مسارات التحول الديمقراطي في إفريقيا: النجاحات والإخفاقات - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

مسارات التحول الديمقراطي في إفريقيا: النجاحات والإخفاقات

التحول الديمقراطي في إفريقيا جنوب الصحراء متنوع بحسب الأمكنة والأزمنة، وقد أخذ مسارات عديدة فيها نجاح مثل غانا ونيجيريا والسنغال وزامبيا وفيها إخفاقات. في المقابل، فإن الحالات الأخرى بمصر وليبيا وتونس لم تتجسد فيها وعود الربيع العربي بتحقيق التحول إلى ديمقراطية حقيقية.

الانتخابات الرئاسية النيجيرية لعام 2015 كانت فرصة لعودة المعارضة بزعامة محمد بخاري إلى سدة الحكم منذ 1999 (أسوشيتد برس)

مقدمة 

تعتبر التسعينات من القرن الماضي عصر إعادة ولادة الديمقراطية في إفريقيا؛ فخلال تلك الحقبة شهد العديد من الدول الإفريقية عودة للديمقراطية الانتخابية بعد عقود من الحكم الشمولي الفاسد(1). وقد ساعدت في ذلك سنوات من الضغط الداخلي والخارجي والذي شمل سخطًا شعبيًّا بسبب المعاناة الاقتصادية والتراجع السياسي. لذلك، برزت مطالبات بالإصلاح السياسي والديمقراطي خلال فترة التسعينات(2). وعندما وصلت المرحلة الثانية من الديمقراطية وانتشرت حول القارة الإفريقية، كانت التوقعات كبيرة بأن يؤدي التحول إلى الديمقراطية والذي أخذ مسارات عدة إلى توطيد الديمقراطية والتنمية حول القارة. وكانت الانتخابات تقع في جوهر هذه التوقعات حيث إنها تخدم بعض الأهداف الديمقراطية المهمة. وأهم هذه الأهداف: المشاركة السياسية والتنافس والشرعية والتي تعتبر جميعها عناصر محورية لتعزيز الديمقراطية(3). وبينما لا تقوم الانتخابات وحدها ببناء ديمقراطية قوية فإنها رغم ذلك تبقى أساسية، ليس فقط لإنشاء الحكومات الديمقراطية بل أيضًا كمقدمة لتعزيز الديمقراطية على نطاق أوسع(4). ومع ذلك، فقد يتم استعمال الانتخابات في بعض الأحيان كوسيلة لتمويه الحكم السلطوي وكشكل من أشكال الطقوس الديمقراطية التي لا تضمن بالضرورة حرية الاختيار. 

وبعد مرور حوالي ثلاثة عقود على رحلة الديمقراطية في إفريقيا، فقد حققت بعض الدول تطورًا ملحوظًا في عملية إجراء الانتخابات بانتظام وتعميق الديمقراطية، بينما لم يحقق البعض الآخر مثل هذا النجاح، بل على العكس من ذلك، يمكن القول: إن بعض الدول تراجعت في هذا المجال. وكما تشير اللجنة الاقتصادية لإفريقيا في تقرير الحوكمة الإفريقي الثاني، فإنه: "منذ بداية إجراء الانتخابات في الثمانينات من القرن العشرين، تم إجراء العديد من الانتخابات في قارة إفريقيا. إلا أن العديد من الدول لم يحظ بانتخابات جيدة. وفي المجمل، فقد كان هناك تطور ملحوظ للحكم السياسي في بعض الدول بينما كانت التحسينات ضعيفة في دول أخرى وساءت الأوضاع في قسم ثالث منها. فقد كان التطور في مجال الحكم السياسي هامشيًّا في المجمل"(5). 

وتبقى المسارات المتعاكسة للتحول الديمقراطي في إفريقيا مصدرًا للقلق. ويعكس هذا التقرير مسارات التحول الديمقراطي في القارة الإفريقية ويحدد الأشكال والطرق المختلفة لهذه التحولات، كما يشرح نجاحات وإخفاقات هذه التحولات بأمثلة مستقاة من دول غانا ونيجيريا والسنغال. كما يشير إلى بعض الحالات الخاصة بالعالم العربي مثل ليبيا ومصر وتونس من أجل المقارنة. 

