سفينة "ألطالينا": النبش في الماضي لإعادة إنتاج الحاضر

احتراق سفينة "ألطالينا"، بعد أن قصفها الجيش الإسرائيلي بأمر مباشر من ديفيد بن غوريون (ويكيبيديا)

سأفتتح المقال ببعض المعلومات الإخبارية والتاريخية من الحاضر للماضي، ثم أحاول أن أقارب أهميتها الرمزية والسياسية، من حيث إنها تُمثل التغيير العميق الذي مرَّت به إسرائيل.

الحاضر

في تاريخ 24 أغسطس/آب 2026، أعلن كل من رئيس حزب "قوة يهودية"، وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، ووزير التراث، عميحاي إلياهو، الذي ينتمي أيضًا لحزب "قوة يهودية"، عن العثور على سفينة "ألطالينا" التي غرقت في البحر، عام 1948. تفاخر الوزيران بالعثور على السفينة وصرف ملايين الشواكل من أجل ذلك. سمع بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة وحزب الليكود الحاكم، عن الخبر من وسائل الإعلام الإسرائيلية، بعد إعلانه من طرف الوزيرين المذكورين في متحف منظمة "الإيتسل" العسكرية في تل أبيب. في أعقاب ذلك، ألقى نتنياهو بمفرده بيانًا خارج المتحف، وعلى شاطئ البحر في تل أبيب، وأعلن عن العثور على السفينة، قائلًا: "أتعهد بانتشال السفينة من أعماق البحر، لتكون رمزًا حيًّا لجيلنا والأجيال القادمة، رمزًا حقيقيًّا لأمر واحد بسيط: حرب بين الإخوة لن تكون للأبد".

الماضي

أعلن ديفيد بن غوريون، في منتصف مايو/أيار 1948، عن تأسيس دولة إسرائيل، وحلِّ المنظمات العسكرية الصهيونية، اليسارية منها، وعلى رأسها "البلماح"، واليمينية منها، وفي مقدمتها "الإيتسل"، ودمجها في الجيش الإسرائيلي، الذي تأسس بعد الإعلان عن الدولة، تحت شعار "جيش واحد، سلاح واحد". في 11 يونيو/حزيران، أبحرت سفينة باسم "ألطالينا" من جنوب فرنسا، كانت منظمة "الإيتسل" قد اشترتها لنقل سلاح ومهاجرين يهود إلى فلسطين. كانت هذه فترة الهدنة في فلسطين، وحاولت "الإيتسل" نقل السلاح سرًّا دون علم مراقبي الأمم المتحدة الذين كشفوا أمرها، وطالبوا الحكومة الإسرائيلية بالالتزام بالهدنة وحظر السلاح. طلب بن غوريون من قادة السفينة تسليم السلاح للجيش الإسرائيلي، في حين رفض قادة السفينة ذلك وطالبوا بتخصيص السلاح لمنظمة "الإيتسل"، وذلك على الرغم من موافقتها على تفكيك نفسها والاندماج في الجيش الإسرائيلي. بعد إنزال المهاجرين في شاطئ بتل أبيب، ورفض قادة السفينة تسليم السلاح، اندلعت مواجهات بين الجيش وقوات "الإيتسل" على السفينة. في النهاية، أمر بن غوريون بقصف السفينة، وأدَّى القصف إلى إحراقها، وغرقها لاحقًا. قُتل في المواجهات 3 جنود و16 مقاتلًا من "الإيتسل". وصف بن غوريون المدفع الذي قصف السفينة "بالمدفع المقدس". بقي جسم السفينة المحترق صامدًا لمدة عام على شواطئ تل أبيب، حتى أمر بن غوريون بسحب السفينة وإغراقها في عرض البحر. 

عودة إلى الحاضر

ارتبط اسم "ألطالينا" بحزب الليكود تاريخيًّا؛ فـ"ألطالينا" كلمة إيطالية تعني "الأرجوحة"، وهو الاسم الذي استعمله زئيف جابوتنسكي، عندما عمل وهو شاب مراسلًا صحفيًّا في إيطاليا. جابوتنسكي هو مؤسس التيار اليميني التنقيحي في الحركة الصهيونية، ومنظِّرها المركزي، والمرجعية الأيديولوجية لليمين القومي الليبرالي في إسرائيل. فما علاقة بن غفير بالسفينة؟ ولماذا سارع بالإعلان عن كشف موقعها في البحر؟ وماذا يعني ذلك عن تحولات إسرائيل؟ سأحاول الإجابة على هذه التساؤلات من خلال الملاحظات الآتية:

أولًا: ارتبطت السفينة في الذاكرة التاريخية الإسرائيلية بالتيار اليميني القومي الليبرالي الذي عبَّر عنه حزب الليكود، وكانت تمثل معنى التضحية والبطولة من جهة، ولكنها أيضًا تمثل الموقف المسؤول لمناحم بيغن، رئيس "الإيتسل" والليكود لاحقًا، والذي قاد الحزب للسلطة، عام 1977، الذي حاول نزع فتيل الأزمة، ورأى في السفينة موقعًا للذاكرة حول سردية اليمين التاريخية فقط، ولكن ليست موقعة سياسية حاضرة في الصراع الداخلي.

