العنف ضد الأقليات في باكستان: صراع مركَّب يُهدِّد الدولة

ترصد الورقة دورات العنف في باكستان عبر القنوات العِرقية والدينية والسياسية المحلية، وتبحث في دوافع وأسباب استهداف الجماعات المسلحة والمتشددة للأقليات الدينية والإثنية، وتُقيِّم كل دورة من دورات العنف وفقًا لحيثياتها والسياق الذي تتنزَّل فيه، وتناقش ردود الفعل الرسمية والمجتمعية.
61a2d831b0474cda8d1bd58e81630684_18.jpg
ضحايا هجوم كان استهدف مسجدًا يرتاده الشيعة جنوبي غربي باكتسان (الأوروبية-أرشيف)

تعالج الورقة جذور العنف ضد الأقليات في باكستان؛ حيثيبدو متجذِّرًا فيها تاريخيًّا بكل تمظهراته الدينية والسياسية والاقتصادية، وأيضًا في النزاعات الاجتماعية، وتربطه بسياق العنف الذي صاحب إنشاء دولة باكستان عام 1947. وهنا ترصد الورقة خمسة محددات للعنف الديني، الذي تمارسه الجماعات المتشددة ضد الأقليات الدينية والطوائف الإسلامية، وتشمل: الهوية، والأيديولوجيا، والـمُثُل الاجتماعية والسياسية، والصراع الاقتصادي، وتوسيع العمليات. كما تدرس تداعيات العنف الديني وانعكاساته على الدولة، الذي يفرض على الحكومة تنفيذ عمليات أمنية تحمل مخاطر ردِّ الفعل عليها. 

وتحلِّل الورقة أيضًا أسباب العنف العِرقي الذي يُمثِّل جزءًا من الصراع الدائر في باكستان. فهو متجذِّر إلى حدٍّ كبير في مدينة كراتشي، التي تعدُّ واحدة من المدن الباكستانية الأكثر تنوُّعًا عرقيًّا مع وجود فئات مهاجرة فيها من السكان القادمين من جميع أنحاء البلاد. وتُقسِّم الورقة العنف العِرقي إلى ثلاث فئات: أولًا: العنف العِرقي-السياسي، وتقف خلفه الأحزاب السياسية المدعومة من قبل قواعدها العِرقية، وثانيًا: الأنشطة الإجرامية التي تقوم بها الأجنحة الإجرامية المسلحة التابعة لهذه الأحزاب، وثالثًا: العنف الديني الذي تُنَفِّذُه الفرق المسلحة التابعة للجماعات الدينية والسياسية/المتشددة. 

وترصد الورقة ردود الفعل الرسمية والمجتمعية على الهجمات المسلحة ضد الأقليات الدينية والإثنية في باكستان، والتي تتفاوت بين اللامبالاة والشعور بالغضب واسع النطاق. وتعتمد هذه الردود على عدد من العوامل، أبرزها: إمكانية توقُّع الهجوم، والأماكن أو الأشخاص المستهدفين، والمدينة التي قد يقع فيها الهجوم. أما المواقف من تلك الهجمات في الصحف وفي أوساط الجمهور وفي وسائل الإعلام، فتتشكَّل من خلال المواقف التمييزية، الموجودة أصلًا، ضد الجماعات العرقية والطوائف الدينية والأقليات.

مقدمة 

لا تزال دولة باكستان، منذ عقود طويلة، في حالة صراع شامل مع شبكات لا تُعدُّ ولا تحصى من الجماعات المسلحة والمتشددة التي أعلنت الحرب على الدولة. وتُوَجِّه هذه الجماعات ضرباتها نحو عدد من المؤسَّسات والمكوِّنات على غرار الجيش والحكومة ورجال السياسة والطوائف الدينية، إلى جانب استهدافها الأقليات والمجموعات العِرقية، بل وحتى المدنيين. ويكتسب الموضوع أبعادًا مختلفة في بلد ذي أغلبية سكانية مسلمة، كما يضم أيضًا نحو 4% من السكان غير المسلمين، ويُشكِّل أتباع المذهب السني أغلبية السكان، إلى جانب أقلية من الشيعة بمختلف مذاهبهم، فضلًا عن أتباع طائفة الأحمدية غير المعترف بها(1). 

1. عنف إثني وسياسي وديني

عرفت مدينة كراتشي، البالغ عدد سكانها ما بين 15 و20 مليون نسمة؛ حيث تهيمن السياسة الإثنية على أوجه الحياة فيها، أوسع سلسلة من أعمال العنف العرقي. وأثَّرت عمليات التشريد والنزوح الداخلي، التي طالت آلاف السكان بسبب الصراعات والكوارث الطبيعية، فضلًا عن الهجرة الاقتصادية، على التركيبة الإثنية داخل المدن الباكستانية خلال السنوات الأخيرة. أمَّا إقليم بلوشستان فشهد بدوره صراعًا عرقيًّا، وإن كان في حدِّه الأدنى. وتتناوب دورات الصراع في باكستان عبر القنوات العرقية والدينية والسياسة المحلية؛ لذا سيبحث هذا التقرير في دوافع وأسباب استهداف الجماعات المسلحة والمتشددة للأقليات الدينية والإثنية. 

العنف الديني 

وُجدت الدوافع الدينية للتشدد في باكستان منذ عقود طويلة؛ حيث نجده متجذِّرًا فيها تاريخيًّا بكل تمظهراته الدينية والسياسية والاقتصادية، وأيضًا في النزاعات الاجتماعية. ويجب أن يُنظر إلى هذه القضية في سياق العنف الذي صاحب إنشاء دولة باكستان عام 1947؛ حيث استقلَّت البلاد عن الحكم البريطاني وانفصلت عن الهند. واستند تأسيس باكستان على حُجَّة القيادة المؤيدة للاستقلال آنذاك، والتي كانت ترى أن المسلمين سيكونون أقلِّية مهمَّشة في الهند المستقلة، ولذا وجب أن تكون لهم دولة مستقلة. وخلال عمليات تقسيم الهند، اندلعت أعمال شغب طائفية بين الهندوس والسيخ والمسلمين. 

كان الصراع نِتَاجًا معقَّدًا لعدد من الأسباب، أهمها: العداء الكامن حول توزيع الموارد، والتغيرات الطارئة على بنية الهياكل الاجتماعية التي رافقت هجرة المجتمعات المحلية إلى دولة جديدة، بالإضافة إلى بروز إحساس -تمَّ اكتشافه حديثًا- بالهوية التي يُحدِّدها الدِّين. هذا الاستقطاب المتزايد والعداء بين الطوائف الدينية، اللذان زاد من تغذيتهما انعدام الأمن وضعف القدرة الدفاعية، وجدا طريقهما إلى التمثُّل في الجريمة المستهدفة للمجتمعات الدينية والتجمُّعات السكانية والنساء، ومن ثم، في وقت لاحق، تسرَّب إلى مناحي السياسات العرقية والطائفية. 

