الصومال والإمارات: أسباب التوتر الدبلوماسي ومستقبل العلاقات - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الصومال والإمارات: أسباب التوتر الدبلوماسي ومستقبل العلاقات

يبحث التقرير مسارات النزاع الدبلوماسي بين الصومال والإمارات، وسياقاته وخلفياته، ومؤشرات التوتر السياسي وتداعياته، وسيناريوهات الأزمة الراهنة، ويستشرف مستقبل التعاون والعلاقات السياسية، في ظل التوتر الذي تتسم به العلاقات السياسية بين البلدين واتجاهها نحو مآلات الاحتقان والقطيعة.

الأربعاء, 18 أبريل, 2018 10:27 GMT

ميناء بربرة بإقليم أرض الصومال الذي وقعت شركة موانئ دبي اتفاقية لاستغلاله دون علم الحكومة المركزية في مقديشو (رويترز)

مقدمة 

تعد العلاقات الصومالية-الإماراتية تاريخية، ومرَّت بمراحل مختلفة، بدءًا من عام 1837؛ إذ كانت مناطق في شمال الصومال لها علاقات مع سلطان صقر القاسمي(1)، ويُرجع بعض المؤرخين علاقات البلدين إلى العصور القديمة؛ حيث ذكروا وثيقة "بيريبلوس" في القرن الأول الميلادي وغيرها من الوثائق الأخرى، وكشفت تلك الوثائق عن تبادل تجاري بين التجار الذين كانوا يقطنون المدن الواقعة في الساحل الشمالي للصومال والتجار الحميريين والسبئيين الذين بسطوا سيطرتهم على جزء كبير من شبه الجزيرة العربية. كما حافظت مختلف السلطنات الصومالية خلال العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة على علاقات وثيقة مع الممالك الأخرى التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية(2). 

أما في الفترة التي أعقبت استقلال الصومال وصعود الجنرال سياد بري إلى سدة الحكم 1969، فكانت هناك علاقات تربط الصومال بالإمارات؛ إذ ساندت دولة الإمارات جمهورية الصومال بتقديم معدات عسكرية للحكم العسكري الجديد، من بينها 12 طائرة حربية من طراز هوكر هنتر بريطانية الصنع للقطاع العسكري الصومالي(3). استمرت تلك العلاقات وانتقلت إلى الشطر الاقتصادي، فبلغ حجم التعاون الاقتصادي الصومالي-الإماراتي مراحل متقدمة في سبعينات القرن الماضي، من خلال تجارة المواشي والأيدي العاملة الصومالية(4) إلى جانب حركة التصدير والتوريد التي تطغى على العلاقات الاقتصادية بين البلدين. 

بعد سقوط الدولة المركزية، عام 1991، نُشرت وحدة عسكرية إماراتية ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تحت شعار "إعادة الأمل" إلا أن هذا الشعار سرعان ما تبدد بعد غرق الرامبو الأميركي في الوحل الصومالي أواخر عام 1994. 

وفي الألفية الجديدة، كان الدور الإماراتي كغيرها من دول الخليج مقتصرًا على النشاط الإنساني، عبر الهلال الأحمر الإماراتي، إلا أن ذلك الدور تضاءل مع دخول العقد الثاني من الألفية، فأصبح الغطاء الإنساني يختفي تدريجيًّا، فبرز الدور السياسي الإماراتي بقوة منذ قدوم بعثتها إلى مقديشو عام 2013، وتعيين محمد أحمد عثمان الحمادي سفيرًا فوق العادة لدى الصومال. 

وفي هذا التقرير، نبحث مسارات النزاع الدبلوماسي بين البلدين، وخلفياته وسياقاته، ونتناول مؤشرات التوتر السياسي، إلى جانب رصد التداعيات السياسية، وسيناريوهات الأزمة الراهنة، ونستشرف مستقبل التعاون والعلاقات السياسية، في ظل ما تتسم به العلاقات السياسية بين البلدين من الفتور وسيرها نحو مآلات القطيعة والاحتقان. 

مسارات جذور النزاع بعد الأزمة الخليجية 

منذ إعلان الصومال موقفه الحيادي تجاه الأزمة الخليجية في يونيو/حزيران عام 2017، كانت الإمارات تمارس جهودًا حثيثة من أجل ثني الصومال عن موقفه الرسمي، وذلك عبر تجييش الولايات الفيدرالية من أجل تبني مواقف مناوئة للحكومة الفيدرالية، التي اتسمت سياستها الخارجية تجاه التغلغل الإماراتي بالحزم والحسم. 

