قمة مالابو ومستقبل العلاقات العربية-الإفريقية - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

قمة مالابو ومستقبل العلاقات العربية-الإفريقية

تفاعل العلاقات العربية الإفريقية وما يطبعها من تقارب تحركه المصالح ويستدعيه الموقع الجغرافي والاستراتيجي، أو تباعد بسبب تأثير المدركات الذهنية المتبادلة بين الأفارقة والعرب وطبيعة نظرة كل طرف للآخر، فضلا عن المعوقات التي تقف أمام تطور هذه العلاقات كلها حيثيات يتناولها هذا التقرير.

الأحد, 04 ديسمبر, 2016 11:36 GMT

صورة جماعية نشرها موقع الاتحاد الأفريقي لزعماء عرب وأفارقة قبل افتتاح القمة العربية الأفريقية (مواقع إلكترونية)

شهدت القمة الإفريقية العربية التي عُقدت في غينيا بيساو في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تباينًا بين الجانبين العربي والإفريقي في قضية "قديمة حديثة" هي قضية الاعتراف بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم بما قد يؤدي للاستقلال عن المغرب. وهي القضية التي كانت كاشفة لخلافات أخرى قد لا تقل خطورة داخل كل كيان بشأنها لاسيما بعد الانقسام العربي بشأن الاستمرار في المشاركة في القمة، وقبله الانقسام الإفريقي في قمة كيجالي في يوليو/تموز الماضي بشأن الموافقة على تعليق عضوية الجمهورية الصحراوية في الاتحاد الإفريقي كشرط مغربي للعودة إليه بعد قطيعة استمرت أكثر من ثلاثة عقود. 

ويسبر المقال أغوار المعوقات التي قد تقف حائلًا أمام توطيد العلاقات العربية-الإفريقية المشتركة بداية من استمرار الصورة الذهنية السلبية لكليهما عن الآخر، ناهيك عن غياب المؤسسية لاسيما في الجوانب الاقتصادية أو حتى الأمنية خاصة في مجال تسوية الصراعات البينية بينهما مثل قضية انفصال جنوب السودان، والخلاف الراهن بين السودان وجنوب السودان. 

وبالرغم من هذه التحديات، إلا أن المقال يشير إلى وجود قواسم أخرى مشتركة وتفاهمات يمكن البناء عليها حال التغلب على هذه التحديات وغيرها, ومن بين الخطوات المطلوبة في هذا الشأن وجود قناعة لدى القيادة السياسية في كلا الجانبين بأهمية الشراكة بينهما، والتي لا يجوز التفريط فيها بأية حال من الأحوال، لاسيما في ظل وجود أطراف أخرى "إقليمية ودولية" تتربص بهذا التكتل الضخم الذي يضم 66 دولة. على أن الخطوة الأولى في هذا الشأن هي ضرورة تغليب التحرك عبر الكيان المؤسسي "الجامعة العربية، الاتحاد الإفريقي" بدلًا من التحرك بصورة فردية، مع ضرورة وضع حدٍّ للتباينات الداخلية والتي منها على سبيل المثال لا الحصر القضية الصحراوية.

ربما يكشف الخلاف العربي-الإفريقي حول قضية "وجود لافتة ومقعد خالٍ باسم ما يُسمَّى بالجمهورية الصحراوية" في القمة الإفريقية-العربية الرابعة التي عُقدت في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وما استتبعها من انسحاب العديد من الوفود العربية بسبب وجود علم الجمهورية الصحراوية، ربما يكشف الجزء الظاهر فقط من جبل الجليد، في حين توجد قضايا أخرى أعمق تتحكم في مسار العلاقة بداية من المنطلقات الفكرية والصورة الذهنية السلبية لكل طرف عن الآخر" العرب هم الجلَّابة للرقيق، مقابل صورة الزنجي الأسود لدى العرب"، مرورًا بالخلافات حول العديد من القضايا مثل الحرب الأهلية في الصومال وكيفية تسويتها، ثم انفصال جنوب السودان، والخلافات بين موريتانيا والسنغال، والغزو الليبي لتشاد. 

