تفجيرات لبنان: تداعيات للأزمة السورية أم بوادر حرب أمنية؟ - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

تفجيرات لبنان: تداعيات للأزمة السورية أم بوادر حرب أمنية؟

تعرض لبنان لتفجيرات عدة في غضون شهرين؛ ما أثار الشكوك حول وجود حرب أمنية ضد أطراف لبنانية وقد تنقل عدوى بعض أوجه الحرب السورية إلى لبنان، وذلك على رغم دعوة حسن نصرالله لحصر النزاع بسورية والتي تتلاقى مع رغبة الغرب.

الخميس, 03 أكتوبر, 2013 06:25 GMT

عززت الانفجارات المخاوف من وقوع حرب أمنية في لبنان مشابهة لتلك التي في العراق أو عرفها لبنان سابقا (الجزيرة)

هزّ لبنان أربع تفجيرات يفصل بينهما أسابيع، اثنان منهما في الضاحية الجنوبية (الأول في 9 يوليو/تموز 2013، والثاني في 15 أغسطس/آب 2013)، وتلا آخرهما بعد أسبوع (23 أغسطس/آب 2013) اثنان آخران متزامنان يفصل بينهما دقائق في محيط مسجدين في طرابلس: مسجد التقوى ومسجد السلام.

يُخشى أن تكون هذه التفجيرات فاتحة مرحلة جديدة في لبنان شبيهة إقليميًا بما يجري في العراق، أو أن تكون شبيهة بتلك التي تلت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، وما تلاها من استهداف لشخصيات سياسية وصحافية وأمنية من قوى 14 آذار أو مقربة منها وكان آخرها اغتيال رئيس شعبة المعلومات وسام الحسن في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2012.

السياق السياسي

جاءت التفجيرات في ظل عجز مطبق للقوى السياسية اللبنانية عن إحداث أي تغيير سياسي لكسر الجمود الذي ترزح تحته البلاد؛ حيث لا حكومة جديدة ما خلا حكومة تصريف الأعمال محدودة الصلاحيات بسبب الخلافات حول شكلها ودورها، ولا انتخابات نيابية واستُعيض عنها بالتمديد للمجلس الحالي، كما أن استفحال الخلافات بين الأطراف اللبنانية الأساسية استدعى التمديد لقادة أمنيين وعسكريين على رأسهم قائد الجيش جان قهوجي، حتى إن مصير الانتخابات الرئاسية المقبلة لا يزال غامضًا، ولا يمكن الجزم بالتمديد للرئيس ميشال سليمان أو انتخاب بديل له.

كما أن هذه التفجيرات أتت في سياق إصرار تيار المستقبل على تقديم الدعم السياسي والإعلامي "للثورة السورية"، مع استمرار مشاركة حزب الله العسكرية إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد في النزاع السوري الذي لا يزال يراوح مكانه دون غلبة أي طرف على آخر، وفي ظل عجز أو امتناع من القوى الإقليمية والدولية عن فرض تسوية تنهي الصراع أو تحد منه بما قد يبعد لبنان وينأى به عن تأثيرات الصراع السوري.

التصعيد السياسي والمذهبي

لاشك أن انخراط حزب الله في المعركة السورية خاصة في بادئ الأمر وتحت عنوان "حماية المقامات الشيعية" حصرًا قد أجج من البعد المذهبي في الصراع، وهو ما لاقى تفاعلاً في لبنان الذي تقوم بنية الدولة فيه أساسًا على البعد الطائفي والمذهبي، وفي الوقت الذي وصل فيه هذا النظام إلى طريق مسدود.

وبغض النظر عن التفجيرات وتحديدًا قبلها، كان النزاع بين الأطراف اللبنانية يتطور باتجاه مذهبي حاد بين السنة والشيعة على الرغم من أن جوهره نزاع حول خيارات وطنية وإقليمية مختلفة؛ ذلك أنه بالتزامن مع اتساع المساحة الأمنية التي يُعنى بها حزب الله على الحدود السورية اللبنانية أو نتيجة لها، نشأت حالة غاضبة -في مدينة صيدا الجنوبية- من "هيمنة حزب الله على لبنان والإقليم" والتي تزعمها "الشيخ أحمد الأسير"(1) داعيًا إلى نزع سلاح حزب الله و"تحرير الأجهزة الأمنية في الدولة اللبنانية" من نفوذه، كما اتهمه بأنه يستعمل أجهزة الدولة "كأدوات للهيمنة" على "السنة" في لبنان وسوريا مستفيدًا من تحالفه مع نظام "الرئيس بشار الأسد".

