محمد السادس بأميركا: سعي لإعادة التوازن للعلاقات - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

محمد السادس بأميركا: سعي لإعادة التوازن للعلاقات

ترتكز العلاقة بين المغرب وأميركا على معطيات جيوستراتيجية وسياسية واقتصادية، سعت زيارة محمد السادس لواشنطن لتقويتها وإعادة التوازن إليها، بعد الهزة التي عرفتها هذا العام في ملف الصحراء الغربية. وقد جاءت الزيارة في سياق تحولات في العلاقات العربية-الأميركية، والنتائج المحتملة لأي تفاهم أميركي-إيراني.

الثلاثاء, 26 نوفمبر, 2013 10:35 GMT

سعت زيارة الملك محمد السادس (يسار) لواشنطن لتقوية وإعادة التوازن إلى العلاقات، بعد الهزة التي عرفتها هذا العام في ملف الصحراء الغربية (أسوشييتد برس)

ملخص

تعتبر العلاقات المغربية-الأميركية واحدة من أقدم العلاقات الأميركية؛ فالمغرب كان أول الدول التي اعترفت باستقلال أميركا عام 1777. وترتكز هذه العلاقة على معطيات جيوسياسية وأمنية واقتصادية. إلا أن ذلك لا يمنع من تعرضها لهزات أعادت فتح النقاش حول طبيعتها، وكان آخرها مشروع القرار الأميركي لتوسيع مهام بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الصحراء الغربية لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. وقد مثلت زيارة الملك محمد السادس الأخيرة لواشنطن فرصة لإعادة التوازن للعلاقة بين الجانبين.

ونظرًا لكون المغرب لا يمثل رهانًا اقتصاديًا كبيرًا بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التحدي سيظل مطروحًا عليه بشكل كبير لإحداث أي تغيير في معادلة التوازن التي تعتمدها الولايات المتحدة في سياساتها في شمال إفريقيا؛ حيث لا يملك المغرب قوة اقتصادية تمكنه من منافسة خيارات دول إقليمية مجاورة.

ومن الناحية المستقبلية يبقى العنصر الأهم في التأثير على معادلة العلاقة بين المغرب والولايات المتحدة مرتبطًا بحجم التطورات الأمنية وتفاعلاتها في منطقة الصحراء والساحل، ومدى تأثيرها على السياسات الأميركية في تلك المناطق.

تعتبر العلاقات المغربية-الأميركية من الناحية التاريخية واحدة من أقدم العلاقات الأميركية؛ فالمغرب كان أول الدول التي اعترفت باستقلال أميركا عام 1777. وترتكز هذه العلاقة على معطيات جيوسياسية وأمنية واقتصادية. ومع ما يجمع الجانبين من شراكة متعددة الأبعاد، إلا أن ذلك لا يمنع من تعرض العلاقة لهزات أعادت فتح النقاش حول طبيعتها، وكان آخرها مشروع القرار الأميركي لتوسيع مهام بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الصحراء الغربية لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. وتمثل زيارة الملك محمد السادس لواشنطن فرصة لإعادة التوازن للعلاقة بين الجانبين.

مرتكزات العلاقة

ترتكز العلاقة بين المغرب وأميركا على معطيات جيوسياسية وأمنية بالدرجة الأولى، يليها المعطى الاقتصادي؛ فعلى المستوى الاقتصادي وقّع المغرب مع الولايات المتحدة اتفاق التبادل التجاري الحر في 15 يونيو/حزيران 2004. ومنذ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ عام 2006 ارتفع الفائض التجاري للسلع الأميركية مع المغرب إلى 1.2  مليار دولار عام 2009  مقارنة بسنة 2005 حيث لم يتعد الفائض 79 مليون دولار.(1)

وبفضل هذه الاتفاقية، بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين 3.79 مليار دولار سنة 2011.(2) وقد بلغت صادرات أميركا للمغرب عام 2012 حوالي 2.26 مليار دولار، في حين صدّر المغرب ما قيمته 933 مليون دولار للولايات المتحدة.(3)

وهنالك معطيات أخرى تندرج في سياق العلاقة الجيوسياسية بين الجانبين؛ حيث يجمع المغرب بالولايات المتحدة "حوار استراتيجي" انطلق عام 2012. ويركز على التنسيق في القضايا الإقليمية والأمنية والاقتصادية والثقافية والتربوية. كما يستفيد المغرب من مؤسسة تحدي الألفية، التي أحدثتها الحكومة الأميركية في يناير/كانون الثاني 2004، وهي جهاز حكومي يهدف لتقليص الفقر في العالم من خلال تشجيع النمو الاقتصادي في البلدان النامية.

