عامان على الاتفاق النووي: رهان إيراني على أوروبا وجسر فرنسي مع طهران

تناقش هذه الورقة تأثيرات توقيع إيران لصفقة بالغة الأهمية مع شركة "توتال" الفرنسية، والسياسة التي يتبعها الأوروبيون سالكين طريق التقارب مع إيران، بينما تتجه الولايات المتحدة الأميركية إلى سياسة العزلة والاحتواء، كما تبحث التوجهات التي يحملها صانع القرار في إيران تجاه أوروبا ومستقبل العلاقة معها.
23 يوليو 2017
7c0f352f8f90481e86b21681c66f087d_18.jpg
أبرمت إيران مطلع يوليو/تموز 2017 اتفاقية للغاز مع شركة "توتال" الفرنسية هي الأكبر منذ رفع الحظر المفروض عليها. (الجزيرة)

بعد عامين على الاتفاق النووي الذي وقَّعته إيران مع مجموعة (5+1)، يرى معارضوه في الداخل الإيراني أنه لم يكن سوى صفقة فاشلة، لم تحقق لإيران شيئًا، في حين يدافع عنها الرئيس الإيراني وفريقه ويرون أنها أعادت العلاقة بين إيران والعالم إلى مسارها الصحيح، وأنها هيأت الأرضية لإيجاد حلول عملية لمشاكل الاقتصاد الإيراني المتراكمة. 

على الطرف الآخر أيضًا، يتقاطع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع أطراف إيرانية في تعداد مساوئ الاتفاق، لكن هذا التقاطع لا يتجاوز إلقاء صفة "السيء" على الاتفاق والدعوة إلى التخلص منه، ما عدا ذلك فإنه وعلى عكس مايروِّج له خصوم روحاني ومنافسوه، فإن ترامب يعتقد أن الاتفاق عزَّز من مكانة إيران وقوَّى من قدرتها على أن تصبح قوة مهدِّدة في الشرق الأوسط. 

وتقوم محاججة ترامب والعديد من مؤيديه على أن الاتفاق لم يغيِّر سلوك إيران الإقليمي؛ حيث مازالت طهران تدعم جماعات مسلحة في الإقليم ومازالت ضالعة في التدخل في أكثر من منطقة، ويدعم ترامب في موقفه من الاتفاق النووي أعضاء في مجلس الشيوخ يرون أن إيران سجَّلت عددًا من الانتهاكات للاتفاق، على الرغم من أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووزارة الخارجية قد أكدتا على امتثال إيران لتطبيق بنود الاتفاق. 

ستكون العقبة الأساسية في مواجهة روحاني هي الإدارة الأميركية وما يمكن أن تضيفه من توتر يعوق تطبيق الاتفاق النووي وهو مايضعه في معرض سهام خصومه ومعارضيه. ولذلك تركز إدارة روحاني على تعزيز العلاقة مع أوروبا وروسيا والصين لتجاوز العقبة الأميركية. ويبدو أن هذه العقبة تواجه روحاني بصورة حرجة مع دورته الثانية، خاصة مع التحرك السعودي-الأميركي، وإن كانت إيران ترجح أن تدير الإدارة الأميركية دفة الصراع مع إيران بحذر، لا يروق للسعودية. وداخليًّا، فإن موقف مرشد الثورة الإسلامية وتقييمه للاتفاق النووي وما تحقق منه يضع روحاني في زاوية حرجة، تحتم عليه أن يجترح حلولًا ترضي مرشد الثورة وتُسكت معارضيه. 

تناقش هذه الورقة تأثيرات توقيع إيران لصفقة بالغة الأهمية مع شركة "توتال" الفرنسية، هي الأولى بعد عامين على الاتفاق النووي، والتباين الذي صار يُرى بوضوح بين السياسة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي وتلك التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية تجاه إيران كما تبحث التوجهات التي يحملها صانع القرار في إيران تجاه أوروبا ومستقبل العلاقة معها.

 

الجسر الذي بنته "توتال"

تتحدث التحليلات الإيرانية عن أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط قد هدَّدت السلام الهش في منطقة الخليج، معلنة حدوث تغييرات مهمة على صعيد أمن الطاقة في هذه المنطقة إن لم يكن أمن الطاقة في العالم أجمع. 

