الدستور التونسي الجديد ومستقبل الانتقال الديمقراطي - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الدستور التونسي الجديد ومستقبل الانتقال الديمقراطي

رغم التجاذبات السياسية والمماحكات البرلمانية أثناء كتابة الدستور، اتفق التونسيون على وثيقتهم السياسية الأهم، ضمن مسار انتقالي عرف صعودًا وهبوطًا طيلة سنتين. ويبقى نجاح حكومة الكفاءات في تنزيل مضامين الدستور مرهونًا بالتزام هدنة اجتماعية من طرف منظمات المجتمع المدني، لتدارك ما أُهدر من زمن سياسي.

الثلاثاء, 28 يناير, 2014 11:36 GMT

رغم التجاذبات السياسية أثناء كتابة الدستور، اتفق التونسيون على وثيقتهم الأهم، ضمن مسار انتقالي عرف صعودا وهبوط طيلة سنتين (الأوروبية)

ملخص
يضم الدستور التونسي الجديد مائة وتسعة وأربعين فصلاً موزعة على عشرة أقسام، وهو يُعتبر من الدساتير الطويلة حيث غطى مشروعه النهائي (نسخة 23 يناير/كانون الثاني 2014) ستًا وثلاثين صفحة من ورق الطباعة المعياري (أ4)، ويُعزى طول هذا الدستور مقارنة بعموم الدساتير حول العالم إلى الإسهاب في إبراز بعض التفاصيل القانونية والخوض في بعض المسائل الجزئية التي يكون موضعها في الأصل في النصوص القانونية.

وتقف التجاذبات السياسية والخصومات القانونية والمماحكات البرلمانية التي حفت بكتابة هذا الدستور، وراء الإسهاب والإطناب في تدقيق بعض المسائل التي يخشى الفرقاء السياسيون أن تمثل مطبات حقيقية ساعة تطبيق الدستور، بحيث قد تُؤوَّل على معانٍ كثيرة قد تصل حد التضارب؛ فتغذي حينئذ الاستقطاب الثنائي الذي طفا على السطح في ختام مناقشة الدستور.

وقد صادف أن يوافق يوم المصادقة النهائية على الدستور يوم إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة التي ستتولى إدارة البلاد في ما تبقى من المرحلة الانتقالية.

وإذ يُتوقع أن تكون هذه المرحلة الأخيرة من مسيرة الانتقال الديمقراطي، التي ظلت صاعدة هابطة على مدى سنتين، مرحلة وفاق وأمن اجتماعي، فإن نجاح حكومة الكفاءات الوطنية مرهون بالتزام هدنة اجتماعية من طرف منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل. وكذلك بالعمل على تدارك ما أُهدر من وقت وجهد ومال في سياق صراعات محمومة على "بقايا تمرة مذمومة".

أجمع المؤرخون على أن قرطاج كانت منارة حضارية استشهد أرسطو بدستورها ومؤسساتها التمثيلية، وبنظامها السياسي عامة، معتبرًا إياه أفضل النظم في العهد القديم. أما في تاريخ تونس الحديث، فإن وثيقة "عهد الأمان" تُعتبر سابقة دستورية نوعية في العالم العربي الإسلامي؛(1) حيث اعتُبرت أول نص قانوني يمنح السكان التونسيين حقوقهم السياسية في الأمن على أرواحهم وأملاكهم وأعراضهم، بغض النظر عن ديانتهم أو عرقهم أو طبقتهم الاجتماعية.

ثم تلا تلك الوثيقة التأسيسية دستور سنة 1861 الذي اعتُبر صدوره أحد أبرز أحداث التاريخ السياسي الحديث لتونس؛ إذ يُعد أول دستور عربي حديث ساهم في تكريس مبادئ الإصلاح السياسي والتجديد الإداري. كما مثّل هذا الدستور، بعد انتصاب الحماية الفرنسية في تونس، مرجعًا فكريًا للنضال والكفاح حتى إن تسمية الأحزاب الدستورية المتعاقبة قد اقترنت به، وعلى رأسها "الحزب الحر الدستوري التونسي" الذي قاد معركة تحرير البلاد من الاستعمار حيث نادى زعماؤه ومناضلوه بإعادة العمل بدستور 1861 وبتشكيل برلمان تونسي.