وحاول الأسير استنساخ تجربة حزب الله في الحصول على استثناءات تخوّله حمل السلاح "للدفاع عن النفس" وإنشاء مربع أمني خاص به في مدينة صيدا لا سلطة للدولة عليه، كما زار مواقع عسكرية للمعارضة السورية في "القصير" قبل سقوطها بيد النظام السوري وحزب الله، وحثّ اللبنانيين على الالتحاق بالمعارضة السورية ومدها بالسلاح والقتال إلى جانبها ضد "المعتدين". واستنكر"ملاحقة الدولة" لمؤيدي الثورة السورية "السنة" في "نصرتهم" للسوريين بتهريب السلاح أو المقاتلين وإغماض العين عن دخول حزب الله العلني والمكشوف بالسلاح والعتاد والمقاتلين عبر الحدود اللبنانية إلى سورية.

وجاء رد الجيش اللبناني على ما سُمي "ظاهرة الأسير" بالاستئصال وإنهاء وجود جماعته عسكريًا في أعقاب حادثة مع الجيش سقط فيها قتلى من الطرفين، لتزيد من الغضب الشعبي في بعض الشرائح المعارضة لحزب الله بعد تناقل صور على نطاق واسع تظهر مشاركة مسلحين بملابس مدنية على أنهم من حزب الله يقاتلون إلى جانب الجيش اللبناني ويقومون من مواقع عدة "باستهداف المسجد" الذي اعتصم فيه أنصار الأسير، بل وصل السخط إلى مواقع رسمية في الدولة اللبنانية وهو ما عكسه موقف رؤساء الحكومات السابقين وبحضور الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة تمام سلام، حيث لم يمنعهم تضمين البيان رفضهم للاعتداء على "الجيش اللبناني"، تضمينه أيضًا ما سموه "رفض المحاولات المتكررة والفاشلة لوضع الجيش في مواجهة المسلمين السنة وتصويرهم بأنهم جماعة متطرفة رافضة للدولة فيما هم أهل الدولة والتمسك بتطبيق القانون"(2)، وجاءت هذه الفقرة لتعكس مدى الخلل الذي بلغه النظام اللبناني؛ حيث برزت مخاوف حقيقية من وقوع انشقاق أو انقسام في الجيش اللبناني، خاصة وأن الأسير دعا "السنة" للخروج منه.كما أصر تيار المستقبل على التحقيق بالحادثة ودور حزب الله فيها، وذلك في "لجنة الدفاع النيابية" وهو الأمر الذي رفضه(3) حزب الله -وحلفاؤه- بعد أن نفى هذا الاتهام.

لاشك أن إنهاء ظاهرة الأسير على يد الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية لأسباب تشبه إلى حد بعيد تلك التي يعيشها حزب الله (أي استثناء نفسه من سلطة الدولة) دون التعرض له، كرّس المقولة التي تتحدث عن هيمنة حزب الله على لبنان، حتى لدى أولئك المعارضين "لظاهرة الأسير" من قوى 14 آذار؛ ما طرح تساؤلات كبيرة حول مستقبل التعامل مع حزب الله لدفعه نحو الانكفاء إلى الداخل اللبناني وتخفيف "قبضته عن الأجهزة اللبنانية".

التفجيرات والمعادلة القائمة

ركزت التصريحات الصادرة عن قيادة ومسؤولي حزب الله بعد تفجير الضاحية الجنوبية الأول (تفجير بئر العبد، 9 يوليو/تموز 2013) على اتهام القاعدة بالاسم ووجود أصابع عربية خلفه دون تسميتها، كما ذهبت التحليلات التي أشاعتها وسائل إعلام حزب الله والمقربة منه وبعض حلفائه على تأكيد هذا الاتهام مع تسمية السعودية بالاسم، وأن التفجير قد يكون أُعدّ له بعيدًا عن الإرادة الأميركية، لكنها -كاحتمال ثان- لم تستبعد المخاوف من حرب "أمنية"(4) مقبلة قد تُشن على حزب الله من أجهزة مخابرات عدة وبمشاركة أو موافقة أميركية وغربية بقصد دفع حزب الله إلى الانسحاب من سوريا، أو تحميل "بيئته الحاضنة" وزر سياسته في الداخل اللبناني والإقليم بقصد تحجيمه(5).

