حلف الناتو ودول الخليج: تقييم لمبادرة إسطنبول بعد عقد من الزمن - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

حلف الناتو ودول الخليج: تقييم لمبادرة إسطنبول بعد عقد من الزمن

مع مرور 10 سنوات على تدشين الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، يبدو من الأهمية بمكان طرح رؤية تقييمية لهذه الشراكة؛ التي تستند على مرتكزات موضوعية تحقق مصالح كلا الطرفين، حيث تحققت بعض الأهداف، بينما تعثرت الخطوات لبلوغ إنجازات أخرى.

الأربعاء, 16 أبريل, 2014 09:43 GMT

(أسوشييتد برس)

ملخص
تفرض الشراكة الخليجية مع المنظمات "الأمنية" الإقليمية والدولية ضرورة بلورة منظور واستراتيجية خليجية موحدة لتعزيز الروابط مع أحد أهم تلك الهيئات "حلف الناتو"، وذلك بالنظر إلى تطورات وتحولات البيئة المحيطة على مختلف المستويات السياسية، والأمنية، والعسكرية، والاقتصادية. إذ يجدر بدول الخليج بذل كل ما في وسعها في هذا الاتجاه؛ باعتبار أن شراكتها الجماعية مع الناتو باتت ضرورة تفرضها معطيات وتفاعلات المشهد الدولي والإقليمي الراهن، ومطلباً ملحاً تقتضيه مؤشرات ودواعي المستقبل المنظور.

لقد جاءت الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج متمثلة في مبادرة إسطنبول قبل عشر سنوات، استنادًا إلى مجموعة من الاعتبارات التي تعكس رغبة كلا الطرفين في تأمين مصالحهما على نحو يلائم طبيعة التطورات التي لحقت بالنظام الدولي، والتفاعلات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط عمومًا، لاسيما في أعقاب انتهاء الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وما أفرزته هذه التطورات من تداعيات هيكلية وتغييرات جوهرية، دوليًا، وإقليميًا، وخليجيًا.

في ضوء ذلك، يجتهد هذا التقرير في طرح رؤية تقييمية لعقد من الزمن على الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج؛ من خلال تسليط الضوء على مرتكزات، وإنجازات، وتطورات هذه الشراكة، واستشراف مسارها المستقبلي في إطار ما يشهده النظام الدولي من تطورات متلاحقة، وتحولات مطردة على مختلف المستويات.

مقدمة

تحتفل دول مجلس التعاون الخليجي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمرور عشر سنوات على تدشين شراكتها الاستراتيجية من خلال "مبادرة إسطنبول للتعاون" عام 2004؛ والتي مثّلت نقلة نوعية في طبيعة ومضمون وأبعاد التعاون متعدد الأطراف بين دول الخليج من جهة والغرب بصفة عامة، وبينها وبين الدول الأوروبية على نحو خاص.

وخلال عقد من الزمن مرّ على هذه الشراكة الاستراتيجية الأوروأطلسية-الخليجية، جرى الكثير من التطورات والتحولات في البيئة الأوروبية، والخليجية، ناهيك عن البيئة الحاضنة في النظام الدولي والسياسة العالمية، وهو ما انعكس، بطبيعة الحال على الإنجازات التي حققتها هذه الشراكة وما يمكن أن تحققه خلال السنوات المقبلة.

في ضوء ذلك، يجتهد هذا التقرير في طرح رؤية تقييمية لعقد من الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج؛ من خلال تسليط الضوء على مرتكزات، وإنجازات، وتطورات هذه الشراكة، واستشراف مسارها المستقبلي في إطار ما تشهده البيئة الإقليمية والدولية من تطورات متلاحقة، وتحولات مطردة على مختلف المستويات السياسية، والأمنية، والعسكرية، والاقتصادية.

مرتكزات الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج

جاءت الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج متمثلة في مبادرة إسطنبول قبل عشر سنوات استنادًا إلى مجموعة من الاعتبارات التي تعكس رغبة كلا الطرفين في تأمين مصالحهما على نحو يلائم طبيعة التطورات التي لحقت بالنظام الدولي، والتفاعلات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط عمومًا، لاسيما في أعقاب انتهاء الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وما أفرزته هذه التطورات من تداعيات هيكلية وتغييرات جوهرية، دوليًا، وإقليميًا، وخليجيًا.