أما دستور الجمهورية التونسية الأولى فقد صدر بعد استقلال البلاد بثلاث سنوات وعُرف بدستور 1959 الذي وضعه "المجلس القومي التأسيسي". وهو دستور معاصر في لغته ومضامينه، ألغى النظام الملكي، وأعلن تونس جمهورية دستورية يسير دستورها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.(2)

وقد تم تعليق العمل بهذا الدستور في مارس/آذار 2011 بعد أن شهد تنقيحات جوهرية في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وبعد أول انتخابات تعددية في تونس (أكتوبر/تشرين الأول 2011) تم تعويضه مؤقتًا بقانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية(3) إلى حين المصادقة على الدستور الجديد في أواخر يناير/كانون الثاني 2014 من قبل المجلس الوطني التأسيسي.

سياق التصويت على الدستور التونسي الجديد

جاء التصويت على الدستور التونسي الجديد، فصلاً فصلاً، ثم نصًا متكاملاً، في إطار الترتيبات التي نص عليها القانون المنظم للسلطات العمومية حيث أُديرت وفقًا لأحكامه المرحلة الانتقالية التي أعقبت انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011. وقد اتسم السياق العام الذي اكتنف عمليات التصويت تلك، بالتجاذبات السياسية الحادة والصراع الأيديولوجي بين الإسلاميين (المتزعمين لتيار الهوية والتأصيل) والعلمانيين (المدافعين عن الحداثة والحقوق الكونية) في ظل استقطاب ثنائي لم تفلح آلية التوافق التي تم إقرارها وتقنينها بإيعاز من الرباعي الراعي للحوار الوطني في كسره، رغم أنها حدت من تأثيره على مواقف الفرقاء السياسيين بشكل واضح.

وقد دار ذلك الحوار بين زعماء الأحزاب الممثلة بالمجلس الوطني التأسيسي برعاية كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين، في إطار تفعيل خارطة الطريق التي اقترحها هذا الرباعي للخروج من أتون الأزمة السياسية التي فجّرها اغتيال النائب بالمجلس الوطني التأسيسي وزعيم التيار الشعبي محمد البراهمي في ذكرى عيد الجمهورية (25 يوليو/تموز2013). وقد أفضى ذلك الحوار إلى الاستقالة الطوعية لحكومة الترويكا (حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات) في إطار اتفاق ينص على تلازم المسارات التأسيسية (مسار كتابة الدستور ومسار انتخاب اللجنة العليا المستقلة للانتخابات ومسار تغيير الحكومة). وقد تم التوافق، ضمن السياق نفسه، على أن يتولى السيد مهدي جمعة وزير الصناعة بحكومة السيد علي العريض تشكيل حكومة جديدة تتكون من كفاءات وطنية مستقلة تدير ما تبقى من المرحلة الانتقالية، وتهيئ المناخ المناسب لأول انتخابات رئاسية وتشريعية في ظل دستور تونس الجديد.

ورغم التشنج الذي خيم على معظم جلسات التصويت التي عقدها المجلس الوطني التأسيسي بشكل ماراثوني في سباق واضح مع الزمن الذي فرضته روزنامة الاستحقاقات الدستورية التي تضمنتها خارطة الطريق، إلا أن رؤساء الكتل قد نجحوا في تحقيق الحد الأدنى من التوافق حول مضامين معظم فصول الدستور، رغم التناقضات القائمة بين مرجعياتهم والأجندات الحزبية والانتخابية التي ما انفكت تلقي بظلالها على مواقفهم. على أن أكبر مطب واجه هؤلاء الفرقاء وجعل توافقاتهم هشة هو ضعف الثقة فيما بينهم، والتوجس الذي نتج عن ذلك ووسم النقاشات التي دارت حول الفصول المثيرة للجدل، ولاسيما الفصل السادس الذي لم تتم المصادقة عليه إلا في الجلسة الختامية بعد تعديله مرارًا وتكرارًا. 