أما من الناحية العسكرية فقد اعتبر الرئيس السابق جورج بوش الابن عام 2004 المغرب حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة خارج حلف شمال الأطلسي. ويعتبر المغرب أحد أفضل الزبائن لشركات صناعة الأسلحة الأميركية. وقد أبرم الجانبان هذا العام صفقة تسليح تصل قيمتها النهائية إلى 12 مليار دولار.(4) إن حجم التنسيق العسكري بين المغرب والولايات المتحدة سواء من خلال المناورات العسكرية السنوية المشتركة أو صفقات التسليح، يعكس الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها المغرب للأميركيين.

علاقة استراتيجية لا تخل بتوازن الصراع في شمال إفريقيا

نظرت الإدارات الأميركية المتعاقبة للمغرب على أنه حليف قريب وشريك في مواجهة التحديات الأمنية في شمال إفريقيا وعلى رأسها تحدي الإرهاب في المنطقة، واعتبرته نموذجًا لتطبيق عدد من الإصلاحات السياسية. وقد دعمت إدارة أوباما في فترة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون مثل سابقاتها جهود الأمم المتحدة لتسهيل إيجاد حل دبلوماسي لقضية الصحراء الغربية، مع اعتبارها المقترح المغربي لمنح حكم ذاتي موسع للمناطق الصحراوية تحت السيادة المغربية بأنه "جدي وذو مصداقية". وقد استضافت أميركا في هذا السياق العديد من جولات التفاوض بين المغرب والبوليساريو.

بالمقابل، لم تمنع صيغة الحليف القريب استراتيجيًا من الولايات المتحدة حدوث هزات في هذه العلاقة؛ حيث أسست لمعادلة تتجنب معها أميركا التدخل لإحداث أي خلل استراتيجي في ميزان الصراع في المنطقة، الذي يجمع كلاً من المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو.

وقد سعى المغرب باستمرار إلى كسب مزيد من الدعم الأميركي سياسيًا في قضية الصحراء الغربية؛ حيث دعم التحالف الدولي يقيادة الولايات المتحدة في غزو العراق عام 1990، إلا أن مكتسبات تلك الخطوة لم تكن أكثر من اعتبار الرئيس السابق جورج بوش الأب مسألة الصحراء "شأنًا خاصًا بالأمم المتحدة". بالإضافة لانخراط المغرب في الحرب الأميركية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، إلا أن المحصلة النهائية لم تُخرج الأميركيين من معادلة" الحياد".

بين هيلاري كلينتون وجون كيري

تغيرت معطيات عديدة منذ الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس عام 2004 إلى الولايات المتحدة الأميركية؛ فقد عرفت العلاقة بين الجانبين في الفترة الأخيرة امتحانًا عسيرًا مرت به الدبلوماسية المغربية، بعد الدفء الذي عرفته مع وزيرة الخارجية السابقة كلينتون، وذلك في مواجهة مشروع القرار الأميركي الذي قادته سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة سوزان رايس لتوسيع مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية "مينورسو" لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في تلك المنطقة هذا العام.

وقد مثّل مشروع القرار الأميركي منعطفًا لما تضمنه من إشارات لتغير قواعد إدارة هذه الأزمة؛ حيث أفقد العلاقة بين الجانبين الدفء الذي كانت عليه خصوصًا في فترة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. وهنا ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة ليست منافحًا عن الرؤية المغربية لحل قضية الصحراء الغربية في المحافل الدولية بقدر ما تسعى للحفاظ على التوازن في علاقتها بين المغرب والجزائر تجاه هذه القضية. وذلك إذا ما قورنت بفرنسا على سبيل المثال.