إنه المعنى الذي أكّده الأمين العام للناتو، فوغ راسموسن، مطلع إبريل/نيسان 2014 في افتتاح اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في الحلف مع الدول الخليجية الشريكة في مبادرة إسطنبول، قائلاً: "إطلاق المبادرة منذ عشر سنوات كان إشارة واضحة إلى أن أمن واستقرار منطقة الخليج هو موضع الاهتمام الاستراتيجي للحلف"، مشددًا على أهمية حماية الخطوط البحرية لدول الحلف وطرق إمدادات الطاقة والشبكات التابعة لها، ومحذرًا من وجود تحديات أمنية متداخلة ومعقدة مثل الإرهاب والقرصنة والتسلح تحتاج معالجتها إلى التعاون بين الجانبين(1).

دوافع ومصالح حلف الناتو في منطقة الخليج

بادر حلف الناتو إلى تحديث أهدافه وتطوير استراتيجيته العملياتية والتكتيكية وإعادة بناء عقيدته العسكرية وهيكله التنظيمي؛ وذلك انسجامًا مع الواقع الاستراتيجي الجديد الذي فرضه انتهاء الحرب الباردة في العام 1991، والتحديات الأمنية الجديدة الناشئة عن تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001؛ وسعيًا للحفاظ على هويته الأمنية والسياسية.

وتبعًا لذلك، أصبحت العقيدة الاستراتيجية الجديدة للناتو في مطلع القرن الحادي والعشرين تقوم على مرتكزات أساسية، هي: 

  • تعزيز الاستقرار في أنحاء العالم التي يؤدي عدم الاستقرار فيها إلى التأثير في مصلحة الحلف وأعضائه حاضرًا ومستقبلاً.
  • "بناء الأمن من خلال الشراكة"، عن طريق إقامة شراكة استراتيجية وسياسية وأمنية مع الدول والتجمعات ذات الأهمية الحيوية لمصالح الحلف، وتأسيس روابط للتعاون والتنسيق المعلوماتي والأمني والعسكري معها؛ ومن هنا بادر الناتو إلى طرح مبادرات للتعاون والتنسيق الأمني الجماعي، وفي مقدمتها مبادرة الحوار المتوسطي عام 1994، ومبادرة إسطنبول للتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي عام 2004. 
  • تطوير عقيدة عسكرية للتعامل الفعّال مع التحديات الأمنية الجديدة بدءًا من القيام بعمليات بناء وحفظ السلام في جنوب شرق أوروبا وآسيا، مرورًا بمكافحة الإرهاب الدولي، وحتى الاستعداد لدرء مخاطر وتهديدات أسلحة الدمار الشامل(2).

وتأسيسًا على هذه المرتكزات؛ استهدفت استراتيجية الناتو تجاه منطقة الخليج تحقيق عدة أهداف، كان أبرزها تطوير علاقات شراكة استراتيجية مع دول المنطقة، وتعزيز التنسيق والتعاون الأمني والعسكري معها على نحو يساعد هذه الدول على التمتع بالسلام والاستقرار الداخلي، عبر تبني وتطوير سياسات وخطط وبرامج عملية وآليات فعّالة لاستئصال الأسباب الجوهرية لعدم الاستقرار وتفشي الإرهاب.

وانطلاقًا من هذه المرتكزات والأهداف، طرح حلف الناتو "مبادرة إسطنبول للتعاون" مع دول مجلس التعاون الخليجي، والتي أطلقها الحلف خلال قمته التي عقدت في يونيو/حزيران 2004، والتي تقوم على أساس تقديم الحلف المساعدة والمشورة في مجال الأمن الإقليمي، وبناء حوار مع دول الخليج حول القضايا الأمنية الحيوية في المنطقة.

وقد انضمت -حتى الآن- أربع دول خليجية للمبادرة هي قطر، الكويت، البحرين والإمارات، فيما تحفّظ على الانضمام إليها كل من السعودية وسلطنة عُمان.

وتتضمن المبادرة برامج محددة العناصر وذات طابع عملي للتعاون، وفي مجالات جديدة مثل الأمن والدفاع والإدارة المشتركة للعمليات، وبرامج ومشروعات أخرى في مجال السياسة والإصلاح(3).

