التدخل العسكري الفرنسي الإفريقي في مالي والمخاوف الأمنية المتفاقمة - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

التدخل العسكري الفرنسي الإفريقي في مالي والمخاوف الأمنية المتفاقمة

سجل التدخل العسكري الفرنسي في مالي نجاحات أولية كالاستيلاء على المدن الهامة وتخليص الحكومة الانتقالية الضعيفة في باماكو من غزو المتمردين الإسلاميين, لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت الحرب في مالي ستنتهي قريبا أو تمتد لفترة طويلة جدا.

الخميس, 14 فبراير, 2013 09:59 GMT

سجل التدخل العسكري الفرنسي في مالي نجاحات أولية, لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت الحرب في مالي ستنتهي قريبا أو تمتد لفترة طويلة جدا

اعتبر الكثير من المراقبين - قبل عام 2012- مالي ورئيسها أمادو توماني توري قصة نجاح لـ"الموجة الثالثة" من الديمقراطية, ذلك أن الجنرال توري الذي قاد انقلابا عسكريا عام 1991 وأشرف على تحول ديمقراطي في بلاده, سلم السلطة في عام 1992 للرئيس المنتخب ألفا عمر كوناري، ثم عاد بعد ذلك - وبعد انتهاء فترة كوناري الرئاسية - إلى السياسة ليفوز في الانتخابات كرئيس مدني في عام 2002 ويعاد انتخابه في العام 2007.

وبينما كان السياسيون الماليون يعدون العدة للمشاركة في انتخابات رئاسية جديدة كانت مقررة في إبريل 2012، بدا توري  مستعدا للتخلي عن السلطة طواعية مرة أخرى.

لكن ستقع أحداث أخرى تغير المسار في مالي، فقبل ثلاثة أشهر من انتخابات أبريل 2012، أعلنت "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" MNLA - وهي حركة انفصالية  في إقليم أزواد بشمال مالي- تمردها ضد الحكومة المركزية.

ويضم إقليم أزواد مناطق كجدال، وغاو وتمبكتو، ومع الأسابيع الأولى لاشتعال التمرد قد تلاحقت هزائم جنود الحكومة المالية وبَدَوا غير مجهزين للتصدي لهجمات المتمردين، مما ولّد الاستياء والتململ في صفوفهم وجعلهم ينحون باللائمة في خسائرهم على النظام الحاكم، وتجلى ذلك الاستياء في احتجاجات للجنود والضباط، تلاها تمرد تطور في نهاية المطاف إلى  انقلاب عسكري ضد توري في 22 مارس 2012، وتمخض هذا الانقلاب عن فراغ في السلطة مكّن المتمردين الطوارق في الشمال، وبدعم من خليط من القوى الإسلامية، من السيطرة على ما يقارب ثلثي البلاد.

وقد ضمت هذه القوى الإسلامية المتباينة حركة أنصار الدين, وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي الإسلامي، وجماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا, وكانت كفة الواقع تميل لصالح الإسلاميين فلم يستتب الأمر لصالح تحالف الحركة الوطنية لتحرير أزواد بعد تحييدها للقوات المالية الضعيفة، إذ سرعان ما خسرت هذه الحركة بدورها المعركة أمام الإسلاميين المسلحين.

ورفضت الهيئة الإقليمية لغرب إفريقيا المعروفة بالمنظمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، كلا التطورين اللذين شهدتهما مالي في هذه الآونة أي الانقلاب العسكري واحتلال المتمردين لشمال مالي.

ولمعالجة هذا الوضع المعقد، تبنت "الإيكواس

كجزء من استراتيجيتها الشاملة لإعادة  الحكم المدني إلى مالي، فرض عقوبات محددة على الطغمة الحاكمة بباماكو ومجلسها العسكري، وكما دعمت فتح حوار مع المتمردين الطوارق ومسحلي الحركة الإسلامية, غير أن الحوار تعثر في وقت لاحق، ثم جاء مسار جدي، أسبابه العامة هي:

  • انهيار الحوار بين الحكومة المالية والمتمردين.
  • تقدم قوات المتمردين - وعلى وجه الخصوص- وانقضاضهم على مدينة كونا التي تقع على بعد 600 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من باماكو.

وقد عجل هذه الوضع الجديد تدخل فرنسا عسكريا في 11 يناير 2013، وأثارت هذه الأحداث المتسارعة دهشة المراقبين, إذ كيف لنجاحات مالي -الظاهرية على الأقل- أن تتحول بهذه السرعة إلى فشل، وما التداعيات الأمنية التي يمكن أن تنجم عن التدخل العسكري في هذا البلد؟

التالي هو عبارة عن مشاركة  في محاولة توضيح هذه المخاوف الناشئة.

جذور التمرد وسقوط النظام

تضافرت عوامل متجمعة على تغذية وتحريك التمرد في شمال مالي وأضعفت النظام في باماكو, ويمكن إجمال تلك العوامل في ما يلي:

أولا:  شهدت مالي نمطا متكررا من الانتفاضات التي قادها الطوارق ضد الحكومات في باماكو، وفي مواجهة ردود غير فعالة من قبل الدولة المالة،  شعر الطوارق بأن باماكو أهملتهم وهمشتهم، وخصوصا في أوقات الجفاف، وقد دفعتهم تلك الأوضاع - وهم تاريخيا بدو رحل- إلى شن  ثورات  متعددة، في تسعينيات القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين (في عام 1962 و1990 و2006).