لم يُلمس بعد التفجير الأول تشددًا أمنيًا من حزب الله في الضاحية الجنوبية، ولم يطرأ تغيير كبير على سلوكه السياسي بل كان أكثر حرصًا على التهدئة(6) بما يشي بركونه إلى استمرار وجود المعادلة الإقليمية والدولية القائمة على حماية لبنان من تداعيات الشأن السوري وعدم نقل عدوى الحرب إليه.

والجدير بالذكر أن الموفدين الغربيين ومنهم الأميركيون حرصوا على تعزيز هذه المعادلة بكل وضوح، حتى إن واشنطن طلبت من الجيش السوري الحر عدم ملاحقة حزب الله إلى لبنان(7)، مع الإشارة إلى أن نصرالله بعد أن كشف مشاركة حزب الله في مجريات المعركة في سوريا كانت دعوته للبنانيين بحصر "المعركة العسكرية" على أرض سوريا وعدم نقلها إلى لبنان(8)، لتسير في هذا السياق مع إجراء تعديل عليها دون نسفها، مفاده نقل معارك اللبنانيين إلى سوريا دون العكس؛ ما ساهم بتجميد الوضع اللبناني وتمديد أزماته ومواعيده الدستورية دون انهياره.

وجاء تفجير الضاحية الثاني ليعزز المخاوف من الاحتمال الثاني؛ أي أن التفجيرات تهديد أو مقدمة لشن "حرب أمنية" على حزب الله، باعتبار أن "الحرب العسكرية" على الحزب من طرف لبناني غير مسموح بها أميركيًا وغربيًا لأنها تتطلب تسليحًا موازيًا أو مقاربًا لقدرات الحزب ما يعني خلق قوة إقليمية جديدة وهو ما لا يمكن القبول به، ولأنه سيزيد من التهديدات لأمن "إسرائيل" وسيضع لبنان على سكة الحرب الأهلية ليكون مصدرًا لشتى أنواع "العنف والتطرف".

وإذا صحت فرضية "الحرب الأمنية" فإن سقفها سيكون دون الانزلاق إلى الحرب الأهلية الممنوعة؛ الأمر الذي يعطي حزب الله القدرة على المناورة على حافة الهاوية حيث لا يمكن فصل أمن لبنان عن أمن الضاحية، وهو ما عكسه نصرالله في خطابه بعد انفجار الرويس؛ حيث حذر "المسؤولين والسياسيين والأجهزة الأمنية وكل اللبنانيين من أن لبنان، إذا استمرت التفجيرات، هو على حافة الهاوية ويجب التصرف بمسؤولية". وبعد أن اتهم "ترجيحًا" من سماهم "التكفيريين" بتدبير الانفجار وأنهم "قتلة" وليسوا من "السنة"، هدد بأن "أيدينا ستصل إليكم إذا الدولة أهملتكم"؛ أي حينها سيقوم حزب الله مقام الدولة، وأن الرد على التفجير سيكون بالمزيد من الانخراط في الشأن السوري حتى إنه "سيشارك بنفسه" في الحرب إلى جانب النظام السوري لو دعت الحاجة لهزيمة التكفيريين(9).

التفجيرات ومخاطر الانقسام المذهبي

جاءت تفجيرات طرابلس لتضيف احتمالات أخرى بخصوص الجهة المدبرة، فقد اتهمت قوى 14 آذار وبعض القوى الإسلامية النظام السوري بتفجيري طرابلس وأن هناك أدلة على ذلك، وأن لا شيء يمنع من أن تكون هذه الجهة نفسها وراء انفجاري الضاحية، واتهمت "هيئة علماء المسلمين في لبنان" الأطراف السياسية التي وصمت "الحالة الإسلامية" و"الساحة السنية" بأنها "تكفيرية" و"إرهابية" بأنها وفرت غطاء معنويًا لهذه التفجيرات.

وكانت كتلة حزب الله قد سبق لها أن أصدرت بيانًا صادف أنه وقع قبل تفجيرات طرابلس بيوم واحد ذهبت فيه إلى أن "التكفيريين" المسؤولين عن تفجيرات الضاحية استفادوا "من الحاضنة السياسية التحريضية التي يشكّلها ويغذِّيها بعض قوى 14 آذار"(10).