وهكذا، يمكن القول: إن القوة الدافعة للتوجه الاستراتيجي لحلف الناتو للقيام بدور فاعل فيما يتصل بأمن الخليج، جاءت انطلاقًا من مصالح أساسية، تمثلت في:

  • ضمان استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية للخليج ودوله، لما تتمتع به المنطقة من إمكانات نفطية هائلة تؤثر بشكل أو آخر على مصالح أعضاء الحلف إذا ما تعرضت للتهديد، خاصة بالنظر إلى الأهمية المحورية لمنطقة الخليج في الاستراتيجية الدولية، والنابعة من حقيقة توافر أهم متغيرين استراتيجيين مرتبطين بأمن العالم واستقراره، هما الموقع الاستراتيجي الحاكم والموارد الاستراتيجية المهمة وفي مقدمتها النفط.
  • الإبقاء على الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة تحت المراقبة والسيطرة، والتصدي لمصادر التهديد الأمني بها، خاصة التهديد المحتمل من الإرهاب العالمي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وفي مقدمتها السلاح النووي(4).
    لقد شكّل مجمل التطورات الأمنية الدولية والإقليمية التي أصبحت البيئة الأمنية في الخليج تشهدها في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، خاصة التطورات ذات العلاقة بالبرنامج النووي الإيراني، وعدم الاستقرار في العراق، بالإضافة إلى بؤر التوتر التي تكتنف التخوم الجيواستراتيجية لمنطقة الخليج بسبب الحرب في أفغانستان؛ شكّلت هذه التطورات جميعها فرصة تاريخية لقوى إقليمية ودولية في مقدمتها حلف الناتو؛ لكي تلعب أدوارًا أكبر في مسألة الحفاظ على أمن الخليج(5).

مرتكزات الموقف الخليجي في الشراكة مع حلف الناتو

عبّرت غالبية دول مجلس التعاون الخليجي عن استعداها لفتح حوار أمني استراتيجي مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ وذلك إدراكًا منها لطبيعة التحديات الأمنية الجديدة التي أوضحت بشكل جليّ المعضلات البنيوية التي تعانيها معادلة الأمن الإقليمي في المنطقة، والتي تفرض بدورها مثل هذا التعاون والحوار.

وعزّز ذلك أن كلاً من البحرين والكويت كانتا تتمتعان بصفة المراقب من خارج عضوية الناتو، حتى قبل عام 2004.

وقد جاء ترحيب دول المنطقة بالشراكة الاستراتيجية مع الناتو، في البداية، على استحياء، عبر تصريحات تحدثت عن الحاجة الملحة لإقامة إطار جديد لأمن الخليج، تلعب فيه قوى دولية وإقليمية جديدة أدوارًا أكبر مقارنة بأدوار القوى الدولية التقليدية(6).

ومن ثم، انطلق القبول الخليجي بتدشين شراكة استراتيجية مع الناتو من قناعة مؤدّاها أن دول الخليج لا تزال تفتقد إلى إيجاد معادلة للتوازن الاستراتيجي في المنطقة، لاسيما أن الحرب على العراق جعلت الخلل الإقليمي أكثر حدة؛ مما عزز توجه دول الخليج للاستمرار في اعتبار البعد الدولي هو الضامن الأقوى لأمنها مع دخول حلف الناتو في معادلة التفاعلات الإقليمية(7).

عقد من الشراكة الاستراتيجية في الميزان

صاحب تدشين الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو وأربع من دول الخليج، زخم سياسي ودبلوماسي على مدار عقد كامل من الزمن (2004- 2014)؛ انطلاقا من مبادرة إسطنبول؛ حيث أُطلق حوار استراتيجي بين الجانبين بشأن قضايا الأمن والإرهاب، ثم استضافت الدوحة والكويت والبحرين خلال هذه الفترة العديد من الندوات وحلقات النقاش والمؤتمرات التي شارك فيها مسؤولون من الناتو، وتم التباحث حول سبل تعزيز التعاون والتنسيق الأمني الثنائي بين الحلف من جهة ودول المنطقة من جهة أخرى.