وفي هذا الصدد، يمكن أن نشير في جذور مسارات التوتر الدبلوماسي بين مقديشو وأبوظبي إلى نقطتين رئيسيتين، وهما:

- تراكمات الأزمة الخليجية: ليس هناك شك في تأثُّر الصومال بتراكمات الأزمة الخليجية والتي ستُكمل عامها الأول بعد شهرين فقط، فمنذ ذلك الحين والصومال يخوض صراع التحدي والإرادة مع دول الحصار، وخاصة دولة الإمارات التي تطمح إلى توسيع رقعة نفوذها في منطقة القرن الإفريقي، ابتداءً من عصب الإريترية مرورًا بجيبوتي وانتهاء بمنطقة الصومال واليمن، وثمة هدفان من مشروعها التوسعي، وهما: البعد الاقتصادي والأمني، بغضِّ النظر عن مصالح تلك الشعوب ومدى ملائمة مشاريعها التوسعية لمصالح تلك الشعوب. 

ورافق سياسة التوسع الاقتصادية الإماراتية في القرن الإفريقي السياسة الأمنية عبر إنشاء قواعد عسكرية إماراتية في كل من منطقة أرض الصومال وجزيرة سقطرى، لتكتمل سياساتها تجاه المنطقة، من خلال حماية نفوذها الاقتصادي، وعبر خدمة سياسات دول أجنبية في المنطقة، وهي سياسات غير واضحة المعالم حتى الآن(5). 

ومن أجل إخضاع الحكومة الفيدرالية، كان الضغط السياسي يتزايد على الحكومة الصومالية، وذلك من قِبل تصريحات سياسية كان يلقيها البعض من رؤساء الأحزاب الصومالية عبر مؤتمرات وندوات سياسية، ووجدت تلك التصريحات الناقدة لأداء الحكومة أصداءها في المحافل السياسية وفي مواقع التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى مداهمة منزل السياسي، عبد الرحمن عبد الشكور، بتهمة التآمر مع دولة أجنبية لقلب نظام الحكم، إلا أنه بعد سجالات وصولات انتهت قضيته بالإفراج عنه(6). 

أيًّا كان تأثير الأزمة الخليجية على الصومال الذي يحاول العودة إلى أحضان الأسرة الدولية بعد عقدين من الدمار وغياب الدولة، إلا أن فصول التوتر بين الإمارات والصومال ستستمر، إن لم تأخذ أبعادًا جديدة ستغذي أفق النزاع الدبلوماسي بين البلدين.

- اتفاقية ميناء بربرة: مثَّلت اتفاقية ميناء بربرة بين سلطات أرض الصومال وشركة موانئ دبي الإماراتية منعطفًا جديدًا في العلاقات بين الطرفين، بقدر ما أجَّجت النزاع الدبلوماسي بين بلدين عربيين لم تعرف الشقاقات والخلافات السياسية بينهما سبيلًا، فمع توقيع اتفاقية ثلاثية في الأول من مارس/آذار 2018 بين كل من شركة موانئ دبي وجمهورية ما يُسمَّى بأرض الصومال الانفصالية والحكومة الإثيوبية، تفاقم الوضع السياسي المتأزم بين البلدين، وأصبحت تلك الخطوة من الطرف الإماراتي نقطة سوداء في صفحة التعاون الدبلوماسي والعلاقات السياسية بين كل من مقديشو وأبوظبي. 

فالاتفاقية أثرت، وبشكل غير مباشر، على العلاقات الإثيوبية-الصومالية من جهة، وقوضت جهود المجتمع الدولي والإقليمي في استمرار المفاوضات بين أرض الصومال والحكومة الفيدرالية، والتي كانت ترعاها أنقرة، كما أن هذه الاتفاقية جاءت بعد تفاهمات ودية جرت بين الجانبين لاستئناف المفاوضات. 