نماذج للتحولات الديمقراطية في إفريقيا 

تشير عملية التحول الديمقراطي في العادة إلى التحرك من نظام أقل ديمقراطية (الشمولية بأشكالها المختلفة) إلى مجتمع أكثر ليبرالية وديمقراطية حيث تصبح القيمُ الديمقراطيةُ، والتي تشمل الانتخابات الدورية والحرة والعادلة والموثوقة بالإضافة إلى حكم القانون والقضاء المستقل والمجتمع المدني النشط والإعلام الحر والمفتوح والمستقل والعلاقة المتوازنة بين المجتمع المدني والعسكر، الطرقَ الوحيدةَ المقبولة لتنظيم أمور المجتمع. وعادة ما تأخذ عملية التحول الديمقراطي نمطين أو نموذجين، هما التحول من الأعلى والتحول من الأسفل. أما الأول فتقوده القيادات (تتمركز حول الدولة) وتتضمن الحالات التي تستجيب القيادات فيها لوقائع سائدة بالبدء بالإصلاحات الديمقراطية. أما الثاني فيقوده الشعب (يقوده المجتمع) ويتمثل في ضغوطات شعبية من أجل إصلاحات ديمقراطية مستوحاة خاصة من المجتمع المدني النشط(6). وبينما يعتبر كلا الشكلين معترفًا به، لا يمكن التغاضي عن احتمال اندماج عناصر من كليهما في حالة تحول واحدة. 

ويجدر بنا أن نلاحظ أنه بينما يعتبر التحول من الأعلى أكثر قدرة على تحقيق الديمقراطية، وخاصة من حيث التوجه الأكبر لكونه أكثر دقة في تحديد الجدول الزمني والخطوات الإجرائية والاستراتيجية ككل فإن التحول من الأسفل يشمل درجة عالية من الريبة والشك. وتعتبر هذه الصفات مثيرة للدهشة باعتبار أن جميع أشكال التحول، سواء من الأسفل أو من الأعلى، تحمل عناصر من الشك. ففي كلتا الحالتين، فإن قدرات قادة التحول على التلاعب والتزامهم بالإصلاحات التي قد تؤدي إلى ولادة الديمقراطية قد لا تكون معروفة بشكل واضح. كما قد تؤدي التدخلات من قبل بعض القوى المضادة للديمقراطية إلى تحجيم أو تأجيل أو إطالة عملية التحول. 

في السياق الإفريقي، أوضحت التجارب أن التحولات الديمقراطية كانت في مجملها مستوحاة من الأسفل. وقد تم تحديد أربعة أنواع من التحولات تندرج ضمن هذا المتغير، وهي: (أ) المؤتمرات الوطنية. (ب) الثورات الشعبية. (ج) تشكيل الاتفاقيات. (د) إجراءات الأجهزة العسكرية. وبينما تتميز كل من هذه النماذج بصفات خاصة، فإنه تجدر الإشارة إلى أنه في حالات كثيرة وُجدت تداخلات فيما بينها حيث وُجِد نموذجان أو أكثر في عملية تحول واحدة. 

فلنأخذ المؤتمرات الوطنية على سبيل المثال، لا الحصر، والتي سُجِّلت من خلالها أهم الحالات في الدول الإفريقية الفرانكوفونية، مثل: بنين والغابون ومالي وتوغو. كما كان لدول نيجيريا وزامبيا مؤتمرات وطنية خلال وقت ما. وقد كانت هذه المؤتمرات نتاجًا لضغوطات شعبية من أجل الحوار الوطني والإصلاحات الديمقراطية. أما الثورات الشعبية فتقوم بها الشعوب نفسها بشكل رئيسي (وخاصة منظمات المجتمع المدني) والتي تطالب بتوسيع مساحة الديمقراطية. وبينما كان هذا النموذج سائدًا في التسعينات، فإن أقرب صورة له كانت الانتفاضات التي حدثت في شمال إفريقيا والتي أطاحت بأنظمة شموليه قديمة(7). أما نموذج تشكيل الاتفاقيات (مثل جنوب إفريقيا)، فيتضمن اتفاقًا بين نظام شمولي راحل وقادة ديمقراطيين قادمين، ويشمل هذا الاتفاق على وجه الخصوص منح حصانة لمسؤولين مهمين في الحكومة الراحلة من الملاحقة القضائية بخصوص جرائم مثل انتهاكات حقوق الإنسان والفساد والجرائم ضد الإنسانية وغيرها.  

