الخلافات بين الإمارات وحكومة هادي: الأسباب والتداعيات - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الخلافات بين الإمارات وحكومة هادي: الأسباب والتداعيات

تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في جنوب اليمن على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط حكومة الرئيس هادي بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغييرها من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله.

الأحد, 04 نوفمبر, 2018 12:19 GMT

قوات إماراتية في جزيرة سقطرى اليمنية (مايو/أيار 2018-الجزيرة نت)

مقدمة
في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2018، كانت الحكومة الشرعية في اليمن على موعد مع محاولة إسقاطها بالقوة في الذكرى الـ55 لثورة 14 أكتوبر، عبر انتفاضة شعبية يقودها المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي) المدعوم إماراتيًّا. وتُعدُّ هي المحاولة الثانية بعد المحاولة العسكرية الأولى نهاية يناير/كانون الثاني 2018، والتي حدث خلالها اشتباكات عسكرية دامية راح ضحيتها قتلى وجرحى. وفي كلتا المحاولتين، تدخلت الوساطة السعودية لإيقافهما. وكانت تقف خلفهما الإمارات العربية المتحدة، بهدف إسقاط شرعية الرئيس، عبد ربه منصور هادي، لصالح شرعية جديدة يقودها المهندس، خالد بحاح. ولا تزال التهديدات مستمرة بإسقاط حكومة الرئيس هادي أو تغييرها من الداخل خلال الفترة القادمة.

وتحاول الورقة الإجابة على هذه التساؤلات: لماذا تسعى الإمارات إلى إسقاط شرعية الرئيس، عبد ربه منصور هادي، وإيجاد شرعية بديلة؟ وما التداعيات المحتملة لذلك على خيارات الوحدة والانفصال، وعلى الاستقرار في الجنوب والشمال، وآفاق الحرب الدائرة في اليمن، ومستقبل عاصفة الحزم؟

تعارض حاد في المصالح بين الإمارات والحكومة الشرعية
عندما أعلنت الإمارات انضمامها إلى عاصفة الحزم، كثاني دولة بعد المملكة العربية السعودية، وضعت نصب عينيها أن تكون الأولوية لتحقيق مصالحها الخاصة في أن تصبح قوة إقليمية كبرى مسيطرة على شبكة الموانئ المهمة والمواقع النفطية وموانئ تصدير النفط والغاز في المنطقة والعالم. وكذلك محاربة كل ما له علاقة بالربيع العربي والإخوان المسلمين، ودعم القوى المناهضة لها بمختلف السبل.

ومثَّل اليمن بموقعه البحري وموانئه وجزره القريبة من خطوط الملاحة الدولية، فريسة سهلة للمطامع الإماراتية في ظل دولة مفككة وحكومة ضعيفة بحاجة للمساعدة الخارجية. ولسوء حظ سلطة الرئيس هادي وحكومته أنها من نتائج ثورة الربيع العربي، وتحوي حكومته وزراء من حزب التجمع اليمني للإصلاح المحسوب على الإخوان المسلمين.

لذلك ظهر التعارض بين الجانبين منذ بداية عاصفة الحزم، وفضلت الإمارات العمل خارج شرعية الرئيس هادي وحكومته، والعمل على منافسة هذه الشرعية وتهميشها بأدواتها الخاصة، ومحاولة تغييرها من الداخل إن استطاعت، أو الانقلاب عسكريًّا عليها، بهدف خلق شرعية جديدة أكثر ولاءً للمصالح والطموحات الإماراتية.

