الوساطة التركية لحل الأزمة الخليجية: الفرص والمعوقات

تبحث هذه الورقة في مرتكزات التحرك التركي من أجل لعب دور الوساطة في الأزمة الخليجية، والسعي للحفاظ على علاقات تركيا مع دول الخليج وفي مقدمتها السعودية، وتناقش الفرص والصعوبات التي تعترض هذه الوساطة.
7528e946429a4ed39dabd1e98aa18e8a_18.jpg
تركيا تحاول الحد من الانعكاسات السلبية المحتملة للأزمة عليها خاصة بعد موقفها المساند لقطر (رويترز)

كانت تركيا من أهم القوى الإقليمية التي تفاعلت مع أزمة حصار السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر، في 5 يونيو/حزيران 2017. وأعربت الحكومة التركية في البداية عن أسفها لوقوع الأزمة وأكدت -بناء على عدد من المرتكزات- استعدادها للمساعدة في حلِّها، كما قدَّمت خطابًا متوازنًا وجهدًا دبلوماسيًّا تصالحيًّا هيَّأ فرصًا لمساعيها الإيجابية؛ وذلك بالرغم من وجود عدد من العوائق مثل رفضها لإجراءات الحصار وتسريع مصادقتها على الاتفاق حول القاعدة التركية في قطر، وأتبعت ذلك بجولة رئاسية مهمة هدفت لِطَمْأَنَة السعودية والالتقاء بالوسيط الكويتي للمساهمة في الحل. 

لم تكن الآمال قوية بنجاح المساعي التركية في إحداث اختراق كبير في الأزمة بسبب علاقاتها المتميزة مع قطر وعدم ارتياح الأطراف الأخرى في الأزمة من موقفها، ومع ذلك تبدو تركيا مصممة على عملية تواصل الحوار واللقاء مع الطرف الآخر للأزمة مما قد يحول دون مزيد من التدهور، ويشكِّل دعمًا لقطر ويخفف من الانعكاسات السلبية المحتملة على تركيا جرَّاء الأزمة.

مرتكزات الوساطة التركية في الأزمة الخليجية 

لقد ارتكز التحرك التركي من أجل لعب دور الوساطة في الأزمة الخليجية على عدة مرتكزات، أهمها: 

1- حرص تركيا على بقاء منطقة الخليج منطقة مستقرة

ترتكز الرؤية التركية لحزب العدالة والتنمية على استقرار المنطقة وخاصة منطقة الخليج، وقد صرَّح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبيل اندلاع الأزمة الأخيرة بشهر تقريبًا، أثناء زيارته للكويت، بأن "تركيا والخليج كجزيرتي استقرار وسط منطقة جغرافية تعاني من مشاكل شتى". وتخشى تركيا من خروج الأزمة عن التحكم مما يضيف المزيد من التهديدات لها خاصة مع دخول الحرب في سوريا والعراق مراحل جديدة، ولهذا فإن من أهم مرتكزات الوساطة التركية التأكيد على ضرورة المحافظة على الاستقرار والتذكير بالخسائر التي قد تتكبدها المنطقة والدول المعنية في حال تطورت الأزمة(1). 