هذه التباينات تبرز رغم النقاط الإيجابية التي يمكن البناء عليها، ومنها: وجود الأموال في الدول العربية "الخليجية" مقابل الموارد الطبيعية والعمالة في القارة السمراء. ناهيك عن إمكانية أن يصبح التكتل العربي-الإفريقي أكبر كتلة في المحافل الدولية "66 دولة": 54 دولة إفريقية و22 دولة عربية مع ملاحظة وجود 10 دول ذات عضوية مزدوجة، وهو ما حاولت القمم الثلاث الأخيرة منذ سرت 2010، مرورًا بالكويت 2013، وصولًا لمالابو، التركيز عليه. 

ومن هنا، يمكن القول بوجود عدَّة نقاط يمكن الحديث بشأنها، أولها: ظروف انعقاد القمة وأجواؤها باعتبارها أول قمة تُعقَد في إفريقيا جنوب الصحراء، فضلًا عن كونها تأكيدًا لاستمرارية آلية الانعقاد والتي دُشِّنت في سرت 2010، وكُرِّست في الكويت، ثم نُعرِّج على جدول الأعمال وأبرز المستجدات فيه، وهل يحمل جديدًا عن القمم السابقة. ثم نتناول ثالثًا قضية الصحراء الغربية وهل هي فعلًا الحاكمة للعلاقات العربية-الإفريقية، أم أن هناك قضايا خلافية أكثر عمقًا تبدأ من الإطار النظري والصورة الذهنية السلبية المتبادلة، مرورًا بالإطار المؤسسي، ووصولًا للجانب العملي "العلاقات الدولية العربية-الإفريقية"، ثم نختم بالسؤال التالي: هل يمكن القول بفشل قمة مالابو؟ وكيف يمكن التأسيس لمستقبل أفضل للعلاقة بين الجانبين "سيناريوهات المستقبل"؟ 

أجواء القمة وجدول الأعمال 

اكتسبت القمة أهميتها من عدة اعتبارات؛ كونها الأولى التي تُعقد في دولة إفريقية بعد استضافة عربية متتالية للقمم السابقة، كما إنها تؤكد مبدأ استمرارية ودورية الانعقاد والتي انقطعت لفترة دامت 33 عامًا بين القمتين الأولى والثانية ثم إنها تدشِّن المرحلة الثالثة من خطة التنمية والتعاون بين الجانبين (2017-2019) والتي بدأت مرحلتها الأولى منذ قمة سرت، كما شهدت القمة الانعقاد الأول لاجتماع وزراء الاقتصاد والتجارة والمالية العرب والأفارقة لمراجعة سياسات التعاون الاقتصادي بين الطرفين، ولإطلاق خطط طموحة للشراكة في مجالات الصحة والقضاء على الفقر. كما سبقها كذلك اجتماع وزاري عربي-إفريقي عُقِد في الخرطوم بهدف تطوير التعاون في مجال التنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي. 

وكان من الواضح من شعار هذه القمة وقمة الكويت قبلها هيمنة الجانب الاقتصادي كونه المدخل الرئيسي لأي تكامل على الجانب السياسي؛ لذا ركَّزت على متابعة القرارات الاقتصادية لقمة الكويت التي عقدت تحت شعار "شركاء في التنمية والاستثمار"، وكان من أهم بنودها إمكانية إنشاء سوق عربية-إفريقية مشتركة، فضلًا عن البحث عن كيفية تفعيل هذه الأطر وغيرها خلال القمة الحالية التي حملت شعار "معًا لتنمية مستدامة وتعاون اقتصادي". 

 ورغم هذه الأجواء الإيجابية، إلا أن السياسة وتعقيداتها ألقت بآثارها السيئة عليها، ما هدَّد بنسف عقدها، أو التقليل من أهمية البيان الختامي الصادر عنها على الأقل عربيًّا بعد انسحاب دول الخليج الست باستثناء الكويت، فضلًا عن الأردن والمغرب والصومال واليمن احتجاجًا على تعليق علم للجمهورية الصحراوية رغم عدم وجود ممثلين لها. هذا الموقف الخليجي والمغربي استند لأمرين: أولهما: اقتصار التعاون بين جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي على الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، التزامًا بمبدأ السيادة الترابية للدول، وثانيهما: ما ورد  في إعلان 20 إبريل/نيسان 2016، الصادر عن القمة المغربية-الخليجية الأولى بالرياض والذي أكَّد على نفس المعنى(1). ورغم محاولات الجهة المنظمة إثناء الدول المشاركة عن المقاطعة، إلا أنها رفضت ذلك، وهو ما يشير إلى عدَّة أمور، منها: غياب التنسيق "الأوَّلي على المستوى المؤسَّسي بين أمانة الجامعة العربية والمفوضية الإفريقية، أو عدم قدرة الطرف المنظِّم -لضعف إمكانياته- على إقناع هذه الدول بالعودة، رغم أن هذا الموقف يذكِّرنا بموقف مشابه "، مع الفارق، حينما اعترضت الدول الإفريقية على تمثيل مصر بصفتها الإفريقية في القمة السابقة بسبب الانقلاب، وهنا لعبت الكويت دورًا في إقناع هؤلاء بأن تمثيلها لكونها عربية. 