وكانت بداية الطموحات الإماراتية في اليمن قيامها، في صيف 2015، بدفع قوات إماراتية بحرية وبرية كبيرة لاقتحام مدينة عدن وتحريرها -فيما تزعم- من قوات صالح والحوثيين، واتضح لاحقًا أنها كانت ترمي إلى أن تحل مكانها بغية السيطرة على ميناء عدن الاستراتيجي. وقامت بتأسيس قاعدة عسكرية إماراتية دائمة في مدينة عدن، وإنشاء ميليشيات عسكرية محلية تابعة لها خارج سلطة الحكومة الشرعية. يُذكر أن الإمارات كانت سابقًا قد استأجرت ميناء عدن في العام 2008 أثناء فترة حكم الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، وقامت بتعطيله حتى لا ينافس موانئها في جبل علي وميناء راشد الإماراتيين. وعندما تولى الرئيس، عبد ربه منصور هادي، السلطة، في العام 2012، طلب من شركة موانئ دبي العالمية، إعادة التفاوض وإضافة شروط جديدة، لكن الأخيرة رفضت، وتم إلغاء العقد. وتحت ذريعة مشاركة الإمارات ضمن عاصفة الحزم، أصبحت تسيطر على كامل الساحل الجنوبي وجزء من الساحل الغربي. وتتواجد بشكل مباشر في معظم الموانئ اليمنية المهمة، مثل موانئ: عدن، وبلحاف والشحر والمخاء وذوباب، باستثناء مينائي الحديدة والصليف على البحر الأحمر(1). كما تتواجد عسكريًّا في عدد من المحافظات الجنوبية التي لا يوجد فيها حرب؛ مثل: محافظات عدن وشبوة وحضرموت. وقامت ببناء قاعدة عسكرية في جزيرة مينون القريبة من مضيق باب المندب دون علم الحكومة الشرعية(2).

وتسيطر اليوم بشكل مباشر على مواقع استخراج النفط والغاز المسال، وموانئ تصديرها، ولها قاعدة عسكرية في ميناء بلحاف النفطي بمحافظة شبوة، ويوجد لواء من القوات الخاصة الإماراتية مزود بطائرات أباتشي، في حقل المسيلة النفطي بمحافظة حضرموت. كما تتواجد كتيبة إماراتية في ميناء الضبة النفطي، تتخذ منه القوات الإماراتية مقرًّا لاستخباراتها العسكرية في محافظة حضرموت(3). وبطبيعة الحال، أسهم الوجود الإماراتي العسكري الكثيف في المواقع النفطية وموانئ تصدير النفط والغاز المسال، في الحد من قدرة الحكومية الشرعية على تصدير النفط والغاز للخارج، وتعزيز مواردها المالية(4).

زاد من توتر العلاقات بين الحكومة الشرعية والإمارات، سعي الأخيرة في، بداية العام 2016، إلى محاولة السيطرة على جزيرة سقطرى الاستراتيجية والضغط على الرئيس هادي وحكومته للتوقيع على عقد تأجير لمدة 99 سنة، يسمح لها بإقامة قاعدة عسكرية إماراتية فيها، لكن الحكومة رفضت التوقيع على العقد(5)، وقام الرئيس هادي بعدها بعزل رئيس الوزراء السابق، المهندس خالد بحاح، من منصبه نتيجة الصفقة(6) لِتُفاجأ الحكومة لاحقًا، في مايو/أيار 2018، بقيام الإمارات بإنزال قوات عسكرية كبيرة تتضمن دبابات ومدرعات إلى الجزيرة، في تحرك أشبه ما يكون باحتلال عسكري للجزيرة، قوبل برفض شديد من الحكومة(7)، ورفعت شكوى إلى الأمم المتحدة بالتصرف الإماراتي. تدخلت الوساطة السعودية لاحقًا لاحتواء القضية وإحلال قوات سعودية بدلًا عن القوات الإماراتية في الجزيرة. ولا تزال المحاولات الإماراتية جارية للسيطرة على الجزيرة عبر تغيير محافظها وإنشاء ميليشيا مسلحة تابعة لها هناك(8).