2- الحرص على تطور العلاقات الثنائية في الخليج

تحتفظ تركيا بعلاقات جيدة مع طرفي الأزمة، وخاصة في المجال الاقتصادي. وتريد تركيا استمرار هذه العلاقات وتطويرها والاستمرار في جذب الاستثمارات من المنطقة وتنفيذ المشاريع فيها. وقد نجحت تركيا في استقطاب استثمار أجنبي مباشر بقيمة 12.3 مليار دولار، في 2016 فقط، وأغلب هذه الاستثمارات قد جاء من منطقة الخليج؛ حيث تُقدَّر الاستثمارات السعودية في تركيا بـ6 مليارات دولار فيما يصل حجم الاستثمارات القطرية إلى مليار دولار(2)، وسُجِّل صعود في حجم الاستثمارات الخليجية المباشرة في تركيا، بنسبة 397 بالمئة، في الفترة من يناير/كانون الثاني-مايو/أيار 2017، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي(3). ولهذا كان من أهداف زيارة الرئيس التركي أن يوضح إيجابية موقف تركيا في هذه الأزمة لمنع تدهور العلاقات الثنائية معها وخاصة على الصعيد الاقتصادي وتحديدًا مع السعودية؛ حيث توجد اتفاقيات في مجال التصنيع العسكري ولا تزال عين تركيا على مشاريع مستقبلية كبرى مع دول الخليج. وفي هذه النقطة، تحرص تركيا على تسوية الأزمة؛ لأن نتائج انتصار أي من أطراف الأزمة وهزيمة الآخر سيكون فيه خسارة لتركيا. 

3- منع تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة

تدرك تركيا أن الانقسام الخليجي يصب في مصلحة إيران وسياساتها التي لا تُخفي تركيا استياءها منها، وقد استدعت إيران، في فبراير/شباط 2017، السفير التركي لدى طهران بسبب تصريحات أدلى بها وزير الخارجية التركي والرئيس، رجب طيب أردوغان، اتهما فيها إيران بزعزعة استقرار المنطقة، ولهذا تحتاج تركيا للتعاون والتنسيق مع دول مجلس التعاون لمواجهة السياسة الإيرانية، كما أن أنقرة تدرك اهتمام دول الخليج بها في هذه النقطة خاصة أن هذه الأزمة تُشكِّل فرصة كبيرة حاولت فيها إيران تقديم مواقف تشجع على تقاربها مع كل من قطر وتركيا على الأقل في هذه الأزمة وأيضًا من خلال استغلال الأقليات الشيعية في الخليج. 

4- الخشية من امتداد تداعيات الأزمة إلى تركيا

لا تريد تركيا أن تضطر للاصطفاف الواضح مع قطر فيجعلها ذلك في مواجهة إجراءات قد تتضرر بسببها ومن هذه الإجراءات وقف الاستثمارات وتلويح الدول المقاطعة لقطر بالورقة الكردية في وجه تركيا ورفض التعامل معها في الملف السوري خاصة أن الإعلام السعودي ركَّز على إجراء مقابلات إعلامية مع سياسيين أكراد معارضين لتركيا كما لوحظ نشاط تيار الغد السوري المدعوم من الإمارات في فتح علاقة مع الأكراد المعارضين لتركيا في شمال سوريا، كما أن وساطة تركيا التي تتشارك في الكثير من وجهات النظر تجاه قضايا المنطقة مع قطر يمكن أن تُقرأ من منطلق دعم قطر وعدم تركها وحدها في مواجهة اتهامات يمكن أن تُوجَّه إلى تركيا في نفس الوقت أو لاحقًا. ولهذا، فإن استمرار حوار تركيا مع السعودية يسهم في دعم قطر ويخفف من أضرار عملية استعداء تركيا أو التحريض عليها. 

5- الاستفادة من التقارب مع الموقف الخليجي في بعض ملفات المنطقة

تريد تركيا الاستفادة من الموقف الخليجي بشكل عام في كافة قضايا المنطقة؛ حيث لا تتعارض معه في عدد من الملفات، كالملف السوري، وتحديدًا في مستقبل بشار الأسد والمناطق الآمنة ودعم اللاجئين، وكذلك الحال في الشأن اليمني وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كما تدرك تركيا أن القوى الإقليمية مثلها إن لم تقم بالوساطة فإن القوى الدولية سوف تقوم بها وفق شروطها ومصالحها.