ولعل من المؤشرات القوية على هذا الصعيد إعلان شركة قطر للبترول أنها ستزيد إنتاج الغاز الطبيعي المسال بنسبة 30%، وأن الزيادة في الإنتاج ستصل إلى 100 مليون طن سنويًّا من 77 مليونًا في الوقت الحالي. وينبىء هذا القرار الصادر عن الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم، بأن زيادة العرض مقابل الطلب في سوق الطاقة ستؤدي إلى خفض الأسعار مما سيجعل الشركات الأميركية متضررًا كبيرًا. 

أما الضربة الأخرى التي تلقتها آمال ترامب فيما يتعلق بتسيُّد الولايات المتحدة الأميركية لسوق الطاقة العالمية والتي جاءت كنتيجة للاتفاق النووي، فتمثلت بتوقيع إيران اتفاقية مع شركة "توتال" الفرنسية، لتكون أهم اتفاقية توقِّعها إيران في مجال الطاقة منذ سريان الاتفاق النووي الذي وقعته إيران في العام 2015. ويتضمن الاتفاق توسيع حقول غاز "بارس الجنوبية"/حقل الشمال، المشترك بين إيران وقطر والذي يعد أكبر حقل للغاز في العالم. وتبلغ حصة إيران من هذه الصفقة ممثلة بشركة "بتروبارس" 19.9% مقابل حصة لتوتال تبلغ 50.1%، وحصة لشركة الصين الوطنية بنسبة 30%. وهو ما سيضع الشركة الفرنسية في وضع أفضل من منافسين لها مثل "إكسون موبيل"، و"شل". 

يتخذ المنتقدون من "الفشل الاقتصادي" عنوانًا لمهاجمة روحاني، لكن هذه الصفقة، قد تعزز من مكانته، خاصة أنها تقدم مثالًا ملموسًا على عائد الاستثمار الذي تشتد الحاجة إليه، ومن الممكن توسيع هامشه بفضل إزالة العقوبات. 

وتبشر هذه الاتفاقية التي تلاقي معارضة كبيرة من خصوم الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ومنافسيه، باستثمارات تصل قيمتها إلى 4.8 مليارات دولار، وتدافع عنها الحكومة كواحدة من النتائج الإيجابية للاتفاق النووي، وهو ما قد يخفف من الضغوطات التي يواجها روحاني الذي وعد منذ دورته الرئاسية السابقة بتحسن ملموس في الأوضاع الاقتصادية. 

وتُعلِّق إيران آمالًا كبيرة على الصفقة، لتضمن لها مزيدًا من الانخراط في منظومة العلاقات الدولية، وبعد أن اختبرت العزلة والعقوبات التي شلَّت اقتصادها لسنوات طويلة، تريد إيران اليوم ومن خلال رئيس أُعيد انتخابه في 20 مايو/أيار 2017 ولا يخفي تصميمه على العودة إلى السوق العالمية وجذب الاستثمار الخارجي ليدخل إلى السوق الإيرانية. 

يعتبر روحاني الاتفاق النووي إرثًا تحقق له، ويبدو وهو يفتح مواجهة خطرة مع الحرس الثوري منتقدًا نشاطه الاقتصادي وسيطرته على حقول عدَّة، مصمِّمًا على تذليل العقبات لتشجيع الاستثمارات الأجنبية وجذب الشركات الكبرى لتدخل السوق الإيرانية. وتوفر الصفقة مع "توتال" تشجيعًا تريده حكومة روحاني، للشركات الأجنبية الأخرى لتوقيع صفقات جديدة. وقد بدأت شركات النفط مثل شركة "شل" الهولندية وشركة "إيني" الإيطالية التفاوض مع إيران للحصول على عقود جديدة؛ وهو ما يبدو ممكنًا في المستقبل. 

