معضلة المعارضة السورية: مكاسب عسكرية بلا أفق سياسي - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

معضلة المعارضة السورية: مكاسب عسكرية بلا أفق سياسي

أجبرت المعارضةُ السورية المسلحة النظامَ على الاكتفاء بالدفاع للحفاظ على ما تبقى تحت سيطرته لكن انكشافها الخارجي يَحرِمُها من تحويل مكاسبها السياسية إلى نصر عسكري.

الاثنين, 29 يونيو, 2015 12:09 GMT

(الجزيرة)
ملخص
يبدو أن كثيرًا مما حقَّقه النظام من مكاسب عسكرية قد انعكس بالسلب عليه في غضون أقل من خمسة أشهر من عام 2015، الأمر الذي قد يزيد من احتمالات سقوطه الوشيك. ويظهر أن المكاسب الأخيرة مرتبطة بالتنسيق بين الثوار والعلاقات الحسنة بين الدول الداعمة لهم، وهي: المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر. على أن النظام -الذي يزداد اعتماده على الدعم الخارجي- ما زال في وضع الاشتباك الشديد على مدار أشهر في شمال البلاد وجنوبها. وزادت الإخفاقات العسكرية المتراكمة من تشدُّد الموقف السياسي للنظام، حتى تجاه المعارضة الداخلية التي كان من قبلُ يتسامح معها، وكل ذلك يحدث وسط جهود دبلوماسية عالقة. وما زالت الأمور تزداد صعوبة بالنسبة للنظام في كل معركة؛ وذلك بسبب العجز البشري في القوات المسلحة، الأمر الذي يضطره لإعادة ترتيب أولويات عملياته العسكرية. ومع ذلك، لم يصل النظام بعدُ لدرجة فقدان التوازن، ولا يزال قادرًا على ردّ الضربات لخصومه، خاصة في مناطقه الأساسية.

انقلاب الموازين

يستمر الصراع السوري بعد أكثر من أربع سنوات منذ اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، وما تزال الأحداث المتسارعة تُقدِّم مفاجآت للمراقبين وتدحض سرديات ورؤى لدى صنّاع السياسة الخارجية. وقد تميز العام الماضي بعِدَّة تطورات مفصليَّة أمالت الكفّة العسكرية والسياسية لصالح النظام السوري، بما في ذلك نشوء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وخسارة الثوار لبعض المناطق؛ وذلك بسبب تدخل ميليشيات حزب الله المتزايد والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية. وقد دفعت هذه الأحداث بعضَ صنّاع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا للمناداة بالتشارك مع النظام السوري؛ من أجل محاربة الجماعات "الإرهابية" في المنطقة. وفي حين لم تحظَ هذه الآراء بالكثير من الدعم الرسمي، فقد دلّت مكاسب الثوار الأخيرة على قصر نظر مَن أيَّدوا هذه السياسات. ففي أقل من خمسة أشهر انقضت من العام 2015، يتبيَّن أن الكثير من المكاسب التي حققها النظام في العام الماضي قد تم إبطالها، وهو ما يُسرع في سقوطه الوشيك.

النظام تحت ضغط شديد

ما زال النظام في وضع الاشتباك الشديد منذ عدة شهور. ففي شمال البلاد، سيطر جيش الفتح -وهو عبارة عن تحالفٍ لقوى ثورية يقوده إسلاميون متشددون وهم أحرار الشام وجبهة النصرة ممثّل تنظيم القاعدة في سوريا، كما يشتمل أيضًا على مجموعات ثورية أخرى معتدلة (1)، على محافظة إدلب في الشمال الغربي للبلاد في مارس/آذار، مسببًا بذلك هزيمة مُذِلّة لجيش النظام والميليشيات في المدينة. كما عزّز جيش الفتح وضعه بالاستيلاء على مدينة جسر الشغور الاستراتيجية، والعديد من القرى المجاورة، وقاعدة القرميد العسكرية. وتتواصل حملته المستمرة للاستيلاء على ما تبقَّى من مواقع النظام في المحافظة (2)، الأمر الذي يمنحهم قوةً كبيرة لاستهداف محافظة اللاذقية الساحلية ذات الأهمية الثمينة؛ إذ تعدّ معقل نظام الأسد. وقد تجلَّتْ قدرة النظام العسكرية المتدهورة في محاولاته الفاشلة في إعادة السيطرة على ثاني أكبر المدن وهي حلب. وفي حين استعادت قواته -بدعم من حزب الله- أجزاءً من المدينة في 2014 في محاولة منه لفرض حصار على المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الثوار، فقَدْ فشل إلى حد كبير في تحقيق أهدافه المرجوّة في نزع سيطرة الثوار عن تلك المناطق (3).

