كبح الاستيطان الإسرائيلي: مكاسب القرارات الأممية وفرصها - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات في المرتبة 5 إقليميًّا ويدخل التصنيف العالمي

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الحادي عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

كبح الاستيطان الإسرائيلي: مكاسب القرارات الأممية وفرصها

يكرِّس القرار الأممي، الرافض للاستيطان، نزعَ الشرعية عن سياسة الأمر الواقع التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية، ويوفر إمكانية للسلطة الفلسطينية للاستعانة بمحكمة الجنايات الدولية لتجريم إسرائيل وتعميق عزلتها الخارجية.

الأربعاء, 08 مارس, 2017 11:34 GMT

الإستيطان: سطو علني على ممتلكات الفلسطينيين (الأوروبية)

بعد مضي أكثر من شهرين على قرار مجلس الأمن الدولي، رقم 2334، والخاص بالاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والذي تم تمريره في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، بتأييد 14 عضوًا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت، لم تقم السلطة الفلسطينية بأية خطوات عملية لتفعيله والاستفادة منه. تناقش هذه الورقة حيثيات القرار وتبحث في الإمكانيات المختلفة لاستثماره في التأثير على ديناميكيات الصراع العربي-الإسرائيلي، وتجادل بأن القرار لا يقدم أي مطالب جديدة بخصوص وقف التوسع الاستيطاني أو آليات محددة لتفكيكه ولكن تنبع أهميته، في حال تم استثماره من قبل السلطة الفلسطينية، من إعادته التأكيد على البطلان القانوني لكافة الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، خاصة مع تكثيف الحكومة الإسرائيلية لمساعيها الحالية في "شَرْعَنَة" الاستيطان وسرقة الأراضي الفلسطينية وإعلان بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، وبشكل متكرر، عن نهاية حلِّ الدولتين.

مقدمة 

تبنَّى مجلس الأمن الدولي، في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، القرار رقم 2334، وذلك بتأييد 14 عضوًا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت. ولأول مرة منذ عام 1980، انتقد القرار الممارسات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية ووصفها بغير القانونية وطالب بوقفها دون أن تمارس الولايات المتحدة الأميركية حقَّها في استخدام حق النقض الفيتو. فقد أكَّد القرار مجددًا على أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية لا يتمتع بأية شرعية قانونية ويشكِّل انتهاكًا صارخًا بموجب القانون الدولي وعقبةً كبرى أمام تحقيق حلِّ الدولتين وإحلال السلام الدائم والشامل. وبالرغم من احتفال دوائر السلطة الفلسطينية بالقرار والترويج له على اعتباره إنجازًا مهمًّا لدبلوماسيتها ومنعطفًا تاريخيًّا في الصراع مع إسرائيل، إلا أنها لم تحرِّك ساكنًا بأية خطوات عملية لتفعيل القرار ضمن المؤسسات والمحاكم الدولية. فبعد مرور أكثر من شهرين على تبني القرار لم تقم السلطة بالبناء عليه وتفعيله ضمن المحاكم الدولية وهو ما يمكن أن يضيفه إلى غيره من عشرات القرارات السابقة التي لم يتم متابعتها وتفعيلها مثلما حصل على سبيل المثال لا الحصر مع قرار محكمة العدل الدولية في العام 2004، بما يتعلق بالجدار الفاصل. 

وفي مقابل تردد السلطة في الاستفادة من القرار وتفعيله، لم تكتفِ الحكومة الإسرائيلية برفض القرار الذي وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "معادٍ لإسرائيل" وبأن الحكومة الإسرائيلية "لن تمتثل له"(1) بل قامت إسرائيل، بخطوات عملية استباقية متسارعة، بإقرار قانون تملُّك الأراضي الخاصة في الضفة وذلك لشرعنة المستوطنات العشوائية وزيادة نهب الأراضي، وضم التكتلات الإسرائيلية الكبرى، والإعلان عن ترخيص وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وذلك ضمن مسار هادئ وممنهج لضمِّ ما تبقَّى من الضفة الغربية إلى إسرائيل، في ظل مباركة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يعتبر أن البناء في المستوطنات لا يمثِّل عائقًا أمام تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. 

