زيارة أردوغان للمغرب العربي: تعاون اقتصادي وأهداف سياسية

شكلت زيارة رئيس الوزراء التركي لعدد من دول المغرب العربي فرصة لزيادة التعاون الاقتصادي بين الجانبين. ولم تمنع الأحداث الداخلية في تركيا والتجاذبات السياسية المحلية في دول المغرب العربي، من تحقيق الزيارة أهدافها الاقتصادية والسياسية، ضمن فضاء جغرافي أقل تعقيدا لممارسة تركيا سياستها الإقليمية.
201362094441767734_20.jpg
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان (الجزيرة)

يتنامى حجمُ التبادل التجاري بين تركيا وعددٍ من دول المنطقة المغاربية (المغرب- الجزائر- تونس) الساعية إلى تصحيح الاختلال في ميزانها التجاري معها. ورغم حجم المبادلات الاقتصادية وفرص التعاون الواعدة، والروابط التاريخية والعلاقات المتينة مع بعض دول المنطقة، والدعم التركي للقضية الفلسطينية، فقد عرفت جولة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان المغاربية بعض الفتور السياسي، وشهدت بالمقابل تمتينا للعلاقات الاقتصادية.

مصالح اقتصادية متبادلة

رغم وجود خلافات سياسية ظرفية، تعمل تركيا ودول المغرب العربي على دعم التعاون بين الجانبين. وقد يبدو للوهلة الأولى أن الدولَ المغاربية أكثر حاجة إلى تركيا من حاجة هذه الأخيرة إليها، لكن لتركيا مصالحُ تسعى لتقويتها وحمايتها في تلك المنطقة.

اقتصاديا تنتظر الدول المغاربية الكثير من زيارة أردوغان لتصحيح عجز ميزانها التجاري مع تركيا -ما عدا الجزائر- والاستفادة من الاقتصاد التركي (السابع عشر عالميا) بجلب المزيد من الاستثمارات. وقد أكد أردوغان على سعي بلاده لرفع حجم المبادلات التجارية وتشجيع تدفق الاستثمارات نحو المنطقة.

وتبلغ قيمة المبادلات التجارية للمغرب مع تركيا مليار ونصف مليار دولار. أما المغرب فيعاني عجزا في ميزانه التجاري مع تركيا، حيث تشكل وارداته منها حوالي ثلثي المبادلات. وهذا ما دفع المغرب للمطالبة بتشجيع شراء المنتجات المغربية وزيادة الاستثمار. وقد وقع البلدان بمناسبة هذه الزيارة على اتفاق لإنشاء "مجلس التعاون الاستراتيجي" لتطوير التعاون بينهما.

ونتيجة لاختلال الميزان التجاري بين البلدين يطالب اقتصاديون مغاربة بمراجعة اتفاق التبادل الحر لعام 2006 لأنه عمق العجز التجاري المغربي. أما الاستثمارات التركية في المغرب والتي بلغت 13 مليون دولار عام 2011 فقد انخفضت بنسبة تقارب 70% عام 2012. ويبدو ذلك بسبب عراقيل، ذكرتها منابر إعلامية مغربية مؤخرا؛ وتشير إلى كبح مغربي للاستثمارات التركية، حفاظا على مصالح شركاء المغرب الآخرين.

وفي السياق ذاته تعاني تونس هي الأخرى من عجز تجاري مماثل، فهي تستورد من تركيا ما يعادل ست مرات ما تصدره إليها. وقد بلغ حجم المبادلات بين البلدين مليار دولار، وهذا بفضل اتفاق التبادل الحر الموقع بينهما عام 2005. ومن المتوقع أن يتعمق هذا العجز مع القروض المالية التركية لتونس. حيث تمت المصادقة بمناسبة زيارة أردوغان على اتفاق ثنائي تقدم بموجبه تركيا قرضا لتونس بقيمة 640 مليون دولار لتمويل استيراد منتجات تركية المنشأ. وتسعى تونس من خلال "مجلس التعاون الاستراتيجي" الثنائي إلى حث وتشجيع تركيا على استيراد المزيد من المنتجات التونسية. أما الاستثمارات التركية بتونس فتبلغ 40 مليون دولار.