في نهاية المطاف، وبغضِّ النظر عن النموذج المتبع في التحول، فإن التحولات غالبًا ما تؤدي إلى انتخابات؛ وهذا يفسر التركيز الكبير على الدمقرطة عن طريق الانتخابات(8). وفي الحد الأدنى، تبقى الانتخابات أهم ظواهر عملية الديمقراطية وتقع أهمية ذلك في أن نجاح أو فشل عمليات التحول يعتمد بشكل كبير على السمات الديمقراطية للانتخابات والتي تقاس بدرجة المشاركة السياسية والتنافس والشرعية. 

أكثر نماذج التحول الديمقراطي نجاحًا في إفريقيا 

في الحد الأدنى، بينما حققت بعض الدول نجاحًا مطَّردًا في الدمقرطة بالانتخابات لم يحظ كثير من الدول الأخرى بهذا القدر من النجاح. وتعد تجارب دول غانا ونيجيريا وزامبيا والسنغال أكثر الحالات نجاحًا؛ فعلى سبيل المثال، في غانا بالرغم من الانتخابات التأسيسية، والتي أُجريت عام 1992، حققت الدولة قفزات كبيرة في التحول الديمقراطي(9). وتعتبر عناصر انتظام الانتخابات والحرية والعدل والدرجة العالية من التنافس والمصداقية وسلامة أجوائها أهم عناصر نجاح التحول. وفي مقدمة ذلك كله، فإن انتصار الحزب بأعلى الأصوات عادة ما يكون بفارق بسيط عن نسبة الحزب الذي يحل ثانيًا، كما أن توزيع مقاعد البرلمان يكون بالتساوي تقريبًا بين الحزبين الرئيسيين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تبادل الحكم يتم بشكل منتظم بحيث استطاعت أحزاب المعارضة الفوز في الانتخابات ثلاث مرات في أعوام (2000، 2008، 2016). وإنه لأمر يدعو للإعجاب أن هذا التبادل للحُكم شهد خسارة الرئيس الحالي عام 2016 وهي ظاهرة نادره الحدوث في الديمقراطيات الإفريقية. 

أما بخصوص الحالة النيجيرية، فقد كانت مختلفة نسبيًّا: فبينما تميزت بالتنظيم غير الفعال للعمليات الانتخابية تبلورت بأشكال عديدة من الفساد الانتخابي مثل تزوير سجلات الناخبين وفقدان الديمقراطية داخل الحزب واقتلاع وتعبئة صناديق الاقتراع والتزوير الصريح للنتائج واستعمال العنف الشديد خلال جميع مراحل الانتخابات، فإن مجموعة من الإصلاحات الانتخابية أدت إلى تعزيز الاستقلالية والقدرات الإدارية الخاصة بالهيئات الإدارية للانتخابات والمجلس الوطني المستقل للانتخابات. وقد أدت هذه العوامل بالإضافة إلى عوامل أخرى سيتم شرحها لاحقًا إلى تحسينات منتظمة في الجو الانتخابي العام للدولة(10). ووصلت النزعة الإيجابية للانتخابات ذروتها عام 2015 ليس بتبادل السلطة فحسب بل الأكثر أهمية، الهزيمة الانتخابية للرئيس الحالي في حينها، جودلاك جوناثان(11). وكانت كلتا الحادثتين غير مسبوقتين في تاريخ الانتخابات في نيجيريا. 

وفي العديد من الدول الأخرى مثل ليبيريا والسنغال وزامبيا، تعتبر الانتخابات المنتظمة ودرجة التنافس المرتفعة وتدوير السلطة وخسارة الرؤساء القائمين بعض أهم سمات التطور الديمقراطي. وتأخذ درجة الكمال الكبير أشكالًا عدة؛ فعلى سبيل المثال في ليبيريا والسنغال لم يظهر فائز خلال الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية عامي 2012، 2018 على التوالي. كما أدى كلا الاستحقاقين الانتخابيين إلى تبادل للسلطة وهزيمة الحزب الحاكم. وفي حالة السنغال، فقد أدت انتخابات عام 2012 إلى هزيمة الرئيس الحاكم، عبد الله واد، أمام ماكي صال، من حزب التحالف الجمهوري(12). وفي حالة زامبيا، فقد فاز مايكل ساتا على الرئيس الحاكم، روبيا باندا، خلال الانتخابات الرئاسية عام 2011(13). 

