إغلاق نيجيريا لحدودها مع الجيران وتداعياته الإقليمية والقارية - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

إغلاق نيجيريا لحدودها مع الجيران وتداعياته الإقليمية والقارية

أزمة إغلاق الحدود بين نيجيريا وجيرانها لها تأثيراتها الاقتصادية وتداعياتها الإقليمية والقارية، وتأتي بعد إغلاق أبوجا حدودها مع جيرنها وجعل جميع عمليات الاستيراد مراقبة وهو ما قد يعني خسارة نيجيريا زباءَنها ومكانة أسواقها، بل واحترام الأفارقة الذين ينتظرون منها أن تؤدّي دور "الأخ الكبير".

الخميس, 07 نوفمبر, 2019 13:55 GMT

تدعم نيجيريا البنزين ويباع بسعر رخيص لذلك يتم تهريبه إلى بنين ليتم بيعه هناك (الفرنسية)

يؤشر تقسيم الدول الإفريقية، وترسيم حدودها من قبل القوى الاستعمارية بين عامي 1881 و1914 إلى حقيقة أن الإمبريالية الجديدة غير مهتمة بالجغرافيا والتكوين العرقي في إفريقيا بقدر ما هي مهتمة بالثروات والموارد. وقد أدى هذا التقسيم إلى شلِّ الحركات الاجتماعية والاقتصادية التي تُمارَس دون قيود دائمة وحدودية مصطنعة، وتفريق المجتمعات والشعوب ذوات الهويات الواحدة إلى مجموعات متعددة وجدت نفسها بهذه الحدود في بلدان مختلفة. 

وقد شكَّلت هذه الحدود الدائمة صدمة لأمم اعتادت العيش مع بني أخواتها والتعايش مع جيرانها؛ ففي غرب إفريقيا -مثلًا- فُصلت اليوروبا النيجيرية عن اليوروبا في بنين ومناطق أخرى بالمنطقة(1). وفي شرق إفريقيا، وجد الصوماليون أنفسهم(2) بين الصومال الفرنسي (جزء من جيبوتي)، والصومال البريطاني (أرض الصومال)، والصومال الإيطالي (جزء من جمهورية الصومال الفيدرالية)، والصومال الإثيوبي (منطقة الصومال في إثيوبيا)، والصومال الكيني (شمال كينيا).

على أن الحكومات الإفريقية بعد الاستقلال فضَّلت الحفاظ على هذه الحدود في وضعها الراهن، وارتضتها كواقعها الجديد، وبالتالي تحاول بناء الهويات الوطنية عليها(3)، حتى وإن كانت المجموعات العرقية التي تقطن جانبي الحدود المقسمة ترتبط مع بعضها البعض. ففي عام 2002، أثناء محاولات تسوية النزاع الحدودي بين نيجيريا والكاميرون حول ملكية شبه جزيرة "باكاسي" الغنية بالنفط، لم تذكر كل من نيجيريا أو الكاميرون دلائل ثقافية قديمة أو تفضيلات سكان الجزيرة وانتماءهم لتبرير ملكيتها؛ فغاية ما قامت به الدولتان أن أشارت كل واحدة منهما إلى مجموعة من الأوراق الاستعمارية والأعمال الإمبريالية الأوروبية في رفع قضيتها أمام محكمة العدل الدولية(4).

وعلى الرغم من جهود المنظمات الإقليمية والتكتل الإفريقي للتكامل ولإلغاء بعض القيود المفروضة عبر هذه الحدود(5)، إلا أن بعض الحكومات لا ترى حرجًا في إغلاق أبوابها في وجه جيرانها تارة بسبب مكاسب سياسية ومخاوف صحية أو للحد من تدفق الجيران الموصوفين بـ"المهاجرين" أو "الأجانب"، وتارة أخرى بسبب تقليل تدفق المنتجات الأجنبية والقضاء على تهريب البضائع التي تهدد أمن وسلامة هذه البلدان.

ففي شهر أبريل/نيسان 2019، أغلقت إريتريا جميع حدودها مع إثيوبيا(6)، رغم اتفاقية السلام التي أبرمها البلدان عام 2018، وأغلقت كينيا، في يونيو/حزيران، حدودها مع الصومال وألغت الأنشطة التجارية العابرة للحدود. وفي أغسطس/آب الماضي، اتفقت أوغندا ورواندا على فتح حدودهما التي أُغلقت في فبراير/شباط 2019 وأعلنتا عودة العلاقات بينهما، بينما تسعى غينيا الاستوائية إلى بناء جدار على طول حدودها مع الكاميرون، وهي خطة رفضتها الأخيرة(7).