شهدت باكستان في مطلع خمسينات القرن الماضي بروز ظاهرة الصراعات الطائفية التي انتهت إلى اندلاع أعمال شغب واسعة النطاق، وكانت الأسباب التي تقف خلف تلك الأعمال تتمثَّل في التوترات الدينية، والمشاحنات السياسية بين الزعماء الدينيين المؤثِّرين المنتمين إلى جماعات دينية أخرى، وانعدام الرضا عن الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن الهجرة، وما حمله معهم المهاجرون الجدد من ثقافات دينية مختلفة. 

وتتمثَّل بداية مسار العنف الديني الحديث في باكستان فيما ظهر من أعمال شغب ضد الطائفة الأحمدية خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي، والذي كان مدفوعًا بالعداء السياسي والديني الموجَّه ضد وزير الخارجية، صاحب التأثير الواسع، السير تشودري ظفر الله خان، الذي كان عضوًا بارزًا في الطائفة الأحمدية. وأسهم في ذلك أيضًا عدد من العوامل الأخرى، منها: انطلاق احتجاجات وأعمال عنف واسعة النطاق بقيادة جماعة دينية سياسية يمينية التوجُّه، ومجلس الأحرار، والخلاف العقدي طويل الأمد بين رجال الدين المسلمين وبين ممثلي الطائفة الأحمدية، والنفوذ الطائفي الذي كانت تتمتَّع به داخل الحياة السياسية وبين مختلف فئات المجتمع. 

كانت مطالب المتظاهرين عبارة عن خليط من المطالب السياسية والاقتصادية والدينية؛ فقد طالبوا بإقالة وزير الخارجية، خان، وكل الموظفين الرسميين من الحكومة، وإعلان الطائفة الأحمدية خارجة عن الإسلام. وقد لقي المتظاهرون دعمًا خفيًّا من طرف أعضاء في الحكومة وكذلك من قِبَل الإعلام(2). 

وقد أَرْسَتْ هذه الحركة توجُّهًا للعنف الديني ضد الأقليات والطوائف، وبالفعل، فإن العديد من الزعماء، من الذين عملوا على تغذية العنف الطائفي أو أصبحوا مؤثِّرين في السياسة الوطنية والمحلية، كانوا متأثِّرين أو مشاركين في الحركة التي شهدها عقد الخمسينات، ولعب هذا الأمر دورًا قويًّا في الترابط الذي أصبح قائمًا بين السياسة والدِّين والعنف الطائفي. 

كانت موجة الهجمات، التي بدأت منذ العام 2007 وما تلاها، بقيادة مجموعات متشددة، مثل: حركة "تحريك طالبان" الباكستانية، والجماعات الفرعية المنشقة عنها مثل "جماعة الأحرار"، وجماعة "عسكر جنجوي (أو لشكر جنجوي)" المناوئة للشيعة. وقد تأثَّرت كل تلك الجماعات بحركة الخمسينات وبالتكتيكات التي انتهجتها الجماعات المتشددة حينها؛ حيث استُهدف مئات الأشخاص بسبب معتقداتهم، بما في ذلك طوائف من أتباع أقليات مسيحية أو مسلمة شيعية. وفي العام 2016، هاجمت جماعة الأحرار مُتَنَزَّهًا عامًّا في لاهور خلال الاحتفالات بعيد الفصح، واستهدفت المسيحيين بالتحديد(3). أما في الأعوام الأخيرة، فوسَّعت الجماعات المتشددة قائمة أهدافها لتشمل الطوائف الدينية الصغيرة وأتباع الأقليات المحدودة من أمثال الإسماعيليين والسِّيخ(4). 

دُعمت هذه الحملة من الحزب السياسي المسمَّى "أهل السنة والجماعة"، المناوئ للشيعة، في حين تقوم جماعة "تحريك حرمة الرسول" والمنتمية لجماعة الدعوة، بحملة مناوئة للأحمديين وضد القضايا المتعلقة بالتجديف(5). 

هذا، ويوجد لدى كل الأحزاب والجماعات الدينية في باكستان، تقريبًا، ميول واستعداد لانخراطهم في المظاهرات والعنف الطائفي، كما لعب الـمُشَرِّعون المنتمون إلى أكبر الأحزاب السياسية والجماعات الدينية أدوارًا في تعزيز الطائفية(6). أما الحزب السياسي "الحركة القومية المتحدة"، ومقره الرئيسي في كراتشي، فقد اتُّهم بسعيه لتقويض الجماعة الشيعية "مجلس وحدة المسلمين" خلال حملته الانتخابية، مع أن "الحركة القومية المتحدة" تُعلن تأييدها لحق الشيعة في ممارسة أنشطتهم(7). 

وبينما تُسهم هذه الأوضاع في خلق بيئة تسمح بازدياد وتيرة العنف الديني، فإن الجماعات المتشددة مسؤولة بشكل مباشر عن العنف الدائر في باكستان. ففي عام 2015، كان على رأس قائمة أبرز الجماعات المشاركة في العنف: "تحريك طالبان باكستان" والمجموعات والفصائل المنشقة عنها، مثل: جماعة "المجاهدين الأحرار" و"جند الله"، إلى جانب بعض الجماعات المحلية الأخرى التي تدِّعي ارتباطها بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا وبجماعة "عسكر جنجوي"(8). 

لماذا تهاجم الجماعات المتشددة الأقليات؟

يكشف فحص مضمون بيانات تبنِّي العمليات، التي تنشرها الجماعات المتشددة عند استهدافها للأقليات الدينية والطوائف الإسلامية، عن الكيفية التي تبُرِّر بها تلك الجماعات هجماتها:

  • الهوية: غالبًا ما تقترن الهوية الدينية في باكستان بالقومية، وذلك بسبب تاريخ باكستان وهويتها القانونية؛ باعتبارها دولة ذات أغلبية مسلمة؛ حيث رافق تأسيسها هجرة المجتمعات غير المسلمة منها إلى الهند. أما سياسات الدولة فتُبنى على استبعاد الأقليات عن مؤسسات الحكم، في حين يُمارَس التمييز ضد الأقليات في باكستان على نطاق واسع. ونتيجة لذلك، فإن الجماعات الدينية المتشددة تنظر إلى الأقليات بنفس نظرتها إلى الدول الأجنبية، أو تُعاملها باعتبارها عدوًّا خارجيًّا. ومن أمثلة ذلك ما أعلنه فصيل "جند الله" بعد الهجوم على كنيسة "كل القديسين" في بيشاور: "إنهم أعداء الإسلام، ولذلك استهدفناهم، ونحن عازمون على مواصلة هجماتنا على غير المسلمين المتواجدين على الأرض الباكستانية"(9).