6- رغبة تركيا في استعادة دورها الذي كان قبل الربيع العربي

يهيئ دور الوساطة لتركيا فرصة لكي تُكرِّس الصيغة الجديدة من سياستها الخارجية التي بدأت مع قدوم رئيس الوزراء، بن علي يلدرم، والتي تعتمد على زيادة عدد الأصدقاء وتقليل عدد الأعداء، وهي ما كانت عليه قبل الربيع العربي. 

تعامل تركيا مع مطلب خروج قواتها من قطر 

بالرغم من أن بروتوكول التعاون الدفاعي بين قطر وتركيا قد وُقِّع قبل الأزمة إلا أن المصادقة السريعة من البرلمان والرئيس التركي، في السابع والثامن من يونيو/حزيران 2017، -أي بعد يومين من الأزمة- على مشروع قانون يُجيز نشر قوات مسلحة تركية في الأراضي القطرية قد أدَّت إلى شعور الدول الأربعة المقاطعة لقطر بالقلق. وفي هذا السياق، وبعد إرسال الدفعة الأولى من الجنود الأتراك، وصل وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، في زيارة لاستطلاع موقف أنقرة، ولهذا اعتمد الموقف التركي على إرسال رسائل طَمْأَنَة وحيادية من خلال التأكيد على أن القاعدة العسكرية التركية في قطر، هي لحماية أمن الخليج كله، وأن الاتفاق بشأنها قد تم في 2014، وهي لمسألة التعاون مع دول المنطقة وللدفاع عنها ضد أي تهديد، وليست لها علاقة بما يجري مع قطر، وليست موجهة ضد أحد (4). 

ومع أن الموقف بدا إيجابيًّا بعد زيارة وزير خارجية البحرين إلى أنقرة وبعد لقاء وزير الخارجية التركي مع الملك سلمان في الرياض، في 16 يونيو/حزيران 2016، واتفاق الرئيس التركي مع الملك سلمان وولي عهده هاتفيًّا، في 22 يونيو/حزيران 2016، على زيادة الجهود لإنهاء الأزمة إلا أن الدول الأربعة قدمت لقطر، في 23 يونيو/حزيران 2017، قائمة مطالب تحوي 13 مطلبًا كان أحدها إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر (5). وقد بدا أن هذا المطلب سيجعل تركيا تصطف بشكل أكثر وضوحًا وقوة مع قطر خصوصًا مع انتقاد تركيا للإجراءات ضد قطر، وبالفعل استمرت تركيا في إرسال دفعات من الجنود إلى قطر وصل مجموعها إلى حوالي 300 عسكري وقد بلغت حتى كتابة هذه السطور إلى 6 دفعات (6). 

الدفعات التركية إلى قطر

تاريخ الوصول

الأولى ( وفد عسكري)

8 يونيو/حزيران 2017

الثانية

22 يونيو/حزيران 2017

الثالثة

29 يونيو/حزيران 2017

الرابعة

1 يوليو/تموز 2017

الخامسة

11 يوليو/تموز 2017

السادسة

17 يوليو/تموز 2017

ولكن بينما لم تتقبل تركيا مطلب إغلاق قاعدتها في قطر واعتبرته تدخلًا في العلاقات الثنائية، فقد ركزت على أن القاعدة العسكرية التركية في قطر هدفها دعم الأمن في المنطقة كلها، وعلى رغبة تركيا في حلِّ الأزمة عبر الحوار (7). كما أنها لم توصد الباب تمامًا حول إغلاقها مؤكدة أن الإمكانية الوحيدة لإغلاق القاعدة التركية في قطر هي أن يأتي طلب بذلك من الدوحة (8). وفي هذا الإطار، كانت محددات الخطاب التركي بشأن طلب إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر تعتمد على التالي:

  1. يعد الطلب تدخلًا في العلاقات الثنائية وفي سيادة تركيا.
  2. ربط موضوع القاعدة التركية بالأزمة مع قطر أمر غير صحيح.
  3. التأكيد التركي على أن القاعدة التركية في قطر لا تُمثِّل انحيازًا لقطر في الأزمة الخليجية.
  4. أن القاعدة تم الاتفاق عليها مسبقًا وأن هناك 80 تركيًّا كانوا متواجدين في القاعدة قبل بداية الأزمة.
  5. الطلب مستغرب لاستعداد تركيا لإنشاء قاعدة مشابهة في السعودية ولكن ذلك لم يلق قبولًا سعوديًّا.
  6. الاستغراب من طلب إغلاق القاعدة التركية بينما لا يتم طلب إغلاق القاعدة الأميركية والفرنسية.
  7. إغلاق القاعدة لن يتم من طرف تركيا إلا إذا طلبت الدوحة ذلك. 

وفيما حاولت تركيا التأكيد على حيادها وعدم ارتباط ملف القاعدة بالأزمة إلا أن الدول المقاطعة لقطر لم تكن مرتاحة لوصول الدفعات الجديدة من الجنود الأتراك ولم تكن مطمئنة لحياد تركيا ولذلك دعا وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، تركيا إلى البقاء على الحياد في الأزمة مؤكدًا على "خليجية" الأزمة وآملًا أن تستمر تركيا على الحياد. 

ولهذا، حاولت تركيا أن تطمئن السعودية تحديدًا من خلال الإبقاء على التواصل معها بإجراء الاتصالات كما حدث بين وزير الدفاع التركي، فكري إيشيق، ووزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان، كما بقيت على اتصال بالأطراف المباشرة في عملية الوساطة كالكويت والولايات المتحدة، وقد بحث كل من وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، ونظيره الأميركي، ريكس تيلرسون، الأزمة الخليجية قبل توجه تيلرسون للكويت في إطار مسعى أميركي جديد لحل الأزمة الخليجية المتفاقمة.

وفيما يبدو أن الدبلوماسية التركية مع جهود أخرى قد نجحت في لعب دور إيجابي بحيث قامت الدول الأربعة بإسقاط شرط إغلاق القاعدة التركية في سياق تراجعها عن قائمة المطالب الـ13 لصالح 6 مبادئ جديدة كما استطاعت ترتيب زيارة للرئيس، أردوغان، للسعودية والكويت وقطر، كما أن تركيا حاولت فيما يبدو نزع فتيل القلق تجاه موقفها من خلال جملة خطوات كان منها اتصال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بنظيره المصري، سامح شكري، حيث تناولا أزمة المسجد الأقصى ويرجح أنه تم تناول موضوع الأزمة مع قطر خاصة أن الاتصال تم أثناء الزيارة إلى السعودية (9). 

وقد ظهر هناك نوع من الارتياح تجاه الزيارة بالرغم من عدم وجود أي نتائج ملموسة؛ وقد برز هذا في حديث وزير الخارجية البحريني؛ حيث قال: إن تركيا يمكن أن تكون عامل استقرار رئيسيًّا مهمًّا في استقرار المنطقة، لكنه في ذات الوقت لم يُخفِ امتعاضه من توقيت إرسال القوات التركية (10)، خاصة أن تركيا استمرت في إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع القوات القطرية. وبهذا، يتضح أن تركيا حاولت تبنِّي مقاربة متوازنة لا تتراجع فيها عن مساندتها واتفاقاتها العملية مع قطر مع بذل جهد دبلوماسي تصالحي مع الأطراف الأخرى. 