ويختلف الأمر بالنسبة للجزائر فهي البلد المغاربي الوحيد الذي يعرف ميزانه التجاري مع تركيا فائضا، وذلك بفضل المحروقات. وبلغ حجم المبادلات بين البلدين 5.2 مليار دولار عام 2012، حيث تعتبر تركيا ثامن زبون للجزائر بحوالي 3.4 مليار دولار، وسابع ممول لها بحوالي 1.8 مليار دولار. أما قيمة الاستثمارات التركية فبلغت مليار دولار. ويسعى البلدان إلى رفع مبادلاتهما التجارية، وتهدف الجزائر تحديدا إلى جلب المزيد من الاستثمارات التركية.

من جانبها تسعى تركيا كما أعلن أردوغان خلال زيارته للدول المغاربية الثلاث إلى رفع حجم مبادلاتها التجارية معها وزيادة الاستثمارات فيها. وهذا هدف إستراتيجي لتركيا التي تعمل على افتكاك حصة من الأسواق الاستهلاكية المغاربية الواعدة لتسويق منتجاتها وأيضا للحصول على المواد الأولية التي تزخر بها المنطقة. لكنها تواجه منافسة قوية من قبل الصين والهند، إضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي الحاضرة بقوة في المنطقة لأسباب تاريخية. أما فيما يتعلق بالاستثمارات، فإن البيئة الاقتصادية المغاربية غير مشجعة مقارنة بدول أخرى، وهو ما ينطبق على كل المتعاملين الأجانب مع دول المنطقة وليس الأتراك فحسب.

التجاذب السياسي الداخلي

اختلفت الأهمية السياسية لزيارة رئيس الوزراء التركي لعدد من دول المغرب العربي، رغم ثقل البعد الاقتصادي. حيث عرفت بعض التجاهل الإعلامي الرسمي لها لا سيما في الجزائر. بينما عرفت الزيارة اهتماما كبيرا في تونس، وسبب ذلك هو التجاذب السياسي المحلي، وليس مضمون الزيارة.

وقد أثر التجاذب السياسي في المغرب على زيارة أردوغان. ولم تشارك نقابة أرباب العمل (الاتحاد العام لمقاولات المغرب) في تحضير الشق الاقتصادي لهذه الزيارة، في حين حضرت نقابة أرباب العمل الأخرى الأصغر حجما وثقلا والمقربة من رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران. حيث قاطعت نقابة أرباب العمل الزيارةَ معترضة على سلوك الحكومة المتمثل بعدم تحضيرها الجيد للزيارة وعدم التشاور مع النقابة. فيما رافق أردوغان وفد كبير من رجال الأعمال لتسويق المنتجات التركية.

وقد جاءت الزيارة في تونس في سياق خلافات سياسية حول تحديد معالم النظام السياسي القادم. ووجدت هذه الخلافات في زيارة رئيس الحكومة التركية مجالا إضافيا للحراك السياسي، نتيجة التقارب الإيديولوجي بين حزبي النهضة والعدالة والتنمية التركي. بينما في الجزائر كاد صراع الأجنحة داخل حزب السلطة (جبهة التحرير الوطني) أن يؤدي إلى  إفراغ الغرفة السفلى من البرلمان من النواب قبل خطاب أردوغان أمامه.

خطابات متباينة لمشهد سياسي مختلف

يعرف المشهد السياسي المغاربي تباينا. فالمغرب شرع في إصلاحات عملت على امتصاص هزات "الربيع العربي"، وانتهت بتشكيل الإسلاميين للحكومة، ونجهل إن استطاع المغرب تجاوز هذه الهزات فعلا، حيث لم يتغير شيء من طبيعة النظام. أما الجزائر فقد ظلت الإصلاحات المعلن عنها حبرا على ورق، لتبقى تونس البلد "الانتقالي" الوحيد الذي تخلص من التسلط.

أمام هذه الفسيفساء السياسية، تعين على أردوغان تبني خطابات متباينة تنسجم مع السياق المختلف لكل بلد على حدة. حيث وجد نفسه أمام المشاكل المغاربية البينية التقليدية (إشكالية العلاقة الثنائية بين المغرب والجزائر) والجديدة المنبثقة عن تداعيات الربيع العربي.