مكونات الدستور وعناصره بعد المصادقة عليه

يضم الدستور التونسي الجديد مائة وتسعة وأربعين فصلاً موزعة على عشرة أقسام؛ وهو يُعتبر من الدساتير الطويلة حيث غطى مشروعه النهائي (نسخة 23 يناير/كانون الثاني 2014) ستًا وثلاثين صفحة من ورق الطباعة المعياري (أ4). ويُعزى طول هذا الدستور -مقارنة بدستور سنة 1959 وبعموم الدساتير حول العالم- إلى الإسهاب في إبراز بعض التفاصيل القانونية والخوض في بعض المسائل الجزئية التي يكون موضعها في الأصل في النصوص القانونية الترتيبية التي تترجم، إجرائيًا، النص الدستوري الإطار.

وإذا ما استحضرنا التجاذبات السياسية والخصومات القانونية والمماحكات البرلمانية التي حفت بكتابة هذا الدستور، نفهم سر الإسهاب والإطناب في تدقيق بعض المسائل التي يخشى الفرقاء السياسيون أن تمثل مطبات حقيقية ساعة تطبيق الدستور بحيث قد تُؤوَّل على معانٍ كثيرة قد تصل حد التضارب فتغذي حينئذ الاستقطاب الثنائي الذي طفا على السطح في ختام مناقشة الدستور، ولاسيما فيما يتصل بمضامين الفصول الخلافية على غرار الفصل السادس المثير للجدل الذي تضمن إشارة إلى "حرية الضمير" بدت للبعض غامضة ومضللة، والتزامًا للدولة "بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها".

ومع ذلك كله، يُحسب لهذا الدستور الذي جاء توافقيًا بامتياز وكُتب بمفردات تواكب لغة القرن الحادي والعشرين أنه عبّر عن إرادة أطياف واسعة من التونسيين، وكان للمجتمع المدني نصيب في صياغته قلّما حظي به حتى في أكثر الدول ديمقراطية واحترامًا لحقوق الإنسان. وفي هذا الصدد، يُتوقَّع أن يكون المنوال الذي صيغ وفقه دستور تونس الجديد أنموذجًا جديرًا بالدراسة من قِبل فقهاء القانون الدستوري.

وقد تضمنت توطئة الدستور الجديد إحالات كثيرة إلى مراجع المجتمع التونسي ورموزه، وتأصيلاً لهذا النص الدستوري في بيئته وثقافته التونسيتين في انفتاحهما على التجربة البشرية المتنوعة. كما تضمنت إشادة بتضحيات الشهداء وتثمينًا للسيادة الوطنية وتأكيدًا على استقلالية القرار الوطني.

ويعبّر الباب الأول منه عن مبادئ عامة تعكس ملامح النظام الجمهوري التونسي وهوية الدولة التونسية وطبيعتها وتوجهاتها، على غرار ما جاء بالفصل الأول من أن "تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها"، وما ورد في الفصل الثاني من أن "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعُلوية القانون"، وما ورد في الفصل الثاني عشر من أن الدولة "تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات..."، وما ورد في الفصل الثالث عشر من أن "الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليها باسمه..."، وما ورد في الفصلين الثامن عشر والتاسع عشر من أن الجيش الوطني والأمن الوطني جمهوريان".

ويتناول الباب الثاني الحقوق والحريات على غرار الحق في الصحة والحق في بيئة سليمة والحق في الحياة الذي ورد بشأنه في الفصل الثاني والعشرين أنه "مقدس، لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون". ويلاحظ التنصيص على حقوق مستحدثة مثل الحق في النفاذ إلى المعلومة وجملة من الحريات الفردية والجماعية كحرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، وحرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات، وحرية الاجتماع والتظاهر السلميين، بالإضافة إلى حريات نوعية ونخبوية على غرار حرية الإبداع وحرية البحث العلمي والحريات الأكاديمية.