إضعاف قدرة الحكومة الشرعية على بسط سلطتها
وكإحدى أدوات السيطرة وتأمين المصالح؛ قامت الإمارات منذ فترة مبكرة بإنشاء ميليشيا عسكرية جنوبية تابعة لها، تتلقى أوامرها بصورة مباشرة من القيادة الإماراتية، أشبه ما تكون بسلطة موازية للحكومة الشرعية على الأرض. فسعت لإنشاء قوات "الحزام الأمني" في عدن ولحج وأبين والضالع في مارس/آذار 2016، وأنشأت قوات "النخبة الحضرمية" في منتصف 2016، وقوات "النخبة الشبوانية" في منتصف 2017(9). والمحاولات الإماراتية جارية لتعميم التجربة ونقلها إلى باقي المحافظات؛ فتسعى لإنشاء "النخبة المهرية والسقطرية" في المهرة وجزيرة سقطرة، وكذلك إنشاء "الحزام الأمني" في محافظة تعز، كقوات تابعة لها، تواجه هذه الجهود حتى الآن رفض ومقاومة من الحكومة(10).

ومن الطبيعي أن تكون هذه القوات المسلحة بأسلحة ثقيلة، وتدين بالولاء لطرف خارجي، عائقًا رئيسيًّا أمام قدرة الحكومة على بسط سلطتها(11)؛ فهي تعمل على استحداث نقاط تفتيش وإقامة حواجز أمنية خاصة بها، وتمنع عبور وزراء ومحافظين ومسؤولين في حكومة الشرعية دون موافقة مسبقة من القيادة الإماراتية، كما تقوم بمهاجمة المقرات الأمنية التابعة للشرطة المحلية، واحتجاز الجنود ومصادرة المقار الحكومية(12)، وتعمل كسلطة موازية للحكومة؛ لكل منها أجهزتها الأمنية واستخباراتها وسجونها الخاصة. وكانت الحكومة قد سعت إلى دمج هذه القوات (باعتبارها قوات خارجة عن الشرعية)، في الوحدات العسكرية الرسمية، إلا أنها قُوبلت بمقاومة ورفض شديدين من الإمارات(13).

ووجود هذه القوات خارج سلطة الحكومة، لا يحمل فقط مخاطر على الحكومة القائمة، وإنما أيضًا يهيئ البلد للفوضى والحرب الأهلية مستقبلًا. وينبغي أن تكون الحكومة الشرعية وحدها هي المالكة للقوة العسكرية.

الجهود الإماراتية لتغيير الحكومة من الداخل
في المقابل، أدركت الإمارات أن الحكومة القائمة غير مناسبة لحماية نفوذها ومصالحها في اليمن على المدى الطويل فاتجهت إلى محاولة تغييرها من الداخل والضغط على الرئيس هادي لإدخال أتباعها في هياكل السلطة الشرعية(14)؛ فعملت في نهاية 2015 وبداية 2016، على منح الشخصيات الموالية لها حقائب وزارية ومناصب حكومية؛ فتم تعيين المهندس خالد بحاح، القريب من حكام أبوظبي، نائبًا لرئيس الجمهورية، في 12 أبريل/نيسان 2015، بالإضافة إلى منصبه كرئيس للحكومة. وكذلك تعيين اللواء عيدروس الزبيدي، في ديسمبر/كانون الأول 2015، محافظًا لعدن. وتعيين القيادي السلفي، هاني بن بريك، وزيرًا للدولة، في يناير/كانون الثاني 2016. ليقوم الرئيس هادي لاحقًا بإقالتهم جميعًا بالإضافة إلى إقالة ثلاثة محافظين محسوبين على الإمارات دفعة واحدة بعد أن اتضح تبنيهم توجهات أقرب إلى المصالح الإماراتية منها إلى المصالح الوطنية، واستقوائهم بالإمارات في التعبير عن ميولهم الانفصالية ومعارضتهم الرئيس هادي علنًا(15). والأكثر أهمية بالنسبة لهادي أنه كان يجري إعداد خالد بحاح ليكون خليفة له على رأس السلطة الشرعية.

وفي المحاولة الأخيرة لإسقاط حكومة الشرعية بالقوة؛ سبقها تهديد مبطن من أجل عودة الشخصيات والقوى الموالية للإمارات إلى الحكومة. في امتداد للمحاولات السابقة في استخدام أدوات الضغط، والتهديد بإسقاط الحكومة بالقوة لإجراء تغيير سياسي في الحكومة من الداخل، يناسب حماية الإماراتية.