وقد عزز هذا الزخم، الموافقة الأميركية الضمنية على الشراكة الأطلسية-الخليجية، وعدم ممانعة واشنطن في إفساح المجال للناتو للعب دور أكبر في قضايا الأمن في منطقة الخليج؛ فقد شجعت الولايات المتحدة الأميركية الحلف على القيام بدور فاعل في ضمان أمن منطقة الخليج، بالرغم من كونها الضامن الأساسي لأمن المنطقة والمدافع الأكبر عن المصالح الغربية الاقتصادية والسياسية فيها؛ وذلك بالنظر إلى اعتبارين رئيسيين، هما:

  • الضرورات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي فَرضت على واشنطن حضّ حلفائها الأوروبيين في حلف الناتو على تقاسم مسؤوليات الدفاع عن المصالح الغربية في العالم وخاصة في منطقة الخليج.
  • توافق الرؤى الأميركية والأطلسية بشأن الترتيبات السياسية والأمنية المستقبلية في منطقة الشرق الأوسط عمومًا والخليج بشكل خاص، وتطابق استراتيجيتهما في نوعية التهديدات المحتملة لمصالحهما المشتركة في المنطقة وكيفية مواجهتها، بما يمثل أحد أهم الضمانات لأمن الخليج، ويقلل الكلفة المعنوية التي قد يتعرض لها التعاون الأمني والعسكري المباشر بين الولايات المتحدة الأميركية ودول المنطقة.

إلا أن إمعان النظر في حصيلة عقد من الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج، يشير إلى أن الإنجازات التي تحققت، فعليًا، كانت أقل بكثير مما كان متوقعًا في ضوء مبادرة إسطنبول، وذلك على الرغم من التطور النوعي في الدور الأمني لحلف شمال الأطلسي في أمن منطقة الخليج، خاصة على ضوء مبادرة إسطنبول مقارنةً بما كان سابقًا عليها؛ وهو ما يمكن أن نجد له تفسيرًا في مجموعة من الاعتبارات الخاصة بطرفي الشراكة من جهة، وباعتبارات تتعلق بالبيئة الدولية والإقليمية من جهة أخرى.

فمن جهة أولى، ثمة عوامل ترتبط بالجانب الخليجي حدّت -ولا تزال تحدّ- من فاعلية الشراكة مع حلف الناتو وتقلص من إمكانية اضطلاعه بدور رئيس في أمن الخليج، وتتمثل في:

  • التباين الخليجي-الخليجي إزاء الدور الجديد للناتو في أمن المنطقة؛ إذ لا يزال كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان خارج إطار هذه المبادرة، ربما لرفضهما وجود دور للحلف فيها، كما أن الدول الأربع الأخرى التي انضمت لمبادرة إسطنبول لا تتبع سياسة موحدة أو على الأقل منسجمة تجاه الحلف(8)، وهو ما يعكس تباين رؤى دول الخليج فيما يتعلق بمستقبل الأمن وأدوار الأطراف الدولية فيه. والأمر الجدير بالملاحظة في هذا السياق، هو التداعيات المحتملة  للأزمة الدبلوماسية الخليجية-الخليجية الطارئة على خلفية سحب ثلاث دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي سفرائها من دولة قطر، منهما دولتان عضوتان في مبادرة اسطنبول وهما الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وما يمكن أن  يتركه ذلك من تأثيرات سلبية محتملة على  وتيرة وفعالية الشراكة بين دول الخليج والناتو في المستقبل.
  • المخاوف الخليجية من غموض مصطلحات يطرحها حلف الناتو، كالحوار والشراكة.
  • اقتصار التعاون والتنسيق الأمني في إطار مبادرة إسطنبول على صيغة "28+1"، أي التعاون مع الناتو كمنظمة جماعية مقابل تعاون ثنائي مع كل دولة خليجية على حدة.