ومن وجوه الانقسام الأخرى أن أعلنت "شعبة المعلومات" -وهي أحد الأجهزة الأمنية اللبنانية- عن اتهامها للشيخ أحمد الغريب -وهو أحد المحسوبين على قوى الثامن من آذار- بصلته بالحادث، وكشفت عن دور مفترض للنظام السوري في التفجير، كما اعتقلت الشيخ هاشم منقارة بغرض التحقيق معه لصلة تجمعه بالغريب.

ولكن ما لبث أن تم الإفراج عن منقارة الذي أثنى على جهود نصرالله في السعي للإفراج عنه، في حين لا يزال الغريب قيد التوقيف ولا يزال النزاع بشأنه قائمًا بين قوى الثامن من آذار التي ترى أن استهدافه سياسي وليس جنائيًا، وقوى 14 آذار التي تؤكد وجود صلة للغريب بالحادث، وأن حزب الله وحلفاءه يريدون تبرئته وتبرئة النظام السوري(11).

وانتقل النزاع السياسي بين الطرفين إلى التشكيك بأجهزة الأمن المختلفة والقضاء، مع العلم بأن بعض رموز تيار المستقبل وأطرافًا إسلامية أخرى أعلنوا أكثر من مرة عن عدم ثقتهم بجهاز "مخابرات الجيش" وشككوا بجهاز "الأمن العام" وأحيانا "بالقضاء العسكري" لأنها "واقعة تحت تأثير حزب الله"، في حين أن حزب الله وقوى الثامن من آذار تعلن مرارًا عن عدم ثقتها بجهاز "شعبة المعلومات" وأنها ملحقة بتيار المستقبل منذ بدئها بالتحقيق في اغتيال رفيق الحريري حتى اليوم، خاصة وأن نتائج التحقيق لهذا الجهاز أشارت بالاتهام إلى ضلوع عناصر من حزب الله في هذه العملية.

وأضاف هذا الانقسام حول الأجهزة الأمنية والثقة بها هواجس أخرى تتعلق بقدرة الدولة على تأمين الأمن للمواطنين اللبنانين فضلاً عن دفعهم نحو "الأمن الذاتي"، وإشاعة الخوف بين الأطراف اللبنانية المختلفة من بعضها بعضًا؛ فكان أن حذرت بعض القوى لاسيما وليد جنبلاط من "تطييف" الأجهزة الأمنية "وتحويلها إلى جزر لحماية هذه الطائفة أو تلك"، ودعا لأن تُترك لشأنها وإلا فإن اللبنانيين سيدخلون في "أتون النيران الإقليمية" أي الحرب(12).

وبادر حزب الله بعد تفجيرات الضاحية إلى توسيع وتعزيز آلته الأمنية فأحاط مداخل الضاحية الجنوبية بعشرات الحواجز الأمنية تحسبًا لدخول أية سيارة مفخخة إليه تحت عنوان حماية أمن "البيئة الحاضنة للمقاومة"، ما أعاد فتح النقاش حول مخاطر "الأمن الذاتي" باعتبار أن قيام كل طائفة أو مجموعة بحفظ أمنها بنفسها بعيدًا عن أجهزة الدولة سيعمل على تفكيك لبنان وتفتيته إلى دويلات أمنية ومذهبية يخشى بعضها بعضًا وتتهم ضمنًا بعضها بعضًا؛ ما حدا بحزب الله مؤخرًا إلى إيلاء مهمة حفظ أمن الضاحية لقوة مختارة من أجهزة الدولة اللبنانية ولكن بالتنسيق الكامل معه.

التداعيات والمخارج

إن لجوء حزب الله إلى "الأمن الذاتي" ثم تسليمه أمن الضاحية للدولة طرح أسئلة كبيرة حول قدرة الأحزاب اللبنانية بالاستناد إلى عصبية طوائفها على اتخاذ قرارات هي من صميم صلاحيات الدولة، كما أن الحديث عن التنسيق بين الأجهزة الأمنية والدولة لحفظ أمن "الضاحية" يوسع من انتشار سلطة الحزب الأمنية لتشمل مناطق واسعة على الحدود مع لبنان وسوريا وفي الداخل اللبناني، وهذه المرة ليس لأهداف تتصل "بالمقاومة" بل لتداعيات تتصل بالتدخل العسكري في سورية.