إلا أن التحولات الديمقراطية لم تأخذ منحى مشابهًا في حالات عديدة أخرى. ويتجلى ذلك بوضوح في حالات الدول العربية الواقعة في الشمال الإفريقي، وخاصة مصر وليبيا وتونس. ففي معظم هذه الحالات، كانت مساحة الديمقراطية محدودة للغاية وتم خنقها بوجود أنظمة سلطوية قديمة. وتتجلى الميول السلطوية في هذه الدول بطرق عديدة تشمل الديكتاتورية. 

وقد نتجت عمَّا يُسمَّى بالربيع العربي آمال ببزوغ فجر الديمقراطية في هذه البلدان. وتعتبر هذه الآمال مفهومة بسبب أن هذه الانتفاضات جاءت من الأسفل وكانت تقودها الشعوب بشكل كبير من خلال أنشطة قطاعات واسعة من المجتمع. إلا أنه، وكما تم إيضاحه سابقًا، لا تؤدي الثورات دائمًا إلى تحولات ديمقراطية مستدامة، وتمثل مصر أكثر المقاربات توضيحًا لهذا الواقع. 

ففي مصر، فإن انتخاب محمد مرسي تحت مظلة حزب العدالة والتنمية، التابع لحركة الإخوان المسلمين، لم يَرْقَ للتطلعات. على العكس، فقد أدى إلى الاستقطاب والعنف وإلى اغتصاب العسكر للسُّلطة تحت قيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي. وتُدُووِل الحديث بأن درجة القمع خلال حكم عبد الفتاح السيسي تجاوزت تلك التي كانت سائدة خلال عهد الرئيس حسني مبارك وحتى أسلافه من حيث عدد المصريين الذين تم قتلهم أو جرحهم أو اعتقالهم أو إخفاؤهم منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز عام 2013(14). وقد ورد أن العسكر قاموا بقتل ما يزيد عن 1000 مدني وسجن عشرات الآلاف الآخرين وقاموا بقمع الإعلام والمجتمع المدني(15). 

أما الوضع في ليبيا، فهو أكثر سوءًا؛ إذ يبدو أن عزل معمر القدافي المدعوم غربيًّا، ومن ثَمَّ قَتْلُه، قد ولَّد نتائج عكسية؛ فإن مستوى التناقضات الحالية والتي تشمل التجزئة غير المسبوقة وتدمير المؤسسات السياسية وانتشار الأسلحة الخفيفة بالإضافة إلى جو عدم الاستقرار السائد والمتصف بانتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان كانت عناصر أدت جميعًا إلى فشل الجهود المبذولة لتحقيق السلام الدائم والدمقرطة(16). ورغم أن التجربة التونسية تعتبر بشكل عام أفضل حالًا من حيث توفير مساحة أكبر من النشاط السياسي إلا أنه لا يزال هناك قلق حول جودة التحول(17). وبالمجمل، فإن دُووركن يلخِّص التحديات التي تواجهها هذه الدول كالتالي: "يبدو أن التحولات السياسية في شمال إفريقيا تترنح، ويبدو أن هذه المراحل المبكرة للديمقراطية السياسية الحالية تُظهر مخاطر المنافسة السياسية وليس فوائدها فحسب. فقد أوجدت الثورات الآمال بأن هذه الدول تستطيع بناء أنظمة سياسية تجلب الوحدة الوطنية عبر مشاركة جميع مواطنيها إلا أن التطورات خلال الأشهر القليلة الماضية في هذه الدول الثلاث جعل هذه الطموحات تبدو بعيدة المنال(18). 

أوضح هذا الجزء المسارات المختلفة للتحولات الديمقراطية والتي تشمل نجاحات ملحوظة أحيانًا ونكسات أحيانًا أخرى، ويقدم الجزء التالي تفسيرات لنجاحات وإخفاقات التحولات الديمقراطية في مناطق مختلفة حول إفريقيا. 

تفسير النجاحات والإخفاقات 

يمكن تفسير نجاح التحولات الديمقراطية في الحالات المذكورة من خلال عوامل عدة تشمل استقلالية ومهنية الهياكل الانتخابية والإدارية والتنسيق بين أطراف المعارضة والإصرار المتنامي للمواطنين والاستخدام المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة والدور الداعم للمجتمع الدولي... إلخ. 