وبحسب مراقبين، فإن الغرض من حشر إثيوبيا من قِبل الطرف الإماراتي في هذه الاتفاقية يهدف أولًا إلى إحراج جيبوتي بعد أن أعلن رئيسها، إسماعيل عمر جيلي، عن سحب امتيازات شركة موانئ دبي لتشغيل محطة دوراليه للحاويات، وثانيًا: إلى رشوة إثيوبيا؛ وذلك بعد أن أبدت السلطات الإثيوبية رفضها للمشروع الإماراتي لإنشاء قاعدة عسكرية وتشغيل ميناء بربرة، ومن أجل إخضاع السلطة المركزية الفيدرالية، ظنًّا منها أن إثيوبيا قادرة على إجبار الحكومة الفيدرالية على قبول الاتفاقية الثلاثية، غير أن إثيوبيا التزمت الصمت حتى الآن، دون أن تعلِّق على الأحداث التي تشهدها المنطقة، والقرارات السيادية التي اتخذها الجانب الصومالي ضد عمل شركة موانئ دبي في الصومال. 

الاتفاقية الثلاثية هذه، أصبحت من بين وقود النار التي تشعل فتيل الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، والتي تسير من سيء إلى أسوأ، فكل يوم تبرز خلافات جديدة، لكن مصدرها يأتي من نقطتين أساسيتين، وهما: الأزمة الخليجية واتفاقية شركة موانئ دبي لتشغيل بربرة. 

أسباب التوتر الدبلوماسي 

في المثل العربي: "إذا عُرف السبب بطل العجب"، فإن ثمة أسبابًا عديدة للتوتر الدبلوماسي بين الصومال والإمارات، وهي أسباب مهدت الطريق إلى أزمة دبلوماسية، لا توجد حتى الآن مؤشرات توحي بحلحلتها أو عدم تصاعدها أفقيًّا، أزمة تغيب معها الوساطة العربية والإقليمية والدولية، لتصبح أخبار البلدين في صدارة الصحف والإعلام العربي والدولي. 

في هذه المحاور نتناول الخطوات التصعيدية التي عدَّها الجانب الصومالي أخطاء جسيمة ارتكبتها دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تنتهك سيادة ووحدة واستقرار الصومال. 

النفوذ الإماراتي المتزايد: منذ الانتخابات الرئاسية التي شهدها الصومال، مطلع عام 2017، كان المال الإماراتي حاضرًا في المشهد الانتخابي، كغيرها من دول خليجية وإقليمية كانت مهتمة بالشأن الانتخابي في البلاد، لكن السياسات الإماراتية كانت مغايرة؛ إذ تحالفت مع شخصيات سياسية كانت لها مطامع خاصة تتفق مناهجها السياسية مع الرغبة الإماراتية في كبح جماح النفوذ التركي في البلاد، والاستحواذ على مكاسب الدولة ومداخيلها ومن بينها الميناء والمطار. وغالبًا ما سعت الإمارات ومن دون خفاء إلى معاداة المشروع التركي في الصومال، رغم أن المجتمع الصومالي يرى أهمية وجود الداعم التركي في البلاد كشريك استراتيجي وضامن لاستقرارها السياسي والعسكري والأمني. 

كما أن النفوذ الإماراتي اتسع ليشمل السلطات الإقليمية والولايات الفيدرالية في فترة حكم الرئيس الأسبق، حسن شيخ محمود، الذي فضَّل عدم خوض صراع مع الإمارات، فكانت علاقات الإمارات مع سلطات الأقاليم أقوى بكثير وبصورة تفوق تعاونها مع الدولة الأم، كما كان التنسيق بينهما يتم أحيانًا من دون علم السلطات الصومالية في مقديشو. 

تصريحات شركة موانئ دبي: لم يكن الخلاف السياسي متأججًا ولم يشهد تحولًا دراماتيكيًّا بين البلدين، لكن تصريحًا أدلى به رئيس شركة موانئ دبي "سلطان بن سليم" لفضائية دبي الرسمية صَبَّ الزيت على نار الخلاف الدبلوماسي، كما حرَّك مشاعر الصوماليين؛ إذ وصف الاتفاقية الثلاثية بأنها شرعية، وأن قرار رئيس الحكومة الفيدرالية تجاه هذه الاتفاقية لا يعني الأطراف الموقعة على الاتفاقية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال: إن "أرض الصومال تمارس سيادتها واستقلالها منذ 27 عامًا"(7) 

استضافة موسي بيحي: ومن بين مآخذ الصومال على الإمارات خطواتها التصعيدية للأزمة بعد أن استضافت وفدًا من جمهورية ما يسمى بأرض الصومال، وأرسلت له طائرة خاصة نقلته إلى الإمارات، ونظَّمت مؤتمرًا صحفيًّا بين رئيس أرض الصومال، موسى بيحي، ورئيس شركة موانئ دبي، ليتطاولا على السيادة الصومالية، ما فسره البعض من المراقبين بأنه تهديد إماراتي لسيادة ووحدة الصومال(8). 

