مقدمة
يتناول هذا التعليق دلالات الاتفاق وتداعياته على لبنان، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: موقع لبنان في نص الاتفاق، وانعكاسات الاتفاق على مفاوضات واشنطن، وتأثيراته المحتملة على حزب الله والداخل اللبناني.
لبنان في نص الاتفاق
أصبح من الواضح أن لبنان يحتل مكانة مركزية في الاتفاق المبرم بين واشنطن وطهران وفي الفقرة الأولى منه التي ذُكر فيها ثلاث مرات. فقد نَصَّ الاتفاق على أن "الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية" الذي يشمل "جميع الجبهات" ينص على لبنان بالاسم من بينها. ويشمله "التعهد بعدم شَنِّ أي حرب أو عملية عسكرية" ضده أو منه مستقبلًا، و"الامتناع عن التهديد باستخدام القوة" مع نصِّه على "ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته". وبحسب النص أيضًا "سيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، إلى جانب البنود الأخرى الواردة في هذه الفقرة".
أولًا: النص على لبنان، يرفع أي التباس أو غموض مما قد يكتنفه عند ذكر "الجبهات"، ويبقى الالتباس قائمًا حول الجبهات الأخرى، مثلًا، هل يشمل غزة؟ وبالتالي يجب وقف إطلاق النار فيها. فضلًا عن العراق واليمن.
ثانيًا: تخصيص لبنان بالذكر في الاتفاق دون الجبهات الأخرى تأكيد على استمرار خصوصية لبنان في البُعد الأيديولوجي والإستراتيجي الإيراني. فبخصوص الأول، إن تنازل إيران عن العلاقة الخاصة بحزب الله يعني أن تفقد ولاية الفقيه، روح النظام الإيراني، إحدى أهم خصائصها: ولايتها السياسية على شيعة الخارج، والعلاقة مع حزب الله تمثل النموذج الأمثل، لاسيما إذا أُخذت في الاعتبار العلاقة التاريخية الخاصة بين شيعة لبنان وإيران منذ الحقبة الصفوية. أما إستراتيجيًّا فإن دُرَّة تاج "الدفاع المتقدم" لإيران لا يزال هو لبنان رغم كل ما تعرض له من ضربات وخسائر.
ثالثًا: إن تأكيد الخصوصية اللبنانية بالمحصلة هو تأكيد على تمسك إيران بنفوذها في المنطقة، رغم استعدادها لتقديم تنازلات في الملف النووي. مع العلم أن ملف النفوذ لطالما كان أحد أهم ثلاثة ملفات للعقوبات على إيران أو من أسباب الحرب عليها، أي إضافة إلى الملف النووي والصواريخ البالستية. وعند الحديث عن نفوذ إيران يحضر "أمن" ومطالب إسرائيل في المنطقة. وهذه القضايا لا يشملها الاتفاق، وفق بنيامين نتنياهو، الذي أكد أن إسرائيل ماضية في تحقيق مصالحها بغضِّ النظر عن الاتفاق؛ ما يجعل الموقف الإسرائيلي أحد أبرز التهديدات التي تواجه الاتفاق.
رابعًا: إن الاتفاق يؤكد بنصه ارتباط طاولة التفاوض في واشنطن بالطاولة في لبنان، لأنه يتضمن تأكيد شموله بوقف إطلاق نار دائم وفوري، كما يؤكد على سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وهو ما يعني حُكمًا ضرورة خروج إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية.
أهم انعكاسات الاتفاق على مفاوضات واشنطن
هذا الاتفاق لا يتناقض بنصِّه مع طاولة التفاوض التي تجري في واشنطن، والتي تستكمل اجتماعاتها لتضع أسس "التسوية" المحتملة بين لبنان وإسرائيل. وقد أكد رئيس الجمهورية، جوزاف عون، ونواف سلام، استمرار تفاوض لبنان مع إسرائيل، فيما رحّب عون بتضمين لبنان في الجهود الرامية إلى إنهاء التصعيد ووقف الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات. بالمحصلة، قد يمنح هذا الاتفاق المفاوض اللبناني قدرة تفاوضية افتقدها في الجولات السابقة، ولأسباب عدة، من أهمها:
- تحتاج الأطراف، وخاصة واشنطن، في أول مرحلة من الاتفاق، أي خلال الستين يومًا، إلى بناء الثقة مع إيران، وسيكون أحد العوامل الحاسمة في هذا الشأن التزام الأطراف بوقف الحرب، ومنها التزام إسرائيل جديًّا بوقف إطلاق النار في لبنان، أو عدم الاستمرار بتجاهلها له مرارًا. وقد أظهرت إيران حتى اللحظة جدية في التزامها بلبنان واستعدادها للمغامرة بالاتفاق من أجله.
