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964، بنظام عبود، ولكن ذلك تحقق بمساعدة من ضباط في القوات المسلحة كان يضمهم تنظيم "الضباط الأحرار" الذي أسهموا في الضغط على قادة النظام من كبار الجنرالات حتى أجبروهم على التنازل عن السلطة لحكومة مدنية، وفي سيناريو مشابه تمامًا لما يحدث اليوم في السودان قامت ثورة أخرى داخل الثورة فيما يُعرف بـ"ليلة المتاريس" لتجبر الفريق عبود على التنحي عن الرئاسة بعد أسبوع من سقوط نظامه(6).

أعقب ذلك فترة انتقالية لأقل من سنة كانت شديدة الاضطراب بفعل الصراع بين المكونات السياسية المختلفة للسيطرة على قرار حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية، وتم تسليم السلطة لحكومة ائتلافية بعد انتخابات عامة في العام 1965، وانتخابات أُخرى أجريت في العام 1968، وبعد سلسلة من حكومات ائتلافية متعاقبة، وفي ظل صراعات وانقسامات حزبية وبنية سياسية هشة لنظام ديمقراطي، بادر تحالف قوى يسارية، ضم مدنيين وعسكريين منتمين للحزب الشيوعي والقوميين العرب وآخرين، إلى تمهيد التدخل الثاني للجيش السوداني في لعبة السلطة بتنفيذ انقلاب، في 25 مايو/أيار 1969، بقيادة العقيد جعفر نميري، بعد خمس سنوات فقط من ثورة أكتوبر/تشرين الأول حيث لم تفلح بكل ألقها ومكانتها في نفوس السودانيين من منع قوى حزبية مدنية أخرى من استدعاء الجيش إلى حلبة السياسة.

وكما في سيناريو الانقلاب الأول، نجح نميري في إبعاد شركائه الشيوعيين والقوميين من السلطة، منفردًا بها متقلبًا في تحالفاته، ويتكرر سيناريو الثورة الشعبية مرة أخرى في 6 أبريل/نيسان 1985، ولم تحقق الانتفاضة هدفها في الإطاحة بالنظام إلا بعد انحياز الجيش لها بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، الذي أدار فترة انتقالية لمدة عام سلَّم السلطة بعدها لحكومة منتخبة، ومرة أخرى لم يستطع الحكم المدني التعددي الصمود لأكثر من ثلاث سنوات فقط، وسط صراعات مريرة بين القوى السياسية وانقسامات وعجز عن تجذير الحكم الديمقراطي، لتدخل حلبة الانقلابات العسكرية هذه المرة الحركة الإسلامية السودانية التي لم يكبحها صعود نجمها الشعبي كونها القوة النيابية الثالثة من أن تخوض مغامرة عسكرية نفذت بها الانقلاب الثالث في 30 يونيو/حزيران 1989 بقيادة العميد عمر البشير، لتكتمل بذلك دورة تورط القوى السياسية المدنية المختلفة، يمينًا ووسطًا ويسارًا، في استدعاء الجيش إلى ساحة السلطة وتوظيفه لخدمة أجندتها، ولكن تبين لها جميعًا في خاتمة المطاف أنها دفعت ثمنًا غاليًا لسوء تقدير حساباتها السياسية فقد راحت جميعها ضحية لمغامراتها العسكرية، فضلًا عن أيًّا منها لم يتعلم من تجارب من سبقه(7).

ثم إن عدم التوافق السياسي على إدارة المرحلة الانتقالية في أعقاب الانتفاضات الشعبية عقب إسقاط الأنظمة العسكرية في ظل الصراعات الأيديولوجية ظل يحرم الثوار طلاب التغيير الحقيقي من جني ثمار تضحياتهم بسبب تسابق القوى السياسية على خدمة أجندتها الضيقة على حساب الأجندة الوطنية الأكبر لوضع أسس لنظام ديمقراطي قادر على الصمود والتطور. ولذلك تأتي فترات الحكم المدني قصيرة العمر ضعيفة مضطربة مفتقدة للتأسيس الديمقراطي المؤسسي السليم للحكم الراشد، ولذلك سرعان ما تبادر قوة مدنية إلى استدعاء الجيش لحسم صراعها مع خصومها السياسيين، لتحرم البلاد من الصبر على الديمقراطية واستدامتها.

سيناريوهات فترة الانتقال الثالثة
هناك أربعة سيناريوهات يمكن أن نفهم من خلالها ما قد يجري في السودان:

1. نجاح القوى السياسية في الاعتبار من تجارب الانتقال السابقة بالعمل على الاستفادة من الفرصة المتاحة خلال الفترة الانتقالية المحدودة لتأسيس حكم مدني تقوده كفاءات تشرع في معالجة الاختلالات الهيكلية في نظام الحكم وتضع لبنات تحول ديمقراطي مستدام.