وقد أدى عدم حل هذه المظالم التي كانت سببا في تلك الثورات إلى إبقاء جذوة الصراع متقدة، فعلى سبيل المثال، ترك رد الحكومة القاسي - على حركة التمرد عام 1962، والذي شمل إبادة قطعان الماشية وتسميم الآبار-  ذكريات مريرة بين طوائف الطوارق، أما اتفاقيات السلام ومبادرات اللامركزية التي توصل الطرفان إليها في تسعينيات القرن العشرين وخلال العقد الأول من القرن الحالي، فإنها لم تنفذ على نحو فعال، وظلت حبرا على ورق.

كما ظلت كيدال وغاو وتمبكتو، والمناطق الصحراوية المحيطة بها فقيرة وهشة, ولم تمض سنة على اتفاقيات السلام في أكتوبر 2009 التي أنهت تمرد عام 2006 حتى ضرب جفاف ماحق الشمال المالي, مما دفع وكالات الإغاثة إلى دق ناقوس خطر كارثة تلوح في الأفق, وجاء قرار توري بتخصيص 69 مليون دولار "للبرنامج الخاص للسلام والأمن والتنمية في شمال مالي" في أغسطس 2011 متأخرا جدا وكان المبلغ المرصود له ضئيلا للغاية, وبحلول اكتوبر 2011 تاريخ تأسيس MNLA، كان سخط الطوارق قد تفاقم من جديد.

ثانيا: برزت للعلن وشائج علاقة بين الناشطين في الجريمة المنظمة وبين الجهاديين في شمال مالي وبعض مناطق الساحل المجاورة لها خلال فترة توري في السلطة, ورغم أن تاريخ التهريب في منطقة الساحل يعود لقرون، فإن ثمة مشاريع إجرامية لم تكن معروفة، إضافة إلى بزوغ بعض اللاعبين الجدد، فقد زاد نشاط تهريب الأسلحة والسجائر والبشر عبر الصحراء باتجاه شمال أفريقيا، منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي فيما شهدت  تجارة الكوكايين والقنب نموا خلال العقد الأول من القرن الحالي(1) وبالتوازي مع تجارة المخدرات برزت إلى الوجود فصائل جهادية أنتجتها الحرب الأهلية التي شهدتها الجزائر المجاورة لمالي منذ العام 1992.

وفي العام 2003، بدأت الجماعة السلفية - التي تأسست في الجزائر وعرفت بالجماعة السلفية للدعوة والقتال قبل أن تغير اسمها في عام 2007  لتصبح "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" AQMI - خطا جديدا تمثل في خطف السياح الغربيين وعمال الإغاثة في منطقة الصحراء والساحل, وبالتوازي مع اهتمامها المتزايد بضرب أهدافٍ في منطقة الساحل، كما كثفت القاعدة في بلاد المغرب العربي جهودها لتجنيد شباب ومقاتلين موريتانيين، وماليين، ونيجريين، وغيرهم كما خطف هذا التنظيم والجماعات المنشقة مواطنين أوروبيين وأميركيين في الجزائر وموريتانيا والنيجر، ومالي، كما ساعدت - في الآونة الأخيرة - المجموعات الإسلامية المسلحة في نيجيريا في تنفيذ عمليات خطف في شمال هذا البلد.

وفضلا عن ذلك شارك هذا التنظيم وشركاؤه المحليون في تجارة المخدرات, ومثَل الخطف من أجل الفدية وتسهيلُ تهريب المخدرات مصدرَ دخل أدر على  AQMI ما يناهز 100 مليون دولار، وبالإضافة إلى مسار الخطف، هاجم التنظيم وحدات عسكرية وسفارات أجنبية في موريتانيا، ورغم صعوبة تتبع الاتجاهات الحديثة في التوجهات الدينية لمسلمي شمال مالي والمنطقة المحيطة بها، فإن من الواضح أن تضافر عوامل عدة مكَّن الجهاديين من تجنيد عدد صغير ولكنه بالغ الأهمية من العناصر المتشددة في منطقة الصحراء والساحل, ولقد شملت تلك العوامل:

  • الوعظ والدعاية الدينية من قبل المتشددين.
  • التغلغل في نسيج المجتمع عبر الزواج والعلاقات الاجتماعية الأخرى على المستوى المحلي(2).
  • الإغراء بالمال وبثواب الجهاد.
  • الإحباط المتفاقم في صفوف الشباب بسبب الفقر والتهميش.

ومن المعروف أن  الجماعات الجهادية كانت موجودة في شمال مالي قبل أن تشن  MNLA تمردها في يناير/كانون الثاني عام 2012.

ثالثا: أضعف الفساد - الذي تفشى خلال حكم توري - مؤسسات الدولة، وقوض الثقة الشعبية في النظام السياسي، وفتح الباب أمام ممارسة الجماعات الإجرامية والجهادية في الشمال لأنشطة هدامة, وقد كان تعليق الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا منحتين إلى مالي وإنهاء الثالثة في عام 2010 دليلا واضحا على القلق المتزايد بشأن الفساد الذي كان ينخر جسم النظام المالي, وقد أكد هذا الصندوق أن أموال المنح التي قدمها لمالي انتهى بها المطاف في جيوب المسؤولين, وقد أدت هذه الفضيحة إلى تحقيقات رسمية مع وزير الصحة، إبراهيم توريه عمر، وحوالي أربعة عشر موظفا آخر من موظفي الحكومة في العام 2011. وقد دفع الفساد المستشري والمزاعم بأن الرئيس توري قد فاز عن طريق الاحتيال والتزوير في كل انتخابي 2002 و 2007  الماليين إلى الاقتناع بأن ديمقراطيتهم كان خدعة، وأن قادتهم كانوا فوق المساءلة القانونية.