أما في الجنوب، فقد توسَّعت الجبهة الجنوبية في محافظة درعا الجنوبية بعد ما حققوه من مكاسب في بُصرى الشام واستيلائهم على معبر نصيب على الحدود السورية الأردنية، الذي يعتبر المنفذ الأخير للتبادل التجاري والصادرات السورية (4). والجبهة الجنوبية عبارة عن تحالف آخر من مجموعات من الثوار المعتدلين يشمل فصائل من الجيش السوري الحر وألوية إسلامية. كما أزعج نجاحُ الثوار في الحدّ من تقدُّم قوات النظام في الجنوب، كلًّا من حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، اللذين دخلا المنطقة لمساعدة قوات النظام السورية الضعيفة في صدّ تقدم الثوار، إضافةً إلى مَن جاء معهم من مقاتلين شيعة من العراق وأفغانستان. ولم يُسفر وجودهم -حيث تكون لهم القيادة في أغلب الأحيان في مقارعة الثوار- عن أيّ مكاسب ذات مغزى بالنسبة للنظام السوري، الذي أعاد تموضع قواته بشكلٍ كبير في مناطق استراتيجية أخرى في وسط البلاد وشمالها. وعلى مدى عقود، كانت الحكومة السورية قادرة على الحفاظ على هدوء الحدود مع جاراتها إسرائيل، ولكن هذا الأمر أصبح أكثر صعوبة؛ بسبب الصراع الحالي. وقد سمح ذلك لمجموعات مسلحة، سواء كانوا معارضين أو مؤيدين للنظام السوري، للظهور على الأرض مجبرين إسرائيل في بعض الأحيان للتدخُّل المباشر للحدّ من تقدم المجموعات المسلحة وإعادة تأكيد الردع. كما أن إسرائيل حافظت لفترة طويلة على سياستها في منع نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله، وهو أمرٌ أصبح من الصعوبة فرضه بالنظر إلى وجود حزب الله الكبير في سوريا. وقد أسفرت الغارات الجوية الإسرائيلية عن موت أعضاء كبار في حزب الله والحرس الثوري الإيراني، الذي فشل بدوره في ردع إسرائيل إلا بما أصدره حسن نصر الله وبشار الأسد من خطب نارية وتهديدات بالانتقام لم تتحقق. وفي حين أنه لا مصلحة لإسرائيل في أن تصبح طرفًا آخر في النزاع السوري، فإنها سوف تواصل تنفيذ هجمات تكتيكية عندما يزداد الخطر على حدودها الشمالية.

وفي الوقت نفسه، سرعان ما تبدّد أمل النظام الملهوف في أن يصبح شريكًا -ولو سرًّا- في قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية لاستعادة شرعيته الدولية. أضف إلى أن تلك الضربات التي بدأت في أغسطس/آب 2014 والتي لم تُمَكِّن النظام عسكريًّا، بل إنها في الواقع حوَّلت اهتمام تنظيم الدولة الإسلامية باتجاه النظام؛ فقد تركَّز تهديد تنظيم الدولة الإسلامية حتى نهاية العام 2014 خارج مناطق النظام الأساسية، ولكن في الأشهر الأخيرة صَعَّد التنظيم من هجماته ضد مدينة حمص وحماة وحلب، ومؤخرًا في دمشق(5). وفي إبريل/نيسان، استولى تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق واسعة من مخيم اليرموك في جنوب دمشق بالتعاون مع جبهة النصرة لفترة وجيزة؛ مما شكَّل تهديدًا ضد النظام في العاصمة. وفي حين قُوِّضت قدرة تنظيم الدولة الإسلامية في توسيع سيطرته على المناطق في البلاد بسبب تلك الضربات، فما زال يسيطر على -أو له تأثير من خلال التعاون أو الهُدَن- مساحات كبيرة من البلاد. وما زال تنظيم الدولة يسيطر على المحافظات الشمالية الشرقية، وهي دير الزور والرقة والحسكة.