تناقش هذه الورقة حيثيات القرار وتبحث في الإمكانيات المختلفة لاستثماره في التأثير على ديناميكيات الصراع العربي-الإسرائيلي، وتجادل بأن القرار لا يقدم أي مطالب جديدة تجاه وقف التوسع الاستيطاني أو آليات محددة لتفكيكه ولكن تنبع أهميته، في حال تم استثماره من قبل السلطة الفلسطينية، من إعادته التأكيد على البطلان القانوني لكافة الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، خاصة مع تكثيف الحكومة الإسرائيلية لمساعيها الحالية في "شرعنة" الاستيطان وسرقة الأراضي الفلسطينية وإعلان بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، وبشكل متكرر، عن نهاية حل الدولتين. ولو أن السُّلطة لم تخضع للضغوط الإسرائيلية والأميركية وأحالت الملف إلى محكمة الجنايات الدولية يمكن أن يشكِّل ذلك ضغطًا على إسرائيل وحلفائها. 

قراءة في سياق القرار 

وصلت جهود وزير الخارجية الأميركية السابق، جون كيري، في عام 2014، إلى طريق مسدود بعد فشل كافة محاولاته في دفع عجلة عملية السلام إلى الأمام وتحقيق تقدم ملموس في ملف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية؛ حيث انهارت المفاوضات تمامًا على وقع التباعد الشديد في المواقف تجاه قضايا الحل الدائم (القدس، واللاجئين، والدولة، والحدود، والمستوطنات)، وإصرار الحكومة الإسرائيلية على التوسع في البناء الاستيطاني(2). بعد توقف المفاوضات، أصبحت الخيارات المتاحة أمام القيادة الفلسطينية ضيقة للغاية؛ فمن جانب، تتمسك القيادة الفلسطينية بالحل السلمي القائم على المفاوضات المباشرة مع الجانب الإسرائيلي وترفض تفعيل أدوات المقاومة المختلفة ضد الاحتلال وتعبئتها. ومن جانب آخر، اصطدمت مساعي القيادة الفلسطينية في تبني المفاوضات كخيار وحيد، بمواقف اليمين واليمين الإسرائيلي المتطرف، الذين يشكِّلون الحكومة ويرفضون التعاطي مع كافة المبادرات لحل سياسي قائم على أساس دولتين لشعبين؛ فقد صرح وزير التربية الإسرائيلي وعضو حزب الليكود، نفتالي بينيت، زعيم الحركة الاستيطانية في إسرائيل، بأن حل "الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل" انتهى بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة"(3). وقد زاد من تأكيد ذلك، أن الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، قد أرسل إشارات متناقضة كثيرة بعد تولِّيه السلطة يشير جميعها إلى تخلي واشنطن عن مواقفها الثابتة تجاه حلٍّ سياسي قائم على أساس دولتين لشعبين. يضاف إلى ذلك أن الكنيست الإسرائيلي قد صادق فعليًّا على قانون التسوية وشرعنة البؤر الاستيطانية، والذي يهدف إلى مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية وضم الكتل الاستيطانية بالضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية. مما يعني من الناحية العملية، انتهاء الإمكانيات المختلفة لتسوية مع الجانب الفلسطيني قائمة على أساس حل الدولتين(4). 

لذلك، سعت السلطة الفلسطينية إلى تفعيل الضغط الخارجي من خلال تحريك ملف إقامة الدولة الفلسطينية ضمن مؤسسات الأمم المتحدة، في خطوة لمراكمة الضغوط على الجانب الإسرائيلي للامتثال إلى القرارات الدولية والعودة إلى طاولة المفاوضات. وضمن هذه المساعي، عملت السلطة الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة من العام 2016 على تكثيف مباحثاتها مع الأطراف المعنية بعملية السلام، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية تحت إدارة أوباما والحكومة المصرية، لبلورة صيغة لمشروع قرار يعيد التأكيد على الثوابت المتعلقة برفض الاستيطان واعتباره عقبة في تحقيق السلام. وقبل فترة وجيزة من تقديم مشروع القرار من قِبل المندوب المصري للتصويت في مجلس الأمن، قامت مصر رسميًّا بسحب مشروع القرار بعد ضغوط من الرئيس الأميركي المنتخب، آنذاك، دونالد ترامب، والحكومة الإسرائيلية قبل أن تعاود كل من نيوزيلندا وماليزيا وفنزويلا والسنغال طرح مشروع مماثل، والذي تم تمريره بموافقة 14 عضوًا وامتناع الولايات المتحدة الأميركية عن التصويت. 