ومن جهة ثانية، تأثرت الشراكة الاستراتيجية الأوروأطلسية-الخليجية، ولا تزال، بعدّة عوامل ومحددات إقليمية ودولية، من بينها التباين في الرؤى الاستراتيجية لأمن إقليم الخليج بين دول أعضاء حلف الناتو؛ حيث ما زال لا يوجد إجماع بين أعضاء الحلف حول الدور المحدد الذي يجب أن يضطلع به الحلف في أمن الخليج والتحديات التي يجب مواجهتها إذا كان لدور الناتو أن يزداد نموًا في هذا الاتجاه، بالإضافة إلى تباين مواقف قوى إقليمية كبرى تجاه التعاون الأطلسي-الخليجي بين داعم له كـ "تركيا"، ومن يرى فيه عملاً عدائيًا، أو على الأقل، عملاً غير مرغوب فيه كـ "إيران"، كما ساهم عدم تخصيص الموارد المالية والبشرية الكافية للبرامج الكبيرة المتضمنة في مبادرة إسطنبول، في عدم نجاحها أو على الأقل في إبطاء تنفيذها(9).

مستقبل الشراكة الاستراتيجية الأوروأطلسية-الخليجية

يمكننا القول: إنه برغم محدودية الإنجازات الفعلية على صعيد الشراكة بين حلف الناتو ودول مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من الإشكاليات والتحديات التي تواجهها؛ فإن المستقبل لا يزال واعدًا لجهة توثيق عُرى هذه الشراكة وتعظيم الفوائد منها من المنظور الخليجي، وذلك في ضوء التطورات الدولية والإقليمية التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن، والتي يمكن إجمالها في الآتي:

  • التغير النسبي في معايير القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية العالمية والذي ألمّ بالولايات المتحدة الأميركية ، ومن المرجح أن يؤثر في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في حماية الحلفاء.
  • التبدل في أولويات السياسة الخارجية والاستراتيجية العسكرية الأميركية في العالم خلال السنوات الأخيرة، والذي يشير بوضوح إلى تراجع مكانة الشرق الأوسط عمومًا في هذه الاستراتيجية لصالح الشرق الأدنى والمحيط الهادئ؛ وهو الأمر الذي بات يعززه الاتجاه الأميركي نحو الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2037، لاسيما مع تزايد اكتشافات النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة الأميركية. لقد دفع هذا التبدل النسبي في الأولويات، الإدارة الأميركية لانتهاج استراتيجية "القيادة من الخلف" في إطار حلف الناتو، تلك الاستراتيجية التي تقوم على زيادة مشاركة الحلفاء الأوربيين في مهام حماية وحفظ الأمن في المناطق الجغرافية الاستراتيجية في العالم، وفي مقدمتها الخليج، ضمن إطار ما يعرف بسياسة " زيادة مساهمة الحلفاء".
  • الاتجاه نحو تسويات للأزمات والنزاعات المتجذرة في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج عبر إبرام "صفقات مصالح" بين الأطراف الدولية والإقليمية المعنية؛ مما ينذر بأن يكون ذلك على حساب أطراف إقليمية أخرى، ويُعد التقارب الأميركي-الإيراني مؤخرًا أبرز الأمثلة على ذلك.

خاتمة

إن ارتكاز الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف شمال الأطلسي على أرضية اعتبارات مصلحية دائمة لكلا الطرفين، يزيد من فرص توطيد أواصر هذه الشراكة، ويجدر بدول الخليج بذل كل ما في وسعها في هذا الاتجاه؛ باعتبار أن شراكتها الجماعية مع حلف الناتو باتت ضرورة تفرضها معطيات وتفاعلات المشهد الدولي والإقليمي الراهن، ومطلبًا ملحًا تقتضيه مؤشرات ودواعي المستقبل المنظور.
__________________________________
محمد بدري عيد - باحث مختص بالشؤون الخليجية