مكَّن استقلال لجان الانتخابات في غانا، ومؤخرًا في نيجيريا، من بسط درجة معقولة من السلطة على دورات الانتخابات وإجراءاتها. وقد دعمت سلسلة من مبادرات الإصلاح الانتخابي درجة المهنية والقدرات الإدارية والفاعلية الخاصة بلجان الإدارة الانتخابية في كلا البلدين. فعلى سبيل المثال، كانت عملية تطبيق التوصيات المهمة لتقرير لجنة الإصلاح الانتخابي للقاضي أويس ذات صلة وثيقة بالحالة النيجيرية. وفي غانا، فإن رئيس لجنة الانتخابات يُمنَح أمانًا على منصبه حسب القانون بحيث لا يستطيع الرئيس عزله من بعد تعيينه إلا نتيجة انتهاك واضح للدستور. 

علاوة على ذلك، ففي معظم الحالات الناجحة والتي شهدت تبادلًا للسلطة و/أو هزيمة رئيس قائم على وجه الخصوص، فإن الصفة المشتركة بين هذه الحالات كان التنسيق الفعَّال بين أحزاب المعارضة. وقد كان هذا العامل ذا دلالة واضحة في الانتخابات العامة في نيجيريا عام 2015 حيث استطاعت أحزاب المعارضة الرئيسية أن تندمج وبالتالي أن تجمع مواردها وأن تنسق أنشطتها بشكل أفضل والذي أدى إلى نجاح انتخابي للمعارضة(19). 

كما يُعتبر تصاعد درجة إصرار المواطنين عاملًا أساسيًّا لنجاح الديمقراطية في هذه البلدان؛ فلم يعد الناخبون راضين بالاقتراع فقط بل أيضًا أصبحوا يبدون اهتمامًا شديدًا بما سيحدث لأصواتهم الانتخابية. بعبارة أخرى، يريد المواطنون فعل كل ما يسمح به القانون لضمان أن أصواتهم سيكون لها أثر فعلي على عكس ما كان يحدث في الماضي وخاصة ما حدث في نيجيريا عام 2011. وهناك ثلاثة عوامل على الأقل أسهمت في هذا التطور.

  • أولًا: وجود العديد من منظمات المجتمع المدني التي تَكَرَّس وجودُها لتعزيز قيم الديمقراطية والعمل على تثقيف الناخبين والتدخل مع أطراف انتخابية محورية مثل اللجنة الانتخابية والأحزاب السياسية والأجهزة الأمنية. ويعتبر مركز الديمقراطية والتنمية ومؤسسة (CLEEN) والمبادرة الشبابية للمناصرة والنمو والتقدم أمثلة مهمة في نيجيريا.
  • ثانيًا: حدث ارتفاع كبير في مستوى الوصول إلى واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة في هذه الدول وقد أصبحت أدوات مثل الإنترنت والهاتف المحمول والفيسبوك وتويتر وسائل مهمة للحشد في هذه البلدان.
  • وعلاوة على ذلك، فقد كان المجتمع الدولي مصدر دعم لعمليات الدمقرطة من خلال توفير الدعم التقني والمادي للجان الانتخابية في هذه الدول. 

أما في شمال إفريقيا، فبعض هذه الظروف والقدرات إما مفقودة وإما شحيحة كما هو واضح في الإنجازات الديمقراطية المحدودة للدول الواقعة هناك. وعلى الأخص، فإن الإخفاقات الديمقراطية في دول عربية كمصر وليبيا وتونس لا يمكن فصلها عن الإرث الطويل للشمولية والدعائم الاقتصادية الضعيفة لهذه الدول وغياب الأفكار الواضحة لدى قادة الثورات وغياب آليات المحاسبة وتجزئة المعارضة...إلخ؛ فكون شمال إفريقيا يملك تاريخًا طويلًا من الحكم الشمولي هو أمر مفروغ منه في الأدبيات السياسية، وقد تحمَّل الناس، ولأسباب عديدة، التصرفات الديكتاتورية لهذه الأنظمة إلا أنه بينما استمرت "الشرعية الاقتصادية" للحكم الأحادي في التدهور بشدة إلى درجة أن تكلفة الحكم الأحادي لم تعد تساوي المكاسب الاقتصادية الضعيفة التي توفرها حكومات دول شمال إفريقيا، فقد أصبح اهتزاز دعائم تلك الأنظمة الديكتاتورية وشيكًا جدًّا. وقد حدث ذلك خلال الربيع العربي، عام 2011، وقد كان متوقعًا بأن ترنح الآمال المرتفعة التي وُضِعت على كاهل الثورة كمسار واعد للخروج من الفقر وعدم المساواة كان يعني أن الشعور بانعدام الرضى لدى الشعوب من "الديمقراطيات الجديدة" لم يكن ليتأجل كثيرًا ونتج عنه تجزئة متزايدة وغير مسبوقة للمجتمعات على أسس قبلية ودينية. 