وتؤثر الخلافات حول بعض القضايا الحساسة ذات البعد الثنائي أو الإقليمي المغاربي/العربي-الشرق أوسطي في زيارة رئيس الحكومة التركية. وفيما يتعلق بالبعد الثنائي، فقد أثار عدم زيارة أردوغان للمغرب خلال جولته في دول "الربيع العربي" (تونس، ليبيا ومصر) في سبتمبر/ أيلول 2011 امتعاض المغرب الذي يعتبر أن إصلاحاته السياسية ترقى إلى مصاف ربيع عربي "هادئ"، تستحق التقدير والاعتراف، لكن أردوغان استثناه من جولته المغاربية آنذاك.

ولم تعرف الزيارة إلى المغرب اكتمالا لمستوى البروتوكولي الرسمي، و اختزلت في ما يمكن وصفه لقاءً بين "إسلاميي تركيا" و"إسلاميي المغرب". وكان ملك المغرب موجودا في فرنسا منذ 10 مايو/ آيار 2013 في زيارة خاصة. ولم يستقبل أردوغان من طرف مستشاري الملك، وقد كان وزير الخارجية المغربي سعد الدين العثماني قد أعلن في وقت سابق أن الملك سيكون ضمن المستقبلين لرئيس الحكومة التركية.

وفي ما يتعلق بقضية الصحراء الغربية فقد ذكَّر أردوغان بموقف بلاده التي لا تعترف بجبهة البوليساريو. وذهب إلى حد اقتراح وساطة تركية بين المغرب والجزائر لتسوية النزاع، وفتح الحدود بينهما. إلا أن ذلك  لم يُرضِ  المغربَ وفي نفس الوقت أغضب الجزائر التي تعتبر نزاع الصحراء الغربية مسألة ثنائية بين المغرب والبوليساريو، وترفض أية وساطة بشأن مسألة إعادة فتح الحدود مع المغرب.

وقد جاءت الزيارة إلى الجزائر، في سياق خلاف أيضا حول التعامل مع نزاع الذاكرة مع فرنسا حيث كان أردوغان جزءا من السجال السياسي بين الجزائر وفرنسا حول هذه القضية آنذاك. فالجزائر غير الرسمية تطالب باعتذار فرنسا عما اقترفته من جرائم في حق الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية، بينما ترفض فرنسا ذلك بدعوى أن مسألة الذاكرة من مهمة المؤرخين. لكنها سنت قانونا يجرم التشكيك في إبادة الأرمن (أبطل مجلس الدولة الفرنسي هذا القانون لأنه ضد حرية التعبير، لكن حكومة هولاند تنوي تقديم نسخة معدلة منه للبرلمان مستقبلا). وعند تبني هذا القانون الفرنسي هاجم أردوغان فرنسا وطالبها بالاعتذار عن جرائمها في الجزائر بدل من الاهتمام بشؤون الغير.

وقد أحرج هذا الموقف النظام الجزائري الذي لم يطالب رسميا فرنسا بالاعتذار، ورد حينها في يناير/ كانون الثاني عام 2012 رئيس الحكومة الجزائري أحمد أويحيى على تصريحات أردوغان بشكل أثار الجدل والانتقاد في الجزائر من قبل تيارات إسلامية وغير إسلامية. حيث طلب من نظيره التركي عدم المزايدة والمتاجرة بدماء الجزائريين. لكنه لم ينتقد إطلاقا موقف فرنسا لكيلها حيال مسألة الذاكرة بمكيالين.

وإضافة إلى الخلاف حول التعاطي مع مسألة تاريخية، فإن غياب الرئيس الجزائري الموجود في فرنسا للعلاج، يكون قد ساهم في خفض مستوى هذه الزيارة. وهناك أسباب أخرى تتمثل في موقف تركيا من "الربيع العربي"، ومن الأزمة السورية. وتفسر كل هذه العوامل مجتمعة الاستقبال الفاتر الذي حظي به أردوغان في الجزائر، فلم يمنح الإعلام الرسمي الزيارة اهتماما كبيرا، في حين تعود على الإطناب في تناول الزيارات الرسمية عشية كل زيارة.

وهنالك عاملٌ آخرُ يتمثل في دعم تركيا لـ"الربيع العربي". وإذا كان الدعم سندا قويا للشعوب الثائرة ضد الأنظمة التسلطية، فإن الدخول في حيثيات المسألة يظهر أن هذا الدعم المرحب به شعبيا، يصبح جزئيا غير مرغوب فيه لدى بعض الفئات الشعبية ولدى جزء من النخبة والطبقة السياسية لأسباب إيديولوجية.