فرص ومعوقات الوساطة 

أولًا: فرص نجاح الوساطة التركية

يوجد هناك بعض الفرص والعوامل التي قد تسهم في نجاح الوساطة التركية التي إن جاز التعبير لنا أن نسميها مساعي إيجابية في إطار الوساطة الكويتية، ومن هذه الفرص ما يلي: 

1- الخطاب المتوازن تجاه الأزمة وتحديدًا في بدايتها

يتضح من خلال مراجعة المواقف الأولية لكافة المسؤولين الأتراك تجاه الأزمة أن هناك حرصًا على التأكيد على أن جميع أطراف الأزمة هم "إخوة لتركيا" وتجمع تركيا بهم علاقات استراتيجية. وفي هذا السياق، لوحظ أيضًا تركيز على الإعلاء من شخصية السعودية والملك سلمان ودوره حيث شدَّد الرئيس التركي على أن "السعودية هي الشقيق الأكبر لمنطقة الخليج العربي وهناك دور كبير يقع على عاتقها لحل الأزمة الخليجية، والملك سلمان يأتي في مقدمة الشخصيات القادرة على حلِّ الخلاف"(11). 

2- حرص تركيا على أن تكون مساعيها جزءًا من الوساطة الكويتية

تحاول تركيا العمل ضمن الوساطة الكويتية وليس كوسيط مستقل وتعمل على تقديم الدعم والتسهيل للوساطة الكوييتة وقد ظهر هذا من خلال التواصل مع الكويت وفي هذا إدراك لحساسية "خليجية الأزمة"، إضافة إلى نجاح المبادرة الكويتية للوساطة بين نفس الأطراف في 2014. 

3- إدراك تركيا لحاجة دول الخليج لمساندة الموقف التركي في المواجهة مع إيران

وفي هذا الخصوص تدرك تركيا أن دول الأزمة ستراعي الدور التركي في حل الأزمة؛ حيث إنها لا تريد أن تضحي بتركيا في مواجهتها مع إيران خاصة بعد أن حرصت إيران على التواصل مع كل من تركيا وقطر في الأيام الأولى للأزمة. 

4- تراجع دول الخليج عن مطلب إغلاق القاعدة التركية

شكَّل التراجع عن قائمة المطالب الـ13، وخاصة مطلب إغلاق القاعدة التركية، فرصة جيدة لتركيا لكي تلعب دورًا أفضل في حل الأزمة، وقد جاء هذا بعد تأكيد تركيا على أن موضوع القاعدة ليس انحيازًا لقطر في هذه الأزمة. 

5- دخول تركيا في الجهود الأميركية

بعد التراجع والتردد الأميركي في التعامل مع الأزمة، دخلت تركيا في الجهود التي يقوم بها وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، وهذا يعتبر عاملًا جيدًا خاصة أن هناك اعتقادًا سائدًا بأن الأزمة قد بدأت بعد زيارة ترامب للرياض وبضوء أخضر منه. 

6- الذكاء الدبلوماسي والسلوك القطري العقلاني في إدارة الأزمة

أسهمت المقاربة العقلانية القطرية في التعامل مع الأزمة في نجاح الوساطات بشكل عام؛ حيث اعتمدت على أسلوب تفريغ الأزمة ولم تسهم في تأجيجها، وبالتالي جنَّبت أصدقاءها الاضطرار لخيارات صعبة. 

7- الدعم التركي السابق للسعودية واستمرار التعاون الدفاعي معها

وقد ظهر هذا بشكل واضح في عملية "عاصفة الحزم"، إضافة إلى التقارب في العديد من النقاط فيما يتعلق بسوريا، وقد قالت وزارة الدفاع التركية خلال الأزمة الحالية: إن الوزيرين، إيشيك وابن سلمان، توصلا إلى تفاهم حول تعزيز التعاون بين البلدين، في مجال التدريب العسكري، وإقامة المشاريع المشتركة في مجال الصناعات الدفاعية. 

8- القدرات الدبلوماسية لتركيا في حلِّ الأزمات

قامت تركيا بتفكيك أزماتها مع العديد من الدول مؤخرًا من خلال الحوار المباشر، ومن هذه الدول: روسيا وإسرائيل والعراق، وبالتالي حتى لو تم النظر إليها كطرف في الأزمة فإنها ستعمل على لعب دور إيجابي في حل الأزمة، كما لا تزال تركيا تنسِّق بشكل فعال مع عدد من الدول المهمة مثل روسيا وفرنسا. 

