الوساطة الكويتية: خبرات تاريخية في مواجهة أزمة فريدة - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الوساطة الكويتية: خبرات تاريخية في مواجهة أزمة فريدة

أملى الوضع الجغرافي والحجم السكاني على الكويت ضرورة لعب دور الوسيط؛ لأن من مصلحتها أن لا يتصاعد الصراع بين جيرانها الكبار مما يحولها إلى ساحة لخصوماتهم.

الخميس, 22 يونيو, 2017 08:56 GMT

الكويت يرتق خروق المنطقة الخليجية (رويترز)

تعتبر الكويت من الدول الصغيرة في حجمها الجغرافي وعدد سكانها، ولكنها من الدول المؤثِّرة بشكل فاعل في النظام السياسي الدولي. ويرجع تأثير الكويت إلى سياستها الخارجية الفاعلة على المستويين الإقليمي والدولي. ومنذ استقلالها في عام 1961، حدَّدت الكويت أهداف سياستها الخارجية، ووسائل وأدوات تحقيقها، وقد كانت هناك مجموعة من المرتكزات والأسس التي قامت عليها سياستها الخارجية، وأهمها: التوازن والحياد الإيجابي، أما عن أدوات تحقيقها فإن أهمها المساعدات الاقتصادية ودبلوماسية الوساطة. 

وتسعى هذه الورقة إلى البحث في دور الوساطة في سياسة الكويت الخارجية، والإجابة عن أسئلة رئيسية، من أهمها:

  • ما الدوافع وراء قيام الكويت بدور الوسيط في النزاعات الإقليمية؟
  • وما العوامل التي أسهمت في نجاح الكويت في القيام بهذا الدور؟
  • وما الفوائد المرجوة من وراء القيام بدور الوساطة في سياسة الكويت الخارجية؟
  • وما تأثير الغزو العراقي على دور الوساطة في سياسة الكويت الخارجية؟
  • وما فرص نجاح الكويت في جهود الوساطة في الأزمة الخليجية الراهنة في عام 2017؟

مسار متعرج 

يعتبر دور الوسيط من أهم خصائص سياسة الكويت الخارجية، خصوصًا خلال المرحلة الأولى التي أعقبت استقلال البلاد في عام 1961. وكانت أول تجربة للكويت للقيام بدور الوسيط بعد استقلالها قد حدثت في منتصف الستينات من القرن الماضي، وذلك عندما قامت بالوساطة بين مصر والسعودية لحل الصراع الذي ظهر بين الدولتين في اليمن. وقد زار رئيس الوزراء الكويتي حينها، الشيخ صباح السالم، الرياض، في 1965، واجتمع مع الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود لبحث الأزمة في اليمن، كما استضافت الكويت في عام 1966 اجتماعات بين الأطراف المصرية والسعودية واليمنية. وفي نهاية الستينات، أسهمت الكويت بجهود وساطة لحل قضية مطالبة شاه إيران بالبحرين والتي انتهت بإجراء استفتاء شعبي واستقلال البحرين في عام 1971. كما سعت الكويت إلى حل النزاع بين باكستان وبنغلاديش في بداية السبعينات من القرن الماضي. 

وشاركت الكويت في جهود تسوية الصراع المسلح الذي حدث بين النظام الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية، في سبتمبر/أيلول 1970، والذي عُرف بـ"أيلول الأسود". كما سعت الكويت إلى حلِّ النزاع بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي في عام 1972. وكان للكويت دور رئيسي في حلِّ الأزمة التي ظهرت بين عُمان واليمن في عام 1984. كما حاولت الكويت التوسط بين تركيا وبلغاريا، في عام 1989، لحل مشكلة الأقلية التركية في بلغاريا. 