وهذا المسار لا يزال متوقعًا مستقبلًا في حال سعت السعودية إلى إطلاق يد الإمارات في الضغط على الرئيس هادي لتغيير رئيس الوزراء الجديد، وإعادة المهندس خالد بحاح أو شخصية أخرى موالية للإمارات على رأس الحكومة، بموجب ما يسمى "صفقة طحنون" مع القيادة السعودية(16)، والذي يمكِّن لتعزيز المصالح الإماراتية في اليمن على المدى الطويل، وفتح الباب على مصراعيه أمام النفوذ الإماراتي في المحافظات الجنوبية.

محاولات إسقاط الحكومة الشرعية
جرت حتى الآن محاولتان لإسقاط الحكومة الشرعية بالقوة بواسطة الإمارات وأدواتها في الجنوب؛ في يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول من العام 2018. وما يجعل تكرار محاولة ثالثة مستقبلًا ممكنًا: التعارض الحاد في المصالح بين الإمارات والحكومة الشرعية القائمة، وكذلك اختلال توازن القوى على الأرض لغير صالح الحكومة والرئيس هادي بعد أن تعمدت الإمارات إضعاف الرئيس هادي؛ وسحب ما تبقى من ألوية الحماية الرئاسية إلى جبهة الساحل الغربي. وتقع عمليًّا مدينة عدن وكل مؤسسات الدولة، والمطار، والميناء، ومقر الحكومة، ونقاط التفتيش تحت سيطرة الحزام الأمني الموالي للإمارات(17).

وتشير التحركات العسكرية، والتوزيع القتالي للقوات من أجل السيطرة على المواقع الحساسة في عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، خلال محاولة الانقلاب الأخيرة منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2018؛ إلى جدية الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي في التحرك عسكريًّا لإسقاط الحكومة الشرعية، وإعلان طردها من عدن، وإقامة حكومة شطرية بدلًا عنها(18) لولا تدخل السعودية والضغط لإيقاف تصعيد الأوضاع في الجنوب، والتفاهم مع الرئيس هادي لتغيير الحكومة(19). وكان الرئيس هادي قد هدَّد بالاستغناء عن مشاركة الإمارات في التحالف العربي؛ "نتيجة لسياساتها العدائية الهادفة إلى تقويض الشرعية وتهديد وحدة البلاد، ودعم القوى الانفصالية في السيطرة على مؤسسات الدولة"(20).

ورغم موافقة هادي على التغيير من حيث المبدأ، إلا أنه رفض بشكل مطلق عودة خالد بحاح ذي الميول الانفصالية والقريب من أبوظبي إلى رئاسة الحكومة(21)، وقام باستباق الضغوط عليه وعزل رئيس الوزراء، أحمد عبيد بن دغر، وعيَّن معين عبد الملك، رئيسًا جديدًا للحكومة بدلًا عنه، على أن يقوم خلال الأيام القادمة بتشكيل حكومة مصغرة. ومن جانبه، اعتبر المجلس الانتقالي الجنوبي الخطوة "فهلوة" وذرًّا للرماد في العيون(22).

تداعيات سقوط الحكومة الشرعية
العامل المهم الذي يمنع الإمارات من إسقاط الحكومة الشرعية بالقوة حتى الآن هو الضغوط السعودية، ليس فقط للحد من الطموحات الإماراتية في اليمن خارج أهداف التحالف ولكن أيضًا لما يكتنف هذا المسار من تداعيات خطيرة على مظلة الشرعية التي يستخدمها التحالف العربي كمبرر للتدخل في اليمن.