وكون الإسلاميين القوة السياسية الأولى في تونس بعد الثورة يكفي وحده للتشكيك في حسن نوايا تركيا وللنفور من "نموذجها" الذي يقول به الكثيرون في العالم العربي. وبغض النظر عن الاتساق أو على الأقل التقارب الإيديولوجي بين الإسلاميين في الحكم في دول "الربيع العربي" والحكومة التركية، فإن هناك حجةً تحسب لتركيا لا عليها. فقد دعمت منذ البداية انتفاضات "الربيع العربي" ولم تكن تعلم أن الإسلاميين هم من سيحكم بعد الثورة، وقد دعمت المطلب الديمقراطي، بما في ذلك في ليبيا التي لا يحكمها إسلاميون اليوم.

مواقف متداخلة

يبدو أن العلاقة مع تركيا في دول مثل تونس تعاني نفس الإشكالية التي تعانيها العلاقة مع الدول الغربية بسبب توجهات التيارات السياسية المحلية. فالإسلاميون يرحبون بتركيا ويشككون في نوايا الدول الغربية، فيما تشكك التيارات العلمانية في نوايا تركيا، وتبدو أكثر ترحيبا بالعلاقة مع الدول الغربية. وهذا ما يضع تركيا  على خط العلاقة العربية/الغربية، لتصبح فاعلا أساسيا يشارك في إعادة صياغة هذه العلاقة، فالنموذج الغربي لم يعد وحده "المرجعية" إذ ينافسه نموذج "إقليمي" ذو مرجعية "محلية " (مسلمة/إسلامية).

وقد جاءت مظاهرات إسطنبول المناوئة لحكومة أردوغان في وقت كانت تسعى فيه أطراف عربية (متناقضة المصالح) إلى إيجاد فرصة لمناكفة تركيا. حيث ترى القوى المناوئة لحكومته في مظاهرات إسطنبول "ربيعا تركيا". وهي قراءة خاطئة للأحداث. لأن ما يحدث في تركيا حراك اجتماعي في إطار ديمقراطي، وليس ثورة على نظام تسلطي.

تعبر مواقف تيارات سياسية في المغرب العربي وأخرى نخبوية وبعض الفئات الشعبية المستاءة مما يحدث في تركيا، عن دعمها للمتظاهرين في إسطنبول ورفضها لزيارة أردوغان لبلادها. فقد تظاهر في تونس "الانتقالية" البعض احتجاجا على هذه الزيارة، ودعما لما يجري في ميدان تقسيم في إسطنبول. ورفضتها الجبهة الشعبية التونسية (ائتلاف أحزاب يسارية) تضامنا مع المتظاهرين هناك.

إن القوى المناوئة لزيارة رئيس الحكومة التركية إنما تستهدف من تحركها هذا النهضة والإسلاميين عموما في تونس. ومن ثم فإن ما ينتقد عليه أردوغان في الحالة التونسية، ليس دعمه لـ"الربيع العربي" في تونس وإنما تقاربه الإيديولوجي مع إسلامي تونس، وسياسته في سوريا.

إن الموقف معقد ومتداخل، ففي حين يساند البعض موقف أردوغان الداعم للمعارضة المسلحة في سوريا باسم الديمقراطية والحرية، يعاديه بالمقابل لعلاقته بالنهضة. حيث يغض الطرف عن إسلامية أردوغان في سوريا، لكنها تُرفض في تونس. وهناك خلل في التصور السياسي لمن يحتج على زيارته لتونس، لأن من أتى بالإسلاميين إلى الحكم في تونس هم التونسيون أنفسهم وليس الحكومة التركية.

وفي الجزائر قرر حزب العمال (أقصى اليسار) مقاطعة خطاب أردوغان أمام البرلمان الجزائري، تعبيرا عن مساندته لمظاهرات ميدان تقسيم واستيائه من سياسة تركيا الداعمة لـ"الربيع العربي". فيما عبر نواب من حزبي السلطة (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي) عن امتعاضهم لما جاء في خطاب أردوغان بشأن سوريا وتعارضه مع سياسة الجزائر. فيما اعتبر نواب من أحزاب أخرى أنه عبر عن موقف بلاده لا غير.