وقامت الكويت بالوساطة بين اليمن الجنوبي وعُمان؛ حيث استطاعت أن تتوصل إلى اتفاق أنهى الأزمة بين الطرفين وتم توقيعه في دولة الكويت في أكتوبر/تشرين الأول 1982، كما لعبت الكويت دورًا مهمًّا في إعادة العلاقات التي قُطعت لأكثر من عام بين ليبيا والمملكة العربية السعودية في عام 1982(1). وخلال الحرب الأهلية في لبنان، كانت الكويت هي الطرف المقبول لدى كافة الأطراف المتنازعة في الساحة اللبنانية، والأمر نفسه ينطبق على حالة الخلاف السوري-العراقي، والخلاف السوري-الأردني، والخلاف بين السعودية واليمن الديمقراطي، أو بين السعودية والإمارات. وعلى الرغم من أن الكويت التزمت بقرار الجامعة العربية بقطع علاقاتها مع مصر عقب توقيعها لاتفاقية كامب ديفيد، إلا أنها لم تمارس ضغوطًا اقتصادية أو تدخل في حرب إعلامية وسياسية مع نظام السادات في مصر؛ حيث تمتعت سياسة الكويت الخارجية خلال هذه المرحلة بهامش كبير من المناورة والمرونة السياسية(2). 

وبعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي في عام 1991، اختفى تقريبًا دور الوساطة في سياسة الكويت الخارجية. وذلك لسبب رئيسي وهو فقدان الكويت لشرط رئيسي للقيام بدور الوسيط وهو التوازن والحياد؛ حيث أحدث الغزو العراقي للكويت انقسامًا عميقًا بين الدول العربية. وظهر في سياسة الكويت الخارجية مصطلح جديد هو "دول الضد"، وهي الدول التي لم يكن لها مواقف مؤيدة بشكل كامل للكويت خلال فترة الاحتلال العراقي لها، وهي: الأردن، واليمن، والسودان، وتونس، وليبيا، والجزائر، وموريتانيا، ومنظمة التحرير الفلسطينية. وأصبحت الكويت في المرحلة التي أعقبت تحريرها طرفًا رئيسيًّا في الخلاف العربي، بعدما كانت تقف على الحياد وتحتفظ بعلاقات متوازنة مع جميع الدول العربية في الفترة التي سبقت الاحتلال العراقي لها في عام 1990. لذلك، فقد أصبحت الكويت طرفًا غير مؤهل للقيام بدور الوسيط لحل الخلافات العربية في المرحلة التي أعقبت تحريرها في عام 1991. 

وهناك عامل آخر ربما أسهم في تراجع أهمية دور الوساطة في سياسة الكويت الخارجية في هذه الفترة، وهو أن الكويت قامت بدور الوساطة في المرحلة الأولى من استقلالها في عام 1961، وهي الفترة التي تميزت بالحماس والرغبة لدى صُنَّاع القرار السياسي في الكويت في البحث عن دور إقليمي، أما في الفترة التي أعقبت التحرير في عام 1991، فإن سياسة الكويت الخارجية وصلت إلى مرحلة من النضج ولم تعد بحاجة إلى مثل هذا الدور. ولكن قد يكون العامل الرئيسي يكمن في أن الغزو العراقي أحدث صدمة عنيفة للكويت وجعلها تتبنَّى العزلة الإقليمية وتركِّز بشكل كبير على كيفية الحفاظ على أمنها دون التدخل في النزاعات الإقليمية؛ حيث قامت الكويت بعد تحريرها بمراجعة شاملة لسياستها الخارجية نتيجة للغزو العراقي لها وما صاحبه وترتب عليه من انعكاسات وتأثيرات مهمة، أبرزها المواقف السلبية لبعض الأنظمة العربية، أدت إلى التقليل من تركيزها على البُعد الإقليمي العربي في مقابل التركيز على حماية أمنها الوطني بكل الوسائل المتاحة. 