الهجمة الإعلامية الإماراتية: بعد قرار البرلمان الصومالي بسحب التراخيص من شركة موانئ دبي بأغلبية ساحقة ووقف أعمالها نهائيًّا في الصومال، شنَّت وسائل إعلام إماراتية هجومًا حادًّا على الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، فيما دشَّن ناشطون إماراتيون على وسائل التواصل الاجتماعي وسمًا يهاجمون فيه الحكومة الصومالية واتهموا فرماجو بـ"الإرهاب والعمالة"؛ الأمر الذي أغضب نشطاء صوماليين في مواقع التواصل الاجتماعي ليدشنوا بدورهم وسمًا مضادًّا "فرماجو يوحد الصومال"، وما زالت الهجمات الإعلامية الإماراتية مستمرة ضد الحكومة الفيدرالية(9). 

تهريب الأموال: إن ضبط 9.6 ملايين دولار في مطار مقديشو من قبل الأجهزة الأمنية، أضاف برميلًا من الزيت على الخلاف الدبلوماسي، رغم أن السفارة الإماراتية بمقديشو أكدت أن هذه الأموال كانت رواتب ومصروفات للجنود الصوماليين الذين تدربهم في قواعدها العسكرية في كل من بونتلاند ومقديشو، إلا أن ذلك الادعاء رفضه الجانب الصومالي، وأصبحت قضية رأي عام صومالية، لتلوذ أبوظبي إلى إصدار بيان شجب واستنكار لاحتجاز طائرة إماراتية خاصة، واعتبرت الخارجية الإماراتية هذه الخطوة غير قانونية(10). 

وفيما يلي نتناول أسباب تأزم العلاقات الصومالية-الإماراتية، والتي تقول عنها أبو ظبي إنها أخطاء فادحة ترتكبها إدارة مقديشو بحق شراكتها مع الصومال، وهي: 

طرد شركة موانئ دبي: تجادل الإمارات بأن الاتفاقية المبرمة مع سلطات أرض الصومال كانت شرعية بدعوى أن هناك اتفاقًا بين الصوماليين يقضي بعدم تدخل الحكومة الفيدرالية في الشؤون الاقتصادية والاستثمار لـ"صوماليلاند" والتي تم التوصل إليها من كل الطرفين برعاية جيبوتية وتركية، والتي تم توقيعها في فترة حكم الرئيس السابق، حسن شيخ محمود، إلا أن الأخير وفي تصريح متداول عبر الإعلام المحلي رفض هذه الاتفاقية واعتبرها مسًّا من الجنون والتلفيق(11). 

الاعتداء على الأعراف الدبلوماسية: بعد ضبط الأموال المهربة، وصف البعض من المحللين خطوات الأجهزة الأمنية بأنها مبالغ فيها وتهور سياسي فادح، وهو الأمر الذي تدَّعي البعثة الرسمية الإماراتية في مقديشو أنه انتهاك للقوانين والأعراف الدبلوماسية؛ إذ لم يتمكن مسؤولو السفارة أثناء تفتيش حقائبهم بعد اعتراضهم من اللقاء بمسؤولين من الخارجية الصومالية، حتى انتهى المطاف بشأن الأموال في يد الأجهزة الأمنية الصومالية. 

إنهاء مهمة التدريب الإماراتية: بعد الهرج والمرج الذي ساد البرنامج العسكري الذي توفره الإمارات في الصومال، قررت وزارة الدفاع الصومالية إنهاء البرنامج التدريبي الإماراتي؛ ما دفع السفير الإماراتي لدى مقديشو إلى الاستفسار بخصوص هذا الأمر من الخارجية الصومالية، فلمَّح الجانب الصومالي بأنه لا توجد نوايا صومالية لإيقاف هذا المشروع الإماراتي لتدريب وتمويل وحدات من الجيش الصومالي، (12) وقد أوقفت الإمارات المشروع فيما بعد. 