     

  • الأيديولوجيا: عملت الحركات الدينية، منذ خمسينات القرن الماضي، على ترسيخ الصراع الطائفي في باكستان، وكان ذلك في الكثير من الأحيان، بالتواطؤ مع مؤسسات الدولة في مستوياتها المختلفة، وبتوظيف سلاح الفتاوى الدينية الداعمة لها، وباستخدام الدعاية، وتوظيف قوانين التجديف ومن خلال تقديم برامج تعليمية تحض على "التشدد". وقد ركَّزت هذه الحركات محور تحرُّكاتها على إعلان أتباع الطوائف، مثل الأحمديين، كُفَّارًا، وبالتالي وجب مواجهة وتحجيم عقائدهم وطرق عباداتهم.

وأصبحت هذه المعتقدات تُشكِّل أُسُسًا تقوم عليها جماعات، مثل، الجماعة التي تُطلق على نفسها "أهل السُّنَّة والجماعة"، التي تتبنَّى الرأي القائل بأن الشيعة غير مسلمين وينبغي استبعادهم من الدستور، مثلما كان الأمر مع الأحمدية. وكانت الجماعة المسماة "أهل السنة والجماعة" تُمثِّل التنظيم الأم الذي أَلْهَمَ جماعة عسكر جنجوي، التي نفَّذت في الفترة الأخيرة بعض أوسع الهجمات على الشيعة في تاريخ باكستان، وهي تعتقد في أن قتل الشيعة له ما يُبرِّره(10). إذن، فهذه الهجمات لم تكن سوى نِتَاجٍ جانبيٍّ لأجواء العداوة السائدة من قبل، والتي قدَّمت زخمًا إضافيًّا للحركات المتشددة، وكانت تلك الهجمات رسائل تحذيرية لتلك الطوائف بما "يدفعها إلى مغادرة البلاد أو التخلِّي عن معتقداتها"(11).

  • المجتمع والسياسة: تمثِّل الأوضاع الاجتماعية والسياسية عوامل محفِّزة على انتهاج طريق العنف ضد الأقليات والجماعات الدينية، وذلك بسبب التداخل القائم بين الدِّين وبين المثل الاجتماعية والسياسية، فضلًا عن تأثير تداعيات أعمال الشغب التي شهدتها فترة الخمسينات من القرن الماضي؛ إذ غالبًا ما تعتمد الأحزاب السياسية المهيمنة على الجماعات الطائفية والجماعات المتشددة في مساعدتها على الفوز في الانتخابات المحلية والوطنية، وخلق تحالفات سياسية مؤقتة بهدف استمالة كُتَل الناخبين المتديِّنين(12). وغالبًا ما تُبْنَى هندسة السياسة الطائفية على ضوء مخرجات الصراع الاجتماعي، سواء أكان ذلك بسبب التفاوت الاقتصادي أم بسبب الصراع التاريخي أم بسبب الاضطرابات الاجتماعية.

وكانت منظمة "أهل السنة والجماعة" نشأت في إقليم جهانغ الواقع في البنجاب، على إثر تحرُّك الزعماء الدينيين، المنتمين إلى الطبقة الوسطى، ضد نخبة ملاك الأراضي التقليديين من الشيعة الذين كانوا يحكمون المنطقة. وتتشكَّل هذه الفئة، في غالبيتها، من المهاجرين القادمين من الهند، الذين كانوا ينازعون النخبة الهندية حقَّها في ملكية الأراضي (علمًا بأن النخبة الهندية كانت تاريخيًّا تحت رعاية الدولة الهندية قبل الاستقلال).

كان يقف خلف تلك المواجهات "المناوئون للشيعة" من ملاك الأراضي، وآخرون من الوافدين إليها والمدفوعين بأسباب مذهبية "لفرض تفوُّقهم الاجتماعي والسياسي والديني في منطقة خضعت في السابق لحكم أقلِّية شيعية"(13).

وغير مختلف عمَّا سبق، فإن الدافع وراء بروز الحركة المناهضة للأحمدية، في جانب منه، كان يقوم على تصوُّر مفاده أن تأثير خان، وزير الخارجية ومسؤولين آخرين من أتباع الطائفة الأحمدية، على الحكومة قد تضخَّم وبات من الممكن توظيفه لنشر معتقداتهم الدينية(14).

  • الصراع الاقتصادي: للعوامل الاقتصادية أيضًا دورها في إنتاج العنف الذي تحرُّكه الدوافع الدينية؛ حيث تُوظَّف أعمال الشغب والقائمون على المرجعية الدينية "لحسم" نزاع اقتصادي ما. ففي العديد من حالات العنف، المسجَّلة ضد أتباع الطائفة الأحمدية وضد المسيحيين، كانت أعمال الشغب المندلعة بسبب مزاعم التجديف مرتبطة بخلافات مالية أو قانونية، أو كانت مجرَّد ذريعة تتَّخذها "مافيات الأراضي" للاستيلاء على أراضي الأقليات، وذلك من خلال التحريض على افتعال أعمال شغب تشارك فيها الغوغاء (يُستخدم هذا "الغطاء" أيضًا في تغذية الصراعات العرقية الوهمية)(15). هذا وقد وسَّعت جماعة "تحريك طالبان" في باكستان نشاطها المالي ليمتدَّ إلى مدينة كراتشي لتنفيذ عمليات مثل "الخطف والسطو على البنوك والابتزاز"(16).
  • توسيع العمليات: صُمِّمت هجمات المتشددين ضد الأقليات الدينية والطوائف الإسلامية، في غالب الأحيان، لتكون أوسع نطاقًا من الهجمات التقليدية. فهي تمثِّل تصعيدًا في أعمال العنف ضد الأقليات وتُسلِّط الضوء على توسيع العمليات. وقد أشارت جماعة المجاهدين الأحرار، في تبنيها لتنفيذ تفجير عام 2016 في لاهور، أنه كان رسالة إلى رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، الذي تُعتبَر المدينة معقله السياسي(17). وتتميز هذه الهجمات أيضًا باللجوء إلى استعمال أساليب متطرفة في القتل، تراوحت ما بين القيام بعمليات تحرٍّ لتحديد المتشددين لأتباع الطائفة الشيعية بينما هم يركبون الحافلات، ومن ثم إطلاق النار عليهم على شاكلة فرق الرماة، أو اختيار توقيتات للهجمات، وتحديدًا، تلك التي يتجمَّع فيها أكبر عدد ممكن من الضحايا، مثل القدَّاسات الكنسية في أيام الأحد، أو أيام الجمعة عند وقت صلاة الجمعة(18). يُضاف إلى هذا أيضًا، الاقتتال الذي يدور بين الجماعات المتشددة نفسها، والذي يتم اللجوء خلاله إلى استخدام العنف داخليًّا بسبب ما يطرأ من خلافات حول القيادة أو المال أو حتى حول طريقة ومكان وتوقيت تنفيذ العمليات(19). 