كما أضعف الفساد مؤسسة الجيش كذلك, وهو ما كانت له انعكاسات سلبية على شمال البلاد، إذ لم يترك توري سوى عدد قليل من الجنود بعد اتفاق السلام عام 2009، ومع تفاقم عمليات الاختطاف والهجمات الإرهابية في الشمال، بدأ بعض المراقبين يتهمون مسؤولين في الدولة بالتواطؤ مع الفاعلين، وأثيرت تساؤلات حول السيد بابا ولد الشيخ مثلا، وهو عمدة إحدى بلديات الشمال سبق أن اضطلع بدور في أهم المفاوضات التي جرت لإطلاق سراح رهائن في عامي 2003 و 2009، وحول طبيعة العلاقات بين المسؤولين المحليين وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، كما أثيرت أسئلة أخرى في يونيو 2009، عندما اغتال التنظيم اللفتنانت كولونيل لمانه ولد الشيخ، وهو مسؤول كبير في مكافحة الإرهاب في مالي، في منزله في تمبكتو, وهكذا أشاع الفساد والتواطؤ جوا من السخرية والتهكم على النظام الحاكم  في الجنوب بينما انتشر التحريض على الإجرام في الشمال.

رابعا: فاقمت القلاقل الإقليمية المشاكل في مالي، فالجزائر وموريتانيا والنيجر، ولقد بذلت مالي جهودا معتبرة لصياغة إطار مشترك لمكافحة الإرهاب, لكن سياسات دول جوار مالي  ظلت متباينة ومختلفة - رغم من إنشاء مركز قيادة مشتركة في تمنراست، جنوب الجزائر في عام 2010، وعلى الرغم من عقد قمم إقليمية عديدة - حيث انتهجت هذه الحكومات مقاربات متباينة تجاه هذا التنظيم, فعلى سبيل المثال، سحبت الجزائر وموريتانيا سفيريهما من باماكو احتجاجا على إقدامها على التفاوض لتبادل الأسرى مع هذا التنظيم في فبراير 2010.(3)

وتزامن انفرط عقد التعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب وتعثره مع تدفق المقاتلين والأسلحة على كل منطقة السلاح، إثر اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا في العام 2011, وهكذا عاد الطوارق-  بعد أن قاتلوا من أجل الزعيم الليبي الراحل، العقيد معمر القذافي، ذلك الرجل الذي تلاعب كثيرا بالسياسة في منطقة الساحل وكثيرا ما أظهر الود والصداقة وقت السّرّاء للطوارق-  إلى مالي للانضمام الى MNLA أو غيرها من الجماعات المسلحة, وقد زادت الأسلحة الليبية القدرة التسليحية لهذه المجموعات، وواجه هؤلاء المقاتلون المخضرمون المدججون بالسلاح القوي، جيشا ماليا يعاني نقصا في التمويل والتجهيز، فطردوه من المدن الواحدة تلو الأخرى اعتبارا من يناير/كانون الثاني 2012.

الانتقال إلى الهيمنة الاسلامية

خلال فترة ما بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2012، اجتاحت MNLA بالتنسيق مع جماعات إسلامية أخرى مناطق شاسعة من الشمال المالي, وتسارعت وتيرة الانتصارات العسكرية لــ MNLA بعد الانقلاب الذي أطاح بتوري في 22 مارس 2012. وفي السادس من أبريل/ نيسان 2012، أعلنت حركة  MNLA رسميا استقلال "أزواد". ولكن المؤشر توجه إلى الانحدار، فسرعان ما فقدت هذه الحركة السيطرة السياسية والعسكرية في المنطقة, وسرعان ما تم تهميش  MNLA العلمانية من قبل إسلاميين لا يأبهون لتطلعاتها لإقامة وطن مستقل في إقليم "أزواد"، بل ينصب شغلهم الشاغل على تطبيق أحكام الشريعة الاسلامية بصرامة، وبعد هزيمة MNLA في معارك بتمبكتو، وكيدال، وغاو، وأماكن أخرى، أعلن أنصار الدين وحلفاؤهم في 28 يونيو/حزيران 2012 سيطرتهم على كل الشمال المالي(4) وكانت حركة أنصار الدين قد تأسست في أواخر عام 2011 من قبل الزعيم الطارقي المخضرم إياد آغ غالي الذي كان أحد زعماء التمرد في تسعينيات القرن الماضي, بل كان لسنوات عديدة شخصية محورية في سياسة المتمردين الطوارق.

وقد ارتكبت MNLA خطأين سياسيين خطيرين نجملهما في الآتي:

  • إخفاق الحركة الوطنية في اجتذاب كبار سماسرة السلطة المحلية إلى تحالفها، وخصوصا إياد أغ غالي الذي عرف بتلونه السياسي كأحد قادة تمرد تسعينيات القرن الماضي، فهو الذي شارك في مفاوضات الفترة ما بين 2006 و2009 قبل أن يعود كناشط إسلامي مولود من جديد(5). ويمكن أن يكون قرار اياد غالي تشكيل أنصار الدين قد عكس القناعات الدينية الجديدة لهذا الرجل، كما  مثل خطوة للالتفاف على MNLA من خلال الاستفادة من الضرب على وتر التطلعات الدينية, وهكذا مثل الدين ورؤية أنصار الدين الشاملة - التي تصبو إلى تحويل مالي إلى دولة إسلامية في مقابل رؤية  MNLAالتي تقتصر على إنشاء دولة أزواد العلمانية المستقلة -  قاعدة إيديولوجية مشتركة لتحالف أكبر وأفضل تسليحا وأشد قوة من MNLA، وقد فشلت محاولات الاندماج التي تمت بين أنصار الدين و MNLA في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2012 ولم تعمر الوحدة التي توصلتا إليها سوى لفترة وجيزة.