2. في حالة تجاهل القوى السياسية الاستجابة لضرورة التوافق على مشتركات وطنية والاستعداد لدفع استحقاقات الانتقال اللازمة من نظام شمولي، والصبر على متطلبات التحول الديمقراطي، سيقود تشتتها وتنافسها على المغانم الصغيرة إلى إعادة إنتاج قصور فترات السابقة مما يعني فعليًّا تمهيد الطريق للعودة إلى نظام شمولي خلال فترة وجيزة.

 3. سيتحدد دور الجيش في فترة الانتقال بعد الثورة السودانية الثالثة، التي تميزت بزخم شعبي غير مسبوق، على نجاح الثوار في الاحتفاظ بشرعية الشارع التي نجحت في فرض إرادتها على المؤسسة العسكرية، وهو ما يتطلب بالضرورة الحفاظ على وحدة القوى السياسية والشعبية المطالبة بالتغيير حتى تحقيق شعاراته على أرض الواقع.

 4. في حالة عدم محافظة قوى الثورة على وحدتها وإرادتها المشتركة، مع ازدياد حدة التنافس بين المكونات السياسية، قد تجد المؤسسة العسكرية نفسها في حل من الوفاء بتعهدها بالاقتصار على لعب دور سيادي خلال الفترة الانتقالية التي حددتها بعامين، وستفيد من تراجع الزخم الثوري في إطالة بقائها في سدة الحكم بدواعي ضرورات الحفاظ على المصالح الوطنية.

________________________________________________________

* خالد التجاني النور: خبير في الشؤون السياسية السودانية.

مراجع

(1) انظر: حوار تليفزيوني لرئيس المؤتمر الوطني المفوض، مولانا أحمد هارون، موقع مركز كمون الإعلامي، 17 مارس/آذار 2019، تم التصفح في 14 أبريل/نيسان 2019:

http://www.common.sd/?p=11615

(2) انظر: الجيش السوداني يحمي المعتصمين، موقع الجزيرة مباشر، 8 أبريل/نيسان 2019، تم التصفح في 16 أبريل/نيسان 2019:

https://bit.ly/2IJjBCB

(3) مظاهرات السودان: عوض بن عوف "استمرار لنظام البشير"، موقع بي بي سي، 2 أبريل/نيسان 2019، تم التصفح في 15 أبريل/نيسان 2019:

http://www.bbc.com/arabic/inthepress-47909373

(4) انظر: جتمع المهنيين يؤكد مواصلة الاعتصام وتسليم السلطة لمجلس انتقالي مدني، موقع الشارع السوداني، 14 أبريل/نيسان 2019، تم التصفح بتاريخ 16 أبريل/نيسان 2019:

http://sharisudani.com/1806 /

(5) د. محمد عبد الرحمن عريف: عن بدايات الانقلابات العسكرية السودانية.. إبراهيم عبود 1958، موقع رأي اليوم، 2 أغسطس/آب 2018، تم التصفح في 15 أبريل/نيسان 2019:

https://bit.ly/2Gy3GWj

(6) انظر: حسن الجزولي: ليلة المتاريس، موقع سودارس، 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تم التصفح في 14 أبريل/نيسان 2019:

https://www.sudaress.com/sudanile/102582

(7) انظر: د. حسن الحاج علي أحمد، الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة في السودان، مجلة سياسات عربية العدد 52 السنة 2017، تم التصفح في 16 أبريل/نيسان 2019:

https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar/issue024/Documents/Siyassat24-2017_ElhajAli.pdf

تعليقات

 

نرشح لكم

تقدم الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الرابع من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، تحاول تفسير علاقة التناقض بين التحديث الاجتماعي والاستقرار السياسي في الجزائر، وتستقصي فرضية مؤداها أن التحديث لا يسهم دائمًا في تعزيز الاستقرار السياسي واستدامته.

2019/11/28

تتناول الورقة محددات وتداعيات سياسة الاغتيالات الإسرائيلية في غزة، واستراتيجية القوى الفلسطينية في الرد عليها، لاسيما بعد التصعيد الأخير الذي أعقب اغتيال إسرائيل لأحد قيادات حركة الجهاد الإسلامي، وترصد قدرة إسرائيل على الاستمرار في هذه السياسة.

2019/11/20

تقدم الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الرابع من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، تبحث سؤالًا إشكاليًّا عن كيفية تشكُّل الجيوبوليتيك الشيعي اليوم، وهل هو ضرورة استراتيجية-دينية لإيران، أم حالة براغماتية لتوظيف المجتمعات الشيعية في خدمة أهدفها وسياساتها.

2019/12/05