الهوامش
1. وكالة الأنباء الكويتية الرسمية "كونا"، 2 إبريل/نيسان 2014.
2. ورشة عمل: "مبادرة إسطنبول والتعاون بين الناتو ودول الخليج العربي"، المعهد الدبلوماسي، وزارة الخارجية السعودية، الرياض، 5 ديسمبر/كانون الأول 2006، ص12. وللمزيد من التفاصيل في هذا الصدد، انظر أيضًا: جمال مظلوم "حلف شمال الأطلسي ودوره الجديد في المنطقة"، مجلة شؤون خليجية، العدد (44)، شتاء 2006، مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية. وفيليب هـ. جوردون، تعاظم دور حلف الناتو في الشرق الأوسط الكبير، سلسلة محاضرات الإمارات، رقم (115)، (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ط1، 2008). وخضر عطوان، حلف شمال الأطلسي والتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد (16)، يناير/كانون الثاني 2007، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية). وعبد الرحمن الهواري: "المهام المحتملة لحلف الناتو في الشرق الأوسط"، مجلة السياسة الدولية، العدد (137)، (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية).
3. د. مصطفى علوي، استراتيجية حلف شمال الأطلسي تجاه منطقة الخليج العربي، سلسلة دراسات استراتيجية، رقم (129)، (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ط1، 2008)، ص56.
4. محمد بدري عيد علي، "أثر أحداث 11 سبتمبر/أيلول على مستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج 1990- 2007م"، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2010، ص202.
5. المرجع السابق، ص205.
6. أكد هذا المعنى صراحة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل خلال مداخلة له في مؤتمر "أمن الخليج-حوار الخليج" الذي نظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية عام 2004؛ حيث رأى أن "أمن الخليج يحتاج إلى ضمانات دولية لا يمكن توفرها على أساس منفرد حتى لو جاء من طرف القوة العظمى الوحيدة في العالم". كما انطلقت دعوات خليجية أخرى لإقامة علاقات تعاون بين دول الخليج والناتو في إطار آلية واضحة؛ وذلك على غرار الدعوة التي أطلقها رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني خلال مؤتمر عُقد في الدوحة عام 2003 عن "تحولات الناتو والأمن في الخليج".
7. وقد عبّر أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية آنذاك عن هذه القناعة في كلمة ألقاها في مؤتمر حلف شمال الأطلسي وأمن الخليج الذي استضافته الدوحة، خلال الفترة "30 نوفمبر/تشرين الثاني-3 ديسمبر/كانون الأول 2005"، بقوله: "إن التهديدات الخارجية لدول المجلس تنبع من حقيقتين، الأولى: عدم التوازن الشديد والفجوة الجيوبوليتيكية الواسعة بين مصادر القوة المادية النسبية المتمثلة في الثروة النفطية، ومستوى قوتها العسكرية وبين مصادر القوة والثروة لدى الدول الإقليمية الأخرى؛ مما يجعل دول الخليج مطمعًا دومًا لدول إقليمية أكثر سكانًا وأقوى جيوشًا، والثانية: هي أن القاعدة الديمغرافية لدول مجلس التعاون محدودة بطبيعتها وتضع قيدًا على بناء قوات مسلحة قوية وفعالة".
8. أشرف محمد كشك: "الخليج والمحيط الدولي: البحث عن استراتيجية موحدة"، مجلة السياسة الدولية، العدد 171 (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، يناير/كانون الثاني 2008)، ص85.
9. د. مصطفي علوي، استراتيجية حلف شمال الأطلسي تجاه منطقة الخليج العربي، مرجع سبق ذكره، ص89.

تعليقات

 

نرشح لكم

تحاول هذه الورقة رصد الأداء الاقتصادي الصوفي بغرب إفريقيا عمومًا وبالسنغال بشكل خاص ومدى تأثيره على سياسة الحكومات بالمنطقة، وكيف يلعب دور المكمل في علاقته بالدولة، دون أن يشكِّل ورقة ضغط، حيث ظل في حدود لا يتجاوزها مقابل أدوار أخرى ذات أهمية للسلطات السياسية.

2018/10/12

يُقدِّم التقرير قراءة لنتائج الانتخابات التشريعية والجهوية والبلدية التي عرفتها موريتانيا مؤخرًا ويربطها بالسياق الموسوم بالتجاذبات الحادة بين أغلبية بدأت في التحضير مبكرًا، فيما يبدو، لرئاسيات 2019 وبين معارضة متعددة الأطراف وغير متجانسة الطرق ولا متفقة في الرؤى.

2018/10/04

تتناول هذه الورقة الانعطافة التي يقوم بها حزب الله في الساحة اللبنانية، وذلك بالانخراط في الدولة لاستعادة ثقة جمهوره وللتعامل مع العقوبات التي تُفرض عليه أو على إيران. وتراجع العقوبات والتحديات التي تواجهه على هذا الصعيد.

2018/10/01