كما تضمن هذا الباب إشارات إلى حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وتكفل الدولة بحمايتهم من كل تمييز سلبي، والتزامات صريحة بحماية حقوق المرأة المكتسبة. وقد تضمن الفصل التاسع والأربعون عبارة في غاية الأهمية تتمثل في أنه "لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور". كما وردت عبارات مماثلة قبل ذلك في باب المبادئ العامة تمنع تعديل الفصلين الأول والثاني، كل ذلك من أجل الحيلولة دون عودة الاستبداد أو تغيير شكل نظام الحكم أو هوية الدولة أو الالتفاف على ثوابت المجتمع.

وأما الباب الثالث فيهتم بالسلطة التشريعية وكيف يمارسها الشعب عبر ممثليه بمجلس نواب الشعب، بالإضافة إلى تفصيل مهام هذا المجلس التشريعية والرقابية. في حين يبين الباب الرابع بكثير من الإسهاب أدوار رأسي السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) وصلاحياتهما. وقد أثار الفصل الرابع والسبعون الذي يقع ضمن القسم الأول من هذا الباب جدلاً كبيرًا حول سن رئيس الجمهورية وجنسيته في حال كان يملك جنسية أخرى بالإضافة إلى الجنسية التونسية. وحُسم هذا الجدل بعدم تحديد سقف للسن الأقصى للمترشحين لمنصب رئيس الجمهورية وبإلزام المترشح الحامل لجنسيتين بتقديم تعهد كتابي بالتخلي عن جنسيته الثانية عند التصريح بانتخابه رئيسًا للجمهورية. كما أشار الفصل الخامس والسبعون إلى أنه "لا يجوز تولي رئاسة الجمهورية لأكثر من دورتين كاملتين، متصلتين أو منفصلتين"، و"لا يجوز لأي تعديل أن ينال من عدد الدورات الرئاسية ومددها بالزيادة".

أما بخصوص مجمل صلاحيات رئيس الحكومة فيشير الفصل الرابع والتسعون إلى أنه "يمارس السلطة الترتيبية العامة"، ويشير الفصل الثالث والتسعون قبله إلى أن "رئيس الحكومة هو رئيس مجلس الوزراء". وباعتبار أن الحكومة مسؤولة أمام مجلس نواب الشعب الذي يمنحها الثقة بالأغلبية المطلقة لأعضائه؛ فإن لهذا المجلس صلاحية سحب الثقة منها أو من أحد أعضائها بنفس الطريقة ضمن الشروط والترتيبات التي يضبطها القانون.

وأما الباب الخامس فيتعلق بالسلطة القضائية باعتبارها "سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات" (الفصل 102). وينقسم القضاء في تونس، بموجب الدستور الجديد، إلى قسمين، هما: "القضاء العدلي والإداري والمالي" و"المحكمة الدستورية"، ويشرف على القسم الأول مجلس أعلى للقضاء "يتمتع بالاستقلال الإداري والمالي والتسيير الذاتي".

ويتعلق الباب السادس بالهيئات الدستورية المستقلة، وهي هيئة الانتخابات (التي تتولى إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها)، وهيئة الاتصال السمعي البصري (التي تتولى تعديل قطاع الاتصال السمعي البصري وتطويره)، وهيئة حقوق الإنسان (التي تراقب احترام الحريات وحقوق الإنسان، وتعمل على تعزيزها)، وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة (وهي هيئة استشارية تبدي رأيها في المسائل المتصلة بمجال اختصاصها)، وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد (التي تسهم في سياسات الحوكمة الرشيدة ومنع الفساد ومكافحته، وتعزز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة).

وخُصص الباب السابع للسلطة المحلية التي "تقوم على أساس اللامركزية" التي "تتجسد في جماعات محلية تتكون من بلديات وجهات وأقاليم" (الفصل 131)، و"تتمتع الجماعات المحلية بالشخصية القانونية، وبالاستقلالية الإدارية والمالية" (الفصل 132)، و"تدير الجماعات المحلية مجالس منتخبة" (الفصل 133)، و"تتمتع الجماعات المحلية بسلطة ترتيبية في مجال ممارسة صلاحياتها، وتنشر قراراتها في جريدة رسمية للجماعات المحلية (الفصل 134)، و"تتكفل السلطة المركزية بتوفير موارد إضافية للجماعات المحلية تكريسًا لمبدأ التضامن وباعتماد آلية التسوية والتعديل" (الفصل 136). و"للجماعات المحلية، في إطار الميزانية المصادق عليها، حرية التصرف في مواردها حسب قواعد الحوكمة الرشيدة وتحت رقابة القضاء المالي" (الفصل 137)، و"تعتمد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة التراتبية ومتابعة تنفيذها طبقًا لما يضبطه القانون" (الفصل 139).