وسقوط حكومة الرئيس هادي في الجنوب بالقوة يعني إسقاط الرئيس هادي والشرعية التي يمثلها كرئيس منتخب شعبيًّا. بالإضافة إلى أن الثقل الذي يمثله هادي وأهميته، يأتيان من ثقله وأهميته في الجنوب وتطورات مثل هذه ستنعكس سلبيًّا على القوات الجنوبية المتواجدة في الشمال خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من ألوية العمالقة وقوات الحماية الرئاسية المتواجدة في جبهة الساحل الغربي شمال اليمن، تدين بالولاء للرئيس هادي (أغلبها سلفية تعتبر هادي ولي الأمر الشرعي المنتخب من الشعب وتجب طاعته)، وانسحابها من الساحل الغربي إلى الجنوب سيربك بشكل كبير العمليات العسكرية هناك؛ وذلك خيار غير مرحب به قطعًا من قبل التحالف العربي الذي يرجو استمرار مظلة الشرعية في الفترة القادمة حتى يحقق أهدافه لأنه بدون مظلة الشرعية والتحالف العربي سيُنظَر للوجود العسكري الإماراتي وكذلك السعودي كقوات احتلال تجب مقاومتها. وتتجنب السعودية في الوقت الراهن فتح مزيد من ملفات الصراع في اليمن قد تسبِّب فشل التحالف العربي، أو التورط في قضايا جديدة، تسبِّب مزيدًا من الإشكالات.

وتوجد مخاوف عميقة من أن تؤدي محاولة المجلس الانتقالي تولي الأوضاع في الجنوب بدلًا عن الحكومة الشرعية إلى جرِّ الجنوب إلى الفوضى والحرب الأهلية بسبب أن المجلس الانتقالي ليس الطرف الوحيد في الجنوب في ظل التنوع السياسي والقبلي والمناطقي القائم(23). وهناك شكوك كبيرة حول قدرته على إدارة الأوضاع في الجنوب منفردًا، وتحسين الأحوال الاقتصادية المتردية؛ حيث يقتصر وجوده بشكل مؤثر كقوة رئيسية في محافظات عدن ولحج والضالع ويافع، وما عداها من المحافظات وجوده فيها محدود. ويحد من شرعيته حكم الجنوب منفردًا؛ النظرة إليه شعبيًّا كأداة بيد الإمارات تحرص على حماية مصالحها في الجنوب.

ويدرك الرئيس هادي أن سيطرة المجلس الانتقالي ستكون على حساب الشبكة المناطقية والسياسية المحسوبة عليه في الجنوب، باعتبار أغلب المنضمين للمجلس الانتقالي ينتمون لمناطق جغرافية معينة، وأقرب سياسيًّا لما كان يسمى "جناح الطغمة" سابقًا التابعين للتيار الانفصالي بزعامة نائب الرئيس اليمني الأسبق، علي سالم البيض. أما مؤيدو تيار الشرعية فينتمون في الغالب إلى مناطق جغرافية معينة، ويتبعون سياسيًّا ما كان يسمى سابقًا بـ"جناح الزمرة"، وهم أقرب إلى خيار إصلاح مسار الوحدة من الانفصال(24).

التداعيات على شمال اليمن
تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في الجنوب، على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط الحكومة الشرعية بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغيير الحكومة من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى الانفصال. الفارق أن الأول يقود إلى انفصال فوري بين الشمال والجنوب، والثاني انفصال متدرج مع ضم المجلس الانتقالي إلى طاولة المفاوضات في أية محادثات سلام قادمة كممثل لخيار الانفصال أو إقامة كونفيدرالية مؤقتة من إقليمين.

ورغم التصريحات الإماراتية العلنية بأنها ملتزمة بالحفاظ على الوحدة بين شطري اليمن، إلا أن سلوكها العملي في الواقع يهيئ البلد للانفصال، ويبدو أنها لا تمانع في حدوث الانفصال الفوري أو قيام كونفيدرالية مؤقتة بين شطري اليمن، ما دامت القوي الانفصالية في الشمال والجنوب ستحمي مصالحها الخاصة في اليمن مستقبلًا.  