  • لقد خلقت MNLA لنفسها عداوات بين المدنيين في الشمال المالي, خصوصا بعد أن ذكر بعض اللاجئين الفارين من مناطق الصراع في أوائل العام 2012 أن مقاتلي MNLA مارسوا أعمال السلب والنهب والاغتصاب بحق المدنيين، وأن القلاقل سادت المناطق التي سيطرت عليها هذه الحركة على الأقل ظاهريا, ولقد لقي المقاتلون الاسلاميون-  بعد طردهم مقاتلي MNLA من المدن والبلدات الشمالية - بعض التأييد بين السكان المحليين الذين سئموا غياب القانون وغياب النظام والمساعدات، وفي المقابل قامت أنصار الدين وحلفاؤها بتوزيع المواد الغذائية وتقديم الوعود بإشاعة العدالة لجذب المزيد من الدعم المحلي. ومع ذلك، شجب بعض الشماليين تطبيق الشريعة الإسلامية الذي عملت تلك الحركات الإسلامية على فرضه, وهجر بعضهم المنطقة غير أن آخرين رحبوا بهذا الإجراء أو على الأقل تغاضوا عنه.

وقد أصبح تقسيم مالي أمرا واقعيا -بعد سيطرة ائتلاف الحركات الإسلامية على شمال مالي-  فخلال النصف الأخير من عام 2012 تولى السيطرة على المنطقة الشمالية الغربية من تمبكتو أحد القادة الكبار بتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي وهو من أصل جزائري بينما تولت حركة التوحيد والجهاد بغرب إفريقيا تسيير شؤون مدينة غاو الواقعة في الشرق, فيما كانت مدينة كيدال الموجودة في الشمال من نصيب اياد أغ غالى.

تعثر المفاوضات وطريق التدخل العسكري

طلبت الحكومة المؤقتة في مالي في سبتمبر/أيلول 2012 مساعدة المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إي كواس/ ECOWAS)، لمواجهة تهديد الحركات الإسلامية المتفاقم، والمساعدة على قمع التمرد الذي يشهده شمال البلاد.

وقد اعتمدت المجموعة – تلبية للطلب المالي- مقاربة من شقين لحل الأزمة:

أولا: كلفت الرئيس البوركينابي بليز كومباوري بالتفاوض مع ممثلي أنصار الدين على أمل إقناع هذه الجماعة بقطع علاقاتها مع القاعدة بالمغرب الإسلامي والقبول باتفاق سلام مع الحكومة المالية وقد تعهد أنصار الدين - بعد محادثات السلام في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2012 في واغادوغو مع الرئيس كومباوري - بنبذ التطرف والإرهاب، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والدخول في حوار مع جميع الأطراف لحل الأزمة بمالي، وتلا ذلك مفاوضات أخرى مع وفد آخر من أنصار الدين في الجزائر في محاولة لإنهاء الازمة.

ثانيا: ضغط ECOWAS/ إيكواس - دبلوماسيا - من أجل تدخل عسكري حال فشل المفاوضات، وفي هذا الإطار، أحالت ECOWAS   إلى مجلس الأمن الدولي طلب الحكومة المؤقتة في مالي لمساعدتها في قمع التمرد.

وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول، أصدر  مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2071، الذي يفوض المجموعة والاتحاد الأفريقي (AU) وضع خطة للتدخل العسكري الدولي في مالي وتقديم تقرير عن تطورات هذه التحركات في غضون 45 يوما. وتماشيا مع ذلك, عقد خبراء عسكريون من أفريقيا والأمم المتحدة وأوروبا اجتماعا - مدة أسبوع - في باماكو، وضعوا خلاله خطة أولية لنشر ما بين 3000 و4000 جندي لاستعادة شمال مالي من جماعات المتمردين المرتبطة بتنظيم القاعدة.

وبعد اجتماع باماكو عقد اجتماع آخر يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 في أبوجا، وأجمع ممثلو ECOWAS على تشكيل قوة تدخل قوامها 3300 لاستعادة شمال مالي من المتمردين الإسلاميين، وأحيل قرار المجموعة إلى الاتحاد الافريقي، وأيد مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الأفريقي بدوره الخطة المقترحة من قبل هذه المجموعة، وأكد مفوض الاتحاد الأفريقي للسلم والأمن رمضان العمامرة، - في مؤتمر صحفي في أديس أبابا، بإثيوبيا يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2012- أنه قد "تقرر في هذا اليوم في ضوء جميع العوامل ذات الصلة بإقرار العمليات المنسقة لخطة نشر قوات AFISMA، وهي الاختصار المعتمد لبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم مالي"(6)، وقدمت الخطة العسكرية في وقت لاحق إلى مجلس الأمن بموجب تفويض القرار 2071.

وقد سمح مجلس الأمن الدولي - في القرار 2085 الذي اعتمد في 20 ديسمبر/كانون الأول 2012-  بنشر AFISMA في مالي لفترة أولية مدتها سنة واحدة، وحث القرار أيضا السلطات الانتقالية في مالي على وضع إطار عمل –دون تأخير- للتفاوض مع جميع الأطراف في شمال مالي ممن قطعوا كل علاقاتهم بالمنظمات الإرهابية, وقد كانت التوقعات – بسب التحديات الجلية المتعلقة بالتمويل والتدريب والمسائل اللوجستية - تشير إلى أن الانتشار الفعلي لهذه القوة لن يكون قابلا للتنفيذ إلا بحلول سبتمبر/أيلول أو أكتوبر/تشرين الأول من العام 2013.

ومع ذلك واصلت ECOWASمفاوضاتها مع المتمردين الإسلاميين في شمال مالي وخلال لقاء مع الرئيس بليز كومباوري في 3 يناير 2013، طالبت حركة أنصار الدين بالحكم الذاتي للشمال وبتطبيق الشريعة، قبل أن تقرر - بعد جولة ثانية من المحادثات في واغادوغو بينها وبين MNLA وعلى لسان زعيمها إياد أغ غالى - تحللها من التعهد السابق بالسلام, متهمة الحكومة المالية بإعداد العدة للحرب في الوقت الذي تجري فيه محادثات السلام وذلك من خلال العمل على قدم وساق لتجنيد واسع النطاق لمقاتلين سابقين ومرتزقة من ليبيريا وسيراليون وساحل العاج.