ثانيًا: لا يمثل بن غفير التيار اليميني القومي الليبرالي، ولكن الليكود اليوم لا يختلف عن بن غفير في أفكاره وتوجهاته الأيديولوجية؛ فقد حوَّل نتنياهو حزب الليكود التاريخي إلى حزب يميني متطرف فاشي، يحتضن بن غفير في الحكومة ويمنحه الشرعية السياسية ومقاعد في الحكومة. في المقابل، قاطع حزب الليكود تاريخيًّا أفكار بن غفير التي حملها معلمه، مائير كهانا، وكان أعضاء ووزراء الليكود في الكنيست يقاطعون خطابات كهانا ويخرجون من القاعة عندما يخطب على منصة الكنيست، لا بل اقترح الليكود في الثمانينات تعديل قانون أساس الكنيست، وكان هدفه منع كهانا من الترشح للكنيست، وهذا ما حدث.

ثالثًا: بناء على ذلك، فإن إعلان بن غفير بالذات عن اكتشاف السفينة، في متحف الإيتسل، له دلاله رمزية وهي أنه هو من أصبح يُمثل اليمين الإسرائيلي وليس الليكود، وسفينة ألطالينا هي الرمز الأول والأساسي لليمين بعد إعلان دولة إسرائيل، الذي احتله بن غفير بعد احتلاله لليكود فكريًّا. صحيح أن والدة بن غفير كانت مقاتلة في الإيتسل، ولكن المسألة تتعدى الجانب الشخصي، إلى الجانب السياسي-الرمزي، في أن فكر وأيديولوجية بن غفير ومعلمه كهانا هي الأفكار المهيمنة اليوم على اليمين الإسرائيلي، لدرجة أنها احتلت المعقل الرمزي له، ألطالينا، على اسم جابوتنسكي، الذي كان يؤمن بالحرية الفردية، ووضع الأسس الليبرالية لليمين الإسرائيلي. رفض تلامذة جابوتنسكي مائير كهانا ونبذوه، ولكن اليوم تلميذ كهانا يحتل مواقع تلامذة جابوتنسكي، وفي مقدمتها "ألطالينا"، وهذا بن غفير يتحدث من داخل المتحف، ونتنياهو من خارجه، وينافس الليكود على قواعده الاجتماعية الانتخابية.

رابعًا: بالنسبة للجانب الشخصي في القضية، المتعلق بوالدته، فهو يحمل مقولة انتقامية تاريخية من النخب القديمة، ومن إسرائيل القديمة، وهو شعور تجاوزه مناحم بيغن واليمين قبل نتنياهو. بيان بن غفير داخل المتحف، وبيان نتنياهو خارجه، وهو معبد الذاكرة لليمين الذي جاء منه نتنياهو وقاد إسرائيل منذ عام 1977، يعني أن بن غفير في الداخل ونتنياهو في الخارج. وأصلًا قبول متحف الإيتسل لإلقاء بن غفير بيانًا من داخله، هو بذاته يمثل جوهر التحول في إسرائيل نحو الأفكار الكهانية.

خامسًا: يعلن بن غفير أنه قائد اليمين، من خلال سردية جديدة عن السفينة، سردية فيها طابع سياسي وليس تاريخيًّا، فاليمين الإسرائيلي كانت سرديته عن السفينة أنه كان ضحية، وأن بن غوريون يتحمل مسؤولية إراقة الدماء، ولكن لم يتم استحضار السفينة في الصراع السياسي، لاسيما بعد عقود من إغراقها بل كانت جزءًا من صراع السرديات التاريخية على موقع كل تيار في الصهيونية داخل معبد الذاكرة الجماعية. في المقابل، فإن بن غفير يعيد إنتاج سردية تاريخية ذات طابع سياسي تهدف إلى اتهام "اليسار الإسرائيلي" بالقتل، ونزع شرعية سرديته بالكامل كجزء من إعادة تعريف دولة إسرائيل ورموزها. وهنا لابد من استحضار رمزية أخرى متعلقة برئيس الحكومة السابق، إسحاق رابين، الذي حرَّض بن غفير عليه مرارًا بعد اتفاق أوسلو، قبل اغتياله عام 1995، فرابين كان القائد العسكري الذي هاجم السفينة وقصفها. أعتقد أن بن غفير، في قرارة نفسه، أراد القول إنه هو من يحاسب رابين، بعد أن كان -أي بن غفير- منبوذًا سياسيًّا بسبب تحريضه على رابين، واتهامه بأنه أسهم بتحريضه في اغتيال رابين.