ولم تفلح جهود المخالفين بالوقوف في وجه الاتفاقية بأدوات برلمانية؛ حيث ألغى مجلس الشورى الإسلامي دراسة مشروع تعليق الاتفاقية المبرمة مع شركة توتال الفرنسية لتطوير حقل بارس الجنوبي بصفة مستعجلة جدًّا، بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني للنواب المقترحين للائحة المشروع. وعقب تقديم وزير النفط الإيراني "بيجن زنكنه" شرحًا تفصيليًّا عن الاتفاقية مع شركة توتال الفرنسية في الجلسة العلنية لمجلس الشورى، قدَّم مجموعة من النواب إلى هيئة رئاسة المجلس مشروع قانون "إلزام الحكومة بمراعاة المصالح الوطنية في الاتفاقيات النفطية والغازية" بصفة مستعجلة جدًّا، بهدف تعليق تنفيذ الاتفاقية النفطية مع شركة توتال من أجل إجراء دراسة وافية ومعمقة للاتفاقية وإزالة نقاط الغموض فيها، إلا أن هذه اللائحة لم تحصل صفة دراستها بصورة مستعجلة جدًّا وفورية لعدم اكتمال النصاب القانوني للنواب الموقعين على مشروع القانون. وينص المشروع على مادة واحدة تلزم الحكومة بإعادة دراسة العقد الموقع مع توتال، كما يوقف أي صفقات جديدة وضخمة من هذا القبيل دون موافقة مجلس الشورى الإسلامي كونها صفقات تُوقَّع مع أطراف أجنبية. ويشكك المعارضون بتبعات الصفقة، ويرون فيها مخالفة دستورية؛ حيث إنها تمنح فوائد ضخمة من حقول الغاز والنفط الإيرانية لشركات أجنبية. 

وكانت شركة توتال الفرنسية قد خرجت من سوق الطاقة الإيرانية قبل تسع سنوات، عندما فرض المجتمع الدولي عقوبات على إيران، وكانت آخر شركة غربية للطاقة تعلق نشاطها هناك. الآن، وبعد رفع العقوبات النووية على إيران في يناير/كانون الثاني 2016، كانت توتال أول شركة غربية تبادر بالعودة إلى سوق الطاقة الإيرانية، وهي العودة التي أثمرت عن توقيع الاتفاق مع الحكومة الإيرانية في 3 يوليو/تموز 2017. 

وأيًّا يكن من حجم المواقف المؤيدة والمعارضة للصفقة إلا أنها ستشجع الشركات العالمية والغربية على وجه الخصوص بتجاوز مخاوفها من العقوبات الأميركية لتبدأ في الاستثمار في السوق الإيرانية، التي تبدو مخاطرة اقتصادية مع مواقف إدارة ترامب من الاتفاق النووي وسعيها لوضع عراقيل أمام تطبيقه، وقد بدا هذا التوجس واضحًا في حديث مدير شركة توتال "باتريك بويانه" عن الاتفاقية متوجهًا لترامب بالقول: هدفنا من هذه الاتفاقية أن نبني جسرًا لا جدارًا. ويبدو أن الإدارة الفرنسية قد اتخذت قرارًا بالمواجهة مع السياسات الأميركية على هذا الصعيد. 

وتبدو هذه الصفقة مهمة لإيران لأسباب عدَّة وعلى أكثر من صعيد، فعلى الرغم من أن إيران تمتلك احتياطيًّا من أكبر الاحتياطيات للغاز في العالم، إلا أن العقوبات وتراجع البنية التحتية وغياب الاستثمار والكفاءات الفنية، جعلتها عاجزة عن الوفاء باحتياجاتها من الغاز، ولجأت إلى الاستيراد من تركمانستان ودول أخرى للوفاء باحتياجاتها. ولتعزيز إنتاجها، تحتاج إيران إلى شركات نفطية دولية للاستثمار في صناعة الطاقة لديها (1). 

وخلال العام الماضي، سجَّلت إيران زيادة كبيرة في استهلاك الغاز الطبيعي، حيث استُهلك حوالي 1.6 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًّا، مع توقعات بارتفاع هذا المعدل، ومن المتوقع أن تتمكن إيران من إنتاج 2 مليار قدم مكعب يوميًّا للأسواق المحلية الإيرانية بحلول عام 2021 (2). 