وبعد سقوط نظام صدام حسين في العراق في عام 2003، عادت سياسة الكويت الخارجية إلى توازنها المعهود بعد عودة العلاقات الدبلوماسية مع العراق وجميع "دول الضد" العربية. وعلى الرغم من عودة التوازن والحياد الذي يعتبر الشرط الرئيسي للقيام بدور الوساطة، إلا أن هذا الدور لم يعد مهمًّا في سياسة الكويت الخارجية كما كان في الفترة التي سبقت الغزو العراقي لها في عام 1990، ما عدا بعض مبادرات الوساطة الكويتية التي اعتمدت على الجهود والخبرة الشخصية لأمير البلاد، الشيخ صباح الأحمد، الذي كان يشغل قبل تولِّيه الإمارة منصب وزير الخارجية لفترة طويلة في الكويت؛ حيث قام الشيخ صباح بالتوسط بين الإمارات وعُمان في الأزمة التي ظهرت بين البلدين في عام 2009. كما قام أمير الكويت بالتوسط لحل الأزمة الخليجية، في عام 2014، جرَّاء قيام السعودية والإمارات والبحرين بسحب سفرائها من قطر. كما استضافت الكويت مؤتمرًا لتسوية الصراع في اليمن في عام 2016. 

وأهم ما يميز جهود الوساطة الكويتية في المرحلة الحالية، بعد عام 2003، أنها أصبحت تركز على منطقة الخليج والجزيرة العربية؛ وهو ما يشير إلى تبني الكويت "النهج الواقعي" في السياسة الخارجية والذي يركِّز على تحقيق المصلحة الاستراتيجية والأمن في المرحلة التي أعقبت تحريرها من الاحتلال العراقي. 

الوقاية من صدامات الكبار 

يحتل الموقع الجغرافي والخلفية التاريخية دورًا رئيسيًّا في فهم السياسة الخارجية للدول الصغيرة ومن بينها دولة الكويت(3)؛ فهي دولة صغيرة محاطة بثلاث دول كبرى في المنطقة، فكانت وسط إطار "مثلث الضغط"، بين العراق وإيران والسعودية؛ الأمر الذي كان يشكِّل على الدوام هاجسًا كبيرًا في سياسة الكويت الخارجية؛ ذلك أن الخبرة التاريخية أظهرت، أن هؤلاء اللاعبين الرئيسيين في النظام الإقليمي لهذه المنطقة، يسعى كل طرف منهم إلى فرض نفوذه وسيطرته على بقية الأطراف الأخرى في هذه المنطقة وخصوصًا دول الخليج الصغيرة والتي من بينها الكويت(4). فكانت الاستراتيجية الكويتية قائمة على الاحتماء من صراعات هذه القوى الرئيسية في المنطقة، بالسعي في المقام الأول إلى الحفاظ على البقاء(5)(6). 

لذلك، فقد حرصت الكويت خلال المرحلة الأولى لاستقلالها على أن تبحث لنفسها عن دور إقليمي مؤثِّر يخفف عنها ضغوط "مثلث الضغط" ويحد من المحاولات التوسعية لدى أيٍّ من أطرافه، فوجدت في دور الوساطة ضالَّتها وقامت بلعب هذا الدور بشكل فاعل، خصوصًا في الأزمات العربية والإقليمية، فأقامت الجسور واحتفظت بـ"شعرة معاوية" مع كافة الأطراف المتنازعة(7). 

ومن ناحيةٍ أخرى، تعتبر أزمة الاستقلال، أو "أزمة قاسم" في عام 1961، من أهم العوامل التي دفعت الكويت للبحث عن دور إقليمي يؤكد استقلالها وسيادتها؛ وذلك عندما قام رئيس الوزراء العراقي الأسبق، عبد الكريم قاسم، برفض إعلان الكويت لاستقلالها في يونيو/حزيران عام 1961 وادَّعى تبعية الكويت للعراق. وكانت هذه الأزمة هي السبب الرئيسي وراء تأخر انضمام الكويت إلى منظمة الأمم المتحدة بعد استقلالها، وذلك نتيجة لاستخدام الاتحاد السوفيتي السابق "الفيتو" مرتين في مجلس الأمن لرفض مقترح قبول عضوية الكويت في الأمم المتحدة؛ حيث كان نظام قاسم في العراق حينها من الأنظمة الحليفة لموسكو في المنطقة. ولم تنضم الكويت إلى الأمم المتحدة إلا في مايو/أيار 1963، بعد مقتل قاسم في العراق وإبرام الكويت لعلاقات دبلوماسية مع موسكو في العام نفسه. وقد أسهمت هذه الأزمة في دفع الكويت إلى القيام بأدوار خارجية تثبت من خلالها للمجتمع الدولي أهليتها للحصول على الاستقلال وعضوية الأمم المتحدة، فقامت بالتوسع في تقديم المساعدات المالية للدول العربية والنامية عن طريق الصندوق الكويتي للتنمية، كما انتهجت دبلوماسية الوساطة لحل النزاعات في محيطها الإقليمي. 