أما نيجيريا الأنجلوفونية المحاطة بالدول الناطقة بالفرنسية، جمهورية بنين في الغرب، تشاد والكاميرون في الشرق (توجد مناطق أنجلوفونية في الكاميرون أيضًا)، والنيجر في الشمال؛ فقد أكدت في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2019، أخبار إغلاق حدودها البرية إلى أجل غير مسمى ومنعتْ حركة كل البضائع من دول الجوار، وذلك لكبح تهريب البضائع المحظورة والمنتجات الغذائية والأسلحة. وقد قوبلت هذه الخطوة بانتقادات قاسية من قبل دول الجوار ومسؤولي "المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا" (الإيكواس) ودعاة التكامل الإفريقي.

إغلاق نيجيريا لحدودها ومبرراتها

أشارت السجلات الرسمية في نيجيريا إلى خطورة طبيعة الأنشطة العابرة لحدود نيجيريا مع جيرانها والتي دائمًا ما تثير أزمات دبلوماسية بين نيجيريا وهذه البلدان منذ الاستقلال، عام 1960. وكانت المرة الأخيرة التي أغلقت نيجيريا حدودها في ثمانينات القرن الماضي(8)، واستمر الإغلاق لمدة عامين من أبريل/نيسان 1984 إلى فبراير/شباط 1986، وذلك بأمرٍ من الجنرال "محمد بخاري"، رئيس الدولة من 1983 إلى 1985 ورئيس نيجيريا الحالي من 2015، بعد وقت قصير فقط من وصوله إلى السلطة كاستجابة لأزمة انخفاض أسعار النفط وانخفاض الصادرات وارتفاع نسبة تهريب البضائع المحظورة قانونيًّا. ولم تُفتح هذه الحدود إلا بعد الإطاحة بـ "بخاري" عبر انقلاب عسكري قاده الجنرال "إبراهيم بابنغيدا".

وقد أكدت التقارير الميدانية ما أصبحت عليه الحدود النيجيرية اليوم من اختراق ومساهمتها في تهريب الحركات المسلحة للأسلحة(9)، إضافة إلى ظهور مفاجئ لجرائم أخرى عابرة للحدود؛ ففي عام 2014، كشفت سجلات دائرة الهجرة النيجيرية أنه يوجد 1400 طريق غير شرعي تؤدي إلى نيجيريا(10)، وهو رقم يفوق بكثير عدد 84 المعتمد لدى مراكز مراقبة الحدود والذي يغطي 4047 كم على طول الحدود البرية النيجيرية. 

ولم تكن حجة نيجيريا لقرار الإغلاق الحالي، الذي بدأ في أغسطس/آب 2019 لدواع أمنية فقط؛ إذ يهدف الرئيس "بخاري" إلى تنويع اقتصاد البلاد الذي تراجع في عامي 2015 و2016 بسبب الانخفاض العالمي في أسعار النفط الخام عام 2014. فوضعت إدارته خطة التعافي الاقتصادي والتنموي في عام 2017(11) بهدف تعميق الاستثمارات في الزراعة ورفع مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي من 5? في عام 2017 إلى 8.4? بحلول عام 2020، بالإضافة إلى إحياء الزراعة المحلية، خاصة زراعة الأرز، لتقليل الواردات الغذائية التي تبلغ أكثر من 22 مليار دولار سنويًّا.

وقد أولتْ خطة الحكومة النيجيرية أيًضا قطاع الصناعة أهمية بالغة، وذلك عبر دعم الشركات المحلية وإعفائها من نسبة معينة من الضرائب؛ فرأت الحكومة ضرورة إغلاق حدود البلاد بعد إحساس مسؤولي دائرة الهجرة بأن مسؤولين في بنين وتوغو والنيجر يسهِّلون عملية تهريب البضائع بطرق غير قانونية إلى نيجيريا، وأن هذه الدول تقوض جهود نيجيريا لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي وسياستها ضد تهريب الأرز لتنمية قطاع الزراعة في البلاد(12).