بالنسبة للشركات الغربية، لا تبدو إيران منطقة خالية من المخاطر. ويحتاج المستثمرون الأجانب من الحكومة الإيرانية أن تقدِّم براهين تضمن الاستقرار، خاصة وأن المنطقة تشهد حالة غير مسبوقة من الاضطراب، وتصطدم السياسات الإيرانية بشأن سوريا واليمن مع جيرانها، وليس لديها علاقات حسنة مع المملكة العربية السعودية، التي سبق وقطعت علاقتها مع إيران وجعلت العلاقة مع طهران في مقدمة عناوين الأزمة مع قطر قبل أن تقطع العلاقات معها أيضًا. 

ويزيد من مخاوف الشركات الغربية، أن السياسة الأميركية تجاه إيران لا تزال غامضة؛ فقد أقرت إدارة ترامب بأنه لا يمكن إلغاء الاتفاق النووي، لكن وزير الخارجية الأميركي، ريك تيلرسون، قال: إن البيت الأبيض ما زال بحاجة إلى مراجعة الاتفاق (3) لمعرفة ما إذا كان في مصلحة الولايات المتحدة. ووافق مجلس الشيوخ الأميركي مؤخرًا على مشروع قانون لزيادة العقوبات ضد إيران. 

لا تُسقط شركة توتال المخاطر المحتملة، لكنها لا تريد في الوقت ذاته تفويت فرصة الاستثمار والحصول على حصة تصل إلى 51? من تطوير أكبر حقل للغاز في العالم. وتحسبًا لهذه المخاطر قسَّمت الشركة استثماراتها التي تقارب 5 مليارات دولار إلى جزءين؛ إذ سيتم استثمار مبلغ يصل إلى 2 مليار دولار أميركي في البداية، ولن تدخل الشركة في المرحلة الثانية إلا إذا نجحت المرحلة الأولى من التطوير والاستخراج. 

ويبدو أن توتال تتحرك وفق سياسة نقيضة لسياسة واشنطن، مقتنصة فرصة إشادة الاتحاد الأوروبي بتنفيذ إيران الاتفاق النووي ورغبته في تحسين العلاقات معها (4). 

وتكشف التصريحات الفرنسية والأوروبية عمومًا عن فجوة في المواقف بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية بشأن العلاقة مع طهران، وتأتي هذه الصفقة الفرنسية في وقت يرى ترامب أن إيران تمثِّل تهديدًا للسلام في الشرق الأوسط داعيًا إلى مزيد من العقوبات ضدها، لكن الطرف الأوروبي يبدو مصممًا على العمل بالاتفاق النووي، خاصة أنه فتح طريقًا إلى سوق الطاقة الإيرانية. 

 وكما تقول صحيفة واشنطن بوست في تقرير لها رَصَدَ هذا التباين: "أصبح من الواضح رؤية الطريق الذي تسلكه أوروبا وأميركا بشأن إيران...فالأوروبيون يسلكون طريق التقارب، بينما تتطلع الولايات المتحدة إلى سياسة العزلة والاحتواء". وبالنسبة إلى أوروبا، "فإن الاتفاق النووي مع إيران ساعد في تسهيل العلاقات مع إيران، بينما سُهِّلت أيضًا فتح سوق واسعة للمستهلك والطاقة أمام الشركات الأوروبية". وبعد أن كان العديد من البنوك الأوروبية والشركات مترددة في الدخول إلى إيران، استثمرت الشركات الفرنسية والألمانية والإيطالية في إيران في مجالات شتى بدءًا من الطاقة المتجددة إلى الفنادق الفاخرة وصناعة السيارات، ومؤخرًا أعلنت شركة بيجو الفرنسية لصناعة السيارات أن مبيعاتها تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا في الشرق الأوسط وإفريقيا خلال النصف الأول من هذا العام بسبب فتح خطوط إنتاج جديدة لها في إيران. 

الرهان الإيراني على العلاقة مع أوروبا 

تشير نتائج دراسة لتحليل المضمون أجرتها الباحثة وحملت عنوان: توجهات السياسة الخارجية الإيرانية عقب الاتفاق النووي: الأولويات والأدوار (تحليل مضمون)، إلى بداية تشكل مرحلة جديدة من العلاقات بين إيران والاتحاد الأوروبي، تقوم على المصالح السياسية والاقتصادية، وتتكشف جوانبها في تصريحات المسؤولين الإيرانيين. 