البيان الختامي 

لم يتطرق البيان الختامي للقضايا الخلافية مثل مشكلة سدِّ النهضة بين مصر وإثيوبيا، التي لم تُطرح أساسًا على  القمة، وأيضًا لم يتم التطرق لتفاصيل الأزمة بين شمال وجنوب السودان، وكان هناك شبه اتفاق قبل القمة على إصدار توصية، بضرورة الالتزام بقرارات الأمم المتحدة والمؤسسات الإفريقية في هذا الشأن. وهو نفس ما حدث في قمة الكويت السابقة التي ركَّزت على القواسم المشتركة دون الحديث عن سبل حلِّ القضايا الشائكة(2). 

كما تضمَّن البيان إعلانًا خاصًّا بقضية فلسطين، والتأكيد على ضرورة تقديم الدعم الكامل للقضية تمشيًا مع القرارات الأممية ذات الصلة. وهو ما يعني تجاوز الطرفين حساسية اهتمام الجانب العربي بفرض هذه القضية على الأفارقة رغم كونها عربية بالأساس. 

وفي الجانب السياسي، اتفق الجانبان على عقد اجتماعات رفيعة المستوى وتعزيز تبادل المعلومات والحوار السياسي الاستشاري على جميع المستويات لتنسيق المواقف من القضايا الإقليمية والعالمية ذات الاهتمام المشترك. 

أما في الجانب الأمني، فقد تضمن تشجيع تبادل المعلومات وأفضل الممارسات بين مفوضية الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية حول القضايا التي تهم المنطقتين والمتعلقة بتسوية النزاعات والتدخل في مرحلة ما بعدها. 

وعلى الصعيد الاقتصادي، أشاد البيان بمبادرات أمير دولة الكويت في القمة السابقة بتقديم قروض ميسرة للبلدان الإفريقية قيمتها مليار دولار أميركي من أجل تعزيز التنمية في القارة, وكذلك مليار دولار أميركي آخر للاستثمار، وإن كان هذا يشير لحالة فردية وليست منظومة عربية متكاملة لدعم القارة(3). 

إشكاليات وتحديات 

في الحقيقة، يمكن القول: إن القمة وما سبقها من قمم أخرى، تكشف عن وجود عدة إشكاليات نظرية ومؤسسية وعملية تقف عائقًا أمام تحقيق تنسيق فعَّال للعلاقات بينهما. 

أولًا: على الجانب النظري: تراجع مفهوم الوحدة "العربية–الإفريقية"

هذا التراجع نتيجة لعدَّة اعتبارات في كلا الجانبين؛ ففي الجانب العربي كانت هناك عدَّة أسباب، منها: غياب الزعامات التاريخية الداعمة لفكرة الوحدة العربية من ناحية "جمال عبد الناصر في الحالة العربية"، وغياب أحد الركائز المهمة التي قامت عليها هذه الفكرة ومنها خطورة العدو الصهيوني وبداية هرولة سريعة خاصة من بعض الدول المهمة في هذا الشأن كمصر بعد الانقلاب وحديث السيسي عن الرغبة في توسيع دائرة السلام في المنطقة مع إسرائيل، وهو ما يأتي في إطار الترويج لمفهوم الشرق الأوسط سواء ببعده الإسرائيلي أو الأميركي الذي يعمل على صهر الوطن العربي في إطار إقليمي أشمل. ناهيك عن بروز المشاكل الداخلية أو حتى البينية بين مكونات العالم العربي، والتركيز على فكرة القُطرية بدلًا من فكرة القومية. 