وقد زادت هذه الإخفاقات العسكرية المتراكمة من تشدُّد الموقف السياسي للنظام، حتى تجاه المعارضة الداخلية التي كان من قبلُ يتسامح معها(6). وقد أعطى هروب لؤي حسين -وهو من أجرأ المؤيدين للتصالح مع النظام- مصداقيةً للمعارضة المسلحة التي كانت مؤمنة منذ بداية الحراك الشعبي بأنه ليس لدى النظام أيّ اهتمام بتقديم تسويات ذات مغزى لأجل إنهاء الصراع(7). وقد اعترف لؤي حسين -وهو رئيس مجموعة بناء الدولة السورية المعارضة في دمشق، والذي قد كان من أكثر النقّاد للتسليح- بأنّ إجراء مفاوضات بشأن التسوية أمرٌ مستحيل مع نظامٍ وصفه بالميليشيا المتصلبة في المضيّ في حلولها العسكرية، حتى وإن كانت النتائج مدمرة بالكامل للبلاد. وكان وجود مجموعات المعارضة الداخلية -التي أُنشِئ العديد منها في 2011 في ظل نظام الحزب السياسي الواحد في البلاد- مجرد ورقة توت؛ تهدف إلى إضفاء الشرعية على مزاعم النظام بالسعي للإصلاح والحوار مع خصومها. غير أن حقيقة الأمر أن هؤلاء الأفراد -الذين ليس للحكومة أي نيّة حقيقية في إشراكهم، ويجدون أنفسهم عُرْضة للاعتقال والمضايقة رغم أهدافهم البسيطة- هم مؤشر قوي على التعنت المتزايد للنظام.

كما أن المساعي الدبلوماسية الدولية، التي كانت دائمًا متواضعة في جهودها الرامية لإنهاء الصراع، قد توقفت تمامًا منذ محادثات جنيف الثانية للسلام. أما المقترح المخيّب للآمال الذي طرحه ستيفان دي ميستورا المبعوث الثالث للسلام من قِبل الأمم المتحدة والجامعة العربية من أجل تطبيق خطة لـ"تجميد" القتال في حلب باعتبارها نموذجًا لعملية السلام الجديدة، فقد وُضِع على الرفّ(8). وعلى غرار أسلافه، فقد خاض المبعوث الأممي كفاحًا شاقًّا من أجل إقناع الأطراف المتنازعة بالاتفاق حول حل سياسي، وذلك في ظل رفض النظام التنازل وانقسامات الثوار الخاصة فيما بينهم وغياب الإرادة الإقليمية والدولية من أجل التوصل إلى تسوية. ومنذ ذلك الحين، حاولت روسيا فرض مبادرتها الخاصة من أجل السلام، ممهدةً لسلسلة من المحادثات بين ممثلين شكليين عن الحكومة السورية وشخصيات مغمورة من المعارضة، إلا أنها انتهت -أيضًا- دون نتائج ملموسة بالرغم من جدول أعمالها البسيط.

المنافسة الداخلية بين الجماعات الثورية

تتميز القوات المناهضة للنظام، سواء السياسية أو العسكرية، في المقام الأول بالانقسامات الفكرية والإقليمية، والتي تعزَّزت من خلال المصالح المتنافسة لرُعَاتهم الخارجيين ومن خلال الأجندات المتنافسة بين المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا(9). فمنذ عام 2011، ظهرت عشرات الفصائل والألوية والتحالفات في مناطق مختلفة من البلاد، إلا أن عقدها انفرط نتيجة لنقص الدعم المالي والعسكري، وتغيُّر الحسابات الجيوسياسية، ووجود اقتتال داخلي بين الثوار. على أن أحدث التطورات وأبرزها هو اضمحلال جبهة ثوار سوريا وحركة حزم اللتين كانتا مدعومتين من الغرب، وخاصة بعد الهجمات القاسية والاغتيالات التي نفّذتها جبهة النصرة(10). وهذا مجرد جانب عرضيّ من حملة أوسع لجبهة النصرة وغيرها من الفصائل السلفية من أجل القضاء على المجموعات الثورية القومية والمعتدلة أو تحييدها، التي كافحت من أجل البقاء ككتلة واحدة من أجل إظهار توحُّد كافة الطوائف الدينية والجماعات العرقية المتباينة في البلاد(11). وفي الوقت نفسه، يواصل تنظيم الدولة الإسلامية هجومه ضد المجموعات الثورية الأخرى، بما في ذلك خصمه الرئيسي وهو جبهة النصرة، التي فَقَدت العديد من قادتها العسكريين في حملات الاغتيال(12). وبالرغم من ذلك الضغط، فإنّ بعض الفصائل -مثل الجبهة الجنوبية- قد أعلنت انفصالها عن جبهة النصرة، واستبعدت أي تعاون عسكري معها، الأمر الذي يعكس التزاماها بالكفاح الوطني، ولكن ذلك يعكس أحيانًا هدفهم في الحفاظ على الدعم الخارجي والشرعية.