وبعد تعثر المفاوضات في واغادوغو والجزائر، بدأ المقاتلون الإسلاميون سلسلة من الهجمات العسكرية الصغيرة التي شملت طرد الميليشيات المحلية ومقاتلي MNLA من مدن مثل ليري ومينانكا, كما شن المقاتلون الإسلاميون - منذ بداية يناير/كانون الثاني 2013- حملة أكثر خطورة، تقدموا خلالها إلى منطقة موبتي الواقعة في وسط مالي في محاولة للسيطرة على بلدتي كونا وسافاري (Konna وSevaré).

ولا يستبعد أن الإسلاميين كانوا يسعون للاستيلاء على إحدى معالم البنى التحتية الرئيسية في المنطقة (مثل مطار في Sevaré)، الذي يعتقد أن القوات المسلحة القادمة من خارج مالي كانت تسعى إلى استخدامه في التدخل - إذا تم في نهاية المطاف -  في الشمال المالي، لكن توغل الإسلاميين في موبتي دق ناقوس الخطر في الدوائر الحكومية في باماكو وباريس, ورأت فرنسا - في تقدم الإسلاميين نحو مدينة كونا Konna التي لا تبعد سوى 70 كيلومترا إلى الشمال من معقل الحكومة في سافاري Sevare-  تهديدا واضحا للعاصمة باماكو, وتفاقمت  المخاوف الحقيقية بأن الجيش المالي المنهزم نفسيا سينهار ببساطة أمام هجمات المقاتلين الإسلاميين المتزايدة, وبعد الهجوم المشترك من قبل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الدين وجماعة التوحيد والجهاد على بلدة Konna في 10 يناير 2013، ناشد الرئيس المالي المؤقت ديونكوندا تراوري فرنسا الإسراع بنجدة مالي.

التدخل العسكري الفرنسي الإفريقي: AFISMA

نشرت فرنسا - بناء على طلب الرئيس تراوري ونظرا للموافقة الموجودة من خلال قرار مجلس الأمن 2085 لنشر قوة  AFISMA بمالي -  بعض قواتها ضمن ما اطلقت عليه اسم " عملية سيرفال أو القط المتوحش" في 11 يناير 2013، لوقف تقدم الإسلاميين الذين أظهروا عزمهم على غزو باماكو، وهكذا شنت الطائرات الفرنسية ميراج ورافال المقاتلة ضربات جوية طالت حزاما واسعا من معاقل الإسلاميين، يمتد من غاو ويمر بكيدال في شمال شرق البلاد، بالقرب من الحدود مع الجزائر، ويصل بلدة ليري في الغرب بالقرب من الحدود مع موريتانيا (الشكل 1).

وقد مكنت ضربات فرنسا الجوية وهجماتها البرية على معاقل المتمردين من استعادة كونا ودونتزا, وغاو وتومبوكتو وكيدال، كما عجلت التقدم لاستعادة المزيد من الأراضي من سلطة الإسلاميين.، كما استهدفت الطائرات الحربية الفرنسية - التي انطلقت من فرنسا وتشاد - مناطق في العمق المالي وغطت مسافة هذه العمليات الميدانية ما يقرب من 2000 كيلومتر من الشرق إلى الغرب(7)، وتخطط فرنسا لزيادة عدد قواتها البرية لتصل حوالي 3700، حيث تواجه مقاتلين إسلاميين متمرسين على العمليات القتالية ومسلحين تسليحا جيدا.

الشكل 1: خريطة للصراع بمالي تعرض بشكل عام معاقل القوات المختلفة والأماكن التي استهدفتها الغارات الجوية(8).

خارطة توضح المدن أو المناطق الواقعة في شمال مالي ومن يسيطر عليها

ورغم أن وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس يدَّعي – بين الحين والآخر - أن أهداف التدخل الفرنسي  في مالي هي العمل على مساعدة الجيش المالي في وقف تقدم المتمردين الإسلاميين جنوبا، وحماية سلامة الدولة المالية، والمساعدة في إنقاذ الرهائن الفرنسيين, فإن المحللين يؤكدون أن التدخل الفرنسي مرتبط أكثر بسعي باريس لحماية وصون مصالحها القومية الحيوية في المنطقة.

ذلك أن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بالنسبة لفرنسا تتجلى في الثروات الطبيعية لشمال مالي, وخصوصا الغاز والثروة المعدنية، التي تقع على مقربة من حقول النفط الجزائرية التي تسيل لعاب الفرنسيين, كما أنها على مسافة قريبة من مواقع موريتانية أظهر التنقيب فيها مؤشرات إيجابية(9).

ويضاف إلى هذا المزيج - حقيقة - وجود حوالي 6000 من المواطنين الفرنسيين الذين يعيشون في مالي، ناهيك عن كون تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به العاملة في منطقة الصحراء والساحل يعتبر الفرنسيين - من بين الغربيين الآخرين- هدفا أوليا للخطف.

وعلاوة على ذلك، تنتج فرنسا ما يقدر بنحو 20% من كهربائها من الطاقة النووية التي تعتمد على اليورانيوم المستورد من مصادر من منطقة الساحل، وخصوصا من مناجم النيجر، جارة مالي من الجهة الشمالية الشرقية.

وتفسر هذه العوامل نشر فرنسا – بسرعة منذ بداية تدخله -  قواتها الخاصة والمعدات العسكرية الثقيلة للمساعدة في حماية المواقع المملوكة لشركة أريفا الفرنسية التي تنتج اليورانيوم في أرليت وإيمورارين في النيجر.