وبصورة عامة، وفيما يتعلق بإدارة الأزمات الدولية، فإن هناك عوامل نجاح للوساطة لابد أن يراعيها الوسيط، وقد لوحظ أن تركيا قد قامت بها بشكل جيد، ومن هذه العوامل:

  • التدخل في المساعي الإيجابية في وقت مبكر: وقد حدث هذا منذ وقوع الأزمة.
  • محاولة معالجة جذور الأزمة: وقد ظهر هذا في إرسال وفد تركي للرياض لمحاولة استيضاح الأسباب الحقيقية للأزمة.
  • الوضوح والشفافية: حيث أعلنت تركيا بكل وضوح رفضها للإجراءات الهادفة إلى عزل قطر كما رفضت التدخل في موضوع القاعدة التركية بشكل واضح.
  • استخدام سياسة العصا والجزرة: فمن ناحية استمرت تركيا في إرسال قواتها لقطر وفي ذات الوقت عملت على تحسين علاقاتها مع السعودية.
  • وجود تأثير على أحد أطراف الأزمة: وفيما يمكننا القول: إن علاقة تركيا الجيدة مع قطر قد تسبَّبت في نظرة سلبية من الطرف الآخر لها أو شكَّكت في دورها لكن علاقتها الجيدة من زاوية أخرى قد تكون عاملًا مساهمًا في حل الأزمة(12). 

ثانيًا: معوقات الوساطة التركية 

وفي ذات الوقت أيضًا، يوجد هناك عدد من العوامل المعوقة للمساعي التركية في حل الأزمة، ومنها: 

1- مطلب إغلاق القاعدة التركية في قطر

يُعدُّ هذا المطلب من أحد أقوى العوائق لوساطة تركيا وبالرغم من التراجع عنه إلا أن الوجود العسكري التركي في قطر قد اعتُبر أنه تحدٍّ للدول المقاطِعة لقطر، كما أنه لا يزال يُشكِّل عامل عدم ارتياح للدول المقاطعة لقطر ولدول أخرى أيضًا غير مرتاحة لاستعمال تركيا لأدوات القوة الخشنة. 

2- الدعم والمساندة التركية لقطر خلال الأزمة

منذ اليوم الثاني للأزمة، أكد الرئيس التركي على الاستمرار في تقوية العلاقات مع قطر ومع كل الأصدقاء الذين وقفوا مع تركيا في الأوقات الصعبة، في إشارة واضحة إلى موقف قطر المسانِد لتركيا أثناء محاولة انقلاب 15 يوليو/تموز 2016، إضافة إلى قيام تركيا بسدِّ الفجوة في الإمدادات الغذائية بعد قطع السعودية والإمارات للعلاقات التجارية مع قطر وقد اعتُبر هذا الموقف اصطفافًا تركيًّا مع قطر. 

3- تسريع تركيا للاتفاقية الدفاعية مع قطر تزامنًا مع الأزمة

اعتُبرت مصادقة البرلمان التركي على نقل قوات تركية إلى قطر في اليوم الثالث لاندلاع الأزمة موقفًا مساندًا لقطر ومناوئًا للدول المقاطِعة لها؛ وقد ذكر أمير قطر في خطابه الأول بعد الأزمة: "لا يفوتني أن أشيد بالدور الهام الذي لعبته تركيا في إقرارها السريع لاتفاقية التعاون الاستراتيجي الموقَّعة بيننا والمباشَرة في تنفيذها وأشكرها على استجابتها الفورية لتلبية احتياجات السوق القطرية"(13). 