ومن الواضح أن هذا الباب يكتسي أهمية خاصة؛ حيث يعبّر عن تغير جوهري في منوال الإدارة باتجاه تكريس اللامركزية واللامحورية واقعًا معيشًا، بالاعتماد على الفصول المبينة بالفقرة السابقة والتي حظيت بإجماع نواب الشعب التونسي بالمجلس الوطني التأسيسي ساعة عرضها للتصويت، بالإضافة إلى الفصل (141) الذي ينص على صلاحيات المجلس الأعلى للجماعات المحلية وهو مجلس يحدث لأول مرة في تونس.

وأما الباب الثامن فقد خُصص لتعديل الدستور (الفصلان 143 و144)، في حين خُصص الباب التاسع للأحكام الختامية التي كان أهمها ما ضُمّن بالفصل (146) الذي يمكن اعتباره روح الدستور وقاعدة تأويل مضامينه؛ حيث ينص على أن أحكام الدستور "تُفسّر ويُؤول بعضها البعض كوحدة منسجمة". وأما الباب العاشر والأخير فقد خُصص للأحكام الانتقالية التي منها أن "تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها، ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن" (الفصل 148).

آثار المصادقة على الدستور على العملية الانتقالية

نستطيع القول بكثير من الاطمئنان: إن الطبقة السياسية في تونس، على اختلاف مشاربها ومرجعياتها، راهنت على العملية الدستورية واعتبرتها جسر المرور بأمان إلى الحياة الديمقراطية الحقيقية بما يسمها من تعايش واحترام للاختلاف وتنافس نزيه بين السياسيين على خدمة الصالح العام في إطار الثوابت الوطنية.

وقد عكست اللحظات التي أعقبت المصادقة النهائية على الدستور الجديد في ساعة متأخرة من مساء يوم 26 يناير/كانون الثاني 2014 وحدة التونسيين وتوافقهم على صياغة دستور يعبّر عنهم "جملة وتفصيلاً"؛ فهو يعبّر عن هويتهم الوطنية الجامعة، وأيضًا عن خصوصياتهم الثقافية والجغرافية والفكرية والسياسية، ويمثل الحاضنة التي يحتكمون إليها في ما يمكن أن يواجه البلاد من الاختلاف بين مكوناتها السياسية. وقد صادف أن يوافق يوم المصادقة النهائية على الدستور إثر أول قراءة له وبنسبة موافقة فاقت التسعين بالمائة، يوم إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة التي ستتولى إدارة البلاد في ما تبقى من المرحلة الانتقالية، وتهيئ المناخ السياسي والاجتماعي لانتخابات نزيهة وشفافة تجري في ظل تطبيق الدستور الجديد، فضلاً عن أنها ستعمل على إنعاش الاقتصاد وبسط الأمن وإعادة هيبة الدولة في إطار تطبيق القانون وتفعيل المؤسسات الدستورية.

وإذ يُتوقع أن تكون هذه المرحلة الأخيرة من مسيرة الانتقال الديمقراطي، التي ظلت صاعدة هابطة على مدى سنتين، مرحلة وفاق وأمن اجتماعيين؛ فإن نجاح الحكومة الجديدة -حكومة الكفاءات الوطنية- مرهون بالتزام هدنة اجتماعية من طرف منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل. وكذلك بالعمل على تدارك ما أُهدر من وقت وجهد ومال في سياق صراعات محمومة على "بقايا تمرة مذمومة".
______________________________
د. فتحي الجراي - أستاذ جامعي وباحث (وزير التربية في حكومة مهدي جمعة)