محتوى القرار وبنوده 

اشتمل القرار 2334 على ديباجة و13 مادة والتي يمكن تلخيص أهمها بالتالي:

  • أدان القرار جميع التدابير الرامية إلى تغيير التركيبة الديمغرافية ووضع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، بما في ذلك مدينة القدس، وتوسيع المستوطنات، ونقل المستوطنين الإسرائيليين، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل وتشريد المدنيين.
  • نَصَّ القرار على عدم شرعية وقانونية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة بما فيها القدس، واعتبرها تشكِّل عقبة في طريق السلام.
  • أكد القرار بشكل واضح على واجب إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بأن تتقيد تقيدًا صارمًا بالالتزامات والمسؤوليات القانونية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب.
  • أكد القرار في بنده الثالث على أنه لن يعترف بأي تغييرات في خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس سوى التغييرات التي يتفق عليها الطرفان من خلال المفاوضات.
  • أشار القرار أيضًا إلى واجب قوات الأمن الفلسطينية في الحفاظ على عمليات فعالة تهدف إلى مواجهة "الإرهاب" وتفكيك القدرات "الإرهابية"، بما في ذلك مصادرة الأسلحة غير المشروعة.
  • تضمَّن القرار بندًا يطالب الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير كل ثلاثة أشهر لمجلس الأمن حول مدى تنفيذ القرار(5). 

ومن خلال التدقيق في هذه البنود وتفاصيلها، يمكن ملاحظة أنها جاءت تكرارًا لعشرات القرارات التي صدرت سواء عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن نفسه؛ حيث لم يخرج القرار عن السياق القانوني المتبنَّى في قرارات سابقة متعلقة بالصراع العربي-الإسرائيلي، والتي أكدت على عدم قانونية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي، منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، مجموعة من القرارات المهمة المتعلقة برفض الاستيطان الإسرائيلي والتأكيد على عدم قانونيته. 

وفيما يلي أهم القرارات التي تم اتخاذها في هذا الصدد:

أولًا: القرار رقم 446 لعام 1979: ففي الثاني والعشرين من مارس/آذار 1979 تبنَّى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 446 والذي اعتبر بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية غير مشروع وعقبة في طريق السلام. وقد أكد القرار في بنده الثالث على أن اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين أوقات الحرب تنطبق على الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل عام 1967 بما في ذلك القدس، والتأكيد على أن إسرائيل، كقوة احتلال، يجب أن تتخذ كافة الإجراءات لعدم تغيير الوضع القانوني والطابع الجغرافي للأراضي المحتلة عام 1967(6). 

ثانيًا: القرار رقم 452 لعام 1979: تبع القرار 446 في يونيو/حزيران من ذات العام القرار رقم 452 والذي استنكر وبشدة عدم تعاون إسرائيل مع القرار رقم 446، وأعاد التأكيد على أن إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطيني لا تتمتع بسند قانوني وتشكِّل خرقًا لاتفاقية جنيف الرابعة. وقد أكد القرار بشكل خاص على ضرورة المحافظة على الوضع الديني والرُّوحي الفريد للأماكن المقدسة في مدينة القدس(7). 

ثالثًا: القرار رقم 465 لعام 1980: وفي مارس/آذار 1980، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 465، والذي شجب بشدة رفض إسرائيل التعاون مع اللجنة المشكَّلة لمتابعة القرارين 446 و452، ورفضها الرسمي للقرارات سابقة الذكر. وقد أعاد التقرير التأكيد على أن اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب تنطبق على الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967. وبصورة لافتة، أعرب القرار عن استياء مجلس الأمن لقرار الحكومة الإسرائيلي بدعم الاستيطان رسميًّا في الأراضي الفلسطينية والعربية(8). 