أمَّا على الجانب الإفريقي، فبالرغم من أن الموضوع يبدو أقل حدة، لكن من الواضح أيضًا تراجع الأفكار الوحدوية على صخرة السيادة الوطنية، وربما كان هذا واضحًا في الجدل الذي دار قبل نشأة الاتحاد الإفريقي بخصوص  هدفه: هل هو إقامة ولايات متحدة إفريقية أم الاكتفاء بالاتحاد الإفريقي على الصعيد السياسي؟ وتم الانتصار للرأي الأخير. ولعل غياب الشخصيات الوحدوية الإفريقية كعبد الناصر ونكروما قديمًا، والقذافي مؤخرًا، أسهم في ذلك. 

هذا التباين في الجانب الفكري، ارتبط به تباين آخر خاص بالصورة الذهنية "السلبية لكل طرف عن الآخر"؛ إذ لا زالت هناك صورة ذهنية نمطية "سلبية" لكل منهما عن الآخر. فهناك فريق من الأفارقة يربطون بين الإسلام والاستعمار، وما بين العرب والرقيق. وبحسب بعض الدارسين والكُتَّاب الأفارقة فإن اعتناق الاسلام من قبل الأفارقة يمثل نوعًا من الردة الثقافية. ويزعم هذا التيار المتطرف أن جميع الأيديولوجيات الغريبة عن الواقع الإفريقي مثل الإسلام قد جلبت الدمار وعدم الاستقرار سواء في الداخل الإفريقي أو في الشتات. وفي هذا الصدد، يشير الباحث السوداني، دونستان واي، إلى أن "الأفارقة يصفون العرب بصفات المكر والخداع والغدر والعنصرية بالإضافة إلى التعالي الثقافي. كما أن العديد من الأفارقة لا يشعرون بالارتياح في التعامل مع العرب. أما الأفارقة المتعلمون من ذوي التوجهات الغربية فيجدون الثقافة العربية غير جذابة، ويصور عدد غير قليل من الأفارقة أيضًا العربَ على أنهم متعصبون دينيًّا، وقد ساعدت التصريحات العلنية وسلوك بعض القادة العرب مثل العقيد القذافي في تعزيز الشعور في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بإحياء رُوح "الجهاد" الإسلامية التي تمولها حديثًا تراكمات أموال النفط. وبالإضافة إلى ذلك كله، يميل الأفارقة لوصف العرب بأنهم مستعمرون وإمبرياليون"(4). 

وفي المقابل، فإن الجانب العربي ينظر إلى الإفريقي على أنه الزنجي الأسود المتخلف، والبلاد الإفريقية هي موطن المرض والداء والفقر والحروب. وعلى الصعيد السياسي، فإن القادة الأفارقة يطمعون في الأموال والدعم العربي مقابل دعم القضايا العربية كالقضية الفلسطينية. 

وربما هذه القضايا الفكرية "الخلافية" طرحت إشكالات جَمَّة ليس في طبيعة العلاقة فحسب، ولكن في الأطر المؤسِّسة لها، ومن ذلك وجود تيار رافض لاعتبار العربية لغة رسمية لمنظمة الوحدة الإفريقية. وقد لعب عبد الناصر -في حينها- دورًا مهمًّا في إقناع الأفارقة بغير ذلك. كما غذَّاها كذلك العديد من الصراعات العربية-الإفريقية خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي مثل التدخل الليبي في تشاد واحتلال شريط أوزو، والصراع الحدودي بين موريتانيا والسنغال، والحرب بين إثيوبيا والصومال حول الأوغادين. 

ثانيًا: على المستوى المؤسسي: عدم وجود إطار مؤسسي "اقتصادي/سياسي وأمني" لدعم العلاقات بين الجانبين أو حتى تسوية الخلافات بينهما 

فعلى الصعيد الاقتصادي، لا يزال العرب متعثِّرين في إقامة السوق العربية المشتركة، في حين أن الأفارقة وضعوا خططًا ملموسة في هذا الشأن منها خطة الجماعة الاقتصادية الإفريقية 2028، ناهيك عن وجود هياكل اقتصادية حققت قدرًا من التكامل الاقتصادي على مستوى الأقاليم الفرعية بها مثل الجماعة الاقتصادية لغرب إفريقيا "إيكواس" في الغرب، والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي "سادك"، والسوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي "كوميسا"، بل إن بعض هذه التكتلات الفرعية دخلت في تكامل واتحاد فيما بينها مثل تحالف الكوميسا والسادك، والإيكا. ومعنى هذا أنه لا توجد أطر مؤسسية لإمكانية التعاون بين الجانبين ككتلتين متكاملتين؛ ما يعني أن التعامل -بفرض حدوثه- يتم بطرق فردية وليست جماعية رغم حديث البيان الختامي لقمتي مالابو والكويت عن السوق المشتركة بين الجانبين. 

