الانتخابات المغربية القادمة: رهانات الدولة ومخاوف الطبقة السياسية

تمثل الانتخابات البرلمانية القادمة بالمغرب مقياسا لتطور منسوب العقلنة في إدارة الدولة للانتخابات. بالمقابل، يظهر سلوك الأحزاب تخوفا مما قد تأتي به النتائج. وفي حين يسعى حزب العدالة والتنمية لتجديد فوزه، يراها الأصالة والمعاصرة صراعا حول مستقبله السياسي، بينما يسعى آخرون لتقليل خسائرهم أو البقاء فقط.
20162248945775734_20.jpg
تمثل الانتخابات البرلمانية القادمة بالمغرب مقياسًا لتطور منسوب العقلنة في إدارة الدولة للانتخابات. (الجزيرة نت)

ملخص
في انتخابات عام 2011 حدث تحول مهم في طريقة إدارة الدولة المغربية للعملية الانتخابية؛ حيث أضفت عليها جرعات من العقلانية والتوازن في بناء رهاناتها السياسية. لكن ما زالت رهانات الدولة من ناحية أخرى تشتغل ضمن موروث من القوانين والأوضاع الانتخابية التي لم تعرف تغييرًا جوهريًّا بإمكانه أن يؤثِّر ويُفضي إلى تقوية خيار العقلنة والتوازن.

وتخشى الطبقة السياسية في المغرب من انتخابات أكتوبر/تشرين الأول القادم من الأوضاع والمعادلات السياسية والمجتمعية الجديدة التي سوف تنشأ عنها. حيث يحكم منطق الخوف السياسي سلوك كتلتين سياسيتين متباينتين. فقد بات يجمع بين الأحزاب السياسية في الأشهر المتبقية للانتخابات، عامل "الخوف" السياسي مما قد تفرزه الانتخابات، التي قد وفرت معطيات ونتائج انتخابات 4 سبتمبر/أيلول الماضي مؤشرات عديدة لقراءة اتجاهاتها الممكنة.

تكشف المنهجية التي تتحرك من خلالها الأحزاب السياسية في الأشهر القليلة التي تسبق الانتخابات البرلمانية القادمة، في شهر أكتوبر/تشرين الأول، مخاوف الطبقة السياسية المتزايدة مما قد تسفر عنه هذه الانتخابات، وهي مخاوف منسجمة مع إحساس البنية الحزبية بأهمية هذه الانتخابات وما سيترتب عليها من أوضاع سياسية واجتماعية، تعيد رسم خارطة الفاعلين السياسيين وأحجامهم. أمَّا الدولة فتختلف رهاناتها السياسية والاجتماعية، وهي واقعة بين عنصرين: حجم جرعات العقلنة والتوازن المطلوب والممكن لإدارة هذه الانتخابات، ثم أسلوبها الحذر في الحفاظ على التوازن وتوزيع القوى في المشهد السياسي.

الدولة أمام تحدي العقلنة والتوازن

في انتخابات عام 2011 حدث تحول مهم في طريقة إدارة الدولة المغربية للعملية الانتخابية؛ حيث أضفت عليها جرعات من العقلانية والتوازن في بناء رهاناتها السياسية، مقارنة بتاريخها في هذا المجال. وذلك لإدراكها أن الأوضاع الداخلية لم تعد تتحمل الجرعات الكبيرة للتحكم في نتائج الانتخابات وإعادة توجيهها بما لايعكس رأي المجتمع. وبعد اتضاح نتائج انتخابات 4 سبتمبر/أيلول الماضي المحلية والجهوية والتقدم الذي حدث في كيفية إدارة الدولة لتلك المحطة، ما زال هذا الخيار العقلاني، الذي جاء ضمن سياق داخلي وإقليمي مضطرب، غير مستقر على قواعد واضحة، وهو ما اتضح من عدم تمكُّن الدولة من إيجاد وتوفير البنية القانونية والسياسية التي تتيح لاختيارات المجتمع أن تجد مسارها الطبيعي في بناء التحالفات.