"جميع السلع في الوقت الحالي محظورٌ تصديرها أو استيرادها عبر حدودنا البرية، وهذا لضمان سيطرتنا الكاملة على ما يدخل البلاد"؛ هكذا قال حميد علي المراقب العام لمصلحة الجمارك النيجيرية للصحفيين في العاصمة، أبوجا، في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2019(13).

فأنشطة التهريب في الحدود النيجيرية-البنينية والحدود النيجِيْرية-النيْجَرية انتهاكٌ للقوانين والاتفاقيات الإقليمية والدولية بشأن عبور الحدود على نحو يضر بالمصالح الوطنية والأمن القومي؛ حيث تسهم في عملية التهرب الضريبي وإضعاف نسبة الإقبال على المنتجات المحلية في نيجيريا(14). بالإضافة إلى أن هناك سياسات اقتصادية للدول المجاورة(15) تُعد في وجهة نظر نيجيريا بمنزلة محاولات للتأثير غير القانوني في أسعار السلع والمعاملات الحدودية والعملة النيجيرية.

وقد تكون عملية الإغلاق أيضًا بمنزلة المعاملة بالمثل؛ فالتجار وقادة الأعمال النيجيريون يشتكون من موقف حكومة بنين تجاههم، وأن شاحناتهم المتجهة إلى بنين تُثقَل بالضرائب(16). وقد انتقد رجل الأعمال النيجيري، عليكو دانغوتي، مرارًا حظر حكومة بنين تصدير الإسمنت الذي تنتجه شركته في نيجيريا القريبة إلى جمهورية بنين بـ28 كيلومترًا فقط، بينما فضَّلت هذه الحكومة نفسها استيراد الإسمنت من الصين البعيدة بآلاف الكيلومترات(17).

وعلى المستوى الدولي، قد تكون للحدود المغلقة من قبل نيجيريا رمزية مهمة؛ فنيجيريا تحاول إبراز نقاط قوتها واستعادة مكانتها الإقليمية وخاصة بعد الإهانات التي تعرضت لها في السنوات الأخيرة من قبل دول إفريقية أخرى، بما فيها غانا التي تغلق منذ شهور محلات النيجيريين المقيمين فيها(18)، وجنوب إفريقيا التي طلبت فيها مجموعات معينة من التجار والمقيمين النيجيريين مغادرة البلاد(19). وقد ذكر الاقتصاديون أيضًا أن كفة عملة "eco" الموحدة، التي أعلنتها الإيكواس مؤخرًا، ستصب في صالح نيجيريا(20) نظرًا لحجم اقتصادها في الإيكواس حيث تحوي البلاد 67? من الناتج المحلي الإجمالي للمنظمة ويقدر عدد سكانها بحوالي 200 مليون نسمة، ما يعني أيضًا أن نيجيريا ستكون قوة اقتصادية وسياسية بين دول الإيكواس في حال خروج بريطانيا نهائيًّا من الاتحاد الأوروبي.

مواقف الجيران من إغلاق نيجيريا لحدودها

تباينت ردود فعل حكومات الدول المجاورة لنيجيريا على قرار إغلاق الحدود بين السكوت في بداية إعلان القرار، وتهدئة مزارعيها بتقديم التأكيدات على أن نيجيريا ستفتح الحدود قريبًا. غير أن مرور شهرين على الإغلاق وخسارة مواطنيها أصحاب المنتجات الزراعية التي تتجه عادة إلى نيجيريا قد وضع هذه الحكومات في موقف حرجٍ، وأكسب نيجيريا صفة "العملاق الذي يفعل ما يريد"(21) من قبل هذه الدول.

إن عملية إغلاق نيجيريا لحدودها أمام المنتجات البنينية والبضائع المتجهة إليها ليست مسألة سياسية في نظر حكومة جمهورية بنين بل هي أوسع من ذلك. وتكمن خطورتها في أنها حدثت في وقت تعمل الإيكواس على إطلاق عملة موحدة للمنطقة. وقد احتجت بنين بأنها حظرت استيراد الإسمنت من نيجيريا بسبب القدرة المفرطة لمصانع الإسمنت البنينية، وأنها تبذل قصارى جهدها لمكافحة التهريب خلافًا لمزاعم نيجيريا(22).