وبالنسبة لسياسة النأي بالنفس فهي لا تزال قائمة وفق منطق حزب الله باعتبار أن الهدف منها هو "نأي لبنان" عن الحرب السورية والحؤول دون انتقالها إلى لبنان وليس العكس، بل إن حزب الله يرى في دوره هذا دورًا وطنيًا ساهم في حماية لبنان من جحيم سورية. وهذه السياسة (النأي بالنفس) بنظر الغرب ولاسيما أميركا، لا تزال قائمة لدى حزب الله والحكومة اللبنانية المستقيلة ولو بالحد الأدنى أو بطريقة أخرى، وذلك بالنظر إلى النتيجة المتوخاة؛ ألا وهي انحصار الحرب بسوريا.

وبالنسبة لمعادلة النأي بالنفس القائمة بقوة الأمر الواقع حاليًا، لا يبدو الوضع اللبناني قادرًا على احتمالها طويلاً، وقد أظهرت هذه التفجيرات هشاشتها وأن الغاضبين منها ليسوا قلة، وأن التدافع السياسي لن يكفي لدفع حزب الله إلى الانكفاء نحو الداخل اللبناني على الأقل، ولن يثني قوى 14 آذار والتيارات الإسلامية عن معارضتها لما يسمى محور قوى الممانعة (8 آذار وسوريا وإيران). وفي حال أخذنا بالاعتبار اتساع دائرة الفاعلين الإقليميين في الشأن اللبناني فإن احتمال استمرار الحروب الأمنية الصغيرة ويكون طرفها الأساسي حزب الله في مقابل أطراف متعددة، واردة جدًا بل ربما بدأت ومنها هذه التفجيرات فضلاً عن الكمائن التي أُعدت أكثر من مرة ضد حركة تنقّل عناصر حزب الله بين بيروت ودمشق، وأحدها بعد تفجير بئر العبد بأيام(13).

ومن اللافت انضمام حزب الله إلى خطاب "الحرب على الإرهاب" بوصفها حربًا ضد التكفيريين، منذ مشاركته في إسقاط مدينة القصير السورية الحدودية، ووصمه لكل الأطراف المعارضة للنظام السوري في سوريا بأنها تحتضن التكفيريين وتخوض حربهم أو هي تكفيرية؛ الأمر الذي لم يوفر له "مبررًا أخلاقيًا" لحربه خارج إطار "المقاومة" فقط، بل فتح المجال أمام حوار إقليمي محتمل بين إيران والسعودية -المتضررتين من بعض التيارات الإسلامية في العالم العربي؛ ومنها سوريا والعراق- لترتيب بعض شؤون الإقليم، خاصة وأنها تتقاطع مع حوار روسي-أميركي على المستوى الدولي، ومن المتوقع أن تخلق مساحة حوار ولو محدودة على الصعيد المحلي بين تيار المستقبل وحزب الله.

إلا أن هذا الأسلوب في الخلط بين التكفيريين ومؤيدي الثورة السورية في لبنان إذا تمكن من الساحة اللبنانية، فإنه سيكون أحد أبرز مصادر التصعيد المذهبي والوطني في لبنان، مع الإشارة إلى أن بعض هذا الخطاب تسرب إلى حزب الله وقوى الثامن من آذار. والجدير بالذكر أن هذا الخطاب كثيرًا ما استعان به النظام الرسمي العربي قبل ثورات الربيع العربي لعقد صلة وصل أو صفقة ما مع الغرب.

كما أن استعارة الخطاب المذهبي والديني، والسهولة في إصدار الاتهامات للفريق الآخر عقب كل تفجير، ستجعل من لبنان بيئة جاذبة للتفجيرات المرسلة من دول الإقليم؛ فالبيئة التي يتعدد فيها المتهمون والاتهامات- إلى حد يجعل من الجميع فاعلاً وضحية فيصعب معرفة الفاعل الحقيقي- هي المدخل الأمثل للتأثير في الإقليم بمجمله.

خاتمة

إن الخلافات بين حزب الله (ومعه قوى الثامن من آذار)، وتيار المستقبل (ومعه قوى 14 آذار إضافة إلى القوى الإسلامية) مرشحة للتصاعد إلى أن تبادر القوى الإقليمية لرسم حدود للصراع، وما يمسكها حتى اللحظة أن المعادلة التي تنظم الوضع اللبناني مرتبطة مباشرة بالسياق الدولي الذي يحرص على عدم انتقال عدوى الحرب من سوريا إلى لبنان، وهو ما يفسره تتابع الموفدين الدوليين إلى بيروت.