وقد أحدث المشروع الأميركي رد فعل قويًا للدبلوماسية المغربية؛ حيث استدعى القصر الملكي جميع القوى السياسية وأصدر بيانًا عبّر فيه عن رفضه توسيع مهمة "مينورسو"، واعتبره انحرافًا أميركيًا عن القواعد المنظمة لتوازنات الصراع في المنطقة. وقد بدت المعادلة صعبة بالنسبة للعقل الاستراتيجي المغربي، فالولايات المتحدة حليف استراتيجي وهو ما لا يتناسب مع مشروع القرار الذي وجد فيه المغرب نفسه في موقع المدافع.

لقد أظهرت الدبلوماسية المغربية حينها تخبطًا في التعامل مع هذا المشروع الذي يمس القضية الأكثر حساسية بالنسبة له. وذلك بسبب عنصر المفاجأة والتوقيت الذي أحدثه هذا المشروع. وفي هذا السياق بدأت أصوات عديدة تتحدث عن ضرورة إعادة النظر في طبيعة التحولات التي طرأت على العلاقة مع الولايات المتحدة، والتي كان ينظر إليها بمنهجية تقليدية مبنية أساسًا على مفاهيم مثل "علاقات الصداقة" و"العلاقات التاريخية". وهي مفاهيم وجدت نفسها غير قادرة على تفسير التحولات الداخلية بأميركا، والتي أنتجت مشروع القرار المتعلق بتوسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء.

ونتيجة للموقف الأميركي فقد اتجهت دبلوماسية المغرب إلى استثمار شبكة العلاقات الدولية التي نسجها حول قضية الصحراء، وتلا ذلك الإقدام على سحب الثقة من المبعوث الأممي للصحراء كريستوفر روس، وهي الخطوة التي رفضتها الإدارة الأميركية. كما ألغى المغرب مناوراته العسكرية مع الولايات المتحدة والتي يُطلق عليها "الأسد الإفريقي 2013"،   وهي مناورات حربية سنوية مشتركة بين الجيش المغربي والجيش الأميركي.

وبمجرد سحب الولايات المتحدة مقترحهاحول توسيع مهام بعثة المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، عاد الحديث عن استئناف مناورات "الأسد الإفريقي" التي كان المغرب قد قرر إلغاءها. وأعلنت السفارة الأميركية في الرباط استئناف المناورات المشتركة بين الجيشين بشكل جزئي. ورغم انتهاء تلك الأزمة بسحب مشروع القرار الأميركي، إلا أنها جعلت من تجاوز الرؤية التقليدية في النظر للعلاقة مع الولايات المتحدة مطلبًا ملحًا بالنسبة للدبلوماسية المغربية مستقبلاً.

لقد أظهرت تلك الأزمة كذلك تعددًا في الرؤى في تدبير القضية بين مكونات الإدارة الأميركية؛ ففي حين مثّل المشروع خطوة قامت بها السفيرة سوزان رايس، المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، اعتبر البعض أن مسودة المقترح الأميركي ليست قرارًا استراتيجيًا أميركيًا انطلق من البيت الأبيض أو البنتاغون أو حتى من وزارة الخارجية بل قرارًا منعزلاً؛ حيث نُقل عن وزير الدفاع الأميركي، تشاك هاغل قوله: "لا يمكن أن نجازف بحليف رئيسي مثل المغرب".(5)

وبغض النظر عن كون مشروع قرار رايس الذي لم يتم تبنيه، قد مثّل تحولاً استراتيجيًا أم لا داخل الإدارة الأميركية فإنه قد كشف عن ضعف الاعتماد على العناصر التقليدية في العلاقة مع الولايات المتحدة. حيث ينبغي الأخذ بعين الاعتبار التحولات والاتجاهات الداخلية التي تسهم في تحديد هذه العلاقة، وأهمها لوبيات الضغط والجمعيات الحقوقية القريبة من دوائر صنع القرار السياسي بأميركا.