بل شَكَت حكومة بنين من أن نيجيريا بإغلاق حدودها تستغل اعتمادها عليها اقتصاديًّا(23)؛ الأمر الذي جعل الرئيس البنيني، باتريس تالون، يطمئن المتضررين في بلاده بأن المناقشات جارية مع نيجيريا لضمان إعادة فتح الحدود، وأنه سيضع خططًا لمساعدة المزارعين الذين تعفنت محاصيلهم لاختفاء مناطق الحدود من التجار والمُشترين النيجيريين الذين يستوردونها إلى بلادهم، متعهدًا بإيجاد منافذ أخرى لبيع المنتجات والمحاصيل الزراعية البنينية(24) لتقليل الاعتماد المفرط على نيجيريا.

وفي جمهورية النيجر، الدولة غير الساحلية التي تعتمد على ميناء كوتونو (في بنين) وميناء لومي (في توغو) وميناء بورت هاركورت (في نيجيريا) كطرق رئيسية للتجارة الخارجية؛ فإن التواصل مستمر بين البلدين عبر القنوات الدبلوماسية. وقد أصدرت النيجر في سبتمبر/أيلول الماضي (2019) قرارًا بحظر تصدير أي نوع من أنواع الأرز إلى نيجيريا، وهو قرار قابلته إدارة الرئيس بخاري بالترحيب(25).

أما غانا التي تتأثر أيضًا بالحدود المغلقة من قبل نيجيريا رغم أنها لا تشترك معها في أية حدود؛ فقد انتقدت قرار نيجيريا ووصفته بانتهاك لبروتوكولات ومعاهدات الإيكواس حول حرية حركة البضائع(26)، لكنها أبدتْ استعدادها للنظر في مخاوف النيجيريين حول تهريب البضائع. وإذ لم تفلح كل المباحاث التي تجريها الحكومة الغانية مع نيجيريا حتى الآن، فقد حذَّر عضو في برلمان غانا زملاءه من الرد بالمثل(27)؛ وذلك لأن نيجيريا لا تستهدف غانا بإغلاق حدودها، كما أن الأضرار التي تشكو منها نيجيريا بسبب الأنشطة الحدودية جديرة بالاهتمام.

الآثار الاقتصادية لإغلاق الحدود النيجيرية

كانت نيجيريا نفسها، التي أقدمت على إغلاق حدودها منذ أكثر من ثلاثة أشهر، أولى الدول المتضررة من القرار؛ فالموقف النيجيري هو أن تهريب البضائع والمنتجات الغذائية يعيق سياسة الرئيس بخاري حول الاكتفاء الذاتي الغذائي، ولكن معاناة النسبة الكبرى من النيجيريين منذ أن توقف دخول المنتجات الزراعية والغذائية كالأرز والطماطم قد زادتْ بشكل لافت(28)؛ فإنتاج الأرز في نيجيريا لم يُوفِ بكمية الأرز المطلوبة في البلاد، والكمية المنتجة متوفرة فقط في مناطق محددة بأسعار عالية وبجودة رديئة مقارنة بالأرز الآسيوي المستورد إلى البلاد عبر دول الجوار.

وإذ تؤثر سياسة الحكومة النيجيرية بإغلاق الحدود على مهربي البضائع والمنتجات الغذائية؛ حيث أعلنت دائرة الجمارك النيجيرية، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، أنها استولت على ما قيمته 2.3 تريليون نايرا (ما يناهز 6 مليارات دولار ونصفًا) من المواد المهربة منذ إغلاق الحدود(29) وأن الإيصالات الجمركية وصلت إلى مستوى قياسي بلغ خمسة مليارات نايرا يوميًّا (حوالي 14 مليون دولار) منذ الإغلاق(30)، حيث استفاد ميناء لاغوس الصاخب بارتفاع الواردات عبر القنوات الرسمية، فإن أصحاب الأعمال الحقيقية أيضًا والتجار الذين يستوردون تجاراتهم بشكل قانوني يتأثرون بالإغلاق. فتُجار المنسوجات بشمال نيجيريا، على سبيل المثال، يشكون من خسائر وديون يتكبدونها والتي قد تصل إلى 3 تريليونات نايرا (ما يناهز 8 مليارات دولار ونصفًا) إذا استمر الإغلاق(31)