وما زالت رهانات الدولة من ناحية أخرى تشتغل ضمن موروث من القوانين والأوضاع الانتخابية التي لم تعرف تغييرًا جوهريًّا بإمكانه أن يؤثِّر ويفضي إلى تقوية خيار العقلنة والتوازن. وبناء رهانات لا تخشى إفرازات الصناديق ومفاجآتها، وغير محكومة بحسابات تقليدية تعتقد بضرورة تحقيق التوازن بين القوى الحزبية خوفًا من اتجاهات التصويت.

ورغم أن هنالك قدرًا من التغيير من خلال المقاربات السياسية والقانونية للعملية الانتخابية، إلا أن الدولة ما زالت لم تتخلص حتى اللحظة من موروث تاريخي يتمثل في ضرورة التواجد ضمن الأحزاب السياسية بشكل من أشكال الامتداد داخل هذا الجسم، حماية لخياراتها.

في عام 2011 والسنوات التي أعقبته وجدت الدولة نفسها إزاء ضرورة التعامل مع أوضاع جديدة ووافد سياسي جديد، وقد حافظت على قدر من التوازن، وعرفت تغييرات بطيئة وحذرة في نظرتها للوافد الجديد عليها: حزب العدالة والتنمية.

أتاحت السنوات الماضية درجة من الاقتراب التي أزالت عددًا من المخاوف المسبقة والمنطقية، لكن الأهم أنها أظهرت بشكل أساسي إمكانية التعايش مع "الجديد". وهو وضع يُفترض أن يمنح رهاناتها الحالية مزيدًا من العقلانية المؤسسة بما يشبه سلوكها عام 2011 أو أفضل منه، وأن يقلِّل مخاوفها من اتجاه المشهد السياسي إلى منطق أكثر وضوحًا في بناء التحالفات المنتجة لأشكال السلطة.

انتخابات أكتوبر/تشرين الأول القادم تختلف اختلافًا كبيرًا عن انتخابات 4 سبتمبر/أيلول الماضي؛ فالرهان هذه المرة يتمحور حول تشكيل الحكومة؛ ولذلك فإن طبيعة رهانات الدولة سوف تخضع لامتحان الاستمرارية على خط العقلانية الذي بدأته عام 2011 أو التراجع عن مكتسباته. خاصة أن رهاناتها السياسية باتت مرتبطة بطموحها الاقتصادي المتنامي والمتطلب سياسيًّا.

للدولة مخاوفها دائمًا، التي قد تعمل أحزاب سياسية على تهويلها وإقناعها بها، لكن ما الذي تخشاه الطبقة السياسية في المغرب من انتخابات أكتوبر/تشرين الأول القادم؟ إنها الأوضاع والمعادلات السياسية والمجتمعية الجديدة التي سوف تنشأ عنها.

منطق الخوف السياسي بين كتلتين

مواقف متباينة بدأت تُظهرها الأحزاب السياسية في الأشهر المتبقية للانتخابات، ويجمع بينها عامل "الخوف" السياسي مما قد تفرزه الانتخابات القادمة، والتي قد وفَّرت معطيات ونتائج انتخابات 4 سبتمبر/أيلول الماضي مؤشرات عديدة لقراءة اتجاهاتها الممكنة.

وفق منطق التخوف تتحرك الكتلة السياسية الأولى التي بدأت استعدادها ومناوراتها مبكرًا، وهي تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، وينضاف إليهما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وفق أحد الاعتبارات اللاحقة. ورغم أنه يبدو أن بين هذه الكتلة تباينات، باعتبار أنها ليست كتلة بالمعنى السياسي، لكن مخاوفها مشتركة.

تمثِّل هذه الانتخابات بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة فرصة للخروج من حالة التأثير السياسي بالوكالة من داخل الأغلبية، وهو الوضع الذي يعرفه حزب العدالة والتنمية وتعايش معه داخل الحكومة في السنوات الماضية، إلى حالة التأثير المباشر التي يتولى فيها الأمور بنفسه. علمًا بأن الحزب قد وجد طرقًا أو أُتيحت له وسائل تبقيه على تواصل مع المجتمع من خلال ترؤُّس عدد من الجهات، وإن لم يكن مؤهلًا لذلك بالحسابات الانتخابية. وذاك حتى لا يكون وجوده منعدمًا في المدن، مما يحرمه عنصر القرب من الناخبين الذين سوف تزيد حاجته إليهم.