وقد استقر الوضع على واقعٍ جديد: فجبهة النصرة تقود حاليًا عمليات كبيرة ناجحة ضد قوات النظام، وأحيانًا تُدعم من الخلف، وذلك بفضل قدرتها العسكرية وانضباطها(13). وقد جعل هذا بدوره بعض الداعمين للثورة السورية يشجعون المجموعة الموسومة دوليا بالإرهاب على قطع علاقاتها بالقاعدة وتشكيل كيان جديد. ومع ذلك تواصل الجبهة محاولاتها لتعزيز قوتها في شمال سوريا. ولكن حتى في حال ابتعدت جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة، فمن غير المتوقع أن تتغير أيديولوجية الكيان، فقد قاتلَ قائدُ جبهة النصرة، وهو أبو محمد الجولاني، مع المجموعة في العراق، في حين قاتل غيرُه من القادة في أفغانستان.

وفي الوقت نفسه، فقد أصبح الائتلاف الوطني السوري الذي يعدّ المظلة السياسية للثوار المعتدلين غير ذي صلة ومستبعَد؛ لأنه يعاني من التشظِّي، ونقص الدعم المادي، والسيطرة غير الفعّالة على مجموعات الثوار المؤثرة التي رفضت سلطته. وتجري بعض المحاولات المتواضعة لإحياء هذه المجموعة المعتلّة، التي أثبتت مرارًا عجزها البنيويّ وعدم قدرتها في الحصول على الشرعية المحلية في المناطق المحررة. وإذ تواجه القوى الإقليمية هذه الإخفاقات، يبدو أنها تتبع نموذجًا بديلًا من خلال جمع كلٍّ من المجموعات السياسية والمجتمع المدني والمجموعات المسلحة تحت مظلة واحدة.

نهاية اللُّعبة لا تزال بعيدة المنال

إن الابتهاج الذي يحيط بنجاحات الثوار قد جلب معه احتمالات وصول النظام إلى مرحلة جديدة لا رجعة فيها، وأحد آخر التحليلات في هذا السياق يستحق التعريج. فقد رأى روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا -وهو أحد الخبراء القليلين في الشأن السوري في الإدارة الأميركية- أن النظام ربما يكون في مرحلة "الوصول للنهاية"(14). ويضع أربعة مؤشرات ستكون بالتأكيد حاسمة في تحديد المصير النهائي للنظام، ولكنها لم تصل بعدُ إلى نقطة الحسم (15).

أولًا: عدم قدرة النظام على الدفاع والقيام بالهجمات المضادة؛ وهذا يبدو واضحًا في المناطق الهامشية أو تلك التي تقع خارج مناطق النظام الأساسية من مدينة دمشق حتى مدينة اللاذقية الساحلية عبر حمص. ومع أنه من المبكر التوقع، فإنّ الثوار ما زالوا عاجزين عن اختراق هذه المناطق، كما أن النظام لا يزال يملك قدرات عسكرية ومعدات متفوقة. أضف إلى أن حزب الله والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران يكثفون جهودهم جنبًا إلى جنب على الحدود اللبنانية وفي جنوب سوريا، وهم بذلك عازمون بالتأكيد على خوض معركة شرسة.

ثانيًا: زيادة الانشقاق الداخلي داخل النظام؛ ومثل تلك الحالات نادرة وليس لها إلا تأثير محدود على ديناميات الصراع أو لا يكاد يُذكر. ولم تزد التوقعات بحدوث انقلاب داخلي للحفاظ على النظام أو حدوث تحولات واسعة النطاق عن أُمنيات حالمة، وهو أمر تعزَّز في السنوات الأربع الماضية من خلال حالات "التطهير" الفردي داخل النظام نفسه، الأمر الذي جعله في الحقيقة أكثر تماسكًا وصلابة.