وبالنسبة لجمهورية بنين وجمهورية النيجر، فإن عواقب الإغلاق قد تكون وخيمة، نظرًا للتجارة غير الرسمية على طول الحدود (Informal cross border trade = ICBT) بين نيجيريا والبلدين ووجود ارتباط بين اقتصادات مناطق البلدين الحدودية مع نيجيريا. ففي دولة بنين التي يمثل القطاع غير الرسمي حوالي 70% من الناتج المحلي الإجمالي و90% من التوظيف، توفر التجارة في منطقة حدودها مع نيجيريا دخلًا وفرص عمل كبيرة(32). كما سَدَّ الإغلاق، عن قصد أو غير قصد، ثغرةً استغلها مواطنون من دول الجوار التي لا تملك محطات وقود كافية أو التي تعاني من غلاء إمدادات الوقود، وهي تهريب إمدادات الوقود النيجيرية، المدعومة من قبل حكومة نيجيريا لمواطنيها فقط، ليُعيدوا بيعها في بلدانهم بأسعار رخيصة(33)

وعليه، فإن إغلاق الحدود النيجيرية يعني:

أولا: حدوث أزمة البنزين بين مواطني دول الجوار الذين اعتمدوا على شراء إمدادات الوقود النيجيري المهربة.

ثانيا: فقدان العاملين في عملية تهريب هذه الإمدادات لوظائفهم، ويُقدَّر عددهم بـ 40,000 شخص في دولة بنين فقط(34).

ثالثا: ويعني بالنسبة لنيجيريا انخفاضًا في استهلاك البنزين وإمدادات الوقود، مما سيؤدي إلى وفورات في الدعم الحكومي الذي يصل 13.5 مليار نايرا (37 مليون دولار) شهريًّا و162.1 مليار نايرا سنويًّا. ويعضد هذا الأخير ما أعلنته الحكومة النيجيرية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 من أن مبيعات البنزين في البلاد تراجعت بنسبة 12.7% بعد إغلاق الحدود(35)

ومن الجدير بالذكر أن شح موارد بنين، مقارنة بنيجيريا، أجبر البلاد على أن تُنصِّب نفسها دولة عبور، فتجمع إيرادات من سلع مستوردة إليها قانونيًّا ليُعاد تصديرها إلى نيجيريا بشكل قانوني، أو بطرق غير قانونية من خلال التهريب. 

وإذ أشار بيان حكومي(36)، في بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2019، إلى أن الرئيس محمد بخاري قد مدَّد فترة إغلاق الحدود حتى 31 يناير/كانون الثاني 2020، فإن التوجه البديل للدول المجاورة أن تبحث عن مُوَرِّدين بدِيلِين لمنتجاتها الزراعية لسد الثغرات الناتجة عن الإغلاق، وذلك للاستغناء عن التجار الصغار والموردين النيجيريين الذين سيخسرون بدورهم حصتهم في السوق المحلية.

تداعيات القرار النيجيري الإقليمية والقارية

قد تكون لنيجيريا مبرراتها التي تستحق التباحث حول آليات معالجتها، ولكن طريقة نيجيريا أيضًا في حلها بإغلاق كل الحدود البرية لا تعكس الأخوة والتعاون الإقليميين بين بلدان المنطقة. وفي حين تستهدف نيجيريا مهربي البضائع والمنتجات الغذائية المحظورة على أراضيها، فإنها أيضًا تعيق أعمال مواطني دول الجوار الذين يستوردون من نيجيريا أو يصدِّرون إليها عبر القنوات المشروعة، وهذا لا يمثل أهداف الإيكواس، التي تعتبر نيجيريا عضوًا مؤسسًا فيها، وبروتوكول المنظمة الذي يكفل حرية حركة السلع بين الدول الأعضاء وحرية دخول أراضي أية دولة عضو بوثيقة سفر صالحة وشهادة صحية دولية.

وعلى مستوى القارة، فقد جاء قرار نيجيريا لإغلاق الحدود بعد ثلاثة أشهر فقط من توقيعها على "اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية"(AfCFTA) ، والتي تشترك فيها 55 دولة عضوًا بإجمالي ناتج محلي قدره 2.4 تريليون دولار ومجموع سكان يبلغ 1.2 مليار(37)، وذلك لخلق أكبر منطقة تجارة حرة في العالم لتعزيز التجارة البينية الإفريقية وزيادتها من 16% إلى 60? بحلول عام 2022. وبالتالي، فإن إغلاق الحدود بعد فترة وجيزة فقط من الاحتفال بإحراز التقدم في التجارة البينية يعتبر احتقارًا للمجهودات المشتركة وضربة قاسية لجهود التكامل القاري. 