- واشنطن كما هي طرف في هذا الاتفاق فإنها الراعي للتفاوض اللبناني-الإسرائيلي، ومعنية مباشرة بضبط هذا المسار كي لا ينعكس سلبيًّا على الاتفاق ما دامت لا تريد عودة الحرب أو نقض الاتفاق نفسه. ويتعزز الحرص الأميركي على رعاية الاتفاق، بملاحظة أن هناك استحقاقات تواجه ترامب، منها اقتصادية لا يناسبها إغلاق مضيق هرمز واستمرار الحرب والتوتر، وأخرى تتعلق بانتخابات الكونغرس المقبلة وسواها من التحديات الداخلية التي ستنشأ بعد ذلك.
- إسرائيل رغم معارضتها للاتفاق، إلا أنها تستطيع التكيف معه إذا أصرَّ ترامب على تطبيق شقه اللبناني. لأن تقدمها الميداني لم يقرِّبها من حسم الحرب لصالح أهدافها السياسية. واقتراب موعد الانتخابات في إسرائيل بقدر ما يحفز نتنياهو على تخريب الاتفاق إلا أنه إذا أدرك عجزه عن ذلك فإنه سيتجه لتحقيق إنجازات في طاولة المفاوضات بواشنطن، وهو ما ستدعمه به واشنطن وترامب على وجه الخصوص في هذه الحالة.
لكن هذه الأسباب تؤكد أن المفاوضات في واشنطن ستظل مرتبطة إلى حدٍّ ما بمسار التفاوض في الإقليم، وهو ما يعبِّر لبنان الرسمي عن خشيته منه، فبقدر ما يريد أن يستفيد من نتائج مفاوضات إسلام آباد، إلا إنه لا يزال يرفض ربط الجبهة اللبنانية بمسار التفاوض الإقليمي. لأن فشل هذه المفاوضات قد يحدث في أي مرحلة من مراحلها، وسيكون لذلك تداعيات على لبنان أقلها عودة الحرب بنفس الوتيرة السابقة التي لا يستطيع لبنان تحمل المزيد منها. كما أن المفاوضات الإقليمية قد تفضي، في مراحل معينة، إلى فصل المسار الإيراني-الأميركي عن لبنان، إذ لطالما تعاملت واشنطن مع الأزمة اللبنانية بوصفها ملفاً مزمناً تتفادى التورط المباشر فيه. وفي المقابل، قد تعود إيران إلى إدارة الملف اللبناني عن بُعد متى ضمنت مصالحها الأساسية المرتبطة بأمنها القومي.
أهم انعكاساته على حزب الله والداخل اللبناني
يأتي هذا الاتفاق في ظل تصاعد الخلاف حتى التصدع بين رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة، وحزب الله من جهة أخرى، إضافة إلى استمرار خلافهما مع رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل، نبيه بري، ولكن بوتيرة مختلفة. وتتركز الخلافات الراهنة في سياق هذه الحرب، حول دور حزب الله في الحرب الذي ترفضه السلطة اللبنانية، وحول المفاوضات المباشرة في واشنطن التي يرفضها حزب الله.
من المتوقع أن يسهم الاتفاق في كسر حدة الخلافات في لبنان بعد أن وضع المعطى الدولي والإقليمي في هذا الاتفاق أساسًا لمقاربة الأزمة اللبنانية بأحد أهم شقيها، أي الشق المتعلق بإسرائيل والإقليم، وسينعكس في الشق الآخر، أي الداخلي. فكلما تعزز مسار التفاوض الإقليمي واستمر، ازدادت فرص تحسن العلاقات بين المكونات السياسية والطائفية اللبنانية. وسيكون اللبنانيون أقرب إلى تأسيس مسار لتسوية أزماتهم الداخلية التي تتراوح بين تعزيز سيادة الدولة والإصلاح الاقتصادي وإيجاد تسوية مقبولة مع إسرائيل. ما يعني أن مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي مستمر بديناميته الخاصة وبدفع من قوى الإقليم. بل وبتأثير من الاتفاق، فإن تحفظ حزب الله على تفاوض لبنان "المباشر" مع إسرائيل لن يكون إلا بالتعبير عن رفضه مبدأيًّا وعقائديًّا، أما سياسيًّا فإنه سيحتويه ويتجاوز مفاعيله السياسية، وسيكون أكثر انفتاحًا على قبول نتائجه المرحلية أو النهائية، لاسيما إذا ما كانت تفضي إلى وقف حقيقي لوقف النار وتضع إطارًا واضحًا لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
ولكن التحدي الأكبر، أن هذه الخلافات الناشئة في سياق الحرب، ليست إلا على صلة بتلك المزمنة، ولن يسهم الاتفاق في حلِّها بشكل مباشر، لأن منشأها لبناني وتتصل بأزمة النظام اللبناني نفسه، على رأسها سلاح حزب الله في الداخل اللبناني وعلاقة الحزب مع إيران ودوره الإقليمي.