وقد أدى فشل بعض هذه الأنظمة الجديدة في تعزيز المساءلة، وخصوصًا بالتعاطي مع تركات عقود من الديكتاتورية من خلال مبادرات قضائية مرحلية، إلى تعقيد المشكلة. وقد كان من الممكن لمثل هذه المبادرات أن تواجه انتهاكات قديمة لحقوق الإنسان والمعاناة المرتبطة بهذه الانتهاكات. ولكي نفهم أهمية هذا العامل بشكل أفضل يجدر بنا أن نلاحظ أن تميز التجربة التونسية يمكن تفسيره من خلال "الاستشارة المجتمعية الواسعة في قضية العدالة الانتقالية" والتي أدت إلى صياغة قانون للعدالة الانتقالية في هذه الدولة. 

أما مصر وليبيا، فقد فشلا في هذا المجال. مع ذلك، فإنه يبدو أن الأحزاب المعارضة لم تتعلم أية دروس مهمة من التجارب الناجحة في أماكن أخرى من القارة؛ فهذه الأحزاب تبقى مجزَّأة بشكل كبير وليست ذات فعالية بدون وحدة حقيقية؛ فالوحدة تعني القوة وقد تكون نقطة انطلاق جيدة. 

خاتمة 

يكشف التحليل أن تاريخ التحول الديمقراطي في إفريقيا يمتاز بالتنوع والاختلاف وبأن التحول حسب الأماكن والأزمنة المختلفة أخذ مسارات عديدة ومعقدة. وقد وُجِدت قصص نجاح لهذا التحول في بعض الدول مثل غانا ونيجيريا والسنغال وزامبيا لم تخلُ من بعض الإخفاقات والعقبات. في المقابل، فإنه في بعض الحالات الأخرى مثل مصر وليبيا وتونس لم تتجسد وعود الربيع العربي في تحقيق التحول إلى ديمقراطية حقيقية. ومن أجل تعميق الديمقراطية في إفريقيا، يتوجب تمكين المؤسسات اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ودعم المؤسسات التي تُمأسس التحول السياسي الآمن، كما يجب تشجيع الأحزاب السياسية ذات التوجهات الأيديولوجية وتنشيط المجتمع المدني وتوسيع سبل الشمول السياسي وبناء أطر إقليمية معيارية قوية تحارب السلطوية.

__________________________________

 البروفيسور جيريمايا أوموتولا، محاضر في قسم العلوم السياسية، الجامعة الفيدرالية، أوفي إيكيتي، ولاية إيكيتي، نيجيريا.

 د. فريدوم أونيوها، محاضر في قسم العلوم السياسية، جامعة نيجيريا، نسوكا.

مراجع

1 - Michael Bratton, Nicholas van de Walle, Democratic Experiments in Africa: Regime Transitions in Comparative Perspective, (Cambridge University Press. New York, 1997)

2 - Gabrielle Lynch and Gordon Crawford, “Democratization in Africa 1990–2010: An Assessment,” Democratization. 18(2), 2011, p. 275–310.

3 - Staffan Lindberg, “A Theory of Elections as a Mode of Transition”, in Lindberg, Staffan (ed.) Democratization by Elections: A New Mode of Transition? , (Johns Hopkins University Press, Baltimore, 2009).

4 - Michael Bratton, “Second Elections in Africa”, Journal of Democracy, 1998, p. 52.

5 - Economic Commission for Africa, African Governance Report (AGR) II, (Oxford University Press, New York, 2009), p.17.