 أما على الصعيد الأمني، والذي يعد مهمًّا لتحقيق التكامل الاقتصادي، فيُلاحَظ وجود تباين في الرؤى أحيانًا بين كلا الجانبين، ناهيك عن وجود قصور مؤسسي في الهياكل الأمنية "القارية" المشتركة التي قد تسهم في تسوية الخلافات داخل كل كيان، أو الخلافات البينية بينهما. فعربيًّا، وحتى هذه اللحظة، لم يتم تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تم إقرارها عام 1950. بل إن معظم حالات التدخل في الصراعات العربية بشقيها الداخلي والبيني يكون من خلال التدخل الأممي بالأساس، بسبب عدم وجود آلية للأمن الجماعي العربي. وفي المقابل، يُلاحَظ أن الأفارقة على وشك الانتهاء من تشكيل قوات التدخل السريع، فضلًا عن وجود مؤسسة أمنية منوط بها فكرة السلم والأمن على المستوى القاري هي مجلس السلم والأمن، ناهيك عن وجود آليات أمنية فرعية تنبثق عنها قوات للتدخل مثل الأيكوموغ في غرب إفريقيا. هذا التباين بين كلا الجانبين أسهم في غياب التنسيق السياسي والأمني في القضايا المهمة مثل الحرب الأهلية في السودان والموقف من انفصال جنوب السودان؛ حيث كان هناك تباين في الرؤى بين الرؤية العربية المتمثِّلة في المبادرة المصرية-الليبية التي كانت تؤكد على فكرة وحدة السودان، ومبادرة الإيجاد التي كانت تحظى بدعم دولي وأسفرت عن التوقيع على اتفاقيات مشاكوس 2005 والتي مهَّدت للانفصال، كما أن الخلافات بين الدولتين بعد الانفصال باتت تشكِّل أحد عوائق توطيد العلاقات العربية-الإفريقية باعتبار السودان أحد الجسور العربية إلى شرق وجنوب القارة. بل وصل الأمر إلى وجود تباينات حتى في سبل تسوية بعض الخلافات مثل قضية الصحراء الغربية التي أثارت الخلاف الأخير على سبيل المثال. ففي الوقت الذي تتضامن فيه أغلبية الدول الأعضاء في الجامعة العربية مع المغرب، نجد أن الاتحاد الإفريقي، ومن قبله منظمة الوحدة الإفريقية، اعترف بالجمهورية الصحراوية، عام 1984، استنادًا لمبدأ حقوق الشعوب في تقرير مصيرها متجاهلًا في الوقت ذاته مبدأ آخر أصيلًا تم النص عليه في ميثاق منظمة الوحدة، ومن بعدها الاتحاد الإفريقي، وهو احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار. وفي الوقت الذي أبدى فيه المغرب الرغبة في العودة للاتحاد في قمة كيجالي الإفريقية الأخيرة 2016، وما تلاه من قيام 28 دولة من دول الاتحاد –نصف عدد الدول الأعضاء- بالتوقيع على طلب تعليق عضوية الجمهورية الصحراوية، كانت رئيسة المفوضية الإفريقية، دلاميني زوما، طليقة رئيس جنوب إفريقيا السابق جاكوب زوما، من أكثر المؤيدين لحق شعب الصحراء في تقرير مصيره الذي قد يؤدي إلى الانفصال، مؤكدة في قمة الاتحاد الإفريقي بإثيوبيا "يناير/كانون الثاني 2016" على أن الدول الإفريقية مدينة للشعب الصحراوي بالعمل على تنظيم "استفتاء تقرير المصير لأن ذلك كان وعدًا"، وهو نفس ما أكَّده في حينها رئيس القمة، روبرت موغابي، رئيس زيمبابوي؛ حيث قال في افتتاحيته: ""ما زالت لدينا مسألة الصحراء الغربية وهي دَيْنٌ علينا يجب أن ندفعه لشعبها، ويبقى السؤال: متى ندفع هذا الدين؟ ومتى نقرر استقلال الشعب الصحراوي؟"(5). 