والاتفاق الإقليمي برغم تداعياته الإيجابية على لبنان، فإنه ينطوي على مخاطر لا يمكن تجاهلها. فهذا الاتفاق رغم تأكيده على وقف الحرب بشكل دائم نتيجة لربط جبهة لبنان بجبهة الإقليم، إلا أنه بالمقابل لم يربط مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل بالاتفاق نفسه، بل بتأكيده على سيادة لبنان جعله للسلطة اللبنانية. وبذلك تكون إيران قد كرَّست مبدأ ترابط الجبهات في ما يتعلق بوقف الحرب، فيما نجحت واشنطن في إبقاء مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي ضمن الإطار اللبناني الرسمي.
ولا يمكن في السياق اللبناني وتطوراته فصل السياق الإقليمي عنه خاصة في ملف السلاح. وهناك توافق كبير بين واشنطن وإسرائيل على نزع سلاح حزب الله، ولا يمكن فهم تصريحات ترامب المتكررة حول تدخل سوريا في لبنان ومواجهة حزب الله، إلا وهي على صلة بهذا الملف تحديدًا. مع الإشارة إلى أن الشرع قد أكد مرارًا أنه ليس بوارد التدخل في لبنان.
أما موقف حزب الله، فإنه يرفض نزع سلاحه أو كل ما يؤدي إليه تحت أي عنوان، حصره أو تسليمه وما إلى ذلك. لأنه حتى ولو فرضنا انتفاء أسبابه الإقليمية، وهو ما لم يحدث بعد، فإن أسبابه المحلية بالنسبة له تبقى قائمة. وبالتجربة، فإن حزب الله يتمسك بالسلاح طورًا بعنوان الدفاع عن لبنان في مواجهة الخارج ويسمي إسرائيل و"التكفيريين"، وطورًا آخر بعنوان "الضمانة" للشيعة في الكيان اللبناني بوصفهم أقلية إقليمية. وبنفس السياق، يرفض أن يكون السلاح من تكلفة "التسوية" مع إسرائيل، رغم النكبة الكبيرة التي أصابت ترسانته نتيجة الحرب حتى اللحظة، وصعوبة تجديدها لتعويض الخسائر بكفاءة كما حدث في أعقاب الحروب السابقة لاسيما بعد عام 2006، خاصة وأن النظام الحليف له في سوريا قد تغير، أي نظام الرئيس بشار الأسد. وبهذا الاعتبار ستبقى "تكلفة" التسوية مع إسرائيل، مهدِّدًا أساسيًّا لاستقرار الوضع اللبناني، كما ستكون أحد الأسباب المهدِّدة لوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، وستبقى بهذا أشبه بالنافذة التي تعيد إيران للجبهة اللبنانية أو للتأثير في طاولة التفاوض اللبنانية-الإسرائيلية، بوصفها الضامن لحزب الله أو أن تكون هي الضمانة له.
وبهذا، فإن الاتفاق لبنانيًّا محكوم واقعيًّا بتلازم المسارين، المحلي والإقليمي، وستبقى الجبهات كما طاولة المفاوضات اللبنانية والإقليمية كل منها تفضي للأخرى، وهو ما يؤكد أن ظاهرة حزب الله ستبقى إقليمية حتى أثناء انحسارها وحتى آخر لحظة، كما كانت أثناء صعودها، ولا يزال سلاحه هو أساسها بوصفه ضمانة وسلاحًا للداخل والخارج، ولعلاقته الخاصة مع إيران. وأي تصور لاستبدال السلاح بضمانات سياسية لن تكفي إلا إذا كانت طهران هي العامل الأساس فيها.