وقد قدمت هذه الدراسة تحليلًا لمضمون ما يزيد عن 1400 تصريح صادر عن مختلف مؤسسات صنع قرار السياسة الخارجية في إيران، وذلك في الفترة التي أعقبت سريان تطبيق الاتفاق النووي، وجاءت لتغطية العام 2016 بالكامل إضافة إلى الربع الأول من العام 2017. 

وتؤكد النتائج التي نستعرضها تاليًا، سعي إيران لعرقلة القرارات الأميركية ومنع عرقلة تطبيق الاتفاق النووي من خلال تعزيز العلاقة مع أوروبا. 

تُظهر النتائج المتعلقة ببريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، (الرسم البياني رقم 1)، أن أكثر من نصف التصريحات تجاه هذه المنطقة جاء من الرئيس الإيراني حسن روحاني 34%، ووزارة الخارجية بنسبة 23%، تلاهما رئيس مجلس الشورى بنسبة 20%، ثم مسؤولون رفيعو المستوى بنسبة 9%، ثم مرشد الثورة الإسلامية بنسبة 6%، ورجال الدين بنسبة 2%، والسلطة القضائية بنسبة 3%، ووزير الدفاع وقادة الجيش وكذلك قادة الحرس الثوري بنسبة تصل إلى 1% لكل منهم.  

أما في الربع الأول من العام 2017، (الرسم البياني رقم 2)، فنجد أن التصريحات التي كانت حول هذه المنطقة، تقاسمها الرئيس الإيراني بنسبة 27%، ووزارة الخارجية بنسبة 21%، والسلطة التشريعية بنسبة 18%، والمسؤولون رفيعو المستوى بنسبة 15%، ومرشد الثورة الإسلامية بنسبة 9%، والسلطة القضائية ورجال الدين وقادة الحرس الثوري بنسبة 3% لكل منهم. وهو ما يشير بوضوح إلى أن روحاني وفريقه هما مهندسا تحسين العلاقة مع أوروبا والمخططان لها. 

واستخدم هؤلاء المسؤولون في حديثهم عن بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي (الرسم البياني رقم 3) لغةً جاءت دبلوماسية تعكس علاقات حسنة بنسبة 69%، ولغة ناقدة ومُدينة بنسبة 20%، وتوزَّع الباقي على لغة عدائية بنسبة وصلت في مجموعها إلى 5% (عدائية مع تهديد 1%، وعدائية بدون تهديد 4%)، واستُخدمت في التصريحات أيضًا لغة تعكس علاقات دبلوماسية عادية بنسبة 2% ولغة محايدة 3%. وبالنظر إلى نص هذه التصريحات، نستطيع القول بصورة أكثر دقة: إن اللغة العدائية استُخدمت ضد بريطانيا على وجه الخصوص. 

وفي الربع الأول من عام 2017، (الرسم البياني رقم 4)، استخدم المسؤولون الإيرانيون تجاه بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي لغة دبلوماسية تعكس علاقات حسنة بنسبة 55%، تلاها لغة ناقدة ومُدينة بنسبة 30% وعدائية بدون تهديد بنسبة 3%، ومحايدة بنسبة 12%، وبقيت بريطانيا كذلك هي الدولة المستهدفة بصورة أساسية بالتصريحات الناقدة والمدينة، والعدائية على خلفية موقفها خاصة فيما يتعلق بمنطقة الخليج، ودعمها للسياسات الأميركية.  

وحمل الخطاب في هذه التصريحات خلال العام 2016، (الرسم البياني رقم 5)، فحوى سياسيًّا بنسبة عالية وصلت إلى 73%، وقانونيًّا تفاوضيًّا بنسبة 25%، ودينيًّا بنسبة 2%، وعسكريًّا بنسبة 1% تقريبًا. 

أما في الربع الأول من العام 2017، (الرسم البياني رقم 6)، فتسجل النتائج دخول الاقتصاد ليشكِّل نسبة من فحوى الخطاب الغالب للمسؤولين الإيرانيين تجاه هذه المنطقة بنسبة 15%، وهو ما يتزامن مع حديث المسؤولين الإيرانيين عن تعاون اقتصادي مع عدد من الشركات الأوروبية، وبقي فحوى الخطاب سياسيًّا في الغالب بنسبة وصلت إلى 78%، وقانونية تفاوضية بنسبة 3%.