ولعل مما أسهم في تفاقم هذا الموضوع في القمة الأخيرة هو وجود تباين بين الدول العربية ذاتها في هذه القضية، ومن ذلك الجزائر في المقدمة، يليها مصر التي رفضت التوقيع على طلب تعليق عضوية الجمهورية الصحراوية في الاتحاد الإفريقي، بل رفضت الانسحاب من قمة مالابو تضامنًا مع موقف المغرب الذي أيدته دول الخليج باستثناء الكويت الرئيس السابق للقمة، بالإضافة للأردن والصومال واليمن. هذا الانسحاب العربي "الجزئي" حاول الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، تبريره بقوله في الكلمة الافتتاحية للقمة: "مواقف هذه الدول تأتي في إطار التمسك بالضوابط التي سبق العمل بها في القمتين السابقتين اللتين عُقِدتا في سرت في عام 2010 وفي الكويت في عام 2013"(6). 

آفاق مستقبلية 

في ضوء القمة الأخيرة، والتحديات السابق الإشارة إليها، ينبغي القول: إن الصورة ليست سوداوية على طول الخط، وإنما كشأن أي علاقة يوجد تفاهمات وأيضًا تباينات. وبالتالي تصبح الإشكالية في كيفية البناء على الأولى وتقليل الثانية إلى حدِّها الأدنى. وفي هذا السياق، يمكن القول بوجود مجموعة من المتطلبات لتفعيل المشترك بينهما إلى أقصى درجة:

1. توفُّر القناعة السياسية بضرورة وحتمية العمل العربي-الإفريقي المشترك فعلًا لا قولًا في ظل عملية التفكيك للنظام العربي من ناحية، والغزو الاقتصادي لإفريقيا من قبل الدول الاقتصادية الصاعدة كالصين وتركيا، فضلًا عن إسرائيل من ناحية ثانية.

2. تحقيق الوحدة داخل كل طرف بعدما كادت الخلافات الداخلية، ناهيك عن الأزمات البينية تعصف بها. ولعل من أهم القضايا التي يجب حسمها: الموقف من قضية الصحراء على الصعيد العربي، وقضية تعليق عضوية الجمهورية الصحراوية، وعودة المغرب للاتحاد الإفريقي على الصعيد الإفريقي، لاسيما أن استمرار هذا التباين قد يعوق حتى التعاون الاقتصادي بينهما، في ضوء موقف دول الخليج تحديدًا من هذه القضية، باعتبارها مركزًا مهمًّا للاستثمارات المستقبلية في إفريقيا. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى أن مؤشر تنافسية الدول الخليجية مقارنة بجنوب إفريقيا باعتبارها الدولة الأكبر اقتصاديًّا في إفريقيا يشير إلى أنه رغم تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول الخليج عام 2013 مقارنة بـ2012 بسبب تراجع أسعار النفط، إلا أنه يظل أكبر بكثير من نظيره الإفريقي (أقل دخل في الخليج من نصيب المواطن العماني 21.6 ألف دولار سنويًّا، وهو يعادل ثلاثة أضعاف دخل الفرد في جنوب إفريقيا). 

معدل النمو الحقيقي في دول الخليج وجنوب إفريقيا "2010-2013"

الدولة/المؤشر

نسبة معدل النمو الحقيقي (50%)

 

متوسط الفترة 2010-2013

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (12.5%)

 

متوسط الفترة 2010-2013 بالألف دولار سنويًّا

مؤشر معدل التضخم (25%)

 

متوسط الفترة 2010-2013

مؤشر معدل

البطالة (25%)

 

متوسط الفترة 2010-2013

الإمارات

4.9

40.6 

1

4

البحرين

3.8

25.8

2

4

السعودية

6.4

23.2

3

6

عُمان

4.9

21.6

3

13

قطر

10.6

94.5

1

0

الكويت

3.9

41.3

4

2

جنوب إفريقيا

2.8

7.2

5

25

المصدر: صندوق النقد العربي: تقرير تنافسية الاقتصادات العربية 2016، يناير/كانون الثاني 2016، ص 56 

3.  ضرورة وجود دول قائدة لهذا التحرك المشترك والدفع في هذا الإطار لاسيما بعد غياب القذافي، وانشغال مصر وكذلك معظم دول الشمال الإفريقي بقضاياها الداخلية.