الهوامش
1- عهد الأمان: هو وثيقة أساسية أعلنها محمد باي يوم 9 سبتمبر/أيلول 1857. وقد اعتُبرت تلك الوثيقة الدستورية تتويجًا للإصلاحات التي قام بها سلفه أحمد باشا باي في الميادين العسكرية والاجتماعية والتعليمية من أجل تقليص الهوة الحضارية بين بلده والبلدان الأوروبية. ويتكون نص عهد الأمان من مقدمة وإحدى عشرة مادة أو قاعدة. وتشير المقدمة إلى وجوب الاهتداء بأحكام الشريعة الإسلامية باعتبار أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة التونسية، وأن الباي والسكان مسلمون، وأن الدولة العثمانية تؤكد الأمان لرعاياها وتراه من الحقوق المرعية. أما مواد العهد فتتمثل بالخصوص في ما يلي:
• المادة الأولى: تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأموالهم المحرمة وأعراضهم المحترمة إلا بحق يوجبه نظر المجلس [أي المجلس الأكبر، وهو البرلمان الملكي في ذلك الوقت] بالمشورة ويرفعه إلينا، ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن أو الإذن بإعادة النظر.
• المادة الثانية: تساوي الناس في أصل قانون الأداء المرتب أو ما يترتب، وإن اختلف باختلاف الكمية، بحيث لا يسقط القانون عن العظيم لعظمته ولا يحط على الحقير لحقارته.
• المادة الثالثة: التسوية بين المسلم وغيره من سكان الإيالة في استحقاق الإنصاف لأن استحقاقه لذلك بوصف الإنسانية لا بغيره من الأوصاف والعدل في الأرض هو الميزان المستوي، يؤخذ به للمحق من المبطل والضعيف من القوي.
• المادة العاشرة: إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا سائر الصنائع والخدم، بشرط أن يتبعوا القوانين المرتبة والتي يمكن أن تترتب مثل سائر أهل البلاد لا فضل لأحدهم على الآخر.
2- صدر دستور الجمهورية التونسية في غرة يونيو/حزيران 1959 وختمه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. وهو يتضمن 78 فصلاً (نسخة سنة 2003 المنقحة).
3- قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية أو دستور تونس المؤقت: هو قانون تونسي دستوري تأسيسي تمت المصادقة عليه من قبل المجلس الوطني التأسيسي في 10 ديسمبر/كانون الأول 2011. وقد تضمن هذا القانون تنظيمًا دستوريًا جديدًا لتونس يقضي بوجود ثلاث رئاسات، هي: رئاسة المجلس الوطني التأسيسي (صاحب السلطة الأصلية، باعتبار أن أعضاءه منتخبون انتخابًا حرًا ومباشرًا من قِبل الشعب التونسي) ورئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. وقد حل هذا القانون المنظم للسلط العمومية محل مرسوم 23 مارس/آذار 2011 ودستور 1959.

تعليقات

 

نرشح لكم

لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب قرار حكومي برفع أسعار البنزين، وكذلك الاحتجاجات التي شهدتها مدينة مشهد وعدد من المدن الإيرانية، في ديسمبر/كانون الأول 2017، بحدث جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية. تبحث هذه الورقة الحالة الاحتجاجية في إيران وأبعادها المختلفة.

منذ 16 ساعات

كشفت التطورات السورية الأخيرة عن أن أكبر الخاسرين فيها هم حلفاء أميركا الإقليميون، وهم اليوم معنيون بالسؤال التالي: هل الولايات المتحدة الأميركية حليف موثوق به؟ أما تركيا، فقد أكدت دورها كلاعب مؤثِّر في منطقة الشرق الأوسط.

منذ 21 ساعات

أصبحت روسيا الشريك المثالي للقارة الإفريقية، فلا موسكو تريد وضع اليد على المواد الأولية وجعل الاقتصادات الإفريقية مكبلة بالديون مثل الصين، ولا هي كذلك ذات ماض استعماري مثل الدول الغربية، لذلك تحاول موسكو طرق بوابة إفريقيا كبديل عن القوى النافذة في القارة.

2019/11/11