وفي هذا السياق يلاحظ أن هناك ما يقرب من الإجماع محليا وإقليميا ودوليا على عدم الاقتصار على استعمال "النأي بالنفس" للإشارة إلى النأي بلبنان عن الملف السوري، وكثيرا ما تستخدم كلمة "تحييد لبنان" لنفس الغرض، ما قد يجعل هذه الأخيرة إحدى الكلمات المفتاحية التي يمكن ترشيحها لتكون أساس تأليف حكومة جديدة، تعتمد مبدأ "تحييد لبنان" على أن تدعم بخارطة طريق للخروج من وحول المستنقع السوري.

ولا يمكن التأكد من أن لبنان قد أصبح آمنًا من تفجيرات أو من خطر الحرب الأمنية المتصلة بقضايا لبنان وسوريا (دون إسرائيل) إلا بعد اتفاق دول الإقليم، خاصة السعودية وإيران، حيث من المتوقع أن يزور الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني السعودية تلبية لدعوة وُجهت إليه من المملكة للحج هذا العام 2013، وبمجرد حدوثها تحصل إيران على اعتراف بوراثتها للدور السوري في لبنان، لتكون أيضًا طرفًا رئيسًا معترفًا به في المعادلة اللبنانية-السورية، وليفتح الملف اللبناني مرة أخرى للوصول على الأقل إلى اتفاق قد يحد من رقعة النزاع وحدّته ولو إلى حين اتضاح المشهد الدولي ونوايا أطرافه بخصوص المنطقة برمتها.
_____________________________________
شفيق شقير - باحث في شؤون المشرق العربي والحركات الإسلامية