ويعطي مِثلُ هذا القرار أيضا فكرة عن مواقف البلدان الإفريقية تجاه التكامل الاقتصادي واستعدادها لتقبل التجارة في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي ستنطلق من 1 يوليو/تموز 2020. فنيجيريا -على سبيل المثال- لم توقِّع على اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية إلا بعد سلسلة من الجولات والإقناعات من قبل الاتحاد الإفريقي وقادة الدول الإفريقية ومشاورات طويلة مع نقابات مختلفة داخل نيجيريا. وكل هذا يؤكد على أن هناك مشاكلَ أساسية تجب معالجتها كي تنجح منطقة التجارة الحرة، وأنه لا يوجد لدى بعض الدول التزامٌ سياسي قوي والترتيبات المؤسسية اللازمة لإبقاء حدود القارة البرية البالغة 107 خطوط حدود مفتوحةً.

وأخيرًا، كان الأحرى بنيجيريا أن تعالج أساس المشكلة للتهريب عبر الحدود بدلًا من معالجة أعراضها؛ فأساس المشكلة أن الحدود النيجيرية سهلة الاختراق وسيئة الإدارة، وتوجد شبكة من عصابات التهريب الأقوياء الذين يدفعون مبالغ كبيرة لمسؤولي الحدود النيجيرية الفاسدين. ومن الأكثر دبلوماسية لنيجيريا، كعضو ذي ثقلٍ في الإيكواس، أن تحاج لتبين موقفها وتقدم شكاواها ضد دول الجوار على مستوى المنظمة، وليس أن تغلق الحدود التي تعتبر شريان الحياة لأعداد كبيرة من النيجيريين الفقراء ومواطني الدول الأعضاء الذين يمارسون تجاراتهم بطرق مشروعة.

وإذ كان من المؤكد أن نيجيريا لن تفتح حدودها في وقت قريب، فمن المحتمل أن تذعن دول الجوار التي لا تملك خيارًا آخر لمطالب نيجيريا المتمثلة في وجوب مرور جميع عمليات الاستيراد المتجهة نحو نيجيريا عبر القنوات المناسبة للتوثيق السليم ودفع رسوم الموانئ والضرائب. ولكن قبل أن يتحقق ذلك، قد تكون نيجيريا خسرت زبائنها وإخوانها ومكانة أسواقها، بل واحترام الأفارقة الذين ينظرون إليها كـ"العملاق" وينتظرون منها أن تؤدي دور "الأخ الكبير".

________________________________________

*حكيم نجم الدين، كاتب نيجيري مهتم بالقضايا الإفريقية.

مراجع

(1) - Flynn, Donna K. "We are the border”: identity, exchange, and the state along the Bénin?Nigeria border." American Ethnologist, (Vol. 24, No. 2, 1997), p. 311-330.

(2) - Khayre, A. “Somalia: an overview of the historical and current situation”. Research Gate 2016, (accessed on 1 November 2019): https://www.researchgate.net/publication/301660381_Somalia_An_Overview_of_the_Historical_and_Current_Situation. 

(3) - Herbst, J. “The creation and matintenance of national boundaries in Africa”. International Organization, (Vol. 43, No. 4, 1989), p. 673-692.


(4) - Max Fisher. “The Dividing of a Continent: Africa's Separatist Problem”. The Atlantic 2012, (accessed on 2 November 2019): https://www.theatlantic.com/international/archive/2012/09/the-dividing-of-a-continent-africas-separatist-problem/262171/ 

(5) - Dick, E., & Schraven, B. “Regional Cooperation on Migration and Mobility: Insights from two African regions”. In Proceedings of the African Futures Conference (Vol. 2, No. 1, 2018), p. 102-118).