حزب الأصالة والمعاصرة يطرح نفسه بديلًا لحزب العدالة والتنمية لرئاسة الحكومة، وليست لديه نية للاكتفاء بالتواجد شريكًا في الحكومة القادمة، فهو لم يعد يطيق لا المعارضة ولا مجرد الشراكة مع أحزاب أخرى بدون رئاسة الحكومة.

ومما يزيد من مخاوف الحزب السيناريوهات القادمة للتحالفات التي يمكن أن تضفي مزيدًا من العقلانية على المشهد السياسي، خاصة في حال إعادة إحياء خيار التحالف بين حزبي الاستقلال والعدالة والتنمية. وهو السيناريو نفسه الذي تم رفضه وإسقاطه عقب انتخابات عام 2011.

خوف حزب الأصالة والمعاصرة من أن يتحول خصمه العدالة والتنمية في السنوات القادمة إلى "حزب دولتي بنفَس وطعم إصلاحي" من خلال المساحات التي يتم اكتسابها في السلطة مع مرور الزمن، أمر منطقي ومتوقع. ولذلك يدرك الحزب أن نتائج الانتخابات القادمة تتعلق بمستقبله السياسي؛ حيث يكمن الخوف الحقيقي بالنسبة إليه على المدى البعيد، في أن هذه الانتخابات سوف تتيح لخصمه الأول، العدالة والتنمية، في حال فوزه، سنوات أخرى من الزمن السياسي لمراكمة تجربة الإسلاميين وتجذرها السياسي والاجتماعي، وهي الفترة  التي قد تؤثِّر سلبًا على مستقبل حزب الأصالة والمعاصرة، لأنها كفيلة بتغيير الكثير من الأوضاع السياسية والمقولات والمواقف والأشخاص.

وهي فترة ستدفع الحزب إلى صف المعارضة التي لم يُخلَق لأجلها، ولا للمكوث فيها زمنًا طويلًا، لأن موقع المعارضة لا يخدم مكوناته المتطلعة إلى السلطة والنفوذ. وفي هذه الفترة سيجد نفسه في حال خسارته الانتخابات بأوراق أقل في المناورة السياسية، رفقة قوى في المعارضة لا تتمتع بثقل كبير يسمح بالمناورة الجيدة ضد الحكومة القادمة، فهو لا يستطيع أن يعوِّل كثيرًا على حزب التجمع الوطني للأحرار لخوض معاركه، ولا حزب الاتحاد الاشتراكي إذا قرر هذا الأخير البقاء في المعارضة.

يوجِّه الحزب مدفعيته الثقيلة نحو حزب العدالة والتنمية لإرباكه في الأشهر المتبقية، وبعثرة أوراقه. ولتطويق حزب العدالة والتنمية يستخدم أدوات خطاب خاصة بالطبقات المتواجدة بالمدن من بوابة مشروع مواجهة الإسلاميين، لأنه من ناحية أخرى مطمئن لرصيده في البادية. وقد اختار عنوان البدء بمواجهة الإسلاميين الذين يقصد بهم العدالة والتنمية، تعويلًا على آلية مجرَّبة بنجاح خارج السياق المغربي. وهو مشروع له سياق إقليمي مكَّنه وساعده على النجاح في تونس حين استُخدم ضد حركة النهضة قبيل الانتخابات، وجود حالة مجتمعية متخوفة من تزايد نفوذ الإسلاميين، مع إحساس بتهديد هوية الدولة. ووفق هذا المنظور هنالك فارق شاسع مع الحالة المغربية، التي لا يجد فيها حزب العدالة والتنمية نفسه معنيًّا بمعارك الهوية، ولا إزاء مجتمع متخوف على نموذجه الثقافي.