ثالثًا: وهو مؤشر يتعلق بما قبله، وهي بوادر وقوع انشقاق داخل قاعدة دعم النظام؛ فالداعمون الأساسيون للنظام، وهم في الأساس الأقليات والبرجوازية السُّنِّيَّة، مدركون تمامًا أن النظام يحارب فقط من أجل البقاء وليس لحماية مصالحهم، ولكن المعارضة فشلت في تقديم بديل أفضل؛ مما اضطر الأنصار المترددين -أو من هم على الحياد- إلى التمسك بالنظام (16). ورغم ارتفاع معدل الاستنزاف، فمن غير المرجّح حدوث تحول جذري في رؤيتهم واستعدادهم للتخلي عن النظام؛ حيث إن تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة والسلفيين يستحوذون على عناوين الأخبار الرئيسية في انتزاع الأراضي من الحكومة. وبالتأكيد، فإنّ ثمة شعورًا متزايدًا بنقص الموارد البشرية داخل قاعدة دعم النظام، وهو نموذج كلاسيكي لـ"نظام الأقلية" الذي لا يمكن أن يستمر في القتال إلى الأبد، ولكن لن يؤدي بالضرورة إلى تحوُّل مفاجئ في موازين القوى. ومن المفارقات أن المكاسب التي حققها الثوار في الآونة الأخيرة قد تُنتِج بعض العواقب غير المقصودة مثل اندفاع النظام إلى اللجوء إلى الوحشية المتطرفة لتقويض معنويات خصومه، كما حدث في المجازر والهجمات بالأسلحة الكيميائية. وبصرف النظر عن التوازن العسكري، فإنّ النظام لا يزال قادرًا على استخدام العنف اللامتناسب من غير أن ينال جزاءه.

وأخيرًا، الرغبة الشديدة في محادثات سلام؛ إلا أن هذه الرغبة غير قابلة للتطبيق إلا في حال تم تنظيم هذه المحادثات من قِبل روسيا، التي تهدف أساسًا لزيادة تقسيم المعارضة الممزّقة أصلًا. والحق أنه لا يوجد أي استعداد حقيقي للحديث عن السلام، بخلاف عما يُقال في الظاهر بشأنه، خاصة أن "الجمود الموجع" الذي راهن عليه النظام بات بعيدًا بعد مكاسب الثوار الأخيرة. في حين أن احتمالات حصول أي اختراق على المستوى الدبلوماسي تظل ضئيلة، وذلك في ظل عدم فعل مجلس الأمن أي شيء سوى إجماعه على نزع أسلحة النظام الكيميائية، وضرورة إيصال المساعدات الإنسانية. وبالنظر إلى الاقتتال الداخلي والانقسامات بين المجموعات الأكثر اعتدالًا، فإنّ التدخل الغربي سوف يظل مُركِّزًا في المقام الأول على تحطيم تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من المجموعات المتشددة. وبالتالي فإن جميع الأطراف ستتمسك برؤيتها للانتصار مهما كان زائفًا.

انكشاف خارجي

بينما يستمر الصراع في التمُّدد والانتشار، يبقى العامل الثابت الوحيد هو ازدواجية الولايات المتحدة بشأن حلّه. فلأكثر من أربع سنوات انتظر معارضو الأسد، عبثًا، ظهور سياسة متماسكة للولايات المتحدة تجاه سوريا تفضِّل التدخل العسكري لإسقاط النظام واحتواء تزايد النفوذ الإقليمي الإيراني(17). والواضح أن الحفاظ على المكاسب العسكرية الأخيرة يحتاج فرض منطقة حظر جوي؛ لحماية المواطنين من الغارات الجوية العشوائية، وكذلك توفير نموذج حكم محلي رشيد قابل للحياة، بل وإنشاء غطاء جوي للثوار في تقدُّمهم. وفي ظل غياب الدور الدولي لحل النزاع، فإنّ سياسة العرب الخارجية في الإقليم بقيادة المملكة العربية السعودية لا تزال في مراحلها الأولى. وأحد الدروس التي يمكن أن نستخلصها من التدخُّل الحاصل في اليمن هو أن النجاح العسكري المحدود لا ينتج بالضرورة انتصارًا سياسيًّا. وهذا هو الوضع المرجّح حصوله في سوريا، حيث إنه حتى مكاسب الثوار الكبيرة لن تؤدِّي إلى انهيار وشيك للنظام يؤدي إلى وضع حدٍّ للصراع السوري.
___________________________________
رشاد القطان - خبير سوري في قياس المخاطر

ملاحظة: ترجم النص إلى العربية محمود محمد الحرثاني، محاضر الدراسات الثقافية والترجمة بجامعة الأقصى، غزة، فلسطين. أنهى الدكتوراه في الدراسات الثقافية المتداخلة Translation and Intercultural Studies من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة. يكتب في الشأن السياسي الدولي. آخر أعماله تأليف كتاب "يوتوبيا التعايش: الدولة الواحدة الحال والمآل"، نشر مركز الجزيرة للدراسات، 2014. وأصدر ترجمة عربية لكتاب The General's Son (ابن الجنرال)، للكاتب الإسرائيلي الأميركي ميكو بيليد. الترجمة من إصدارات الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2014.