(6) - A. R Alfa Shaban. “Eritrea shuts all borders with Ethiopia – unilaterally”, Africa New 2019, (accessed on 2 November 2019): https://www.africanews.com/2019/04/23/eritrea-shuts-all-borders-with-ethiopia-unilaterally/ 

(7) – Hanah L. Johnson. “Why Are African Nations Closing Their Borders?”. October 27, 2019, (accessed on 3 November 2019): https://www.insideover.com/economy/why-are-african-nations-closing-their-borders.html 

(8) - Punch Newspaper. “Back again at draconic border closure policy”. August 29, 2019, (accessed on 3 November 2019): https://punchng.com/back-again-at-draconic-border-closure-policy/ 

(9) - Freedom C. Onuoha. “Porous Borders and Boko Haram’s Arms Smuggling Operations in Nigeria”. Aljazeera Center for Studies 2013, (accessed on 3 November 2019): http://studies.aljazeera.net/en/reports/2013/09/201398104245877469.html 

(10) - David O. Alao, Adewunmi, Tayo, Olomu Babtunde. “Nigeria Custom Service, Inter-Agency Cooperation and National Security”. IJAR 2018, (Vol. 6, No. 12, 2018), p. 1186-1194.

(11) - Federal Republic of Nigeria. “Economic Recovery & Growth Plan 2017-2020”. Ministry of Budget & National Planning 2017, (accessed on 3 November 2019): https://yourbudgit.com/wp-content/uploads/2017/03/Economic-Recovery-Growth-Plan-2017-2020.pdf 

(12) - Elisha Bala-Gbogbo. “Nigerian Leader Says Rice Smuggling on Benin Border Alarming”. Bloomberg 2019, (accessed on 3 November 2019): https://www.bloomberg.com/news/articles/2019-08-28/nigerian-leader-says-rice-smuggling-on-benin-border-alarming 

(13) - Reuters. “Nigeria's land borders closed to all goods: head of customs”. October 16, 2019, (accessed on 3 November 2019): https://www.reuters.com/article/us-nigeria-trade/nigerias-land-borders-closed-to-all-goods-head-of-customs-idUSKBN1WU2HZ 

(14) - Jadesola T. Babatola. “Challenges of Nigeria Borders and Frontier Security”. Seminar paper 2015, Ekiti state university, Ado-Ekiti Nigeria, Department of History and International Studies, (accessed on 3 November 2019): https://www.researchgate.net/publication/313860814_Challenges_of_Nigeria_Borders_and_Frontier_Security 

(15) - Stephen Golub, Ahmadou A. Mbaye & Christina Golubski. “The effects of Nigeria’s closed borders on informal trade with Benin”. Brookings 2019, (accessed on 4 November 2019): https://www.brookings.edu/blog/africa-in-focus/2019/10/29/the-effects-of-nigerias-closed-borders-on-informal-trade-with-benin/ 

(16) - Vincent Duhem. “Nigeria-Benin border closure: bully boy tactics to crush a weaker rival”. The Africa Report 2019, (accessed on 4 November 2019): https://www.theafricareport.com/17737/nigeria-benin-border-closure-bully-boy-tactics-to-crush-a-weaker-rival/ 

(17) - GhanaWeb. “I can’t enter Benin Republic with my cement – Dangote reveals”. April 8, 2019, (accessed on 4 November 2019): https://www.ghanaweb.com/GhanaHomePage/NewsArchive/I-can-t-enter-Benin-Republic-with-my-cement-Dangote-reveals-736561# 

(18) - Myjoyonline. “GUTA locks up shops owned by Nigerians again”. October 31, 2019, (accessed on 5 November 2019): https://www.myjoyonline.com/business/2019/October-31st/guta-locks-up-shops-owned-by-nigerians-again.php 

(19) - Aljazeera. “Nigerians repatriated from South Africa after attacks”. September 12, 2019, (accessed on 5 November 2019): https://www.aljazeera.com/news/2019/09/nigeria-begins-repatriate-nationals-south-africa-190911074310949.html 

(20) - Yomi Kazeem. “West Africa’s “Eco” single currency ambition has a slim chance of success”. Quartz Africa 2019, (accessed on 5 November 2019): https://qz.com/africa/1657000/will-west-africas-eco-currency-succeed/ 
(21) مصدر سابق:
Vincent Duhem (Sep 26, 2019). Nigeria-Benin border closure: bully boy tactics to crush a weaker rival.

(22) - المصدر السابق.

(23) - المصدر السابق.