ينتمي إلى كتلة التخوف من نتائج الانتخابات القادمة حزب التجمع الوطني للأحرار لعدَّة أسباب. ورغم العلاقة ودرجة الاقتراب والامتداد الوظيفي الذي يربطه بالأصالة والمعاصرة، إلا أنه رغم انتقاداته الشديدة لحزب العدالة والتنمية لم ينخرط حتى اللحظة في أي معركة توظِّف الخطاب الأيديولوجي ضده، كما يريدها حزب الأصالة والمعاصرة، ولا تزال انتقادات قيادته منصبة على القضايا السياسية، خشية من التكلفة المرتبطة بتبني هذا الخط.

وتشير نتائج الانتخابات المحلية الماضية إلى أن حزب الأحرار سوف يحصل على نتائج أقل في انتخابات البرلمان، وهذا يعني موقفًا تفاوضيًّا أضعف. وإذا لم يتواجد حزب الأحرار في الحكومة القادمة فسوف يعني ذاك مزيدًا من الاختناق له ولحزب الأصالة والمعاصرة، الذي قد يعاني غياب أو ضعف امتداد لأطراف تتقاطع مع أجندته من داخل الأغلبية.

تتزايد مخاوف الحزب الذي يمتلك رصيدًا سلبيًّا لإدارة علاقته مع شركائه داخل التجربة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية، وهو ما اتضح من التحالفات التي لم تمضِ وفق منطق الشراكة في الأغلبية، بما لا يجعل منه حليفًا مفضلًا. ثم إن وجود أحزاب أقوى حضورًا، تُبدي رغبتها في ترك صفوف المعارضة، وطرح نفسها شريكًا متوفرًا لأي شكل من أشكال التحالف، مثل حزب الاستقلال، يضيِّق هامش مناورات حزب الأحرار مستقبلًا. والتصريحات الأخيرة لأمين عام الحزب، صلاح الدين زوار، لا تمثِّل مفاجأة ضمن الاستعداد للانتخابات، لكنها تعبِّر عن مخاوف الحزب من طبيعة وضعه مستقبلًا ضمن الحسابات القادمة التي ستعرف على ما يبدو تغييرات كبيرة(1).

حزب الأحرار في وضع صعب، فهو يدرك من ناحية تكلفة مجاراة حزب الأصالة والمعاصرة ضد حزب العدالة والتنمية. ويدرك في نفس الوقت أنه لن يجد حليفًا لديه قدرة كبيرة على المرونة والتنازل للشركاء مثل حزب العدالة والتنمية، كما يظهر من سلوك هذا الأخير في توزيع السلطة، مقارنة بسلوك حزب الأصالة والمعاصرة.

ضمن هذه الكتلة تُعتبر مخاوف حزب الاتحاد الاشتراكي وجودية، ولا تتعلق بمجرد تكتيكات أو مناورات انتخابية، وتمسُّ مستقبل وشكل حزب تاريخي كبير، ربما تقذف به الانتخابات القادمة بعيدًا عن لعبة الكبار. وتدرك قيادته الحالية وبناء على مؤشرات انتخابات سبتمبر/أيلول الأخيرة أن انتخابات البرلمان سوف تضعه في موقع أضعف مما كان عليه في السابق. ولذلك، فإن مخاوف الحزب تدفعه إلى إعادة طرح مراجعة "العتبة الانتخابية" التي تستقر عند 6% لولوج البرلمان، واقتراح خفضها(2). وهي مخاوف ومطالب منطقية بالنسبة للحزب من الناحية السياسية، لأنها بالنهاية ترمي للحيلولة دون انهياره في الفترة القادمة، وتفاقم أزماته بشكل يصعِّب عليه المكوث في المعارضة بعدد قليل من النواب، كما يضعف موقفه في أي تحالف رفقة الأحزاب والفائزين الكبار لتشكيل الحكومة.