6 - National Research Council, Democratization in Africa: African Views, African Voices, (The National Academies Press, Washington, DC, 1992).

7 - Amir Taheri, “The Future of the Arab Spring: Best-Case Scenario, Worst-Case Scenario”, American Foreign Policy Interests: The Journal of the National Committee on American Foreign Policy, (34:6, 2012), p. 302-308.

8 - Jeremiah S Omotola, The African Union and the Promotion of Democratic Values in Africa: An Electoral Perspective, Johannesburg, SA: South African Institute of International Affairs, 2014, Occasional Paper 185.

See for instance, Abdul-Gafaru Abdulai, and Crawford Gordon, “Consolidating Democracy in Ghana: Progress and Prospects”, Democratization, 17(1), 2010, p. 26–67.

10 - Jeremiah. S, Omotola, “Trapped in Transition: Nigeria’s First Democratic Decade and Beyond”, Taiwan Journal of Democracy, Vol. 9 (2) Taiwan Foundation for democracy, Taiwan, 2013, p. 171-200.

11 - Freedom C. Onuoha, Christian M. Ichite, and Temilola A. George, Political, Economic and Security Challenges facing President Buhari. Al Jazeera Centre for Studies, 21 September 2015.

12 - Arame Tall, “Democracy wins in Senegal”, Aljazeera, 26 March 2012, (Visited on 4 June 2015):

https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2012/03/2012326133458592301.html

13 Jeremiah S. Omotola, and A. Stroh, “Presidential Elections, Incumbent Losers and Political Institutionalization in Africa”, Draft paper, Bayreuth International Graduate School of African Studies (BIGSAS), University of Bayreuth, Germany, November 2017.

14 - Carl Gershman, “Islam and Democracy after the Arab Spring”, World Affairs, 2016, (Visited on 14 March 2018).

http://www.worldaffairsjournal.org/article/islam-and-democracy-after-arab-spring

15 - Abraham F. Lowenthal, and Sergio Bitar, “Getting to Democracy: Lessons From Successful Transitions', Foreign Affairs, 2016, (Visited on 15 March, 2018):

https://www.foreignaffairs.com/articles/2015-12-14/getting-democracy

16 - Ricardo Larémont, After the Fall of Qaddafi: Political, Economic, and Security Consequences for Libya, Mali, Niger, and Algeria', Stability: International Journal of Security & Development, 2(29), 2013, p. 1-8.

17 - Freedom House, Outlook for Democracy in Post-uprising North Africa, 10 November 2011, (Visited on 12 March 2018):

https://freedomhouse.org/blog/outlook-democracy-post-uprising-north-africa

18 Anthony Dworkin, The Struggle for Pluralism after the North African Revolution, (the European Council on Foreign Relations, London, 2013), p.13

19 - Hamalai, L., Samuel G. Egwu, and Jeremiah S. Omotola, Nigeria’s 2017 General Elections: Continuity and Change in Electoral Democracy, (Palgrave Macmillan, UK, 2017).

 

تعليقات

 

نرشح لكم

تحاول هذه الورقة رصد الأداء الاقتصادي الصوفي بغرب إفريقيا عمومًا وبالسنغال بشكل خاص ومدى تأثيره على سياسة الحكومات بالمنطقة، وكيف يلعب دور المكمل في علاقته بالدولة، دون أن يشكِّل ورقة ضغط، حيث ظل في حدود لا يتجاوزها مقابل أدوار أخرى ذات أهمية للسلطات السياسية.

2018/10/12

يُقدِّم التقرير قراءة لنتائج الانتخابات التشريعية والجهوية والبلدية التي عرفتها موريتانيا مؤخرًا ويربطها بالسياق الموسوم بالتجاذبات الحادة بين أغلبية بدأت في التحضير مبكرًا، فيما يبدو، لرئاسيات 2019 وبين معارضة متعددة الأطراف وغير متجانسة الطرق ولا متفقة في الرؤى.

2018/10/04

تتناول هذه الورقة الانعطافة التي يقوم بها حزب الله في الساحة اللبنانية، وذلك بالانخراط في الدولة لاستعادة ثقة جمهوره وللتعامل مع العقوبات التي تُفرض عليه أو على إيران. وتراجع العقوبات والتحديات التي تواجهه على هذا الصعيد.

2018/10/01