لغة الشكاوى والرسائل الدبلوماسية  

لم يتوان كلا البلدين عن إصدار بيانات شجب وتنديدات، ورفع شكاوى إلى جامعة الدول العربية؛ فقد أرسل الصومال شكوى رسمية إلى الجامعة العربية من خلال مندوبيته في الجامعة العربية في مارس/آذار 2018، وذلك إثر إبرام اتفاقية ثلاثية بين كل من شركة موانئ دبي وأرض الصومال وإثيوبيا. ووصف الصومال هذه الخطوة الإماراتية بأنها استفزازية وتنتقص من سيادته ووحدة ترابه(13). 

وردًّا على هذه الخطوة، استدعت الخارجية الصومالية السفير الإماراتي لدى مقديشو، محمد أحمد عثمان الحمادي، للاستفسار عن علم دولته بالاتفاقية الثلاثية المبرمة لتشغيل ميناء بربرة، وأوضح مصدر دبلوماسي مطلع أن ردَّ السفير لم يكن مقنعًا، وبرر خطوة شركة موانئ بربرة بأنها شركة إماراتية خاصة لا تمثل الدولة الإماراتية، إلا أن هذا الرد لم يقنع الخارجية الصومالية، بل ظلت تنتظر منه ردًّا شافيًا(14). 

ومع تفاقم الأزمة الدبلوماسية، ضبط جهاز الأمن الصومالي مبالغ مالية ضخمة مهربة؛ ما دفع الخارجية الإماراتية إلى استدعاء القنصل الصومالي في أبوظبي وسلَّمته رسالة احتجاج، وهي الرسالة التي نقلها القنصل الصومالي إلى بلاده بعد يوم من تلقيها، وبحث السفير الإماراتي لدى مقديشو القضية ذاتها مع الخارجية الصومالية، إلا أن الرد الذي تلقاه هو أيضًا لم يكن وافيًا، بل حاول أن يضغط على الصومال لتقديم اعتذار رسمي إلى الإمارات، وأصبح الصومال بدوره يكيل بمكيالين؛ ما أجبر الجانب الإماراتي على رفع شكوى ضد الصومال إلى الجامعة العربية دون أن تلتفت رسالة الشكوى إلى حزمة الأموال المهربة بل ركزت فقط على إيقاف العسكريين الإماراتيين وأعضاء من البعثة الدبلوماسية(15). 

الخطاب السياسي الإماراتي تجاه خلافاته مع الصومال يتفاقم وبوتيرة متسارعة، بعد أن نشر وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، تغريدة في موقع تويتر، وهو الخطاب الذي كشف عن مدى تأزم العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فضلًا عن تغريدة أخرى لوزير خارجية البحرين، وهي التي أزالت القناع عن تبعية سياسة الخارجية البحرينية للإمارات، ومدى شراكة كلا الدولتين (البحرين والإمارات) وتوجهاتهما نحو تصعيد أفق الخلافات الدبلوماسية مع الصومال الذي يحتاج إلى دعم عربي بدلًا من مزايدات سياسية تطيح باستقراره السياسي والأمني(16). 

مآلات وتداعيات الأزمة الدبلوماسية 

بحسب المتابعين لمسارات العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فإن الأزمة الراهنة تسير نحو حقل من الألغام السياسية إذا لم يبادر الصومال أو الإمارات إلى فتح قنوات تواصل وحوار مع الآخر؛ فالإمارات تنظر إلى الصومال على أنه بلد يحتاج إلى من يقف إلى جانبه في هذه المرحلة للانتقال نحو الضفة الأخرى، كما أن رؤية الصومال تجاه الإمارات تتركز على أنه شقيق عربي وقف إلى جانبه منذ عقود، من خلال هذه الرؤية المتبادلة يمكن أن يجتمع البلدان في طاولة المفاوضات لتبديد الخلافات ونبذ الفرقة السياسية، لكن تلك الحكمة السياسية تبدو غير واقعية في زمن التخندق نحو سياسات جديدة تتسم بالذاتية والتخريبية. 