وإدارة الحزب للاستحقاقات القادمة مدخلها قانوني، لكنها تكشف مخاوف سياسية، وإن كان الحزب يعرف مرحلة هدوء في الخطاب تجاه حزب العدالة والتنمية حاليًا، إلا أن مطلبه من الناحية القانونية يلتقي مع الرغبة السياسية لحزب الأصالة والمعاصرة. ولا يبدو في المدى البعيد أن خفض عتبة الولوج للبرلمان أو حتى إزالتها سوف تقدِّم الكثير لحزب الاتحاد الاشتراكي من الناحية الانتخابية، أو من ناحية وضعه وقوته التنظيمية التي تعاني نزيفًا متواصلًا.

تضم الكتلة الثانية أحزاب العدالة والتنمية والاستقلال والتقدم والاشتراكية ومعهم حزب الحركة الشعبية. ولديها مخاوف مختلفة مما يمكن أن تحمله الانتتخابات القادمة بالمقارنة مع الكتلة الأولى، وهو ما يبدو من سلوكها الحالي، الذي يتسم بكثير من الهدوء والابتعاد عن المواجهة، إلا اضطرارًا وفي الحالات التي يتعرض فيها حزب العدالة والتنمية أو حزب التقدم والاشتراكية لانتقادات حزب الأصالة والمعاصرة؛ حيث يعمل حزب العدالة والتنمية على تهدئة المشهد السياسي بالقدر الذي يستطيعه، كما أن حزب الاستقلال يعرف مرحلة هدوء سياسي وتنظيمي منذ اتضاح نتائج وتحالفات الانتخابات الأخيرة.

ينجح حزب العدالة والتنمية في تفادي الوقوع في ثنائية الاستقطاب حول الهوية التي يسعى لها حزب الأصالة والمعاصرة حتى اللحظة. وبالمقابل، يسعى للحفاظ على منسوب التهدئة؛ حيث يرد أمينه العام، عبد الإله ابن كيران، على حزب الأصالة والمعاصرة، لكنه في الوقت ذاته يتجنب الدخول في معارك مع حزب الأحرار، ليس فقط لأنه شريك في الحكومة، لكن -وهو الأهم- لأن حزب الأحرار في تقدير ابن كيران لا يمثِّل الخطر الحقيقي، فهو حزب مقدور عليه، وغالب مناوراته  يرتبط بالتحالفات. وإذا كان حزب العدالة والتنمية يتجنَّب مواجهته حاليًا، فما يلبث أن يهاجمه قبيل الانتخابات حين يقتضي الوضع ذلك.

وضمن هذه الكتلة ما زال جزء من مخاوف حزب العدالة والتنمية مرتبطًا بمدى تطور موقف الدولة ورهاناتها السياسية في الانتخابات القادمة من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن كان فوزه في الانتخابات سيقويه على المستوى السياسي ويمنحه فرصة أكبر لجني ثمار السياسات الاقتصادية التي اتخذها، فإن خسارته سوف تغيِّر أوضاعًا ومكتسبات عمل الحزب على تثبيتها في السنوات الماضية، كما أنه سيكون مستهدفًا من خلال السياسات الحكومية طيلة الفترة القادمة لإضعافه.

إن أحد المخاوف الأساسية التي تضع حزب الاستقلال أمام امتحان صعب، يتعلق بمدى قدرته على الحفاظ على قاعدته من فئة الأعيان "أصحاب المال والوجهاء" من أي ضغوط قد يمارسها عليهم حزب الأصالة والمعاصرة، أو استقطابهم إلى صفه. ومما يجمع بين حزبي الاستقلال والعدالة والتنمية ضمن هذه الكتلة مخاوف تتعلق بعناصر مؤثِّرة ضمن النظام الانتخابي قد تؤدي إلى إضعافهما والتقليل من حضورهما، وعلى رأسها إعادة طرح مسألة "العَتَبَة" التي تطالب أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي، وهي رغبة حزب الأصالة والمعاصرة بلا شك، بخفضها للسماح بدخول أحزاب صغيرة للبرلمان. ويهدِّد هذا المنحى كلًّا من حزب العدالة والتنمية والاستقلال الذي يطالب برفعها لنسبة 10%(3)؛ ذلك أن خفض نسبة العتبة الانتخابية سوف يلتهم جزءًا من مقاعدهما.