تداعيات العنف الديني وانعكاساته على الدولة

كان للعنف الناجم عن الدوافع الدينية تأثير كبير على الدولة الباكستانية. فهو يفرض على الحكومة تنفيذ عمليات أمنية تحمل مخاطر ردِّ الفعل عليها، كما أنها عمليات ذات طبيعة معقَّدة بسبب تاريخ دعم باكستان للجماعات المتشددة في الماضي. 

وتستخدم الجماعات المسلحة هجماتها لكشف نقاط الضعف الحكومي داخل البلاد، وكذلك لإظهار ضعف قدرة الحكومة على كشف الهجمات وشلِّ إمكانية قيامها بهجمات مضادة، فضلًا عمَّا في تلك الرسائل من تحذير للحكومة إِنْ هي فكَّرت في اتخاذ أي إجراءات انتقامية(20). وهو أيضًا تكتيك لنشر الخوف داخل الجماعة الدينية، وتقويض سلْم الحياة العامة، وكذلك زرع الشك المؤدِّي إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها(21). 

حقَّقت جماعة "تحريك طالبان باكستان" تأثيرًا ملحوظًا على الدولة الباكستانية، خاصة خلال الفترة ما بين 2007-2013، من خلال نشر الشعور بالخوف داخل الحكومة عبر التهديد والترهيب وتنفيذ عمليات اغتيال طالت مسؤولين حكوميين ومهاجمة "رموز" مهمَّة، مثل: الأضرحة الصوفية الشعبية(22). وقد أدَّت هذه الهجمات أيضًا إلى ممارسة ضغوط خارجية على الدولة، خاصة أن تلك الهجمات لفتت اهتمام ممثلي المجتمع الدولي والصحافة الدولية، الذين دعوا إلى ضرورة التصدِّي للمتشددين. ومع ذلك، فالدعوة الدولية إلى مواجهة العنف الطائفي لا تُترجم، عادة، إلى مطالب عملية قوية من قبل المجتمع الدولي إلا عندما يستشعر أن ثمة خطرًا حقيقيًّا يتمثَّل في أن للجماعات المتشددة أهدافًا عابرة للقارات. 

واجهت باكستان، ولا تزال، ضغوطًا من الولايات المتحدة لمكافحة أنشطة الجماعات الدينية المتشددة المحلية المسلحة، مثل: جماعة عسكر طيبة وجماعة جيش محمد، اللتين لا تنفذان هجمات في الداخل، لكنهما متورطتان في تنفيذ هجمات على نطاق واسع في الهند، ومثل جماعات صغيرة أخرى تابعة للحركات المسلحة التي تستهدف المصالح الأميركية أو الأجنبية في أفغانستان(23). 

العنف العِرقي 

يمثِّل العنف الذي تُغذِّيه دوافع عرقية جزءًا من الصراع الدائر في باكستان؛ فهو متجذِّر إلى حدٍّ كبير في مدينة كراتشي، التي هي واحدة من المدن الباكستانية الأكثر تنوعًا عرقيًّا مع وجود فئات مهاجرة فيها من السكان القادمين من جميع أنحاء البلاد. ويُظهر استطلاع لنمو أعداد السكان أُجْرِي في العام 2011، أن 44% من سكان كراتشي، كانوا على الأغلب من الناطقين باللغة الأُردية (الذين يمكن تعريفهم بأنهم يمثِّلون مجتمعًا مهاجرًا). أما المجموعة الثانية، من حيث الحجم، فتشمل البنجابيين والمتحدثين بلغة "السرايكي" (ويمثلون 17%)، يليهم المتحدثون بلغة البشتو (وهم يمثُّلون المجتمع البشتوني)(24). 

هيمن الصراع العرقي على أجواء مدينة كراتشي منذ ثمانينات القرن الماضي، عندما اندلعت اشتباكات بين مجتمعات البشتون والمجتمعات المهاجرة(25). وتعود أسباب انتشار ذلك الصراع إلى وجود شعور راسخ، طويل الأمد، لدى تلك المجتمعات بالاستياء من هيمنة الحكومة المركزية على كلِّ الموارد، وإلى رفض "المستوطنين" القدامى في المدينة ومقاومتهم استقبال موجات جديدة من المهاجرين، بالإضافة إلى كراهيتهم الراسخة للأجانب. ولا تزال هذه القضايا تسهم في خلق توترات بين الجماعات العرقية، على الرغم من أن دوافع أولى الاشتباكات كانت جنائية(26). ومع كل ذلك، فقد باتت السياسة المحلية تُبْنَى، على نحو متزايد، على أسس عرقية، خاصة بعد ظهور حزب حركة المهاجرين القوميين (وتُسمَّى اليوم "الحركة القومية المتحدة")، والتي تعتبر ممثِّلًا لمجتمع المهاجرين(27). 

وهكذا، أصبحت سياسة كراتشي مُتنازعة بين مزيج يتشكَّل من الأحزاب، المتبنِّية لسياسات عرقية، ومن الجماعات الدينية والجماعات السياسية الكبرى. وقد تبنَّت كل تلك الأطراف سلوكًا متشدِّدًا لا ريب فيه؛ حيث قامت الجماعات السياسية، مثل: الحركة القومية المتحدة، بتدريب الفرق المسلحة، وبناء حصون في أماكن إقامتها بهدف فرض السيطرة على المناطق المجاورة لها. وقد سُجِّلت عدَّة فترات طويلة من العنف العرقي والسياسي في كراتشي منذ عقد ثمانينات القرن الماضي، الذي كان قد شهد أيضًا عمليات اقتتال بين تلك الجماعات وفترات صراع مع الدولة، وانخرط في تلك الأحداث أيضًا عدد من المجتمعات العرقية الأخرى بما في ذلك البلوش، والـ"كوتشي ميمون" (وهم مسلمون هنود وباكستانيون يتحدَّثون لغة الميمون، وأصولهم من منطقة كوتش)، وآخرون من السِّند، إلى جانب المهاجرين القادمين من مناطق واقعة جنوبي إقليم البنجاب. 