وقد هدفت الكويت بعد استقلالها إلى تسويق اسمها في النظامين الإقليمي والدولي، من خلال الوساطة إلى جانب المساعدات الاقتصادية التي تقدمها للدول الفقيرة؛ حيث اعتُبرت هذه الأدوات من أهم عناصر "القوة الناعمة" في سياسة الكويت الخارجية. وهناك في السياسة الخارجية ما يُسمَّى "Branding" أو الماركة المسجلة، والتي تسعى الدول من خلالها إلى التميز عن غيرها أو تكوين صورة ذهنية إيجابية عنها(8)(9)، تربطها بالعمل على تحقيق الأمن والسلام الدوليين. 

كما أن انتهاج الكويت لدبلوماسية الوساطة يعود إلى عامل رئيسي وهو أنها تهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن في بيئتها الخارجية؛ حيث تقع الكويت في منطقة تتسم بعدم الاستقرار والنزاعات الطائفية، ومحاطة بدول إقليمية كبرى تتنافس لزيادة نفوذها في المنطقة. وتدرك الكويت، كونها دولة صغيرة، أن النزاعات الإقليمية يمكن أن تنعكس بشكل سلبي على أمنها الداخلي. ومن ناحية أخرى، فإن تبنِّي الكويت لدور الوساطة يهدف إلى تكوين شبكة واسعة من العلاقات الدولية بما يخدم مصالح وأهداف سياسة الكويت الخارجية.  

عوامل النجاح 

نجحت الكويت في التميز في قيامها بدور الوساطة الإقليمية، لعدة عوامل أهمها أن سياستها الخارجية ترتكز على التوازن والحياد. ويعتبر الحياد والوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة من أهم شروط نجاح مهمة الوسيط. وفي الفترة الأولى لاستقلالها كانت الكويت من بين الدول العربية القلائل التي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع قطبي النظام الدولي حينها، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي السابق. كما كانت الكويت تحتفظ بعلاقات جيدة مع جميع دول منطقة الشرق الأوسط. وهو ما أعطاها المصداقية والقبول للقيام بدور الوسيط في النزاعات الإقليمية. 

ومن جانبٍ آخر، فإن قدرات الكويت المالية الضخمة من أهم عوامل نجاحها في القيام بدور الوساطة؛ حيث لعب الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية دورًا كبيرًا في تفعيل الأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسة الكويت الخارجية؛ الأمر الذي زاد من نفوذ الكويت ومنحها مصداقية كبيرة في لعب دور الوساطة في النزاعات الإقليمية(10). كما يلعب البُعد الشخصي لأمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد، دورًا كبيرًا في نجاح دور الكويت في جهود الوساطة الإقليمية؛ حيث يتمتع الشيخ صباح بقدرات وحِرفية عالية وخبرة طويلة في مجال الوساطة امتدت لأكثر من نصف قرن في مجال إدارة السياسة الخارجية(11). 

الوساطة الكويتية في الأزمة الخليجية 

في يونيو/حزيران عام 2017، تكررت الأزمة السياسية بين السعودية والإمارات والبحرين من جانب، وقطر من جانبٍ آخر. ولكن الأزمة الراهنة أخذت بُعدًا أكثر تعقيدًا من الأزمة السابقة في عام 2014؛ حيث قامت الدول الثلاث بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وفرض حصار اقتصادي عليها وشنِّ حملة إعلامية واسعة تقوم على أساس اتهام قطر بتمويل الجماعات الإرهابية في المنطقة. وقد بادرت الكويت إلى القيام بجهود وساطة تهدف إلى إيجاد تسوية لهذه الأزمة؛ حيث قام الأمير الشيخ صباح الأحمد بزيارة الرياض و(أبو ظبي) والدوحة من أجل تقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمة. 