4. تفعيل الآليات المؤسسية الجامعة لكل منهما (الجامعة والاتحاد)، والالتزام بما يصدر عن هاتين المؤسستين فعلًا لا قولًا، والبُعد عن الفردية لاسيما إذا كانت تتعارض مع مواقف هذه المؤسسات. ليس هذا فحسب، بل إن الأنظمة السياسية العربية تحديدًا مطالَبة بعدم التفكير "الفوقي" في علاقتها مع إفريقيا، وضرورة إشراك النخب ومراكز الأبحاث أو حتى الشعوب في صياغة هذه العلاقة، خاصة بعدما تبيَّن أن الكثير من القرارات يُبنى على الأهواء والنفسية وليس على اعتبارات موضوعية(7). وهو ما يجعل هذه العلاقة في مهب الريح دائمًا.

5. تحسين الصورة الذهنية لكليهما، والبُعد عن الجوانب السلبية والتصرفات غير المسؤولة خاصة في وسائل الإعلام وذلك داخل كل طرف على حدة "الأزمة بين مصر والمغرب بسبب مذيعة مصرية قريبة من النظام اتهمت المغرب بأن اقتصادها قائم على البغاء"، وبين كلا الجانبين من ناحية ثانية.

_________________________________

د. بدر حسن شافعي - خبير الشؤون الإفريقية، جامعة القاهرة.

 

مراجع

1 – "المغرب يشكر الدول التي تمسكت بضوابط الشراكة العربية-الإفريقية في قمة "مالابو"، وكالة الوئام الوطني الموريتاني للأنباء (تاريخ الدخول:29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016):

http://www.alwiam.info/node/2199

2 – لمزيد من التفاصيل حول أبرز الملاحظات على قمة الكويت، انظر: شافعي، بدر حسن، تداعيات قمة الكويت على مسار العلاقات العربية-الإفريقية، موقع مجلة السياسة الدولية على النت، 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 (تاريخ الدخول: 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016): إضغط هنا.

3 – لمزيد من التفاصيل حول بنود البيان، انظر القمة الإفريقية-العربية الرابعة تختتم أعمالها بـ"إعلان مالابو"، موقع مجلة قراءات إفريقية على النت (تاريخ الدخول:29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016): إضغط هنا.

4 – حسن، حمدي عبد الرحمن، العلاقات العربية مع الاتحاد الإفريقي: جدلية الهوية وتحديات واقع دولي متحول، بحث مقدَّم لندوة العلاقات العربية-الدولية: الواقع والآفاق (الأردن: مركز دراسات الشرق الأوسط-عمَّان: 13-14 نوفمبر/تشرين الثاني 2016) ص ص 4-5.

5 – قادة أفارقة يؤكدون: عدم استقلال الصحراء الغربية عار على جبين القارة، موقع.alg-press، على الرابط التالي (تاريخ الدخول:29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016):

http://www.algpress.com/article-28445.h

6 – انظر نص الكلمة على موقع الجامعة العربية على الرابط التالي (تاريخ الدخول: 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016):

http://www.lasportal.org/ar/news/Pages/NewsDetails.aspx?RID=883

7 - تقدير موقف، الحضور الإفريقي في استراتيجيات الدول العربية: الواقع والتحديات والآفاق، مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية، 6 يوليو/تموز 2015 (تاريخ الدخول:29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016): إضغط هنا.

تعليقات

 

نرشح لكم

لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب قرار حكومي برفع أسعار البنزين، وكذلك الاحتجاجات التي شهدتها مدينة مشهد وعدد من المدن الإيرانية، في ديسمبر/كانون الأول 2017، بحدث جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية. تبحث هذه الورقة الحالة الاحتجاجية في إيران وأبعادها المختلفة.

منذ 16 ساعات

كشفت التطورات السورية الأخيرة عن أن أكبر الخاسرين فيها هم حلفاء أميركا الإقليميون، وهم اليوم معنيون بالسؤال التالي: هل الولايات المتحدة الأميركية حليف موثوق به؟ أما تركيا، فقد أكدت دورها كلاعب مؤثِّر في منطقة الشرق الأوسط.

منذ 21 ساعات

أصبحت روسيا الشريك المثالي للقارة الإفريقية، فلا موسكو تريد وضع اليد على المواد الأولية وجعل الاقتصادات الإفريقية مكبلة بالديون مثل الصين، ولا هي كذلك ذات ماض استعماري مثل الدول الغربية، لذلك تحاول موسكو طرق بوابة إفريقيا كبديل عن القوى النافذة في القارة.

2019/11/11