مثَّل هذه المجموعات العرقية عدد من الأحزاب السياسية والجماعات الإجرامية، بما في ذلك حزب الحركة القومية المتحدة والقوميين البشتون وحزب عوامي الوطني ولجنة أمن الشعوب -وهي عصابة إجرامية تابعة لحزب الشعب الباكستاني الذي نال تأييد مجتمعات البلوش في مدينة كراتشي-. 

أدَّى هذا الأمر إلى تكثيف العمليات شبه العسكرية وعمليات الشرطة ضد هذه المجموعات على مدى العقود الثلاثة الماضية. كما أورد بعض التقارير ما شهده إقليم بلوشستان أيضًا من أعمال عنف عرقي؛ حيث قُتل عمال بنجابيون على أيدي ما كان يُعرف، على نطاق واسع، بجماعات انفصالية بلوشية كانت تقود تمرُّدًا ضد الحكومة الباكستانية. وقد نُظر حينها إلى هذه الهجمات باعتبارها جزءًا من ردِّ فعل المتمرِّدين على النفوذ الذي يمارسه إقليم البنجاب على صنع القرار السياسي في باكستان(28)، وهو السبب الذي يكمن خلف استهداف العمال المهاجرين من تلك المحافظة(29). 

لماذا وُجد العُنف العِرقي؟

هناك ميل لصبغ العنف في كراتشي بصبغة الصراع العِرقي البحت حتى وإن كان هناك ما يكفي من الأدلة والدراسات العلمية التي أظهرت وجود سيولة في إقامة التحالفات، ورصدت دوافع تلك المجموعات وتوظيفها للسياسة العرقية على نحو يُبعدها عن تهمة القيام بأنشطة إجرامية. ومن المهم، في هذا السياق، تقييم كل دورة من دورات العنف وفقًا لحيثياتها ودراسة السياق الذي يتنزَّل فيه كل هجوم لتحديد الدوافع التي تقف خلفه بدلًا من مجرد الاكتفاء بتصنيفه في خانة النزاع العرقي. 

ويمكن تقسيم الصراعات إلى الفئات التالية: (أ) عنف عرقي-سياسي، وتقف خلفه الأحزاب السياسية المدعومة من قبل قواعدها العرقية. (ب) الأنشطة الإجرامية التي تقوم بها الأجنحة الإجرامية المسلحة التابعة لهذه الأحزاب. (ج) العنف الديني الذي تُنَفِّذُه الفرق المسلحة التابعة للجماعات الدينية والسياسية/المتشددة. ومع ذلك، يبدو أن الاقتصار على هذه الفئات ليس كافيًا وحده لتفسير ما يجري؛ لأن هذه الموجات من العنف تتقاطع فيما بينها. فمع أن طبيعة الصراع تبدو عرقية أو سياسية في ظاهرها، إلا أن هذا الصراع الواضح بين المجتمعات المختلفة في كراتشي قَدَّم، ولوقت طويل، غطاءً مناسبًا للجريمة والتشدد؛ إذ يوجد خلاف عرقي حقيقي في كراتشي، وقد خصَّت الجماعات المسلحة، مرارًا وتكرارًا، أعضاء الجماعات العرقية الأخرى بالاستهداف خلال فترات الصراع السياسي. ومع ذلك، فإن هذا الصراع غالبًا ما يرتبط بغايات مختلفة؛ إذ من الواضح أن هذه النزاعات العرقية، التي أدَّت إلى شنِّ عدد من الإضرابات وأعمال شغب ومعارك في الشوارع، غالبًا ما تُوظَّف من طرف هذه الأحزاب والجماعات لخوض حروب بهدف الابتزاز والاستيلاء على الأراضي. وعلى غرار انتشار ظاهرة العنف الديني، شهد العقد الأخير من الألفية الماضية زيادة في حجم الهجمات وانتهاج أساليب وحشية من جانب الجماعات الإجرامية والسياسية في كراتشي، وقد شملت هذه التكتيكات قطع الرؤوس والتعذيب الجسدي، ثم ما لبث أن تحوَّل هذا التصعيد في كراتشي بدوره إلى قضية وطنية(30). 

شهد الصراع أيضًا حروبًا شنَّتها الجماعات الدينية المتشددة على الأحزاب السياسية القائمة. وعلى سبيل المثال، فقد شنَّت جماعة تحريك طالبان باكستان، حربًا تدميرية شاملة على حزب عوامي الوطني في كراتشي عبر حملة اغتيالات استهدفت شخصيات بعينها، وعبر التهديدات والتخويف، واستبدلت بمعاقلها السابقة أخرى تقع في مناطق البشتون(31). 

العودة المحتملة للسياسة العرقية

منذ العام 2013، تورَّط حزب الحركة القومية المتحدة المتَّهم بتأجيج الصراع، في قضايا قانونية ومزاعم تتَّهمه بتلقِّي تمويل أجنبي(32). وبعد أن شُنَّت حملة اعتقالات وأُجْرِيَت تحقيقات مع أعضاء حزب الحركة القومية وقياداته، حوَّل الحزب تركيزه نحو العمل السياسي، وهو ما أوقف استمرار هذه الدورة من الصراع "العرقي" إلى حدٍّ ما. ويمكن أن يُنظر إلى هذا التراجع في وتيرة الصراع باعتباره نتيجة عملية أمنية شاملة أُطلقت في البلاد أثَّرت، بشكل كبير، على أنشطة الحركة القومية المتحدة العنيفة(33). لكن، ومع ذلك، فقد أثار هذا الأمر شعورًا بالاستياء والغضب لدى قواعد وأعضاء الحركة القومية المتحدة، الذين شعروا بأنهم يُعاملون معاملة غير عادلة وأنهم مستهدفون بهذه المحاكمات. بالإضافة إلى ذلك، فإن الافتقار في التقدم على مستوى تطوير العملية السياسة المحلية -تجلَّى ذلك في الجمود المستمر على مستوى تفعيل النظام البلدي- أسهم في تفاقم الوضع؛ لأن المطلب الرئيسي للسياسات العرقية في كراتشي يتمثَّل في استقلال الحكم وتوفير المزيد من الموارد. وهذا الوضع يشير إلى احتمال العودة إلى انتهاج السياسات العرقية المتأصِّلة في كراتشي. 

2. ردود الفعل بين اللامبالاة ومشاعر الغضب

تراوحت الردود على الهجمات المسلحة في باكستان ما بين شبه اللامبالاة إلى شعور بالغضب واسع النطاق. وتعتمد هذه الردود على عدد من العوامل، أبرزها: إمكانية توقُّع الهجوم، والأماكن أو الأشخاص المستهدفين، والمدينة التي قد يقع فيها الهجوم. أما المواقف من تلك الهجمات في الصحف وفي أوساط الجمهور وفي وسائل الإعلام، فتتشكَّل من خلال المواقف التمييزية، الموجودة أصلًا، ضد الجماعات العرقية والطوائف الدينية والأقليات. 