ويبدو المخطط الإماراتي يشجع إقامة حكومة في الجنوب يقودها المجلس الانتقالي وحكومة شطرية في الشمال يكون عمادها الأساسي حزب المؤتمر الشعبي العام، واستمرار الرئيس هادي بصورة مؤقتة كرئيس صوري على رأس الشرعية (في حال موافقته)، يحكم دولة كونفيدرالية مكونة من إقليمين في الشمال والجنوب. واستبعاد وزراء حزب الإصلاح من الحكومتين، الذي تعتبره الإمارات عدوًّا رئيسيًّا لها، تتهمه بتبعيته لحركة الإخوان المسلمين، وقيادة ثورة الربيع العربي في اليمن.

ولا يقتصر تأثير الإمارات على الأوضاع في الشمال، في دعمها الانفصال والتفكك كأمر واقع، ولكن لأنها أيضًا تمثل عائقًا رئيسيًّا يمنع تقارب الجناح العسكري المحسوب على الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، الذي حتى الآن لا يعترف بالشرعية القائمة ويعمل خارجها في الساحل الغربي بدعم ورعاية إماراتية، مع بقية قوى الجيش الوطني التابع للحكومة، بحجة أنه مكوَّن من الإصلاح والشباب المحسوب على ثورة الربيع العربي. في مؤشر على أن الصراع في اليمن سيستمر لسنوات قادمة، ويطيل معه معاناة السكان.

خاتمة 
يقف اليمن والتحالف العربي اليوم على نقطة زمنية مفصلية، إما أن تتكاتف الجهود للضغط من أجل إصلاح مسار العلاقات المختلة بين الحكومة الشرعية والإمارات، أو أن العلاقات المختلة اليوم ستقود إلى أوضاع أسوأ في المستقبل؛ منها تحقيق الانفصال في اليمن، وتداعيات أخرى قد تقود التحالف العربي إلى الفشل في تحقيق أهدافه.

فالواقع يشير إلى أن الإمارات انحرفت كثيرًا عن الغرض من وجودها كعضو في التحالف العربي لإعادة الشرعية إلى اليمن، وأصبحت هي المتحكم الفعلي في أغلب محافظات الجنوب عبر وجودها العسكري الفعلي على الأرض، والأدوات المحلية الأخرى التي بيدها. وتقوم بتفصيل شرعية خاصة بها، بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية طويلة المدى في اليمن، وتتعمد إطالة الحرب في اليمن حتى تحقق مصالحها الخاصة أولًا.

ومن المؤكد أن الوضع الراهن ليس في صالح الحكومة الحالية، وأنها في مرحلة مؤقتة، غير قابلة للاستمرار، قد لا يحالفها الحظ في المرة القادمة، وتعيش بين خيارين أحدهما أسوأ من الآخر؛ إما العيش تحت الضغوط السياسية للإمارات في ظل علاقة مختلة تجبرها على أن تتغير من الداخل وتقبل ضم الشخصيات والقوى الموالية للإمارات، أو الاستسلام لحدوث انقلاب عسكري يطردها من المحافظات الجنوبية ويُدخلها في مرحلة أشد صعوبة من سابقتها. ويحتم عليها ذلك الانتقال من حالة السكون إلى الحركة، والاتجاه لإصلاح العلاقة المختلة مع دولة الإمارات العربية المتحدة؛ قبل فوات الأوان، واستخدام كل أوراق الضغط التي بيدها لإصلاح العلاقات المختلة، وتعزيز قدرتها على التدخل لحل المشاكل الاقتصادية، وتلبية احتياجات المواطنين، لكي تحافظ على شرعيتها في المحافظات المحررة؛ من حيث انتظام صرف المرتبات وتجاوز الأزمة الاقتصادية وتحسين الخدمات الأساسية والمرتبط بطبيعة الحال بقدرتها على استئناف جباية الموارد العامة للبلاد في المنافذ البرية والبحرية، والعودة لتصدير النفط والغاز بما يعزز قدراتها المالية، وإلا ستواجه الفشل في هذه المحافظات. وقدرتها على تحصيل هذه الموارد متوقف على رضى دولة الإمارات العربية المتحدة المسيطرة على الأرض.