رابعًا: القرار رقم 478 لعام 1980: جاء القرار 478 في أغسطس/آب لعام 1980، ليؤكد من جديد على ضرورة امتثال إسرائيل لقرارات مجلس الأمن، وأن "القانون الأساسي" الذي سُنَّ من قبل الكنيست يشكِّل انتهاكًا للقانون الدولي ويؤثِّر في استمرار تطبيق اتفاقية جنيف المتعلِّقة بحماية المدنيين أثناء الحرب. وأشار القرار في بنده الثالث إلى أن الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل أو التي ترمي إلى تغيير طابع ووضع مدينة القدس يجب إلغاؤها على الفور(9). 

إلزامية القرار والإمكانيات المختلفة لتوظيفه 

من خلال مقارنة القرار 2334 مع القرارات الصادرة عامي 1979 و1980، يمكن القول بأنه لم يقدِّم أي مواقف جديدة تتعلق بأسس حلِّ النزاع. ومع ذلك، فإن القرار يعبِّر عن موقف واضح للمجتمع الدولي بأن الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية والنشاطات الاستيطانية، بما يشمل أيضًا مدينة القدس، غير قانوني ويشكِّل عائقًا يقف في وجه تحقيق السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بسبب أن البناء الاستيطاني يتم في الأراضي المخصصة لإقامة دولة فلسطينية. فمنذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، استمرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، دون توقف، على التمدد في الاستيطان وتثبيته ضاربةً عرض الحائط بكافة القرارات الدولية التي أعلنت بشكل واضح وصريح عن رفضها. ومنذ اتفاقيات أوسلو (1993)، والتي أجَّلت البحث في ملف الاستيطان إلى مرحلة الحل النهائي، وسَّعت إسرائيل من رقعة نفوذها الاستيطاني في الضفة الغربية ومدينة القدس، حيث تضاعف أعداد المستوطنين والمستوطنات بنحو 600%، ليرتفع عددهم من 105 آلاف عند توقيع اتفاق أوسلو إلى أكثر من 765 ألفًا عام 2015(10). وقد صاحب التوسع الاستيطاني الممنهج العمل على تقطيع الترابط الجغرافي لأراضي الضفة الغربية وتحويلها إلى كانتونات صغيرة يصعب، بل يستحيل، إقامة دولة فلسطينية مترابطة الأطراف عليها. ومن الناحية العملية، تستغل إسرائيل حاليًّا وتسيطر على ما يزيد عن 63% من مساحة الضفة الغربية لأهداف الاستيطان، وإنشاء معسكرات للجيش أو كمحميات طبيعية. وفي أغلب الأحيان، يمنع على الفلسطينيين استثمار هذه المناطق. وقد نتج عن ذلك، أن قامت إسرائيل بالقضاء عمليًّا على الفضاء الطبيعي للبلدات والقرى الفلسطينية، وقطَّعت أوصال الأراضي الفلسطينية وحولتها إلى معازل غير مترابطة. 

أما من الناحية القانونية، فقد جاء القرار تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة (التسوية السلمية للمنازعات)، وبالتالي فإنه يفتقد إلى آلية للتنفيذ ولا يرتِّب آثارًا قانونية ملزمة كالتي تصدر تحت البند السابع، أي إنه سيبقى عبارة عن توصيات ما لم تبادر السلطة الفلسطينية إلى تفعيل القرار والعمل على تحويله إلى أداة ضغط سياسية وقانونية. فقد لقي القرار تأييدًا واسعًا من عواصم عديدة والتي أظهرت الرفض الكبير لسياسات إسرائيل الاستيطانية. كما أن القرار أرسل رسالة واضحة للحكومة الإسرائيلية بأن جميع جهودها التراكمية، منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، في محاولاتها لشرعنة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية تعتبر مخالفة للقوانين الدولية وذلك بإجماع المجتمع الدولي. 