لهذا لا يمكن نفي أن الاتفاق يعزز من قوة حزب الله محليًّا نسبيًّا، مع الأخذ بالاعتبار أنه لم يعد بالإمكان أن يعود بقدرته ونفوذه في الكيان اللبناني إلى ما كانت عليه قبل حرب السابع من أكتوبر، وهو ما يدركه حزب الله لهذا اتجه، والأرجح عفويًّا، في مواجهة الداخل إلى إعادة اعتماد تكتيكات تُذكِّر، ولو بصورة جزئية ومختلفة، ببعض ما اعتمده خلال ثمانينات القرن الماضي. فهو يعتمد خطابًا تعبويًّا لحاضنته في مواجهة السلطة وعدم ائتمانها على أي شيء دون أي ضمانة إقليمية لاسيما من إيران، مع التمسك بالحق في استعادة أسباب القوة المذهبية محليًّا، لأنها من مكونات الكيان اللبناني.
بالمحصلة، لا يمكن التعجل في استشراف مسار التسوية الذي قد يُبنى على الاتفاق الإقليمي الراهن. إلا أن هذا الاتفاق أنعش الآمال بإعادة شيء من روح وعناصر تفاهم نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلى طاولة المفاوضات الجارية في واشنطن. وهو ما يصر عليه رئيس مجلس النواب، نبيه بري، ويقبل به حزب الله أساسًا لأية تسوية محتملة. غير أن إسرائيل تجاوزت عمليًّا ذلك التفاهم؛ إذ فرضت حقائق جديدة على الأرض، ووسَّعت نطاق سيطرتها واحتلالها لأراضٍ لبنانية تتجاوز المنطقة التي كان يُفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني بموجب ذلك التفاهم. وكان جوهر التفاهم السابق قائمًا على مبدأ التلازم والتدرج في الخطوات؛ بحيث يقابل كل إجراء لبناني يتعلق بوقف إطلاق النار، وحصر السلاح جنوب لبنان، وانسحاب مقاتلي حزب الله من المنطقة، خطوة إسرائيلية موازية باتجاه الانسحاب التدريجي من الأراضي اللبنانية.
إلا أن كل هذا مرهون بنجاح الاتفاق وبمدى قدرة أو حرص إيران على التمسك بشرط لبنان في الاتفاق، ومن ثم بمدى توافق الإقليم -ومنه إسرائيل- على الحد المقبول من حصر سلاح حزب الله، فضلًا عن الأطراف اللبنانية الداخلية. لهذا فإن المؤكد في الاتفاق أنه سيضع شروطًا وديناميات جديدة لإدارة الإقليم وبالتوازي ستنعكس على لبنان، مع الوقت، وعلى قواعد الاشتباك السياسي فيه.
خاتمة
هذا الاتفاق، في أفضل السيناريوهات اللبنانية، يوفر أرضية مشتركة يمكن أن يجتمع حولها مختلف الأطراف المؤثرة والمعنية بالأزمة اللبنانية. ويأتي ذلك في لحظة إقليمية حرجة تدفع الجميع نحو تقديم تنازلات متبادلة، ولاسيما واشنطن وطهران ما دامتا معنيتين بإنجاح مسار التفاوض الإقليمي، كما تدفع بقية قوى الإقليم إلى دعمه للحدِّ من الكُلف الاقتصادية والسياسية المتراكمة الناتجة عن استمرار المواجهة. أما على المستوى اللبناني، وهو الأكثر تأثرًا بنتائج الاتفاق، فقد كانت كلفة الحرب على لبنان عمومًا، وعلى حزب الله وحاضنته بوجه خاص، مرتفعة للغاية، بما يجعل استمرارها بالوتيرة نفسها أمرًا لا تتوافر مصلحة حقيقية لأي طرف في استمراره. ولهذا فإن القيمة الأساسية للاتفاق لا تكمن فقط في ما قد يفتحه من أفق للتسوية، بل أيضًا في أنه يضع إطارًا سياسيًّا وإقليميًّا يصعب على الأطراف تجاهله. وحتى إذا لم ينجح في إنهاء الحرب بصورة نهائية على الجبهة اللبنانية، فإنه قد يفرض عليها سقوفًا وضوابط جديدة بل قد يجعل كلفة العودة إليها أعلى من كلفة الاستمرار في التفاوض.