نوع العلاقة 

تشير النتائج لنوع العلاقة، كما تحدَّث عنها المسؤولون الإيرانيون خلال العام 2016، (الرسم البياني رقم 7)، إلى أنها علاقات تعاون في الأغلب بنسبة وصلت إلى 75%، مع وجود علاقات متوترة بنسبة 20%، وعلاقات تصادم بنسبة 1%. 

وفي الربع الأول من العام 2017، (الرسم البياني رقم 8)، تراجع الحديث عن علاقات التعاون، لكنه بقي الأوفر حظًّا حيث وصلت نسبته إلى 61%، وارتفع الحديث عن علاقات متوترة ليصل إلى 24%، وجاء ما نسبته 15% من التصريحات دون أن يحدِّد بشكل واضح نوع العلاقة. 

مكافحة الإرهاب والدور الإيراني 

تضمنت تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي استهدفت هذه المنطقة الحديثَ عن الدور الإيراني بنسبة وصلت إلى 84%، مقابل 16% لم تُشر أو تتحدث عن أي دور لإيران، وفي تصوراتهم لهذا الدور، (الرسم البياني رقم 9)، فإن ما يزيد عن النصف (56%)، جاء متحدثًا عن دور إيجابي لإيران في مكافحة الإرهاب، وفي 28% عن دور قيادي لإيران في المنطقة والعالم، فيما خلا 15% من التصريحات من تقديم تصورات لهذا الدور.  

وفي الربع الأول من العام 2017، وهو الربع الذي جرى الحديث فيه عن دور إيراني بنسبة 90% من مجموع التصريحات، فإن تصورات المسؤولين الإيرانيين لهذا الدور، (الرسم البياني رقم 10)، بقيت تتحدث عن دور إيجابي في مكافحة الإرهاب بنسبة وصلت إلى 52%، ودور قيادي في المنطقة والعالم بنسبة وصلت إلى 27%، و9% قدمت تصورات عن انخراط إيران في المنظومة الدولية، و3% من التصريحات قدمت تصورات لدور مهيمن يتضمن تصدير الثورة.

موضوعات العلاقة الرئيسية 

تشير النتائج بشأن الموضوعات الرئيسية التي شكَّلت قضايا رئيسية في التصريحات الإيرانية خلال العام 2016، (الرسم البياني رقم 11)، إلى تصدر العلاقات الثنائية بنسبة تصل إلى 32%، لَحِقَها الملف النووي والعقوبات بنسبة تصل إلى 28%، ثم موضوع الإرهاب بنسبة 13%، ثم سوريا بنسبة 10%، وحاز اليمن على ما نسبته 6%، وكذلك القدرات العسكرية الإيرانية بنسبة 6%، وجاءت القضية الفلسطينية في ذيل قائمة الموضوعات الرئيسية في العلاقة مع الدول الأوروبية بنسبة وصلت بالكاد إلى 4%، وبالعودة إلى متن هذه التصريحات نجد أن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن تعزيز العلاقة مع الدول الأوروبية من شأنه أن يعود بمنافع كبيرة على الجانبين، ويعزز من مكاسب الاتفاق النووي. 

وخلال الربع الأول من العام 2017، (الرسم البياني رقم 12)، نجد تركيزًا كبيرًا على العلاقات الثنائية بنسبة وصلت إلى 42%، تلا ذلك الملف النووي والعقوبات بنسبة 24%، وارتفعت نسبة الحديث عن القضية الفلسطينية لتصل إلى 9%، وجاءت القدرات العسكرية الإيرانية، والصراع في المنطقة، والاستقلال وعدم التبعية بنسب متساوية وصلت إلى 6% لكل منها. وتراجعت القضية في سوريا واليمن إلى 3% لكل منهما، وغاب الإرهاب من القائمة، لكنه كان موضع بحث تحت العنوان الرئيسي، وهو العلاقات الثنائية. 

مستقبل العلاقة 

يرسم المسؤولون الإيرانيون صورة لمستقبل العلاقة مع بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، (الرسم البياني رقم 13)، تقوم بشكل أساسي على التسويات والحلول السياسية بنسبة 39%، وتعزير وتطوير العلاقة بنسبة 31%، مع بقاء هامش يصل إلى 21% لمستقبل يقوم على التوتر والصراع، وعلى المواجهة المباشرة بنسبة تصل إلى 6%. 