ويعتبر موقف حزب العمال متناقضا مع سلوكه السياسي فهو لا يقاطع شيئا حين يقمع النظام تظاهرات في البلاد، بل لا يسمح بمظاهرات مثل تلك التي تعرفها تركيا حاليا.

وهنالك عامل آخر -رغم أنه يبقى هامشيا- وهو الدعم التركي للفلسطينيين خاصة حركة حماس الذي يسبب بطبيعة الحال حرجا لأنظمة عربية مع شعوبها. كما أن التقارب بين الحكومة التركية وبين حركة حماس يطرح إشكالا آخر على عدد من الأنظمة العربية المنخرطة في صراع صريح أو مضمر مع الإسلاميين داخليا وإقليميا. ويلاحظ هنا مدى تعقد شبكة التحالفات، حيث تلتقي تركيا مع دول عربية في الأزمة السورية، لكنها تفترق معها في القضية الفلسطينية (بسبب الموقف من حماس)، والعكس صحيح.

اجتمعت عوامل في تركيا تحول دون "تطبيع" علاقاتها مع الدول المغاربية في الراهن بشكل كامل. فتركيا دولة ديمقراطية يحكمها إسلاميون، وتمثل بالنسبة للبعض نموذجا يُقتدى به، مما يثير حساسية -وربما عداء- البعض الآخر. ولتركيا دور أساسي في "الربيع العربي" وفي الأزمة السورية يتناقض ومواقف بعض الدول المغاربية. وقوة تركيا سياسيا واقتصاديا وعسكريا جعلتها تتخذ مواقف سياسية قوية حيال إسرائيل وأوروبا، حيث نجحت في ما فشل فيه عدد من الأنظمة العربية.

وجاءت مظاهرات ميدان "تقسيم" لتزيد المشهد صعوبة؛ فتركيا، لا هي ديمقراطية بما فيه الكفاية بالنسبة لأطياف سياسية مغاربية، ولا هي تسلطية بما فيه الكفاية بالنسبة لأخرى (في الحكم والمعارضة) لتقمع أو على الأقل لتكبح جماح قوى "الربيع العربي". وهذا بحد ذاته دلالة على أن تركيا أصبحت دولة إقليمية من منظور عربي أيضا، لأن كل هذه الانتقادات المتناقضة الدوافع والأهداف عادة ما تستهدف القوى الغربية دون سواها.

ماذا تريد تركيا تحقيقه سياسيا؟

ماذا تريد تركيا تحقيقه من خلال هذه الزيارة سياسيا؟ ربما أيقنت أن انتقال عدوى "الربيع العربي" إلى دول عربية أخرى ليس بالأمر "الهين" كما كان يُعتقد. وأن المشهد العربي أصبح مزيجا من دول "انتقالية" وأخرى تسلطية، يتعين التعاون والتعامل معها، وهذا ما يفسر زيارة أردوغان للجزائر، إذ لا يمكن تجاهلها بدعوى ممانعتها لـ "الربيع العربي"، وذلك بسبب المصالح المشتركة بين الجانبين.

ورأب الصدع مع الدول الممانعة مسألة ضرورية، رغم الخلاف مع بعضها حول الأزمة السورية. وتسعى تركيا للتأكيد على أنها ليست فاعلا نافذا في المشرق العربي فقط بل في مغربه أيضا. إن مسألة التنافس الإقليمي ذات أهمية كبيرة بالنسبة إليها، خاصة مع تزايد حدة الاستقطاب المذهبي في المنطقة، وهو يعني ضمنا تركيا الإسلامية السنية.

وتكمن ميزة المغرب العربي في كونه متنفسا لتركيا بعيدا عن الصراعات المذهبية في المشرق، وهي تتحرك في فضاء لا يعرف مثل هذه الصراعات، مما يجعل ممارسة السياسة الإقليمية أقل تعقيدا. وهناك عامل آخر يكمن في العامل الأيديولوجي، وهو تأكيد دعمها للإسلاميين في تونس والمغرب، وأيضا محاولة تسويق نموذجها للمنطقة عبر بوابة الإسلاميين، خاصة في ظل غياب النزعات المذهبية في المغرب العربي.
______________________________________
د. عبد النور بن عنتر - أستاذ محاضر، جامعة باريس 8 – فرنسا

ABOUT THE AUTHOR