لابد من الإشارة هنا إلى عدد من التداعيات المستقبلية والتي ستلقي بظلالها على العلاقات الدبلوماسية بين الصومال والإمارات: 

استمرار الضغط الإماراتي على الحكومة الفيدرالية: من السابق لأوانه الجزم بسيناريو استمرار الضغط الإماراتي على الحكومة الفيدرالية في الوضع الراهن، إلا أن ما يرجحه المتابعون هو أن يستمر الضغط الدبلوماسي على الحكومة المركزية من قبل الإمارات سواء من خلال نفوذها المالي أو السياسي عبر شراء الذمم أو من خلال نواب البرلمان، لقلب نظام الحكم في البلاد، بالإضافة إلى نفوذها الإقليمي من خلال الدول المجاورة للصومال، وخاصة إثيوبيا، التي باتت الرابح الأكبر في مسألة ميناء بربرة بعد أن تنازلت لها شركة موانئ دبي عن حصة 19 في المئة من عائدات ميناء بربرة الصومالي. 

إنهاء البرنامج التدريبي العسكري الإماراتي: استبقت الإمارات خطوة تصعيدية لتأزيم الوضع الدبلوماسي القاتم، وذلك بعد إعلانها عن إنهاء البرنامج التدريبي الذي كان يشرف على عدة دورات تدريبية، تخرَّج منها الآلاف من الصوماليين تم تدريبهم لبناء الجيش والأجهزة الأمنية الصومالية، كما كان البرنامج يقوم بدفع رواتب 2407 جنود صوماليين(17). 

لكن هذا الإجراء الدبلوماسي جاء عقب مطالب إماراتية موجهة للسلطة في إقليم بونتلاند لإصدار بيان وتسجيل مواقف مناوئة للحكومة الصومالية، إلا أن ذلك الطلب قوبل بالرفض، مما دفع القيمين على البرنامج الإماراتي التدريبي إلى تخفيض عدد العسكريين الإماراتيين المدرِّبين في الإقليم، إلا أنه بعد رفض شحن معدات عسكرية إماراتية أثناء مغادرة المدربين الإماراتيين مطار بوصاصو، تطور الخلاف الدبلوماسي، لينتهي إلى وقف نهائي للبرنامج التدريبي العسكري في الصومال(18). 

ذلك الموقف الذي لم تدرسه الإمارات جيدًا سيؤدي إلى إغلاق مراكزها الصحية وجميع القواعد العسكرية الإماراتية في كل من مقديشو وفي منطقة بونتلاند؛ الأمر سيترك ثغرة أمنية في خاصرة الحكومة الفيدرالية والأجهزة الأمنية الصومالية؛ إذا لم يتم ملء الفراغ العسكري الذي أحدثه الانسحاب العسكري الإماراتي من الصومال. 

استمرار فصول الأزمة الدبلوماسية: تفجُّر الصراع الدبلوماسي بين أبوظبي ومقديشو سيزداد قتامة في المرحلة القادمة، نظرًا للخلافات السياسية العميقة بين الطرفين، فعودة اللُّحمة السياسية بينهما، ربما ستأخذ وقتًا أطول؛ إذا لم يُبدِ طرف ما مرونة في التعاطي مع المسائل الخلافية بحنكة سياسية وبدبلوماسية لبقة، أما إذا طغت لغة الاستعلاء السياسي والتكبر في المشهد الخلافي بين الجانبين فسيستمر الجفاء السياسي وسيصعب مستقبلًا إذابة جبل الجليد من التوتر الدبلوماسي. 

آفاق التعاون ومستقبل العلاقات 

في نظر كثير من المتابعين يُعاب على السياسة الخارجية الصومالية أنها فاقدة للتوازن في سياساتها ودبلوماسيتها وعدم مراعاة ما يُعرف بـ"أولوية المصالح" بغضِّ النظر عن المسائل الخلافية مع شركائها التقليديين والجدد، فمنذ الحرب الباردة كانت السياسة الصومالية غير حكيمة في تعاطيها مع مسائل كثيرة، كما لم تكن سياستها تتصف بالمرونة والحيادية، فكانت إما مع هذا الطرف أو ذاك، وربما كانت قراراتها السريعة تمر من دون مشاورات دقيقة تأخذ مصالح البلد نحو معطيات تتلاءم مع مبادئه الدستورية والسياسية والاقتصادية. 