4- تقارب السياسات الخارجية التركية والقطرية

لا شك أن تقارب وجهات النظر بين تركيا وقطر تجاه أحداث المنطقة وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وقضايا التغيير في العالم العربي بشكل خاص يُنظر إليه بشكل سلبي من قبل الدول المقاطعة لقطر. ويمكن النظر إلى العلاقة المتميزة بين الدولتين من خلال لقاءات القمة التي عُقدت بينهما؛ فعلى سبيل المثال عُقدت حوالي 12 قمة بين الرئيس التركي وأمير قطر خلال السنتين اللتين سبقتا الأزمة الحالية. وبالتالي من شأن ذلك أن يعوق مساعي الوساطة التركية ويجعل هذه الدول تشعر وكأنها تتعامل مع خصم وليس مع وسيط في الأزمة. 

5- العلاقة التركية المتوترة مع الإمارات

وقد ظهر ذلك في محطات متعددة منها على سبيل المثال تعليق الوزير الإماراتي، أنور قرقاش، على الزيارة التي أجراها الرئيس التركي للسعودية، بالقول: إن "زيارة الرئيس التركي لا تحمل جديدًا، والموقف المتسرع لبلاده جعل الحياد أفضل خيارات أنقرة"، مُبَيِّنًا أن "المراجعة القطرية ستحقِّق ما لن تحققه الزيارات المتكررة"(14). ويضاف لهذا كثير من التلميحات في الإعلام التركي التي أشارت إلى دور الإمارات في انقلاب 15 يوليو/تموز في تركيا. 

6- توتر علاقات تركيا مع الغرب

إن توتر علاقات تركيا مع عدد من دول الاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا، ربما يكون له انعكاس سلبي على التنسيق المشترك تجاه الأزمة ولو لم يكن هناك توتر لكان التنسيق التركي-الألماني مفيدًا جدًّا خاصة أن ألمانيا لم تتعاطَ مع الإجراءات المقاطعة لقطر. 

7- عدم تعاطي القيادة السعودية بشكل جدي مع الوساطة التركية

وقد ظهرت بوادر ذلك في عدم خروج جولة الرئيس التركي بنتائج ملموسة ومن قبلها زيارة وزير الخارجية التركي بل على العكس قد أُتبعت هذه الزيارات بمواقف تُكرِّس الأزمة، مثل طلب إغلاق القاعدة ثم الإعلان عن قائمة من المطلوبين. 

8- تكرر الأزمة بظروف جديدة وإصرار الدول المقاطعة

يجعل تكرر الأزمة مرة أخرى في 2017 بعد اندلاعها في 2014 حلَّها أصعب من ذي قبل، كما يُشكِّل إصرار الدول المقاطعة على رفض الحوار المباشر وعلى التمترس خلف مطالب محددة مشكلة في تقدم أية عملية وساطة، كما أن الدعم الأولي من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد يُشكِّل عائقًا هذه المرة؛ حيث كان موقف الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، أكثر توجهًا نحو حل الأزمة. 

9- التصعيد الإعلامي

يُشكِّل التصعيد والتحريض الإعلامي في وسائل الإعلام المحسوبة أو المقربة من تركيا أو من الدول المقاطعة لقطر عاملًا في تهئية ظروف سلبية للوساطة، وقد ظهر هذا بشكل واضح في عدد من الصحف وفي وسائل التواصل الاجتماعي. 

خاتمة 

تُشكِّل المساعي التركية في حل الأزمة الخليجية مساهمة مهمة، ومن الواضح أن تركيا تحاول بذل جهد كبير في ذلك ولكن ثمة عوامل مهمة في نجاح هذه المساعي في إطار مساع أخرى تحت سقف الوساطة الكويتية ويأتي على رأس هذه العوامل جميعها، الموقف الأميركي من إنهاء الأزمة ومرونة الطرف السعودي والإماراتي في التعامل مع الوساطة، ومع أنه لم يكن هناك توقع بتحقيق الوساطة التركية لاختراقات مهمة في الأزمة إلا أن انخراط تركيا في هذه العملية يُسهم في منع تدهور الأزمة كما يُخفِّف حتى الآن من الانعكاسات السلبية المحتملة للأزمة على تركيا خاصة بعد موقفها المساند لقطر.