المراجع
1- AFP, ‘Army of Conquest’ rebel alliance pressures Syria regime, 2 May 2015 http://news.yahoo.com/army-conquest-rebel-alliance-pressures-syria-regime-090529121.html
2- Sinjab, L. Syria: How a new rebel unity is making headway against the regime, BBC News, 1 May 2015 http://www.bbc.com/news/world-middle-east-32540436
3- Walsh, N. P. Syria’s al-Assad regime in trouble, CNN, 3 May 2015 http://edition.cnn.com/2015/05/03/world/analysis-assad-regime-possible-trouble/index.html
4- Al-Khalidi, S. Rebel seizure of Syrian border post hits exporters across region, Reuters, 24 Apr 2015 http://www.reuters.com/article/2015/04/24/mideast-crisis-syria-economy-idUSL5N0XK4XI20150424
5- ISIS in Syria campaign update, Institute for the Study of Way, 31 March 2015
6- Sayigh, Y. Where next in Syria? Carnegie Endowment for International Peace, 30 April 2015 http://carnegie-mec.org/publications/?fa=59941
7- Daragahi, B. Louay Hussein, mainstay of Syrian opposition, flees to Turkey, Financial Times, 29 April 2015 http://www.ft.com/cms/s/0/4a223334-eda8-11e4-987e-00144feab7de.html
8- Sengupta, S. Iran Nuclear Talks Open a Tangled Path to Ending Syria’s War, New York Times, 4 May 2015 http://www.nytimes.com/2015/05/04/world/middleeast/iran-nuclear-talks-open-a-tangled-path-to-ending-syrias-war.html
9- Lund, A. Are Saudi Arabia and Turkey about to intervene in Syria? Carnegie Endowment for International Peace, 24 April 2015 http://carnegieendowment.org/syriaincrisis/?fa=59904
10- Geographical dispersion of Jabhat al-Nusra and allied forces, Institute for the Study of Way, December 2014
11- Oweis, K. Y. The last bastion of the Syrian revolt, StiftungWissenschaftPolitik, February 2015
12- Hassan, H. Syria’s revitalized rebels make big gains in Assad heartland, Foreign Policy, 28 April 2015 http://foreignpolicy.com/2015/04/28/syrias-revitalized-rebels-make-big-gains-in-assads-heartland/
13- Syria Framework, International Crisis Group, 27 April 2015 http://www.crisisgroup.org/en/publication-type/media-releases/2015/middle-east-north-africa/statement-on-a-syrian-policy-framework.aspx
14- Ford, R. The Assad Regime: The Beginning of the End? Middle East Institute, 24 April 2015 http://www.mei.edu/content/at/assad-regime-beginning-end
15- Barnard, A.An eroding Syrian army points to strain, New York Times, 30 April 2015 http://www.nytimes.com/2015/04/29/world/middleeast/an-eroding-syrian-army-points-to-strain.html
16- Public protests by pro-regime populations, Institute for the Study of Way, December 2014
17- Young, M. On our own, regional states could soon ignore America in Syria, Now media, 30 April 2015 https://now.mmedia.me/lb/en/commentary/565207-on-our-own

تعليقات

 

نرشح لكم

تراجع الورقة الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية الأخيرة وتسببت باندلاع احتجاجات لم تشهدها المملكة الأردنية منذ الربيع العربي في العام 2011، وتخلص إلى أن توقف المساعدات والضغوط التي تتعرض لها عَمَّان على خلفية صفقة القرن كانت جزءًا من الأسباب المباشرة لهذه الأزمة.

2018/06/12

أدت العقوبات الجماعية التي فرضتها دول الحصار بالقطريين إلى الاعتماد على أنفسهم وتقوية روابطهم والالتفاف حول قيادتهم؛ لأنها تمثل كبرياءهم وتحمي استقلالهم وسيادتهم.

2018/06/11

اعتمدت دول الحصار في قياس التفاوت في القوة على منظور اختزالي، بالَغَ في أهمية عوامل القوة التقليدية وأغفل أهمية عوامل أخرى للقوة أثبتت مع توالي الأيام مناعة قطر ومتانتها.

2018/06/11