ورغم القرار الحيادي الإيجابي الذي تبناه الصومال تجاه الأزمة الخليجية الذي عكس توجه السياسة الخارجية الصومالية الجديدة بدلًا من أن يكون إمعة في صراع خليجي/خليجي، إلا أن تلك السياسة الحيادية رفضتها دول الحصار، ليبرز خلاف دبلوماسي مرير بين الإمارات والصومال، وهو خلاف ستكون مآلاته ووقعُه على الصومال كارثيًّا، نظرًا للعمق الاقتصادي الصومالي في أبوظبي، لأن التجار الصوماليين في الإمارات يعدون ثالث شريك اقتصادي في المنطقة؛ حيث تقدر نسبة المستوردات الصومالية من الإمارات العربية المتحدة بـ44 في المئة، من مجموع ما يتم توريده إلى الصومال من الخارج، كما أن معظم البنوك المحلية والتي يمتلكها القطاع الخاص تمر حوالاتها المالية من دبي؛ ما يعني أن القطاع الاقتصادي الصومالي يعتمد بشكل أو بآخر على تعاملاته المالية مع الإمارات(19). 

تلك العلاقات الاقتصادية القوية بين البلدين هي التي ستحدد مصير ومستقبل العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، فلا الصومال يرضخ للإملاءات الخارجية؛ إذ عبَّر رئيس البلاد، محمد عبد الله فرماجو، في أكثر من مناسبة عن رفض بلاده الانصياع لمطالب خارجية تضر بسيادة ووحدة واستقلال الصومال، فهل ستكف الإمارات عن ضغطها الدبلوماسي على الصومال، ومحاولاتها لخلق فزاعة سياسية في هذا البلد الإفريقي الذي عانى ويلات الاحتراب الداخلي لعقدين من الزمن؟ 

في نهاية المطاف، يمكن القول: إن مستقبل العلاقات السياسية بين أبوظبي ومقديشو مرهون بمدى تسارع الأحداث في الصومال وفرص إيجاد وساطة عربية أو مبادرة من طرفي¬¬ الأزمة، لتهدئة الأوضاع المتوترة، ولا يمكن الجزم في هذا الصدد بأن تقود الأزمة الدبلوماسية الراهنة إلى قطيعة حتمية تقطع شعرة معاوية بينهما، نظرًا للعلاقات التاريخية والإرث الثقافي والحضاري المشترك بين البلدين، لكن تلك العلاقة تحتاج إلى سياسة حكيمة للحفاظ عليها، ما يلزم الإمارات بصون واحترام سيادة واستقلال الصومال، وفي المقابل يفرض مبدأ حسن العلاقات والأخوة على الإدارة الصومالية الحالية إمعان النظر في سياستها مع الإمارات، لإيجاد مخرج سياسي لأزمة دبلوماسية انطلقت شرارتها بعد تفجر الأزمة الخليجية في يونيو/حزيران عام 2017.

_________________________________

الشافعي ابتدون- كاتب ومحلِّل صومالي

مراجع

1 – "مواقف الإمارات الإنسانية تجاه الصومال يُخلدها التاريخ"، البيان الإماراتية، 15 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 15 أبريل/نيسان 2018):

https://www.albayan.ae/across-the-uae/news-and-reports/2018-04-15-1.3238292

2 – "العلاقات الصومالية الإماراتية"، ويكيبيديا، 22 فبراير/شباط 2018، (تاريخ الدخول: 15 أبريل/نيسان 2018):

 https://ar.wikipedia.org/wiki/العلاقات_الإماراتية_الصومالية

3 – "الإمارات تدعم الصومال سياسيًّا وعسكريًّا"، الخليج الإماراتية، 8 مايو/أيار 2015، (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2018):

 http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/3d3520a2-2d6a-4fb9-b178-315f0de71044

4 – "العلاقات الاقتصادية الصومالية الإماراتية"، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، 17 ديسمبر/كانون الأول 2018، (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2018):

http://mogadishucenter.com/2015/12/العلاقات-الاقتصادية-الصومالية-الإما/

5 – "الصراع الأجنبي والضعف الصومالي"، موقع هيران أون لاين، 5 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 13 أبريل/نيسان 2018): إضغط هنا.