وفي الربع الأول من العام 2017، (الرسم البياني رقم 14)؛ حيث جرى الحديث عن مستقبل العلاقة على ضوء الموضوعات الرئيسية بنسبة وصلت إلى 100%، فإن تصورات المسؤولين لهذا المستقبل انصرفت إلى مستقبل يقوم لدى 42% على تعزيز وتطوير العلاقات مع الدول الأوروبية، وانتهاج تسويات وحلول سياسية بنسبة 27%، وذهبت توقعات وصلت إلى 27% أن يكون قائمًا على التوتر والصراع بنسبة 27%، و3% على إمكانيات حدوث مواجهة، وهذه النسبة تتعلق بصورة أساسية بالسياسة البريطانية في الخليج. 

خاتمة 

يُبدي الاتحاد الأوروبي بصورة واضحة رغبة في تطبيق الاتفاق النووي، ويسير بشكل مخالف للمطالب الأميركية، وتقرأ إيران هذا الالتزام الأوروبي بترحيب وتحاول الاستفادة منه قدر المستطاع. ورغم الصعود والهبوط الذي شهدته علاقات إيران وأوروبا تاريخيًّا، إلا أن مؤشرات عدَّة تتحدث عن فتح صفحة جديدة من العلاقات بين الطرفين. وكما يقول "منشور" أطلقه الاتحاد الأوروبي في ذكرى الاتفاق النووي باللغة الفارسية: إن استئناف العلاقات الاقتصادية مجددًا بين إيران والاتحاد الأوروبي من شأنه أن يُعزِّز من سعادة الناس في إيران وأوروبا بشكل متعادل. ووفقًا لهذا المنشور، فإن 28 دولة أوروبية كان لها علاقات اقتصادية مع إيران قبل العقوبات. وفي تقييمها له بعد سنتين، فإن أوروبا، ترى أن الاتفاق النووي مع إيران ساعد في تسهيل العلاقات وتعزيز الفرص الاقتصادية، وتبدو الحاجة إلى الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي نقطة التقاء كبرى مع إيران التي تسعى للتعافي والعودة إلى سوق الطاقة العالمية. 

وبالإضافة إلى الأبعاد الاقتصادية، فإن هناك نوعًا من التعاون الأمني بين إيران وأوروبا قد يكون بصورة كلية مثيرًا للاهتمام لدى الطرفين (5). وهو تعاون قديم يعود إلى ما قبل تولي أحمدي نجاد للرئاسة في إيران عام 2005، وتعرض لانتكاسة بعد سلسلة العقوبات (6) لكنه عاد ليشكِّل عنوانًا بارزًا في العلاقة مع الاتفاق النووي وطروحات روحاني على صعيد مكافحة الإرهاب.

_________________________________________

فاطمة الصمادي، باحث أول في مركز الجزيرة للدراسات متخصصة في الشأن الإيراني.

نبذة عن الكاتب

مراجع

1-  Meysam, Tayebipour , “Why Total’s gas deal with Iran is so important for the country’s future”, theconversation, 6 July 2017:

http://theconversation.com/why-totals-gas-deal-with-iran-is-so-important-for-the-countrys-future-80425

2-  Ibid.

3- “Iran nuclear deal: Trump administration approves agreement but review looms”, The guardian, 19 April 2017 :

https://www.theguardian.com/world/2017/apr/19/iran-nuclear-deal-trump-administration-approves-agreement-but-review-looms

4- U.S., allies disagree about Iran's nuke deal compliance”, cbsnews, 30 June 2017 :

http://www.cbsnews.com/news/iran-nuclear-deal-compliance-europe-un-nikki-haley-trump-administration/

5- Maleki, Abbas & Kaveh Afrasiabi, “Iran’s Foreign Policy after 11 September”; The Brown Journal of World Affairs; Volume IX, Issue 2, Winter 2003.

6- دهقاني فيروزآبادي، سيد جلال، "سياست خارجي و امنيتي مشترك اروپايي"، فصلنامه سياست خارجي، ويژه اروپا (1)، سال سيزدهم، تابستان 1378، ص.67-33.