حزب الاستقلال يجد صعوبة في تحديد المسافات المطلوب اتخاذها تجاه حزب الأصالة والمعاصرة الذي تضرَّر منه سابقًا، وتجاه حزب العدالة والتنمية الذي قد تأتي به صناديق الاقتراع من جديد، ومن هذه الزاوية يمكن تفسير تصريحات أمينه العام، حميد شباط، التي قد تبدو متضاربة، لكنها ليست كذلك، لأنها ترمي بالمحصِّلة إلى الحفاظ على القدر المطلوب من العلاقة السياسية من وجهة نظر الحزب مع هذين الحزبين.

حزب التقدم والاشتراكية وإن كان يفيده خفض العتبة، فإن رفعها سيُضِرُّ به دون شك، لكن بالمحصلة فإن تجربته في الحكومة إلى جانب حزب العدالة والتنمية في السنوات الماضية تُهدِّئ مخاوفه حول وضعه في الانتخابات القادمة، لكن بالمقابل في حال فوز حزب الأصالة والمعاصرة، سوف يكون أحد الخاسرين الكبار.

أمَّا حزب الحركة الشعبية وإن كان قد تراجع كذلك، ولايُتوقَّع أن يحقق نتائج أفضل في الانتخابات القادمة تحسِّن وضعه، لكن مخاوفه أقل، فهو سياسيًّا يضع نفسه ورقة جاهزة للتحالفات على اختلاف أشكالها، وليست لديه مخاوف الأحزاب الكبيرة، ولا تضره لعبة التحالفات، لأنه يسعى بالمحصلة إلى التواجد في الحكومة لا خارجها.

خاتمة

إذا افترضنا أن قلب الدولة مع حزب الأصالة والمعاصرة، ابن الدار، فإن عقلها -على ما يبدو- في مكان آخر، وجزء منه مع حزب العدالة والتنمية، لأسباب تتعلق بطبيعة الأداء الاقتصادي والسياسي لهذا الحزب في السنوات الماضية، والمكتسبات التي يصعب التراجع عنها. ولهذه الأسباب سوف تمثِّل الانتخابات القادمة محطة لقياس مدى تطور منسوب العقلنة والتوازن في سلوك الدولة.

أمَّا المشهد السياسي المغربي فلا يبدو أنه يعرف أو قد يعرف اتجاهًا نحو قطبية سياسية منطقية طرفاها حزبا العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة. فمن ناحية ما زال حزب العدالة والتنمية لم تستقر رِجلاه بشكل تام في علاقته بالدولة، وما زال حزب الأصالة والمعاصرة مفتقرًا إلى سمات الحزب الطبيعي نشأةً وتطورًا وهويةً سياسية، وما زال قُطبًا انتخابيًّا لا قطبًّا سياسيًّا، لارتباط مشروعية وجوده بالسعي لخلق التوازن مع الإسلاميين.
____________________
* كمال القصير - باحث في مركز الجزيرة للدراسات- مسؤول منطقة المغرب العربي

إحالات
1-1الوزير "المفعفع" ينتقد الحكومة ويُعيد مناورته ضدَّ الفاسي مع ابن كيران، موقع جريدة أخبار اليوم بتاريخ: 13 فبراير/شباط 2016،
http://www.alyaoum24.com/511527.html
2- الاتحاديون يطالبون بإلغاء "العَتَبَة" لإيصَال "أحزاب صُغرى" إلى البرلمان، موقع هسبريس بتاريخ: 16 فبراير/شباط 2016،
http://www.hespress.com/politique/295044.html
3- الأمين العام لحزب الاستقلال: ضرورة توفير كافة الضمانات لإنجاح الانتخابات التشريعية المقبلة، موقع حزب الاستقلال، بتاريخ: 17 فبراير/شباط 2016،
http://istiqlal.info/a/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%84%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%B6%D8%B1%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D9%81

ABOUT THE AUTHOR