6 – UAE aggression targets fragile Somalia”, Hiiraanonline, 11 April 2018, (visited on 14 April 2018):

https://www.hiiraan.com/op4/2018/apr/157547/uae_aggression_targets_fragile_somalia.aspx

7 – "تصريحات الحكومة الاتحادية الصومالية حول اتفاقنا الأخير لا تعنينا"، يوتيوب، 4 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 15 أبريل/نيسان 2018):

https://www.youtube.com/watch?v=fXmjAwoLeyo

 8 - "رئيس أرض الصومال يغادر إلى أبوظبي"، مقديشو أون لاين، 13 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 15 أبريل/نيسان 2018):

http://muqdishoonline.com/ar/news/14/462/رئيس-أرض-الصومال-يغادر-إلى--أبو ظبي-

9 – "هجوم إماراتي شرس على الرئيس الصومالي"، عربي21، 9 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 15 أبريل/نيسان 2018):

https://arabi21.com/story/1077064/هجوم-إماراتي-شرس-على-الرئيس-الصومالي-وناشطون-يردون

10 – "الإمارات تستنكر احتجاز الصومال طائرة وأموالًا لدعم الجيش"، العربية نت، 10 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 16 أبريل/نيسان 2018):

http://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/gulf/2018/04/10/الإمارات-تستنكر-احتجاز-الصومال-طائرة-وأموال-لدعم-الجيش.html

11 – "الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يرفض علمه باتفاقية ميناء بربرة"، يوتيوب، 4 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 15 أبريل/نيسان 2018):

https://www.youtube.com/watch?v=VhYXHSkt0Ww

12 – نقل الباحث المعلومة عن مصدر دبلوماسي فضَّل عدم الكشف عن اسمه.

13 – "الصومال تشتكي الإمارات رسميًّا في جامعة الدول العربية"، الشرق القطرية، 8 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 16 أبريل/نيسان 2018):

https://www.al-sharq.com/article/08/03/2018/الصومال-تشتكي-الإمارات-رسميًا-في-جامعة-الدول-العربية

14- "الخارجية الصومالية تستدعي السفير الإماراتي لدى مقديشو"، مقديشو أون لاين، 27 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 16 أبريل/نيسان 2018): 

https://goo.gl/MPSKXC

15 – نقل الباحث المعلومة عن مصدر دبلوماسي فضَّل عدم الكشف عن اسمه.

16 – "قرقاش: الحكومة الصومالية تخلق احتقانًا لا داعي له"، بوابة العين الإماراتية، 11 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 16 أبريل/نيسان 2018):

https://al-ain.com/article/uae-somalia-plane

17 – "بعد احتجاز طائرة.. الإمارات تنهي مهمة بناء جيش الصومال"، العربية نت 16 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 16 أبريل/نيسان 2018):

 http://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2018/04/16/الإمارات-تنهي-مهمة-قواتها-التدريبية-لبناء-الجيش-الصومالي.html

18 – "أمن مطار "بوصاصو" الصومالي يحتجز عسكريين إماراتيين"، القدس العربي، 14 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 16 أبريل/نيسان 2018):

http://www.alquds.co.uk/?p=916627

19- "العلاقات الاقتصادية الصومالية الإماراتية"، مرجع سابق.


تعليقات

 

نرشح لكم

يناقش التقرير الجدل الداخلي الذي أثاره إعلان الحكومة العراقية الالتزام بتنفيذ العقوبات الأميركية ضد إيران، كما يستعرض فرص نجاح العقوبات من بوابة العراق، الذي تمتلك إيران فيه بالفعل الكثير من أوراق القوة والنفوذ.

2018/08/16

تناقش الورقة الملفات الملحَّة على أجندة السياسة الخارجية التركية، والمتمثلة في التصعيد الأميركي تجاه تركيا، إضافة إلى الملفات الإقليمية وأكثرها حضورًا الآن يتمثل في العقوبات المفروضة على إيران وأيضًا العلاقات التركية مع روسيا وإسرائيل.

2018/08/15

تعتبر العقوبات الأخيرة التي فرصتها الإدارة الأميركية ضد إيران نتاجًا لعقود من العقوبات الاقتصادية التي عانت منها طهران، منذ العام 1979 وإلى اليوم. تبحث هذه الورقة في تأثير هذه العقوبات ومدى قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل تبعاتها.

2018/08/09

احتلت الصواريخ الباليستية، التي تطلقها جماعة أنصار الله (الحوثيين) على المدن السعودية، مساحة كبيرة في خريطة الحرب، التي يخوضها التحالف العربي في اليمن، منذ مارس/آذار 2015، وعزَّزت مخاوف السعوديين من أن تكون غصتهم المستقبلية، في حال استأثر الحوثيون بالسلطة، بأي شكل من الأشكال.

2018/08/07