وقد أبدت قطر من خلال تصريحات رسمية للأمير، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ووزير الخارجية، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، قبولها بجهود الوساطة الكويتية والتزامها بحل الأزمة في إطار مجلس التعاون الخليجي. ومن المؤشرات الإيجابية لحل مثل هذه الأزمة أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية، وأهمها: تركيا وألمانيا والولايات المتحدة أيدت المساعي الكويتية في جهود الوساطة لحل هذه الأزمة. ولكن وعلى الجانب الآخر، فإن الرياض و(أبو ظبي) لم تعلنا بشكل واضح هذا الالتزام بقبول الوساطة الكويتية، وهو ما يمكن أن يُضعف من فرص نجاحها. كما أن الحرب الإعلامية ضد الدوحة التي تشنُّها قنوات فضائية وصحف مملوكة للسعودية والإمارات، والتي وصلت إلى مراحل غير مسبوقة، تعتبر كذلك من المؤشرات التي تدل على أن فرص حل هذه الأزمة عن طريق جهود الوساطة ما زالت ضئيلة. 

وفي حقيقة الأمر، فإن ما يدفع الكويت إلى التوسط بين أطراف هذه الأزمة الخليجية هو أنها هي الطرف المؤهل للقيام بهذا الدور؛ حيث تقف الكويت دومًا على الحياد في الأزمات والخلافات السياسية التي تظهر بين دول الخليج العربية. كما أن تجربة الكويت في الاحتلال العراقي لها والدور الدبلوماسي والعسكري لدول مجلس التعاون الخليجي في تحرير الكويت، زاد من تمسكها بوحدة الصف الخليجي؛ حيث يُعتبر استمرار هذه المنظومة هدفًا وخيارًا استراتيجيًّا للكويت. وفي هذا الصدد، يقول أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد: "صعب علينا، نحن الجيل الذين بنينا مجلس التعاون الخليجي قبل 37 عامًا، أن نرى بين أعضائه تلك الخلافات والتي قد تؤدي إلى مالا تُحمد عقباه.. أنا شخصيًّا عايشت اللبنة الأولى لبناء هذا المجلس منذ نحو أربعة عقود ولذا ليس سهلًا على من هو مثلي عندما يكون حاكمًا أن يقف صامتًا دون أن يفعل كل ما باستطاعته للتقريب بين الأشقاء وهذا واجب لا أستطيع التخلي عنه"(12). ومن ناحية أخرى، فإن الكويت كدولة صغيرة في منظومة مجلس التعاون الخليجي تدرك مدى خطورة الضغط على دولة صغيرة أخرى في هذه المنظومة تشترك معها في نفس المعطيات الجغرافية والديمغرافية والعسكرية المحدودة. 

السؤال الأميركي 

تعتبر الأزمة الخليجية الراهنة من أكثر الأزمات تعقيدًا وصعوبة منذ قيام مجلس التعاون الخليجي في عام 1981، وعلى الرغم من تنامي الدعم الدولي والإقليمي لجهود الوساطة الكويتية لحل الأزمة الخليجية، إلا أنه لا يمكن ضمان نجاحها في هذه المرة؛ حيث إن نجاح الكويت في حل الأزمة الخليجية السابقة في عام 2014 لم يعتمد على قدرة الكويت بحدِّ ذاتها، بقدر ما كان متعلقًا باستعداد السعودية حينها لإنهاء تلك الأزمة؛ حيث لم تكن الظروف وقتها في صالح المملكة، خصوصًا ما يتعلق بموقف إدارة أوباما وتقاربها مع إيران ورفضها لأية محاولة لعزل قطر، كذلك رغبة السعودية بدعم قناة الجزيرة في اليمن. أما في هذه الأزمة الراهنة فإن هناك متغيرًا دوليًّا مهمًّا يمكن أن يعرقل جهود الوساطة الكويتية، وهو موقف الرئيس ترامب من هذه الأزمة وتصريحاته المؤيدة إلى حدٍّ كبير لإجراءات السعودية والإمارت والبحرين ضد قطر؛ حيث يرجح بعض المراقبين بأنَّ توافق الرئيس ترامب مع هذه الإجراءات ضد قطر هو العامل الرئيسي وراء تعنت الطرفين، السعودي والإماراتي، في إطالة أمد هذه الأزمة. وفي المقابل، فإن هناك مؤشرات واضحة على أن المؤسسات الرسمية في واشنطن وعلى رأسها وزارتا الخارجية والدفاع لا تتفق مع نظرة ترامب للأزمة، وتعتقد هذه المؤسسات الأميركية التقليدية بأن استمرار هذه الأزمة من شأنه أن يضر بالمصالح الاستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وأن يُحدث شرخًا في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب؛ حيث إن لدولة قطر دورًا محوريًّا في هذه الجهود الإقليمية والدولية. كما أن القاعدة العسكرية الأميركية الموجودة في قطر تعتبر ذات أهمية كبيرة في تنفيذ الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. لذلك، فإنه من المرجح أن يكون الموقف الأميركي هو الحاسم لهذه الأزمة. وربما كان من أقرب السيناريوهات المتوقعة لهذه الأزمة، التدخل الأميركي بالضغط على الرياض و(أبو ظبي) لإنهائها، والقبول بوساطة الكويت لإعطاء التصور بأن هذه الأزمة قد تم تسويتها داخل البيت الخليجي وفي إطار منظومة مجلس التعاون الخليجي.