المصادر
1- الشيخ أحمد الأسير من صيدا مدينة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، وإمام لأحد مساجدها؛ مسجد بلال بن رباح، ذاع صيته في أعقاب سيطرة حزب الله على بيروت في أحداث السابع من مايو/أيار حيث استقطب عددًا من المؤيدين من خلال خطابه الناقد لحزب الله وإيران ودورهما في لبنان، واشتُهر بتأييده المطلق للثورة السورية ودعوته "لمناصرتها"، كما أنه لم يكن على علاقة جيدة مع سعد الحريري لاختلاف الرؤى حول دور الطائفة السنية في لبنان.
2- المستقبل 25 يونيو/حزيران 2013، اجتماع بين ميقاتي ورؤساء الحكومة السابقين في السرايا: رفض الاعتداء على الجيش ومحاولة وضعه في مواجهة مع السنّة.
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=576552
وانظر نص البيان في موقع قوى 14 آذار.
http://www.14march.org/news-details.php?nid=NDcwMTIz
3- السفير اللبنانية 19 يوليو/تموز 2013، غصن يتغيب عن «الدفاع» رفضًا لمحاسبة الجيش.
http://www.assafir.com/article.aspx?EditionId=2518&ChannelId=60739&ArticleId=1855
4- المراد في التقرير بالحرب الأمنية الحرب غير المعلنة التي تستهدف أمن الخصم بالوسائل المخابراتية أو سواها عبر التفجير والاغتيال والخطف وما إلى ذلك.
5- الأخبار اللبنانية 11 يوليو/تموز 2013، CIA: «القاعدة» أرسلت 16 طنًا من المتفجرات إلــى لبنان.
http://www.al-akhbar.com/node/186874
6- تميز خطاب أمين عام حزب الله الأول (19 يوليو/تموز 2013) بعد تفجير بئر العبد بالهدوء ولم يقف كثيرًا عند هذا التفجير.
7- انظر القدس العربي 23 مايو/أيار 2013، إدارة أوباما تخشى من انتقال المعركة للبنان وطلبت من الحر عدم ملاحقة مقاتلي حزب الله إلى أراضيه.
http://www.alquds.co.uk/?p=47056
- صحيفة اللواء، 13 سبتمبر/أيلول 2013، اتصال كيري بسليمان قد يُمهِّد لاحتمال لقاء أوباما في نيويورك وتأكيد على التزام واشنطن بدعم لبنان واستقراره وتحييده عن الصراع السوري.
http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=178270
- انظر النهار، 26 يونيو/حزيران 2013، باريس القلقة على لبنان تحذّر من عدوى سوريا: الوضع أصبح أخطر بعد تدخّل "حزب الله" في الحرب.
http://newspaper.annahar.com/article/44525 -باريس-قلقة-علي-لبنان-تحذر-من-عدوي-سوريا-:الوضع-أصبح-أخطر-بعد-تدخل-حزب-الله-في-الحرب
- صحيفة اللواء، 13 سبتمبر/أيلول 2013، اتصال كيري بسليمان قد يُمهِّد لاحتمال لقاءأوباما في نيويورك وتأكيد على التزام واشنطن بدعم لبنان واستقراره وتحييده عن الصراع السوري.
http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=178270
8- الوكالة الوطنية للإعلام 1 مايو/أيار 2013، نصرالله: لا نريد مشكلة في لبنان ولا أن ينتقل الصراع إليه؛ من يريد إنقاذ سوريا يجب أن يعمل لإيجاد حوار وتسوية سياسية.
http://www.nna-leb.gov.lb/ar/show-news/32059/%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%84%D8%A7-%D9%86%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D9%84%D8%A7-%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87-%D9%85%D9%86-%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B0-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%8A%D8%AC%D8%A8-%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B9%D9%85%D9%84-%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D8%AF-%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AD%D9%84-%D9%88%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9
9- الأخبار اللبنانية 17 أغسطس/آب 2013، نصرالله: إذا احتاجت المعركة مع الإرهابيين إلى ذهابي إلى سوريا فسأذهب.
http://www.al-akhbar.com/node/189020
جريدة السفير اللبنانية، 15 أغسطس/آب 2013، نصرالله يحذر من بلوغ لبنان الهاوية: التكفيريون وراء التفجيرات.
http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=1141&EditionId=2539&ChannelId=61283
10- موقع تليفزيون المنار 22 أغسطس/آب 2013، "الوفاء للمقاومة": اعتداء الرويس دبرته أجهزة استخبارات دنيئة في المنطقة.
http://www.almanar.com.lb/adetails.php?eid=570370&cid=21&fromval=1
11- للوقوف على الجدل بين قوى 8 و14 آذار حول الاتهامات الموجهة للغريب ومنقارة يمكن الاطلاع على سبيل المثال على رواية 14 آذار من خلال صحيفة المستقبل 30 أغسطس/آب 2013، بعنوان: صقر يدّعي اليوم على المتورطين بتفجيري طرابلس، اعترافات الغريب تقود إلى منقارة.
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=585095
ورواية 8 آذار من صحيفة الأخبار 30 اغسطس/آب 2013، بعنوان: التحقيق في تفجيري طرابلس: طبخة «فرع المعلومات»لم تنضج بعد.
http://www.al-akhbar.com/node/189930
12- اللواء اللبنانية 19 أغسطس/آب 2013، جنبلاط: تطييف الأجهزة الأمنية ضربة قاسية للبنان.
http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=175245
13- انظر الجزيرة نت، 16 يوليو/تموز 2013، جرحى باستهداف موكب لحزب الله.
http://www.aljazeera.net/mob/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/f532b60d-50f9-4b6f-ac71-0576f261e72e

تعليقات

 

نرشح لكم

تحاول الورقة الوقوف على تطورات علاقات تركيا الخارجية خاصة مع روسيا والولايات المتحدة في ضوء تسميات إيجابية غير ثابتة أو مختلفة عن واقع العلاقة، وترى الورقة أن تركيا تسعى لمواجهة التهديدات بالبحث عن بدائل في ظل عدم توافق سياستها الخارجية مع حلفائها القدامى.

منذ 8 ساعات

يطرح فساد منظومة أسعار المحروقات بالمغرب معضلة سياسية وتشريعية وأخلاقية، فقد استولت شركات المحروقات بدون وجه حق على مبالغ مالية طائلة وظلت معالجة البرلمان والحكومة قاصرة عن حماية المواطنين من هذا التجاوز، بل إن هذه المعالجة سمحت بتغول لوبي شركات المحروقات على المواطنين.

2018/12/14

تؤشّر تطورات إدلب إلى أن لا حلول سياسية في سوريا في المرحلة المقبلة ولا حسم عسكريًّا، وإنما تمديد لمرحلة الانتظار مع احتمالات خروقات أمنية وصدامات متفرقة بين أكثر من طرف لا تغير جذريًّا في المعادلات القائمة.

2018/11/27