مزاعم التكفير وما أعقبها من أعمال عنف 

يُلاحَظ وجود اختلاف كبير في ردود الفعل بين الجمهور والصحافة والحكومة عندما يتعلق الأمر بالعنف المرتبط باتهامات التجديف الموجهة لأحد الأعضاء المنتمين إلى طائفة إسلامية أو أقلية دينية. فهذه الاتهامات، التي غالبًا ما تكون مُلَفَّقَة، تتسع دائرتها، بشكل روتيني، لتتحوَّل إلى أعمال عنف تستهدف المجتمع بأسره، والتي تمثِّل ممارسة إجرامية منظَّمة في باكستان ينخرط فيها أنصار الأحزاب السياسية والجماعات الدينية والعسكرية ورجال الدين والعصابات الصغرى. وكثيرًا ما تؤدي هذه المزاعم إلى مهاجمة الغوغاء لـ"المستوطنات" والأحياء التي تسكنها الأقليات الدينية(34). لكنها مع ذلك، لا تستدعي نفس النوع من الاستجابة الأمنية التي يستدعيها تنفيذ هجوم مسلح أو نشاط إجرامي منتظم. وكثيرًا ما امتنعت الحكومة عن اتخاذ أية تدابير للردِّ على أعمال الغوغاء خوفًا من رد فعلهم الذي قد يكون عنيفًا، أو أن يُنظر إليها على أنها منحازة إلى الشخص المتَّهَم بالكفر، أو داعمة للتجديف. وتلعب مثل هذه الحالات وأعمال الشغب تلك دورًا مهمًّا في خلق أجواء من العداء والتخويف وانعدام الأمن بالنسبة للأقليات. 

رد الفعل الشعبي-الرأي العام 

لا تلقى الهجمات ذات الدوافع الدينية سوى دعم شعبي محدود، وغالبًا ما تُعتبر اعتداء على جميع المسلمين وليس مجرَّد اعتداء على طائفة بعينها. لم تكن الهجمات تجلب اهتمامًا واسعًا إلا بعد بدء الشيعة تنظيم احتجاجات واسعة النطاق أجبرت الحكومة على الاستجابة(35). وبالمثل، فإنه لا يُنظر إلى النزاع المرتبط بخلفيات عرقية في كراتشي وبلوشستان، على اعتباره مسألة تدعو إلى الاهتمام سوى عندما يتم التصعيد في نطاق الهجمات، أو عندما يؤدِّي ذلك إلى ارتفاع كبير في أعداد القتلى. 

رد فعل الحكومة والاستجابة الأمنية 

يكون ردُّ فعل الحكومة الباكستانية سريعًا عندما يتعلق الأمر بالهجمات على المؤسسات العسكرية والموظفين الحكوميين أو على الطلاب، وهو ما بدا واضحًا في رد فعل الحكومة على الهجوم الذي استهدف المدرسة العسكرية العمومية في بيشاور عام 2014، أو عندما يتعرض الجنود النظاميون إلى هجوم من قبل مسلحين. منذ الهجوم الذي تعرَّضت له المدرسة العسكرية وما أعقبه من إطلاق "خطة عمل وطنية ضد التشدد"، فإن ردَّ فعل الحكومة، في بعض الحالات الخطيرة، كان أسرع نسبيًّا(36). 

تختلف ردود الفعل على الهجمات، التي تقف خلفها دوافع دينية، تبعًا للطائفة الإسلامية المعنية ولطبيعة الهجوم المُنفَّذ(37). وعلى الرغم من الاحتجاجات الواسعة للطائفة الشيعية على هجمات المتشددين، فإن "الحكومة لا تُبدي اهتمامًا لذلك" في أغلب الحالات، ولا تتخذ حيالها سوى تحرُّك محدود(38). وعلى سبيل المثال، فقد جاء الردُّ الحكومي في مواجهة عمليات جماعة "عسكر جنجوي" مقتصرًا على مدن مثل كراتشي إلى أن استهدفت زعامات الصفِّ الأول للجماعة خلال ما يبدو أنه سلسلة من جرائم قتل نُفِّذت خارج نطاق القضاء(39). أما الهجمات التي تحدث في المدن الكبرى فتحظى، خلافًا لما يحصل في المناطق الريفية، باهتمام أكبر من قبل الحكومة والسياسيين. ويبدو أنه من الأسهل على الحكومة اتخاذ موقف أكثر وضوحًا عند تعرُّض الأقليات الدينية، مثل المسيحيين أو طوائف إسلامية بارزة كالإسماعيليين، إلى هجمات على أيدي الجماعات المسلحة؛ لأن هذه الهجمات تلفت اهتمام الصحافة الدولية والمجتمع الدولي، وبالتالي تضع ضغوطًا على الدولة تدفعها إلى الردِّ(40). 

يمثِّل تصعيد المتشددين في درجة العنف، بحسب ما يتطلَّبه الوضع الأمني والسياسي في البلاد، دافعًا للحكومة من أجل إطلاق أو استمرار أو توسيع العمليات الأمنية، أو لبدء تحقيقات أمنية(41)، وهو ما يؤدي حتمًا إلى إطلاق عمليات شرطية أو عمليات شبه عسكرية ضد النشطاء السياسيين ومن تحالف معهم من المجرمين. غير أن ذلك، عادة ما يُصاحبه حذر من ردِّ فعل خطير وتحسبًا من دخول البلاد في حالة عدم استقرار سياسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة المسيسة، غالبًا، لقوات الأمن ومزاعم التواطؤ مع المتشددين، أو الجهل، بأنشطتهم الإجرامية، عادة ما تثير تساؤلات حول فعالية تلك العمليات، وما إذا كان احترام حقوق الإنسان يؤخذ في الاعتبار أم لا(42). 

ردود فعل وسائل الإعلام 

تلعب وسائل الإعلام دورًا مهمًّا في تشكيل التصوُّرات المتصلة بقضية العنف. فمنذ أن بدأت باكستان شنَّ عملية أمنية واسعة النطاق على إثر الهجوم الذي استهدف مدرسة بيشاور، قلَّلت وسائل الإعلام من تغطيتها، أو قدَّمت تغطية محدودة، حول الهجمات ذات الدوافع الدينية باستثناء الحالات التي يأخذ الجيش الباكستاني القوي فيها موقفًا علنيًّا، أو إذا ما تم اتخاذ قرار بانتشار قوات الجيش(43). كما تتجنَّب المؤسسات الإعلامية أيضًا تحديد هويات ضحايا العنف الدينية أو العرقية. هذا وقد سمحت القنوات التليفزيونية المحلية أيضًا، على امتداد سنوات طويلة وبدرجات متفاوتة، بتقديم تغطيات غير خاضعة لفحص مضمونها عند تعاطيها مع الجماعات الأكثر تشدُّدًا. كما تتعرَّض المؤسسات الإعلامية للتخويف والتهديد من قبل الجماعات المتشددة والإجرامية، التي تطالبها بنشر وجهات نظرها والترويج لها. وهو ما أدَّى، في المحصلة، إلى تشكيل صورة غير مكتملة للصراع القائم على دوافع دينية أو عرقية في باكستان، وذلك في تناقض صارخ مع الجماعات المتشددة التي تعلن بكل صراحة ووضوح عن أهدافها. 