وبالنسبة لوجهة النظر المغربية فإن التغير الذي حدث في الموقف الأميركي كان سببه أمرين:

  • أولاً: التغيير الذي عرفته الدبلوماسية الأميركية برحيل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون المعروفة بدعمها  للموقف المغربي ومجئء جون كيري، وهو المعروف بعدم تبنيه للرؤية المغربية في هذه القضية؛ حيث كان كيري سنة 2001 أحد الذين كتبوا إلى وزير الخارجية السابق كولن باول مطالبًا بمنح الصحراويين حق تقرير المصير وتبني الاستفتاء لإنهاء المشكلة.
  • وثانيًا: الدور الفعال الذي تمارسه الجمعيات الحقوقية؛ حيث سبق المشروع الذي تقدمت به سوزان رايس صدور تقرير لمؤسسة روبرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان التي زارت الصحراء الغربية عام 2012 وحاولت إقناع صنّاع القرار السياسي الأميركي بإدراج آلية مراقبة حقوق الإنسان ضمن مهمة المينورسو.(6)

وإذا كان المغرب قد تمكن من تجاوز الأزمة التي أحدثها مشروع القرار الأميركي سنة 2013  وبمساعدة حلفائه الكبار مثل السعودية، ومن خلال استخدام ما أمكنه من العلاقات مع جماعات الضغط، فإن تساؤلاً مهمًا يبقى مطروحًا حول قدرته على تجاوز ذلك مستقبلاً.

إن الدبلوماسية المغربية التي تجد نفسها مرارًا في مواجهة معادلة المبادئ والمصالح في العلاقة مع الولايات المتحدة، تحاول التعامل مع المتغيرات القادمة من أميركا من خلال إرساء عدد من الخيارات التي تعتبرها قواعد لإقناع الأميركيين بالجدوى والأهمية الاستراتيجية للمغرب كحليف. وذلك أولاً: باعتماد خيار الإصلاح السياسي، ثانيًا: تثبيت حالة الاستقرار السياسي للمغرب، ثم التعاون الأمني والإقليمي، ومواجهة تحدي الهجرة الإفريقية نحو الضفة الشمالية من المتوسط.

وفي هذا السياق تعتمد الرؤية المغربية للعلاقة مع الولايات المتحدة على معادلة الربط بين قضية الصحراء الغربية ومسألة التهديدات الأمنية وقضايا الإرهاب في منطقة الصحراء والساحل. إلا أن قيمة هذه المعادلة تبقى ضعيفة بسبب انخراط كل من المغرب والجزائر في الحرب الأميركية على الإرهاب. وكلا البلدين يتعاونان استخباراتيًا مع واشنطن في هذا المجال.

زيارة لإعادة التوازن للعلاقة

جاءت زيارة الملك محمد السادس لأميركا في سياق عام يعرف تحولات في العلاقات العربية-الأميركية، بسبب السيناريوهات المحتملة للتوجه الأميركي للتصالح مع إيران وما يحمله ذلك بالنسبة للدول العربية مستقبلاً. وتمثل هذه الزيارة بالنسبة لصانع القرار الأميركي فرصة يلعب فيها المغرب دورًا في طمأنة الحلفاء العرب تجاه السياسات الأميركية في المنطقة.

ويعكس الوفد المرافق للملك محمد السادس طبيعة الملفات المطروحة للنقاش بين الجانبين حيث ضم دبلوماسيين واقتصاديين بالإضافة لتواجد مؤرخ المملكة، وهي إشارة للبعد التاريخي في العلاقة بين الجانبين.

وقد  طغى البعد السياسي والأمني على الزيارة مقارنة بالبعد الاقتصادي حيث تم فقط توقيع اتفاق لدعم المساعدة المتبادلة في المجال الجمركي، والذي يقدم إطارًا قانونيًا للشراكة وتقاسم المعلومات والتعاون بين إدارتي الجمارك بالبلدين.