وفي حال قرَّرت السلطة الفلسطينية تفعيل القرار والاستفادة منه، يمكن أن تشكِّل المحاور التالية فرصًا استراتيجية مستقبلية لمتابعة القرار وتفعيله:

أولًا: يعتبر القرار 2334 سندًا إضافيًّا مهمًّا يدعم الاستنتاجات القانونية التي توصلت إليها محكمة العدل الدولية في فتواها الصادرة عام 2004 بشأن جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، والذي لم يتم استثماره أو تفعيله من قبل القيادة الفلسطينية حتى الآن. 

ثانيًا: يذكِّر المجتمع الدولي إسرائيل، وبشكل واضح ولا يقبل اللبس، بأن القانون الدولي لا يزال ساريًا في الأراضي المحتلة، وأن انتهاكاتها المتكررة لقواعد القانون الدولي لن تذهب دون عقاب حتى ولو بعد حين. 

ثالثًا: يشكِّل القرار أساسًا مهمًّا في أية دعاوى جنائية ضمن المحاكم الدولية. 

رابعًا: سوف يشجع القرار حملة المقاطعة ضد إسرائيل، وخاصة من قبل الدول والمؤسسات التي كانت قد اتبعت سياسة مترددة في هذا المجال سابقًا. 

خامسًا: يثير القرار مجموعة كبيرة من الأسئلة حول الادِّعاءات الإسرائيلية بأحقيتها القانونية في احتلال الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات لأجل غير مسمى. 

السيناريوهات المستقبلية 

أولًا: تفعيل القرار والضغط على إسرائيل: بعد مُضي أكثر من شهرين على صدور القرار، لا يوجد أي مؤشرات بأن السلطة الفلسطينية تسعى إلى الاستفادة منه وتسخيره كأداة ضغط على الحكومة الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن التأكيدات المتكررة من قبل أقطاب الحكومة الإسرائيلية على وفاة حلِّ الدولتين وغياب خيارات القيادة الفلسطينية المؤثرة وحالة اليأس التي تعيشها، قد تدفع السلطة الفلسطينية إلى إحالة ملف الاستيطان للمدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية، فاتو بنسودا، من أجل فتح تحقيق في جرائم الاستيطان في ضوء قرار مجلس الأمن 2334 والجهود الإسرائيلية المتسارعة في تهويد الأراضي الفلسطينية وخلق واقع جديد. ومع ذلك، فإن تبني هذا الخيار، قد يدفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى معاقبة السلطة، وقطع التمويل عنها واتخاذ إجراءات تهدد موقع ومكانة منظمة التحرير على الساحة الدولية. 

ثانيًا: تواصل الاستيطان: لم ترفض الحكومة الإسرائيلية القرار فقط بل قامت بشكل ممنهج بمواصلة سياستها في التوسع الاستيطاني وشرعنة البؤر الاستيطانية القائمة. وبناء على ذلك، فمن المتوقع أن تسارع الحكومة الإسرائيلية، والتي توصف من قبل الفلسطينيين بحكومة المستوطنين، من وتيرة البناء في المستوطنات وتعزيز تهويد الأحياء العربية في مدينة القدس وتسريع صبغ الشرعية القانونية على البؤر الاستيطانية العشوائية في الضفة الغربية، وذلك في مسعى لتعزيز الانفصال عن الضفة الغربية مع إبقاء معظم الأراضي الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية. 

ثالثًا: تفعيل المقاطعة: بغضِّ النظر عن سياسات إسرائيل في التوسع الاستيطاني ومواقف السلطة الفلسطينية من ذلك، فإن القرار سوف يساعد في تفعيل حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل؛ حيث تشير الأجواء الدولية حاليًّا إلى أن وضع المقاطعة الراهن يمكن أن يكون أحد أهم العوامل الضغط على الحكومة الإسرائيلية. فالقيادات الإسرائيلية والشركات والمؤسسات الدولية والمحلية الناشطة في المستوطنات بدأت تتخوف وتدرك أن دعمها للاستيطان يمكن أن يعرضها للملاحقة القانونية، وخاصة ضمن دول الاتحاد الأوروبي. وعلى أغلب تقدير، فإن القرار سوف يوفر أساسًا قانونيًّا جديدًا لمراكمة زخم حركة المقاطعة ويبطل الإجراءات الإسرائيلية ضدها. 