وقد يتطلب ذلك أن تقوم الحكومة بتنظيم الوجود العسكري لدول التحالف العربي في المحافظات التي لا يوجد فيها حرب عبر اتفاقيات مكتوبة، والعمل على دمج الميليشيات العسكرية المتواجدة خارج إطار الشرعية، في الوحدات العسكرية الرسمية لتكون الحكومة وحدها المالكة للقوة العسكرية. والضغط من أجل تحويل المجلس الانتقالي الجنوبي إلى قوة سياسية مدنية، لا تتبعها أية قوات عسكرية، ولها حق المشاركة في الحكومة أو المعارضة وتبني خيار الانفصال بالوسائل السلمية.

__________________________________________________

*أحمد عز الدين، باحث يمني متخصص في العلوم السياسية

مراجع

(1ما الذي تريده الإمارات بالضبط من وراء سيطرتها على السواحل اليمنية، موقع يمن شباب، 7 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://yemenshabab.net/hot%20files/33154

(2)عمرو سمير، اختطاف جزيرة «ميون».. هل تخطَّت الإمارات خطوط أمريكا الحمراء؟، 9 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): http://alkessa.com/artical-17008

(3قيادي في الحراك الجنوبي يكشف تفاصيل سيطرة قوات إماراتية على مواقع نفطية بحضرموت، 10 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): http://www.alharf28.com/p-10892.

(4الإمارات ترفض توجيهات الرئيس هادي وتمنع إجراءات تصدير الغاز اليمني، موقع المشهد اليمني، 30 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول: 16 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://www.almashhad-alyemeni.com/119464.

(5حقيقة "عقد إيجار سقطرى"... أهم أهداف وجود الإمارات في اليمن، 10 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 17 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2PUz97a

(6عمرو سمير، «ابن سلمان» وجزيرة «سقطرى».. ترمومتر اختبار العلاقة مع الإمارات (تحليل)، 29 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018):  http://alkessa.com/artical-16667

(7تحركات إماراتية باليمن للهيمنة على جزيرة استراتيجية، موقع عربي21، 20 أبريل/نيسان 2017، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2IOMEm7 .

(8الحكومة اليمنية تصدر من الرياض تحذيرًا جديدًا بشأن إنشاء تشكيلات عسكرية في سقطرى، موقع المشهد اليمني، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://www.almashhad-alyemeni.com/119921 .

(9قوات الحزام الأمني.. إحدى أذرع الإمارات العسكرية باليمن، موقع الجزيرة،   21 أكتوبر/تشرين الأول 2017، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2rJEjZO

(10) حراك شعبي وسياسي رفضًا لطارق صالح ولمساعي الإمارات إنشاء قوات "الحزام الأمني" في تعز، موقع إيماسك-مركز الإمارات للدراسات والإعلام، 14 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018):  www.emasc-uae.com/news/view/11419

(11) مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ضرورة بناء شرعية الدولة في اليمن، 30 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): http://sanaacenter.org/ar/publications-all/main-publications-ar/6499

(12) تصاعد التوتر بشبوة بين قوات حكومية وأخرى مدعومة إماراتيًّا، موقع عربي21، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2CBhv5B  /

(13) "الانتقالي" يرفض عرض بن دغر: لا نريد دمج «المقاومة»، موقع العربي، 30 سبتمبر/أيلول 2017، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2QLVcNJ، انظر أيضًا: الإمارات تستنفر وكلاءها في اليمن لإجهاض دمج الوحدات العسكرية، الموقع بوست-العربي الجديد، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2017، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://almawqea.net/news/23643#.W74KS5VReAk

(14) أبو ظبي تفخخ عدن.. هل تنقذ الرياض العاصمة المؤقتة من شرارة انقلاب يسقط تدخلها في اليمن؟، موقع اليمن نت، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018):  https://bit.ly/2NBvObt

(15) صحيفة قطرية: هذه أسباب إطاحة الرئيس اليمني بثلاثة محافظين، موقع عربي21، 1 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018):  https://bit.ly/2IUQTwM .