_____________________________________

فيصل أبو صليب- أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية، جامعة الكويت

مراجع

(1) بيضون، خليل، "أكبر انتصار دبلوماسي لسياسة الكويت الخارجية"، الأنباء، الكويت، العدد 3466، الثلاثاء 5 يناير/كانون الثاني 1982، ص 33.

(2) الحارث، وليد، "أضواء على الدبلوماسية الكويتية"، مجلة الأفق، (العدد 14، 14 أكتوبر/تشرين الأول 1981)، ص 16-188.

(3) الإبراهيم، حسن، الدول الصغيرة والنظام الدولي: الكويت والخليج،(مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت)، ط1، 1982.

(4) Gause III, Gregory. F, The International Relations of the Persian Gulf, (Cambridge University Press, 2012).

(5) أسيري، عبد الرضا علي، الكويت في السياسة الدولية المعاصرة، (دار الوطن، الكويت، 1993)، ط 2، ص 127.

(6) الحارث، "أضواء على الدبلوماسية الكويتية".

(7) الحارث، "أضواء على الدبلوماسية الكويتية".

(8)Kamrava, M, Qatar. Small State, Big Politics (Cornell University Press, 2013)

(9) عبد الله، جمال، سياسة قطر الخارجية (2013-1995)، (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2014).

(10) أسيري، عبد الرضا، النظام السياسي في الكويت، مبادئ وممارسات، (دار الوطن، الكويت2010)، ط11.

(11) "الأمير رائد الوساطة العربية..جعل الكويت عاصمة لقمم التعاون والتضامن"، الأنباء، 24 مارس/آذار 2014، (تاريخ الدخول: 16 يونيو/حزيران 20177):

 www.alanba.com.kw/ar/kuwait-news/official/455111

(12) "سمو أمير البلاد: إزالة الخلافات بين الأشقاء واجب لا أستطيع التخلي عنه"، وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، 12 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 15 يونيو/حزيران 2017):

 www.kuna.net.kw/articledetails

تعليقات

 

نرشح لكم

يعالج هذا البحث العلاقة المركبة والمعقدة بين المجال السياسي وبين مجال التصوف في غرب إفريقيا متخذا من الطريقة المريدية بالسنغال حالة للدرس، وذلك في ضوء التحديات المستجدة التي تواجهها الطرق الصوفية بغرب إفريقيا وقد بات لزاما عليها تجديد نفسها والتكيف مع هذه المستجدات.

2018/11/13

تتعدد أوجه تأثير العقوبات على إيران ولا يمكن حصر تأثير هذه العقوبات في المجال الاقتصادي، وهو ما تبحثه هذه الورقة التي تناقش آثار هذه العقوبات في السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

2018/11/07

تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في جنوب اليمن على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط حكومة الرئيس هادي بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغييرها من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله.

2018/11/04