أما على المستوى السياسي فإن الأولوية القصوى للزيارة التي سبقها اتصال هاتفي بين الملك محمد السادس والرئيس أوباما في 9 مايو/آيار 2013 تمثلت في كسب الدعم للرؤية المغربية لحل قضية الصحراء الغربية، وتلطيف الأجواء بين الجانبين وإعادة التوازن للعلاقة بعد الهزة التي أحدثها تقرير سوزان رايس هذا العام. بالإضافة إلى قضايا الإرهاب والتحديات الأمنية في منطقة الصحراء والساحل التي كانت على قائمة أجندة اللقاء.

ولم يأت البيان المشترك الذي جاء عقب اللقاء بين الملك محمد السادس والرئيس الأميركي باراك أوباما يوم الجمعة بجديد؛ حيث اعتبرت الإدارة الأميركية الرؤية المغربية لحل قضية الصحراء أنها حل "واقعي وذو مصداقية". وقد أعاد التوازن للعلاقة بعد الخلل الذي حدث فيه بسبب مشروع سوزان رايس، خصوصًا إذا علمنا أن هذا الموقف قد سبق أن عبّرت عنه وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.

ويُعتبر تصريح الإدارة الأميركية إيجابيًا بالنسبة للمغرب إذا تم ربطه بأجواء التصعيد التي تطبع العلاقة بين الجزائر والمغرب مؤخرًا.

وفي حين كانت الورقة الحقوقية حاضرة، حيث وجهت منظمة هيومن رايتس ووتش للرئيس أوباما رسالة قبل يومين من لقائه الملك محمد السادس للضغط عليه للاعتراف قانونيًا بما أسمته جمعيات محظورة مثل تلك التي تدافع عن حقوق الصحراويين أو ذات الطابع الأمازيغي أو لفصائل إسلامية. فإن اختيار المغرب في سياق هذه الزيارة الإعلان عن خطوة استباقية باستعداده للترخيص لجمعيات صحراوية انفصالية في القريب العاجل، يكون قد عمل على تخفيف الضغط الأميركي فيما يخص اعتبار الملف الحقوقي جزءًا من أزمة قضية الصحراء.

يظل المغرب في علاقته بالولايات المتحدة الأميركية محكومًا بمحددات داخلية تتمثل في لوبيات الضغط والجمعيات الحقوقية بأميركا. وإقليميًا برؤية الأميركيين لطبيعة التوازن الاستراتيجي في شمال إفريقيا بين المغرب والجزائر؛ حيث تحرص الولايات المتحدة على الحفاظ على علاقاتها مع كلا البلدين. وإذا كان المغرب يمثل أهمية استراتيجية في القضايا الأمنية، فإن الجزائر تظل وجهة اقتصادية مهمة للأميركيين؛ حيث بلغت صادرات الجزائر إليها 3.49 مليارات دولار هذا العام، وهي وإن تراجعت إلا أنها تظل مهمة.(7)

ولإداراك المغرب أن الرؤية الأميركية للعلاقة معه محكومة بالعلاقة مع الجزائر، فإنه يسعى لدخول الملفات الأمنية الكبيرة في إفريقيا والساحل؛ وأبرز مثال على ذلك الحضور المغربي في أزمة مالي وما يرتبط بها من ملفات أمنية؛ حيث "القدم في مالي والعين على الجزائر". وهي ملفات يسعى من خلال التحكم في خيوط الكثير منها لدعم موقعه الاستراتيجي في المنطقة مما يزيد من حاجة واعتماد الولايات المتحدة عليه في سياساتها الأمنية في المنطقة. بل قد يدفعه هذا التوجه إلى انخراط أكبر في قضايا الشرق الأوسط  في المستقبل، في ترتيبات مرحلة ما بعد الثورات العربية.