وهكذا، فإن المصالح الفرنسية أضحت عرضة للخطر في مالي على وجه الخصوص، ومنطقة الصحراء والساحل بشكل عام، وبالتالي فإن التدخل الفرنسي ما هو إلا خطوة لضمان السيطرة الفعلية على منطقة تعتبرها باريس تقليديا مركز نفوذ خاص بها لكونها جزء من مستعمراتها السابقة، غير أن هذه المنطقة غدت اليوم وعلى نحو متزايد, بؤرة توتر لدرجة جعلتها تمثل تهديدا خطيرا للأمن الإقليمي بل والعالمي.

وقد قوبلت سرعة التدخل الفرنسي في مالي بالثناء والإشادة من قبل الماليين والزعماء الإقليميين لغرب أفريقيا, كما رحب المجتمع الدولي بذلك وتجلى ترحيبه في التعهدات الاقتصادية، التي وعدت بها دول مانحة سلطة باماكو لمساعدتها على دحر المتمردين الإسلاميين، حيث  تعهد الاتحاد الافريقي بالمساهمة بمبلغ 50 مليون دولارا، واليابان بـــ 120 مليون دولار كما تعهدت ألمانيا بتقديم 20 مليون دولار، والهند والصين بمليون دولار لكل منهما، والولايات المتحدة بـ  96مليون دولار(10).

وبدأت قوات غرب أفريقية من بنين وبوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا وتوغو، والسنغال، تتقاطر للانضمام للقوات الفرنسية ومساعدتها في الزحف نحو المناطق التي تقع تحت سيطرة الإسلاميين في شمال مالي, كما تعهدت أكثر من عشر دول إفريقية أخرى من بينها تشاد وتنزانيا وجنوب أفريقيا ورواندا بالمساهمة بقوات في هذا الجهد، ومن المتوقع أن يصل عديد هذه القوات في نهاية المطاف قرابة 8000 جندي أفريقي.

وتجدر الإشارة هنا - بشكل خاص - إلى مساهمة نيجيريا في حل هذه الأزمة, إذ خصصت هذه الدولة حتى الآن 34 مليون دولار تقريبا لهذه المهمة ونشرت 900 جندي مقاتل في مالي و300 من أفراد القوات الجوية وهو ما يستحق الانتباه  لسببين رئيسيين:

  • السبب الأول: كون نيجيريا القوة الاقتصادية الكبرى في غرب أفريقيا, وهي كذلك القوة العسكرية ذات الخبرة الواسعة في عمليات حفظ السلام، مما يجعل الكثيرين يعتقدون أن عليها أن تلعب دورا بارزا في هذا التدخل العسكري.
  • السبب الثاني: وربما هو الأهم أيضا، ويتعلق بالتهديد المتزايد للعلاقة الإيديولوجية والتكتيكية التي تربط الجماعات الإسلامية في مالي واثنتين من الجماعات الجهادية في نيجيريا هما: جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد المعروفة بــ"بوكو حرام" (11) وجماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان, وعليه فإن تدخل نيجيريا يخدم مصالحها الاستراتيجية, إذ يمنحها الفرصة في منع شمال مالي من أن يوفر ملاذات آمنة للإسلاميين المتشددين الذين يهددون وجودها كدولة علمانية.

 مسارات أمنية محتملة

لا شك أن التدخل العسكري للقوات الفرنسية وقوات دول غرب أفريقيا في شمال مالي غيّر مسار الأزمة في هذه المنطقة, فقد مكّن هذا الهجوم القوات المتحالفة من التقدم بخطوات متسارعة على الأرض وأجبر الجماعات الإسلامية على الانسحاب من المناطق التي كانت تحتلها  وتسعى لإقامة دولة إسلامية فيها في الشمال المالي.

ينضاف إلى ذلك نجاح القصف الجوي الفرنسي في تمدير ما كانت هذه الجماعات الإسلامية تتبجح بامتلاكه من أسلحة متطورة، وإذا حافظت القوات الفرنسية والإفريقية على وتيرة الهجمات الجوية والبرية الحالية، فإنها ستكبد هذه الجماعات مزيدا من الخسائر وستجبرها على الانسحاب من الأراضي المالية, وهو ما سيضطر الجماعات المذكورة إلى إعادة رسم استراتيجيتها - وهي تتقهقر - أو إلى الذوبان في السكان المحليين, وهو ما من شأنه – ربما- تغيير المشهد الأمني داخل أفريقيا بل وخارجها, واعتمادا على ما سبق يمكن الوصول إلى الاستقراءات التالية.

اعتماد تكتيكات صارمة لمكافحة الإرهاب  داخل مالي
لا بد أن يوضع في الحسبان – وفي نفس في الوقت الذي تتقدم فيه القوات الإفريقية في شمال مالي وتسترد فيه المزيد من الأراضي التي كان المتشددون الإسلاميون قد سيطروا عليها - أن الجماعات الإسلامية قد تتبنى منهج حرب عصابات المدن، كما قد تزيد من استخدام تكتيكات إرهابية ما فتئ عناصرها يطبقونها منذ احتلالهم لشمال مالي، وسوف تشمل التكتيكات المحتملة مستقبليا إطلاق النار من السيارات المسرعة والاغتيال المستهدف والعمليات البشعة من قبيل قطع رؤوس من يقبضون عليهم من القوات المالية أو قوات التحالف، إضافة إلى استخدام العبوات الناسفة والتفجيرات الانتحارية ضد أهداف متعددة مثل البنية التحتية الحيوية، والقوات المالية والأجنبية، والمسؤولين الحكوميين، وما إلى ذلك وسيلعب المقاتلون الإسلاميون من ذوي الخبرة في أفغانستان والعراق وباكستان دورا رئيسيا في تشكيل هذا المشهد الأمني الجديد.

