الجنوب العالمي وتحولات النظام الدولي: متغيرات القوة وتحديات الصعود

(الجزيرة)

أصدر مركز الجزيرة للدراسات كتابًا جديدًا بعنوان "الجنوب العالمي وتحولات النظام الدولي: متغيرات القوة وتحديات الصعود"، للباحث الدكتور يوسف عنتار، يقدِّم قراءة تحليلية معمَّقة للتحولات التي يشهدها "الجنوب العالمي" في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة التي تطبع النظام الدولي المعاصر، ويبحث في إمكانات تحوُّل هذا الجنوب من فضاء يعاني التبعية والهشاشة إلى قطب دولي أكثر فاعلية وتأثيرًا.

وينطلق الكتاب من اعتبار أن "الجنوب العالمي" لم يعد مجرد توصيف جغرافي بل أصبح مفهومًا سياسيًّا وفكريًّا يعكس اختلالات النظام الدولي، والفجوات الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية التي تشكَّلت منذ الحقبة الاستعمارية وما بعدها. ويرى المؤلف أن فهم قضايا الجنوب العالمي يرتبط بفهم أعمق للتحولات الدولية الجارية، والصراع المتصاعد على إعادة تشكيل موازين القوة بين الشمال الصناعي المهيمن والجنوب الساعي إلى تثبيت حضوره في معادلة دولية مضطربة.

ويتناول الكتاب مجموعة من القضايا البنيوية التي تواجه دول الجنوب، من بينها الهجرة الجماعية، واستنزاف الكفاءات، وتهريب الأموال، وتعثر مشاريع التكامل الإقليمي، إلى جانب أزمة القيادة وغياب مشروع جامع قادر على توحيد الرؤية الجنوبية في مواجهة التحديات الدولية المتزايدة. كما يناقش في المقابل ما يمتلكه الجنوب العالمي من عناصر قوة كامنة، تشمل الموارد الطبيعية، والثقل السكاني، وتنامي أدوار بعض القوى الصاعدة، إضافة إلى تطور بعض التجارب الفكرية والمؤسساتية القادرة على كسر مركزية الغرب في إنتاج المعرفة.

ويطرح الكتاب إشكالية مركزية تتمثل في التساؤل حول ما إذا كان الجنوب العالمي فضاءً متشظيًا تحكمه الهشاشة البنيوية والتبعية أم أنه يمتلك مقومات حقيقية للتحول إلى قطب فاعل يعيد التوازن إلى النظام الدولي. ويناقش هذه الإشكالية من خلال مقاربة تحليلية نقدية تجمع بين التحليل المفاهيمي، والمنهج المقارن، والتحليل البنيوي والسوسيولوجي، مع الاستفادة من تجارب إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

ويتوزع الكتاب على ستة فصول رئيسة؛ يتناول أولها التحولات المفاهيمية المرتبطة بمصطلح "الجنوب العالمي"، بينما يبحث الفصل الثاني في مظاهر الهشاشة البنيوية والعوامل الطاردة داخل دول الجنوب. أما الفصل الثالث فيناقش أسباب تعثر مشاريع التكامل الإقليمي، في حين يركِّز الفصل الرابع على أزمة القيادة والتنافس بين القوى الصاعدة، مثل الصين والهند والبرازيل، حول تمثيل الجنوب العالمي وقيادته.

كما يخصص الكتاب فصلين لدراسة دور النخب الفكرية ومراكز البحث في الجنوب العالمي، من خلال تحليل مستوى فاعليتها في إنتاج المعرفة وصناعة السياسات العامة، ورصد التحديات التي تواجهها، خاصة ما يتعلق بالتبعية المعرفية والتمويل وضعف الاستقلالية المؤسسية. ويؤكد المؤلف أن بناء استقلالية الجنوب العالمي لا يمر فقط عبر الاقتصاد والسياسة، بل يتطلب أيضًا تأسيس بنية معرفية مستقلة قادرة على إنتاج تصورات إستراتيجية تعبِّر عن مصالح الجنوب وتحدياته.

ويرى الكتاب أن الجنوب العالمي يمر بمرحلة انتقالية دقيقة تتداخل فيها عوامل التبعية مع محاولات بناء استقلالية معرفية وتنموية، مشيرًا إلى أن الأزمات العالمية المتلاحقة -الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية- فتحت المجال أمام إعادة تعريف موقع الجنوب داخل النظام الدولي، وأمام بروز مطالب أكثر وضوحًا بإصلاح منظومة الحوكمة العالمية وتعزيز التعددية الدولية.

ويخلص المؤلف إلى أن مستقبل الجنوب العالمي يرتبط بقدرته على بناء مشروع حضاري وتنموي مستقل، يقوم على الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز التكامل الإقليمي، وتطوير مراكز التفكير والبحث العلمي، وبناء شبكات تعاون معرفي وتنموي مستقلة عن الهيمنة الغربية. كما يؤكد أن النهوض بالجنوب لا يُختَزَل في تحقيق النمو الاقتصادي بل يتصل بقدرته على تحويل تنوعه إلى قوة فكرية ومؤسساتية قادرة على الإسهام في صياغة نظام عالمي أكثر عدالة وتعددية.

يمكن قراءة الكتاب أو تحميله عبر (هذا الرابط).