__________________________________

محمود الرنتيسي، باحث متخصص بالشأن التركي

ABOUT THE AUTHOR

References

1- “Cumhurba?kan? Erdo?an'dan Kuveyt ajans?na önemli mesajlar”, AHABER, 8  May?s 2017:

http://www.ahaber.com.tr/gundem/2017/05/08/cumhurbaskani-erdogandan-kuv…

2- الكاشف، شهدي، "ما هي تبعات موقف أنقرة من قطر على العلاقات التركية السعودية؟"، بي بي سي، 9 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2017):

 http://www.bbc.com/arabic/media-40223595

3- آدييامان، سوال أوجاق، "أربعة أضعاف نسبة نمو الاستثمارات الخليجية في تركيا"، وكالة الأناضول، 27 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 27 يوليو/تموز 2017):

 https://goo.gl/4UZ3sx

4- "وزير خارجية البحرين: القاعدة العسكرية التركية في قطر لحماية أمن الخليج كله"، ديلي صباح، 10 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 25 يوليو/تموز 2017):

 https://www.dailysabah.com/arabic/turkey/2017/06/10/foreign-minister-of-bahrain-the-turkish-military-base-in-qatar-to-protect-the-security-of-the-entire-gulf

5- ماكلين، وليام والجمل، رانيا، "دول عربية تطالب قطر بإغلاق الجزيرة"، رويترز، (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2017):

 http://ara.reuters.com/article/idARAKBN19E0C4

6-   " Türkiye'den Katar'daki tatbikat öncesi son sevkiyat", Haber Turk, (Giri? Tarihi: 28 Temmuz 2017):

 http://www.haberturk.com/gundem/haber/1569066-turkiye-den-katar-daki-tatbikat-oncesi-son-sevkiyat#

7-  "تركيا: طلب إغلاق قاعدتنا العسكرية بقطر تدخُّل بشؤوننا"، الخليج أونلاين، 23 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2017):

  https://goo.gl/H6bNFU

8- "أردوغان: سنغلق القاعدة العسكرية التركية بقطر في حالة واحدة"، ديلي صباح، 5 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2017):

  https://www.dailysabah.com/arabic/turkey/2017/07/05/erdogan-we-will-close-the-turkish-military-base-in-qatar-in-one-case

9- المطيري، خالد، "وزير خارجية البحرين يوضح موقفهم من القاعدة التركية بقطر"، الخليج الجديد، 28 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2017):

  http://thenewkhalij.org/ar/node/75952

10- "D??i?leri Bakan? Mevlüt Çavu?o?lu, M?s?r D??i?leri Bakan? Samih ?ükri ile görü?tü", NTV, (Giri? Tarihi: 28 Temmuz 2017): http://www.ntv.com.tr/turkiye/son-dakika-haberi-cavusoglu-misir-disisleri-bakani-ile-gorustu,6QgwCmZ8aE-cQ3RtJWTPNw

11- المصري، أحمد، "الرئيس التركي والعاهل السعودي يبحثان العلاقات الثنائية ومكافحة الإرهاب"، وكالة الأناضول، 23 يوليو/تموز 2017 (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2017):

https://goo.gl/K4Da32

12- المصري، سيد قاسم، "الوساطة الدولية في النزاعات الداخلية"، الشروق نيوز، 23 أبريل/نيسان 2012، (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2017):

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=22042012&id=84b47922-ee46-4161-bf6c-61512fc12132

13- "أول خطاب لأمير قطر يتناول الأزمة الخليجية"، الجزيرة نت، 22 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 28 يوليو/ تموز 2017):

https://goo.gl/6RbQsU

14- "الإمارات تعلِّق على زيارة أردوغان"، ترك برس، 25 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2017):

 http://www.turkpress.co/node/37399