هجمات تشنها مجموعات محلية مرتبطة بهذه الجماعات أو متعاطفة معها
من الوارد جدا  تزايد الهجمات الجهادية من مجموعات محلية مرتبطة بالجماعات الإسلامية في مالي أو متعاطفة معها وخصوصا داخل البلدان  التي تساهم بقوات في البعثة العسكرية في مالي، ومن المتوقع أن تشمل تلك الهجمات أهدافا مدنية وعسكرية في  الدول المذكورة.

وقد شهدت نيجيريا بالفعل هجمات قامت بها جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان تضامنا مع الإسلاميين في مالي، فقد اخْتطِف - في  19 ديسمبر 2012، - فرانسيس كولومب، وهو مواطن فرنسي يعمل في ولاية كاتسينا لحساب شركة فيرغنت الفرنسية، وتبنت تلك العملية جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان، مبررة فعلتها بقرب التدخل العسكري الفرنسي في مالي، إضافة إلى رفضها مساهمة القوات النيجيرية في بعثة مالي، كما نصبت جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان كمينا في 19 يناير 2012 استهدف شاحنة تقل جنودا نيجيريين في  ولاية كوجى حين كانوا في طريقهم للانضمام للبعثة في مالي، وقد أسفر الكمين عن مقتل جنديين وإصابة آخرين. وثمة مخاوف من أن تكثف كل من بوكو حرام وجماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان هجماتها على الأراضي النيجيرية، بحيث تركز جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان على الأهداف الأجنبية, فيما تتولى جماعة بوكو حرام الهجمات على أهداف محلية، وهذه بعض الإجراءات الممكنة التي من المحتمل أن تلجأ لها الجماعات الجهادية المحلية، والمتعاطفون مع المتمردين الإسلاميين في مالي وبعض دول المنطقة  في الأيام أو الأشهر المقبلة.

هجمات للإثارة وجس النبض
إحدى التداعيات الأخرى المحتملة لهذا التدخل العسكري ستكون عبر شن  هجمات "مدوية" أو هجمات لــ"جس النبض" تستهدف المصالح الفرنسية والغربية، وستتم هذه الهجمات المذهلة داخل الدول الافريقية، ومن المرجح أن تنجح هذا - نظرا لضعف أجهزة الأمن القومي لهذه الدول, وغياب البنى التحتية الضرورية  لجمع المعلومات في أغلب الدول الإفريقية - ويمكن اعتبار الهجوم الأخير الذي شنته هذه الجماعات على محطة ضخ الغاز في عين آمناس في الجزائر مثالا جليا على هذا الأمر, ففي 16 يناير/كانون الثاني 2013، أقدمت جماعة من لواء الملثمين - أو من يطلقون على أنفسهم لواء "الموقعين بالدم" التي أسسها المتشدد المعروف مختار بلمختار - على احتجاز مئات من العمال كرهائن في محطة الغاز المذكورة.

وانتهت عملية احتجاز الرهائن - التي استمرت لمدة أربعة أيام - عندما اقتحمت القوات الجزائرية المحطة، مما أدى إلى خسائر بشرية فادحة، وكانت نتيجة العملية إطلاق سراح العمال الجزائريين البالغ عددهم 685 إضافة إلى 107 من أصل 132 من الأجانب العاملين في  المصنع، في حين قتل 37 رهينة و32 من الإرهابيين, ويشكك بعض المحللين في وجود أية علاقة بين التدخل العسكري الفرنسي وهجوم عين أمناس، وذلك على أساس أن مثل هذه العملية الواسعة النطاق يتطلب الإعداد لها الكثير من  التخطيط اللوجستي ومن الموارد, وهو ما لا يمكن – حسب رأيهم - أن يتحقق في هذا الوقت القصير جدا.

ومع ذلك، فإن معرفة بلمختار الواسعة  بالأرض الجزائرية وتمتعه بعلاقات مع مجتمعات محلية في جميع أنحاء الساحل يجعل مثل هذا الهجوم المذهل ممكنا. ويتعزز هذا الطرح بالبيان التهديدي الذي أصدره لواء الملثمين -  فور انتهاء عملية الاختطاف في عين آمناس أصدر - ووعيده بشن المزيد من الهجمات على البلدان التي سترسل قوات إلى مالي.

ويتوقع - في أوروبا وأماكن أخرى في جميع أنحاء العالم-  أن تشن جماعات جهادية ذات صلة بتنظيم القاعدة أو يشن أفراد أغراهم الخطاب الإسلامي هجمات نوعية على بعض الأهداف الرخوة، انتقاما ممن شاركوا في التدخل العسكري في مالي، ويتوقع أن تشن هذه الهجمات في أكثر أحوالها من طرف أفراد بدلا من شنها موسعة تشارك فيها مجموعات.

الخاتمة

لقد سجل التدخل العسكري الفرنسي في مالي بعض النجاحات الأولية مثل الاستيلاء على المدن الهامة وتخليص الحكومة الانتقالية الضعيفة في باماكو من براثن غزو المتمردين الإسلاميين, لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت 'الحرب في مالي' ستنتهي قريبا أو تمتد لفترة طويلة جدا.