(24) - David Luke & Gerald Masila. “Nigeria’s closure of Benin border chokes regional trade”. African Business 2019, (accessed on 5 November 2019): https://africanbusinessmagazine.com/region/west-africa/op-ed-nigerias-closure-of-benin-border-chokes-regional-trade/ 

(25) - Sahara Reporters. “Niger Republic Bans Rice Export To Nigeria”. September 10, 2019, (accessed on 5 November 2019): http://saharareporters.com/2019/09/10/niger-republic-bans-rice-export-nigeria 

(26) - Sahara Reporters. “Ghana Laments Nigeria's Border Closure”. November 05, 2019, (accessed on 5 November 2019): http://saharareporters.com/2019/11/05/ghana-laments-nigerias-border-closure 

(27) - GhanaWeb. “Okudzeto Ablakwa talks tough on closure of border by Nigeria”, (accessed on 5 November 2019): https://www.ghanaweb.com/GhanaHomePage/NewsArchive/Okudzeto-Ablakwa-talks-tough-on-closure-of-border-by-Nigeria-792636 

(28) - News24. “Border closure leaves rice-loving Nigerians steaming”, September 19, 2019, (accessed on 5 November 2019): https://www.news24.com/Africa/News/border-closure-leaves-rice-loving-nigerians-steaming-20190919 

(29) - Thisday Newspaper. “Nigeria: Border Closure and War Against Smuggling”, November 3, 2019, (accessed on 5 November 2019): https://www.thisdaylive.com/index.php/2019/11/03/border-closure-and-war-against-smuggling/ 

(30) - Sophie Bouillon. “Border closure has mixed impact for Nigeria's economy”, Mail & Guardian 2019, (accessed on 5 November 2019): https://mg.co.za/article/2019-10-22-00-border-closure-has-mixed-impact-for-nigerias-economy 


(31) - New Telegraph. “Border closure: We stand to lose over N3trn –Northern textile traders”. November 3, 2019, (accessed on 5 November 2019): https://www.newtelegraphng.com/2019/11/border-closure-we-stand-to-lose-over-n3trn-northern-textile-traders/ 

(32) - مصدر سابق:
Stephen Golub, Ahmadou A. Mbaye & Christina Golubski (2019). The effects of Nigeria’s closed borders on informal trade with Benin.

(33) - مصدر سابق:
Sophie Bouillon (October 22, 2019). Border closure has mixed impact for Nigeria's economy.

(34) - مصدر سابق:
Stephen Golub, Ahmadou A. Mbaye & Christina Golubski (2019). The effects of Nigeria’s closed borders on informal trade with Benin.

(35) المصدر السابق.

(36) - The Nation. “Buhari extends border closure to January 2020”. November 3, 2019, (accessed on 5 November 2019): https://thenationonlineng.net/breaking-buhari-extends-border-closure-to-january-2020/ 

(37) - Paul Okolo (July 25, 2019). Nigeria Finally Throws its Weight Behind African Continental Free Trade Area. Ipsnews, available at http://www.ipsnews.net/2019/07/nigeria-finally-throws-weight-behind-african-continental-free-trade-area/ 

تعليقات

 

نرشح لكم

تتناول الورقة محددات وتداعيات سياسة الاغتيالات الإسرائيلية في غزة، واستراتيجية القوى الفلسطينية في الرد عليها، لاسيما بعد التصعيد الأخير الذي أعقب اغتيال إسرائيل لأحد قيادات حركة الجهاد الإسلامي، وترصد قدرة إسرائيل على الاستمرار في هذه السياسة.

2019/11/20

تعود تسمية الأحباش لزعيمهم الروحي عبد الله الهرري ولدور الأحباش التاريخي في استضافة أوائل المهاجرين المسلمين، ويختلف الأحباش ذوو التوجه الصوفي عن جماعات الإسلام السياسي في مسائل عديدة، وقد تعزز حضورهم مؤخرا بعد لجوء الحكومة الإثيوبية إلى أطروحاتهم الفكرية لمواجهة التوجهات السلفية في البلاد.

2019/11/18

لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب قرار حكومي برفع أسعار البنزين، وكذلك الاحتجاجات التي شهدتها مدينة مشهد وعدد من المدن الإيرانية، في ديسمبر/كانون الأول 2017، بحدث جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية. تبحث هذه الورقة الحالة الاحتجاجية في إيران وأبعادها المختلفة.

2019/11/17

كشفت التطورات السورية الأخيرة عن أن أكبر الخاسرين فيها هم حلفاء أميركا الإقليميون، وهم اليوم معنيون بالسؤال التالي: هل الولايات المتحدة الأميركية حليف موثوق به؟ أما تركيا، فقد أكدت دورها كلاعب مؤثِّر في منطقة الشرق الأوسط.

2019/11/17