سادسًا: يحمل هذا الإعلان عودة إلى الماضي لإعادة صياغة الصراع في الحاضر، وبلورة مفاهيمه ومفرداته الآنية. والسعي نحو انتشال السفينة يعني أن كل سردية دولة إسرائيل تغيرت، وأنه يجب العودة إلى البداية (عام 1948) لإعادة إنتاج سردية دولة إسرائيل، ليس على أساس اليمين القومي الليبرالي أو المحافظ الذي مثَّله مناحم بيغن بل على أساس اليمين المتطرف الشعبوي الغيبي الذي يمثله بن غفير. أغرق بن غوريون السفينة بعد عام من قصفها، لأنه أراد طيَّ هذه الصفحة، وألا تبقى السفينة حاضرة بجسدها أمام أنظار الإسرائيليين، بينما يحاول بن غفير استعادة السفينة، لإعادة هذا الجسد المتعفن للدولة، للعودة لنقطة البداية وتصحيحها، فخطأ بن غوريون يجب تصحيحه، ببناء دولة مختلفة، وإبقائها في حالة صراع، وانقسام لم يعد له أرضية مشتركة ينطلق منها. كان الصراع بين بن غوريون وبيغن حادًّا، ولكنه كان يعتمد على أرضية من القيم المشتركة؛ مما حوَّل السفينة إلى سردية تاريخية، بن غفير يريد تحويلها هي بذاتها إلى الأرضية التي يتكئ عليها الصراع الحالي في إسرائيل.

سابعًا: حملت ألطالينا في جوهرها نزع الميليشياوية عن الدولة ومؤسساتها. بن غفير هو نقيض ذلك، فهو يدعم الميليشيات الإرهابية في الضفة الغربية، ونظَّم ميليشيات عنيفة، عام 2021، لمهاجمة الفلسطينيين في إسرائيل خلال هبَّة الكرامة التي اندلعت في سياق الحرب على غزة (معركة سيف القدس)، وهو من حوَّل الشرطة إلى ذراع أيديولوجية ميليشياوية لأفكاره لقمع المتظاهرين وملاحقة الفلسطينيين. بهذا يعلن بن غفير أن الدرس من ألطالينا ليس ما توصل له بن غوريون وبيغن، بل الدرس هو أن على الدولة أن تكون ميليشياوية، وأن الميليشياوية ظاهرة شرعية ما دامت تخدم أهدافًا أيديولوجية كبرى، فالدولة ليست الهدف كما آمن بن غوريون، بل الدولة أداة لخدمة المشروع الأكبر، وهو التهجير الكامل للفلسطينيين، أو فرض نظام فصل عنصري عليهم، وفرض السيادة اليهودية على "أرض إسرائيل الكاملة"، وبناء نظام الفوقية اليهودية على أسس دينية.

الرجوع إلى الماضي

تُعَد قضية "ألطالينا" واحدة من اللحظات المُؤسِّسة لدولة إسرائيل، أوضح فيها بن غوريون، أن إسرائيل لن تسمح بوجود ميليشيات عسكرية خارج الدولة والجيش الإسرائيلي. القرار بإغراق السفينة بعد عام من قصفها، يحمل بُعدًا رمزيًّا متمثلًا في تجاوز هذه المرحلة على المستوى السياسي، والانتقال لمرحلة جديدة في بناء الدولة، ووحدة المجتمع الاستعماري المهاجر بدون ترسبات لما حدث. فبناء الدولة كان يتطلب تخصيص جميع الموارد، المادية والرمزية والبشرية، لذلك. قبل إغراقها، أُخذ من السفينة أجزاء من جسدها لتخليدها، كموقع في الذاكرة الإسرائيلية، وتم إغراق جسد السفينة حتى لا يتحول موقع الذاكرة إلى موقعة سياسية، ومَنْ مِثْل بن غوريون يفهم ويدرك أخطار ذلك!

حملت قضية "ألطالينا" معنى قوة دولة إسرائيل كما أرادها بن غوريون: نزع الصفة الميليشياوية عن الدولة عمومًا وعن الجيش خصوصًا، ووضع الدولة في المركز، بتوجه جمهوراني راديكالي، يرى أن على الفرد نفي ذاته، وعلى الجماعات نفي مصالحها في سبيل مصلحة الدولة. مثَّلت "ألطالينا" الرمز الأهم في ذاكرة اليمين القومي الذي مثَّله مناحم بيغن، ولكن بيغن ترك السفينة في الأعماق، لأنه عرف معنى البحث عنها واستعادتها، أرادها أن تبقى ذاكرة وسردية لا أداة للعودة إلى لحظة 1948 من جديد.

نبذة عن الكاتب