خاتمة

نظرًا لكون المغرب لا يمثل رهانًا اقتصاديًا كبيرًا بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التحدي سيظل مطروحًا عليه بشكل كبير لإحداث أي تغيير في معادلة التوازن التي تعتمدها الولايات المتحدة في سياساتها في شمال إفريقيا؛ حيث لا يملك قوة اقتصادية تمكّنه من منافسة خيارات دول إقليمية مجاورة. ومن الناحية المستقبلية يبقى العنصر الأهم في التأثير على معادلة العلاقة بين المغرب والولايات المتحدة مرتبطًا بحجم التطورات الأمنية وتفاعلاتها في منطقة الصحراء والساحل، ومدى تأثيرها على السياسات الأميركية في تلك المناطق.

ولا يحقق المغرب من علاقته مع أميركا على المستوى الاستراتيجي كثيرًا من الفوائد بالنسبة لقضية الصحراء الغربية -إذا استثنينا فترة الدفء مع وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلنتون-؛ وذلك مقارنة بما يقدمه من مبادرات من خلال انخراطه في السياسات الأميركية الأمنية في شمال إفريقيا، بل حتى على المستوى الاقتصادي لا يزال الميزان التجاري مختلاً بين البلدين بشكل كبير رغم توقيع اتفاقية التبادل الحر.

ويبدو أن الملف الحقوقي سيكون كذلك من الأولويات في المستقبل القريب بالنسبة للمغرب، لتجنب أي حرج مماثل لدبلوماسيته؛ وهو ما أدى إلى المنحى السلبي ووتّر الأجواء بين المغرب والولايات المتحدة هذا العام.
___________________________
* كمال القصير - باحث في مركز الجزيرة للدراسات، "مسؤول دراسات منطقة المغرب العربي"

المصادر
1- ليلى حنفي: مفاوضات اتفاقية التبادل الحر بين الولايات المتحدة، الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. دراسة حالة المغرب: الدليل المغربي للاستراتيجية والعلاقات الدولية: 2012.
2- وكالة المغرب العربي للأنباء:
http://www.map.ma/ar/print/132198
3- Alexis arrief :Congressional research service: morocco current issues
http://www.fas.org/sgp/crs/row/RS21579.pdf
4- جريدة العلم:
http://www.alalam.ma/def.asp?codelangue=23&id_info=53609&date_ar=2013-9-2%2020:24:00
5- جريدة الشرق الأوسط:
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=725043&issueno=12560#.Uoikob7JR9A
6-Adra El Azzouzi :  Why did the US change its mind about Western Sahara?
http://www.yourmiddleeast.com/columns/article/why-did-the-us-change-its-mind-about-western-sahara_14753
7- الشروق الجزائرية:
http://www.echoroukonline.com/ara/articles/185179.htm

تعليقات

 

نرشح لكم

تتناول هذه الورقة مستقبل "حزب العدالة والتنمية"، بعد خسارته لانتخابات الإعادة في إسطنبول، التي وضعت الحزب أمام تحدٍّ غير مسبوق يتعلق بوحدته وقاعدته الجماهيرية، وهو ما قد يؤدي إلى تبكير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وإعادة النظام الرئاسي إلى دائرة النقاش مجددًا.

2019/07/16

من المحتمل أن يواجه الرئيس الموريتاني المنتخب، محمد ولد الغزواني، جملة من التحديات الداخلية من أبرزها تنظيم الكتل والأحزاب والشخصيات السياسية التي دعمته وضبط إيقاع هذه التوليفة غير المتجانسة، هذا فضلًا عن تحديد علاقته المستقبلية مع الرئيس الخارج من السلطة، محمد ولد عبد العزيز.

2019/07/15

تُقدِّم هذه الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الثاني من مجلة لباب، وتستقصي فرضية مفادها أن أهمية دراسات المستقبلات ومحوريتها في السعي لتطويع المستقبل في ضوء توظيف مُعطياته، أفضت إلى أن تتبوأ مكانة مهمة في المجتمعات المتقدمة، وكذلك السائرة في طريق النمو.

2019/07/14

تناقش هذه الورقة مآلات الخطوة التصعيدية الإيرانية بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم عن النسبة المحددة طبقًا للاتفاق النووي الموقع عام 2015. وتتناول مواقف الأطراف الأوروبية وتبحث نقاط اختلافها واشتراكها مع السياسة الأميركية تجاه إيران.

2019/07/11