خاتمة 

يعود وجود العنف العرقي والديني إلى أسباب متجذِّرة في تاريخ باكستان وفي هويته وفي تطور الهياكل السياسية والدينية التي عرفتها البلاد. كما أنَّ الجماعات المتشددة وسَّعت من دائرة أهداف عنفها المستند إلى منطلقات دينية في السنوات الأخيرة، وتحديدًا عندما نشب صراع عرقي بين المجتمعات الفرعية الأخرى في مدن، مثل كراتشي. أما تصاعد وتيرة العنف والتكتيكات الوحشية المتَّبعة في تصفية الخصوم، فقد وضع الصراع في الواجهة، لكن دون أن تُثير جميع الهجمات ردود فعل مماثلة. ويرجع ذلك، في جزء منه، إلى الطبيعة المُسيسة للهجمات وإلى بعد المسافات الجغرافية وانعدام وجود روابط اجتماعية وثيقة مع الجماعات الدينية أو العرقية المستهدفة.

____________________________________

سابا امتياز، باحثة وصحفية متخصصة بالشأن الباكستاني

 

ملاحظة: النص أُعدَّ في الأصل باللغة الإنجليزية لمركز الجزيرة للدراسات، وترجمه د. كريم الماجري إلى اللغة العربية.

مراجع

1- Pakistan Bureau of Statistics, 1998 Population Census data.

2-  M. Munir, M.R. Kayani, “Report of the Court of Inquiry constituted under Punjab Act II of 1954 to inquire into the Punjab disturbances of 1953”.

3- F. Aziz, “Suicide bombers kill 78 Christians outside Pakistani church”, Reuters, 22 September 2013, (Visited on 26 May 2016):

http://www.reuters.com/article/us-pakistan-blast-idUSBRE98L02K20130922

4- Sikhs protest on Pakistan parliament grounds”, AlJazeera English, 24 May 2014, (Visited on 26 May 2016):

http://www.aljazeera.com/news/asia/2014/05/sikhs-protest-pakistan-parliament-grounds-201452311207256179.html

5- Protests against blasphemy continue”, The Nation, 19 January 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://nation.com.pk/lahore/19-Jan-2015/protests-against-blasphemy-continue

6-  K. K. Shahid, “Takfir without borders”, The Friday Times, 13 May 2016, (Visited on 26 May 2016):

 http://www.thefridaytimes.com/tft/takfir-without-borders/

7- MWM: MQM workers threaten our men”, The Nation, 26 April, 2013, (Visited on 1 June 2016):

http://nation.com.pk/elections-2013/26-Apr-2013/mqm-workers-threaten-our-men-mwm

8-  Pak Institute for Peace Studies, “Pakistan Security Report 2015”, 2016, p. 10.

J. Ahmed and K. Johnson, “Linked to Taliban and ISIS, Pakistani group seizes notoriety with bomb in park”, Reuters, 28 March 2016, (Visited on 2 June 2016):

http://www.reuters.com/article/us-pakistan-blast-militants-idUSKCN0WU1F4?mod=related&channelName=worldNews

I. Ali, “Gunmen shoot vice-principal of Karachi college”, Dawn, 17 April 2015, (Visited on 2 June 2016):

http://www.dawn.com/news/1176298

9- Aziz, “Suicide bombers kill 78 Christians”.

10- Z.ur Rehman, ‘Lashkar-e-Jhangvi behind Hazara killings in Quetta,’ The Friday Times, 5 August 2011, (Visited on 26 May 2016):

http://www.thefridaytimes.com/beta2/tft/article.php?issue=20110805&page=8

Human Rights Watch, “We are the Walking Dead”, 2014, p. 58.

11- O. Waraich, “Sectarian Attacks on Lahore Mosques Kill More than 80”, Time, 28 May 2010, (Visited on 26 May 2016):

http://content.time.com/time/printout/0,8816,1992630,00.html

12- M. Georgy, “Insight: Pakistan cleric tries hand at politics”, Reuters, 20 April 2013, (Visited on 2 May 2016):

http://www.reuters.com/article/us-pakistan-election-sectarian-insight-idUSBRE93J0HE20130421

13- M. Waseem, “Dilemmas of Pride and Pain: Sectarian Conflict and Conflict Transformation in Pakistan”, Religions and Development Research Programme, Working Papers, 2010, p. 48.

14- M. Munir, M.R. Kayani, “Report of the Court of Inquiry”.

15- Jinnah Institute, “A Question of Faith”, 2011, p. 33.

Imtiaz, “Minorities” persecution: False charges erode 40-year Christian-Muslim bond”, The Express Tribune, 29 June 2011, (Visited on 1 June 2016):

 http://tribune.com.pk/story/198467/minorities-persecution-false-charges-erode-40-year-christian-muslim-bond/

16- Z. ur-Rehman, “Militant economy of Karachi”, Pak Institute for Peace Studies, 2013.

17- S. Shah, “Pakistan Militant Group Jamaat-ul-Ahrar Threatens Fresh Wave of Violence”, The Wall Street Journal, 29 March 2016, (Visited on 26 May 2016):

http://www.wsj.com/articles/pakistan-militant-group-jamaat-ul-ahrar-threatens-fresh-wave-of-violence-1459270788

18- R. Tanveer, “Ghari Shahu attacks anniversary: 88 Ahmadis killed. 1 year on. 0 justice”, The Express Tribune, 28 May 2011, (Visited on 26 May 2016):

http://tribune.com.pk/story/177562/ghari-shahu-attacks-anniversary-88-ahmadis-killed-1-year-on-0-justice/

Human Rights Watch, “We are the Walking Dead: Killings of Shia Hazara in Balochistan, Pakistan”, 2014.

19- K. Ali, “Malik Ishaq had serious differences with Ludhianvi: observers”, Dawn, 25 August 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1202616

20- Z.S. Sherazi (2013) ‘Taliban warn of reprisal if PML-N government hangs militants’, Dawn, 13 August 2013, (Visited on 1 June 2016):

http://www.dawn.com/news/1035449

21- Ibid.