لكن المؤكد والواضح جدا هو أن هذا التدخل العسكري ستكون له عواقب ليس على الأمن داخل أفريقيا فحسب بل وخارجها، وهو ما لا ينبغي أن يقف حجر عثرة في  وجه الجهود الدولية لاستعادة الاستقرار والحكم الديمقراطي في مالي. و يتعين - كي يستتب السلام والأمن بصورة مستديمة في مالي-  تحقيق التوصيات التالية:

  • ينبغي للمجتمع الدولي, ومن خلال مجموعة الاتصال التابعة للإيكواس (ECOWAS), أن يدعم الحكومة الانتقالية والنخبة السياسية في مالي لإدخال إصلاحات سياسية واسعة النطاق من شأنها التأسيس لحكم ديمقراطي حقيقي في مالي.
  • ينبغي دعم الحكومة الانتقالية في مالي  لانتهاج استراتيجية شاملة للإصلاح وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى.
  • ينبغي أن تتكتل بلدان وسط وغرب وشمال إفريقيا في نظام إقليمي قوي يمكنها من مكافحة التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، مع التركيز على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأمن الحدود ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة التي تشمل المخدرات، والبشر، والأسلحة، والمتفجرات والمقاتلين.
  • ينبغي للقوات الفرنسية والإفريقية أن تستثمر في بناء أساليب علاقات قوية وودية مع مجموعات السكان المحلية في شمال مالي لتحرم الجماعات المتمردة من أن تحظى بأي نوع من الدعم من قبل السكان المحليين، وعلى القوات الفرنسية والأفريقية وهي تخوض المعركة ضد الإسلاميين في مالي أن تتجنب أي نوع من انتهاك حقوق الإنسان.
  • يجب على القوات الفرنسية والإفريقية أن تطور خطة معلوماتية واسعة النطاق أو إستراتيجية "عملياتية" نفسية لمواجهة الدعاية الجهادية التي تتهم القوات المالية والأجنبية بإعلان حرب مفتوحة من أجل "تدمير الإمبراطورية الإسلامية في مالي ، وينبغي أن تنفذ تلك الاستراتيجية من قبل الحكومة الانتقالية في مالي.

    وعلى البلدان (وخصوصا تلك التي بها نسبة كبيرة من المسلمين) والتي أرسلت قوات إلى مالي أن تفعل الشيء نفسه لمواجهة مسحة التطرف داخلها.
  • وعلى الإيكواس أن تدعم مالي لتطوير وتنفيذ استراتيجية واسعة من المصالحة الوطنية، مع التركيز على معالجة قضايا دولة مالي وما يتعلق بالمفاوضات لإيجاد حلول لقضايا الظلم والتهميش التي يعاني منها الطوارق والعرب.

_______________________
د. فريدوم أونوها - باحث في المركز الإفريقي للبحوث والدراسات، المعهد الوطني للدفاع، أبوجا، نيجيريا.

المراجع
1- Wolfram Lacher, Organized Crime and Conflict in the Sahel-Sahara Region, Carnegie Papers, September 2012,
http://carnegieendowment.org/files/sahel_sahara.pdf.

2- Tanguy Berthemet, “Comment l’Aqmi a pris place dans le desert malien,” Le Figaro, 22 September 2010, http://www.lefigaro.fr/international/2010/09/22/01003-20100922ARTFIG00669-comment-l-aqmi-a-pris-place-dans-le-desert-malien.php.

3- Alex Thurston, “Mali: Camatte Released, Algeria Recalls Ambassador,” Sahel Blog, 24 February 2010, http://sahelblog.wordpress.com/2010/02/24/mali-camatte-released-algeria-recalls-ambassador/.

4- Reuters, “Islamists declare full control of Mali's north,” 28 June 2012, http://www.trust.org/alertnet/news/islamists-declare-full-control-of-malis-north/

.5- Serge Daniel, “Mali rebel Iyad Ag Ghaly: Inscrutable Master of the Desert,” AFP, 5 April 2012, http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5j2E5T3FzSZKJ-OhCpfHOdsoA0idA?docId=CNG.479d25a6bbe0d8ec222921f745502da0.1f1.

6-  Press TV, “AU approves plan to send ECOWAS troops to Mali”, 14 November  2012, http://presstv.com/detail/2012/11/14/272106/au-greenlights-ecowas-troops-to-mali/

7-  Finian Cunningham, “Preplanned Mali Invasion reveals France's Neo-colonialistic Agenda”, 14 January  2013, http://presstv.com/detail/2013/01/14/283503/france-invasion-of-mali-preplanned/

8- See Brian Fung, ‘A Map of the Bewildering Mali Conflict’, The Atlantic, 16 January  2013, http://www.theatlantic.com/international/archive/2013/01/a-map-of-the-bewildering-mali-conflict/267257/?utm_source=Africa+Center+for+Strategic+Studies+-+Media+Review+for+January+17%2C+2013

9- Aljazeera Centre for Studies, “French Intervention in Mali: Causes and Consequences’, 20 January 2013

10- Whitney Eulich, “Mali: French bring the troops, world now bringing the funds”, Christian Science Monitor, 29 January 2013, http://www.csmonitor.com/World/terrorism-security/2013/0129/Mali-French-bring-the-troops-world-now-bringing-the-funds-video

11- Freedom C Onuoha, “Boko Haram’s Tactical Evolution”, African Defence Forum, Vol. 4, No. 4, (2011), pp. 26-33.

تعليقات

 

نرشح لكم

يعالج هذا البحث العلاقة المركبة والمعقدة بين المجال السياسي وبين مجال التصوف في غرب إفريقيا متخذا من الطريقة المريدية بالسنغال حالة للدرس، وذلك في ضوء التحديات المستجدة التي تواجهها الطرق الصوفية بغرب إفريقيا وقد بات لزاما عليها تجديد نفسها والتكيف مع هذه المستجدات.

2018/11/13

تتعدد أوجه تأثير العقوبات على إيران ولا يمكن حصر تأثير هذه العقوبات في المجال الاقتصادي، وهو ما تبحثه هذه الورقة التي تناقش آثار هذه العقوبات في السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

2018/11/07

تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في جنوب اليمن على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط حكومة الرئيس هادي بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغييرها من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله.

2018/11/04