خاتمة 

جاء القرار 2334 ليعيد التأكيد على عدم قانونية البناء الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية. أهملت إسرائيل القرار واستمرت في توسعها الاستيطاني وتهويد الأراضي الفلسطينية. ومع ذلك، فإن القرار يؤسِّس، في حال تم تفعيله وتسخيره بالصورة الصحيحة لأن يصبح البطلان القانوني للاستيطان الإسرائيلي مبدأ من مبادئ القانون الدولي والذي سوف يترتب عليه مسؤولية إسرائيل كدولة احتلال عن ممارساتها المخالفة للقوانين الدولية في الأراضي الفلسطينية.

___________________________________

د. محمود جرابعة باحث ومحاضر في "مركز إيرلانغن للإسلام والقانون في أوروبا" (EZIRE)، وفي الأكاديمية البافارية للعلوم والإنسانيات في ألمانيا.

مراجع

(1) "إسرائيل تنتقد واشنطن بشأن قرار أممي ضد الاستيطان"، قناة الجزيرة، 24 ديسمبر/كانون الأول 2016. إضغط هنا.

(2) النعامي، صالح، "صحف: فشل مهمة كيري مسؤولية نتنياهو وواشنطن"، قناة الجزيرة، 13 أبريل/نيسان 2014. إضغط هنا.

(3) "وزير إسرائيلي: فوز ترامب يدفن حلَّ الدولتين"، الدستور، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2016. http://www.dostor.org/1226859

(4) "قانون التسوية يمهد لضمِّ المستوطنات لإسرائيل، عرب 48، 6 ديسمبر/كانون الأول 2016. إضغط هنا.

(5)The Security Council, Resolution 2334 (2016)http://www.un.org/webcast/pdfs/SRES2334-2016.pdf

(6)The Security Council, Resolution 446 (1979). https://documents-dds-ny.un.org/doc/RESOLUTION/GEN/NR0/370/60/IMG/NR037060.pdf?OpenElement

(7)The Security Council, Resolution 452 (1979). https://documents-dds-ny.un.org/doc/RESOLUTION/GEN/NR0/370/66/IMG/NR037066.pdf?OpenElement

(8)The Security Council, Resolution 465 (1980). http://www.un.org/en/ga/search/view_doc.asp?symbol=S/RES/465(1980)

(9)The Security Council, Resolution 478 (1980). http://www.un.org/en/ga/search/view_doc.asp?symbol=S/RES/478(1980)

(10) دولة المستوطنين، وكالة الأنباء الفلسطينية وفا، 12 يوليو/تموز 2016. http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=7jxCTsa697501703580a7jxCTs

 

تعليقات

 

نرشح لكم

شَّكل إعفاء الملك لرئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، من منصبه وتصويت برلمان الحزب على عدم تعديل قانونه الأساسي، أي إنه لا تمديد لولاية ثالثة لبنكيران، تحديات واجهها حزب العدالة والتنمية وستكون تلك التحديات أكثر وقعًا خلال مؤتمر الحزب الثامن، وهذه التفاعلات هي ما يناقشه هذا التقرير.

2017/12/07

حصيلة ما حدث بزيمبابوي، هي: وضع حدٍّ لحكم موغابي، والوقوف في وجه طموح زوجته ومنعها من رئاسة البلاد، والتمكين للنائب السابق للرئيس، منانغانغوا، من الوصول للسلطة، وكلها عناصر تكرِّس حضور الجيش في سياسة البلد دون أن يشكِّل ذلك قطيعة مع ممارسات النظام السابق.

2017/12/06

يتناول هذا التقرير سياسة المغرب الإفريقية ورؤيته لمآلات النزاع حول ملف الصحراء في سياق عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، كما يقدِّم رؤية شاملة لاستراتيجية المغرب في هذه القارة وهي رؤية تغلِّب جوانب الشراكة الاقتصادية والتعاون في شتى المجالات بين المغرب ومختلف دول القارة الإفريقية.

2017/11/23