22- A. Manan, “Khanzada attack in retaliation of LeJ chief’s killing: sources”, The Express Tribune, 16 August 2015, (Visited on 2 June 2016):

http://tribune.com.pk/story/939039/khanzada-attack-in-retaliation-of-lej-chiefs-killing-sources/

CID arrests mastermind behind Sea View, Ghazi Shrine attacks”, Dawn, 14 January 2012, (Visited on 1 June 2016):

 http://www.dawn.com/news/688076/cid-arrests-mastermind-behind-sea-view-ghazi-shrine-attacks

23- S. Imtiaz, “Militancy in Pakistan and Impacts on U.S. Foreign Policy”, 2014.

New America International Crisis Group, “Pakistan: The Militant Jihadi Challenge”, 2009.

24- H. Gazdar, “Karachi’s Violence: Duality and Negotiation”, SPO Discussion Paper Series, No 10, 2011.

25- L. Gayer, “Political Turmoil in Karachi’, Economic and Political Weekly, Vol XLVII, no 31, 2012, p. 76-84.

26- Ibid.

27- M. Waseem, “Ethnic Conflict in Pakistan: The Case of MQM”, the Pakistan Development Review, 35:4 Part II, Winter 1996, p. 617-629.

28- Workers killed in attack in Pakistan’s Balochistan”, Al Jazeera English, 11 April 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.aljazeera.com/news/2015/04/workers-killed-attack-pakistan-balochistan-150411055357829.html

B. Baloch, “Three workers from Khanewal killed in Pasni”, Dawn, 6 July 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1192625

29- AFP, “Nine Punjabi Laborers Killed in Balochistan”, Newsweek Pakistan, 20 October 2014, (Visited on 26 May 2016):

http://newsweekpakistan.com/nine-punjabi-laborers-killed-in-balochistan/

30- H. Gazdar, “Karachi Battles”, Economic and Political Weekly, 2011, Vol XLVI no 38, p. 19-21.

31- S. Khattak (2012) ‘Settling scores: Taliban on a killing spree in Karachi,’ The Express Tribune, 16 August 2012, (Visited on 26 May 2016):

http://tribune.com.pk/story/422774/settling-scores-taliban-on-a-killing-spree-in-karachi/

S. Khattak, “TTP tells the Mehsuds: Leave ANP or die”, The Express Tribune, 3 August 2012, (Visited on 26 May 2016):

http://tribune.com.pk/story/416684/ttp-tells-the-mehsuds-leave-anp-or-die/

32- D. Walsh, “Pakistan’s Iron Grip, Wielded in Opulent Exile, Begins to Slip”, The New York Times, 12 September 2013, (Visited on 26 May 2016):

http://www.nytimes.com/2013/09/13/world/asia/altaf-hussains-grip-on-a-pakistani-city-faces-a-threat.html

O. Bennett-Jones, “Pakistan’s MQM ‘received Indian funding’’, BBC News, 24 June 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.bbc.com/news/world-asia-33148880

33- D. Walsh and Z.ur-Rehman, “Loosening a Party’s Grip on Karachi, a Pakistani City Known for Violence”, The New York Times, 15 April 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.nytimes.com/2015/04/15/world/asia/pakistan-karachi-loosening-altaf-hussain-and-mqm-grip.html?_r=0

34- A. Kayani, “Ahmadi place of worship set ablaze in Jhelum, riots erupt after blasphemy allegations”, Dawn, 21 November 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1221273

Agencies, “Dozens of houses torched as mob attacks Lahore Christian colony”, Dawn, 9 March 2013, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/791408/mob-attacks-christian-neighbourhood-in-lahore

S. Eitizaz, “Investigating Pakistan’s ‘mobs for hire”, BBC News, 21 September 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.bbc.com/news/world-asia-34312108

35- M. Zafar, ‘Quetta blasts: Grieving families continue sit-in,’ The Express Tribune, 13 January 2013, (Visited on 26 May 2016):

http://tribune.com.pk/story/493285/quetta-blasts-grieving-families-continue-sit-in/

36- Samaa Web Desk, “Pakistan to deal ‘decisive blow’ to Karachi terrorists”, Samaa.tv, 13 May 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.samaa.tv/pakistan/2015/05/pakistan-to-deal-decisive-blow-to-karachi-terrorists/

37- Tanveer, “Ghari Shahu attacks”, 2011.

38- Human Rights Watch, “We are the Walking Dead”, 2014, p. 5.

39- I. Gabol, “Lashkar-i-Jhangvi chief Malik Ishaq, two sons killed in Muzaffargarh ‘encounter”, Dawn, 26 May 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1197098

J. Boone, “Pakistani terrorist killed in staged shootout, say police sources”, The Guardian, 26 November 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.theguardian.com/world/2015/nov/26/pakistani-terrorist-killed-alleged-police-killing-haroon-bhatti

40- I. Ali (2015) ’43 killed in attack on  bus carrying Ismailis in Karachi’, Dawn, 14 May 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1181698/43-killed-in-attack-on-bus-carrying-ismailis-in-karachi

Aga Khan shocked by attacks on Ismailis”, Dawn, 14 May 2015, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1181718

41- Q. Zulfiqar, “Judicial intervention: SC takes suo motu notice of Karachi violence”, The Express Tribune, 22 August 2011, (Visited on 26 May 2016):

http://tribune.com.pk/story/236881/karachi-violence-cjp-takes-suo-motu-notice/

M. Zahra-Malik and M. Bukhari (2016) ‘Pakistan plans new paramilitary crackdown; Easter bombing kills 70’, Reuters, 28 March 2016, (Visited on 26 May 2016):

http://www.reuters.com/article/us-pakistan-blast-idUSKCN0WT0HR

Rangers directed to conduct operation in Karachi’, The Express Tribune, 2 August 2011, (Visited on 26 May 2016):

http://tribune.com.pk/story/222419/political-violence-mqm-warns-against-bid-to-take-over-karachi

Lyari operation: Arrest warrants for Uzair Jan Baloch among 8 issued’, The Express Tribune, 28 April 2012, (Visited on 26 May 2016):

http://tribune.com.pk/story/371255/lyari-operation-2-killed-2-injured-in-crossfire/

42- S. Baloch, “Use of torture by state unacceptable despite MQM’s violent past: HRCP”, Dawn, 6 May 2016, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1256558

Amnesty International, “The State of the World’s Human Rights”, Amnesty International Report 2015/16, 2016, p.280

43- AFP, I. Ali, I. Haider, H. Bhatti, ‘Nearly 2,000 pro-Qadri protestors continue sit-in outside Parliament,’ Dawn, 28 March 2016, (Visited on 26 May 2016):

http://www.dawn.com/news/1248261