(16) عمرو سمير، «ابن سلمان» وجزيرة «سقطرى».. ترمومتر اختبار العلاقة مع الإمارات (تحليل)، 29 يونيو/حزيران 2017، (تاريخ الدخول: 17 أكتوبر/تشرين الأول 2018): http://alkessa.com/artical-16667

(17) أسعد سليمان، انقلاب مع وقف التنفيذ في عدن بأوامر إماراتية، موقع العربي الجديد، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2Epic3F

(18) أسعد سليمان، تقاسم النفوذ والجبهات والمناطق في عدن: للإمارات حصة الأسد، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2D3oq7D ؛ انظر أيضًا: استعدادات ضخمة للانقضاض على هذه المدينة الباقية تحت سيطرة الحكومة الشرعية جنوبي اليمن (تفاصيل)، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2018-الساعة 10:15 صباحًا (ناستايمز-الموقع بوست).

(19) مصدر حكومي للحياة: هذه الدولة أوقفت التصعيد في عدن، الحياة اليمنية، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): http://www.alhayahpressy.com/yemen-news/285 ؛ أنظر أيضًا: من ضمنها إقالة الحكومة.. صحفي جنوبي يكشف عن وساطة تقودها السعودية لإقناع الانتقالي بإيقاف تحركاته، موقع عدن الحدث، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018):   http://adenalhadath.net/news/45511

(20) قرار وشيك بطرد «الإمارات» من اليمن: «هادي» يتلقى وعودًا من «الرياض»، ومقترح خطير حمله «المبعوث» وبسببه رفض الرئيس لقاءه، موقع مأرب برس، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://marebpress.net/news_details.php?lang=arabic&sid=143061

(21) بحاح على رأس حكومة يمنية جديدة: حزمة إجراءات للمصالحة بين المجلس الانتقالي الجنوبي وعبد ربه منصور هادي، موقع صحيفة العرب المصرية، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://bit.ly/2Cea1UY

(22) المجلس الانتقالي الجنوبي: منظومة الفساد باقية وتغيير رئيس الحكومة لا يكفي، موقع المشهد الجنوبي الأول، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 17 أكتوبر/تشرين الأول 2018): http://www.salmashhad.com/news/39042

(23) قيادي جنوبي: الانتقالي في تصعيد الشارع ضد حكومة الشرعية لا يمثِّل مكونات الحراك الجنوبي، عدن الغد، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://www.yemenakhbar.com/1663867 ؛ أحمد مساعد حسين، يمهل "مجلس عيدروس" أسبوعًا لتنفيذ هذا الأمر.. ويوجه دعوة عاجلة للسعودية!! (التفاصيل)، موقع ناس تايمز، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2018، الانتقالي في تصعيد الشارع ضد حكومة الشرعية لا يمثِّل مكونات الحراك الجنوبي    https://nasstimes.com/news39565.html ؛ نص بلاغ اجتماع القوى السياسية والمنظمات السياسية والاتحادات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني بمحافظة حضرموت، عدن الحدث، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 17 أكتوبر/تشرين الأول 2018): http://adenalhadath.net/news/45486 .

(24) محمود الطاهر، ماذا تريد الإمارات من اليمن والرئيس هادي؟، موقع نون بوست، 17 فبراير/شباط 2017، (تاريخ الدخول: 17 أكتوبر/تشرين الأول 2018): https://www.noonpost.org/content/16693

تعليقات

 

نرشح لكم

يعالج هذا البحث العلاقة المركبة والمعقدة بين المجال السياسي وبين مجال التصوف في غرب إفريقيا متخذا من الطريقة المريدية بالسنغال حالة للدرس، وذلك في ضوء التحديات المستجدة التي تواجهها الطرق الصوفية بغرب إفريقيا وقد بات لزاما عليها تجديد نفسها والتكيف مع هذه المستجدات.

2018/11/13

تتعدد أوجه تأثير العقوبات على إيران ولا يمكن حصر تأثير هذه العقوبات في المجال الاقتصادي، وهو ما تبحثه هذه الورقة التي تناقش آثار هذه العقوبات في السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

2018/11/07

تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في جنوب اليمن على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط حكومة الرئيس هادي بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغييرها من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله.

2018/11/04