الحق في الاستقلال عبر تقرير المصير بالتطبيق على تجربة جنوب السودان - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات الأول خليجيًّا والخامس في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثالث عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

الحق في الاستقلال عبر تقرير المصير بالتطبيق على تجربة جنوب السودان

تهدف هذه الورقة إلى دراسة حالة الاستقلال عبر ممارسة تقرير المصير، وتبيان خلفيته القانونية والتاريخية، بالإضافة لاشتراطاته ومآلاته، وذلك بالتطبيق على تجربة جنوب السودان.

الخميس, 03 يناير, 2019 11:38 GMT

سلفاكير ميارديت يوم التصويت على حق تقرير المصير والذي أصبح فيما بعد أول رئيس لجنوب السودان (أرشيف الجزيرة)

الخلفية التاريخية
حق تقرير المصير حق مكفول للشعوب المضطهدة والتي تعاني من ويلات التهميش على أرضها، سواء كان التهميش سياسيًّا أم اقتصاديًّا أم إقصاء ثقافيًّا أو دينيًّا أو مذهبيًّا. تاريخيًّا، بدا تقرير المصير كحق يفترض ممارسته في إطار رغبة أي شعب في تقرير مصيره وتحقيق ذاته كحق إنساني غير قابل للمقايضة أو التخلي، بحيث يحدد كيفية إدارة الشأن العام وسبل الحكم ووسائل الاندماج في كيان آخر قائم، أو كيان موازٍ يقوم مع ذلك الإقليم في ذات الوقت بحيث يشكِّل الاثنان كيانًا مستقلًّا، أو الاستقلال عن الدولة القائمة.

 شاع أن مبدأ تقرير المصير ترسَّخ كحق الشعب في الاختيار منذ الممالك الإغريقية والرومانية(1)، فيما ينسبه آخرون إلى إعلان استقلال الولايات الأميركية عام 1776، وترسَّخ في موقف وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية عام 1789، ثم تقنَّن حقًّا أصيلًا وفق المادة  55 من ميثاق الأمم المتحدة عام 1948(2).

 وقد انتشرت دعوات حق تقرير المصير في إطار حملة إنهاء وتصفية الاستعمار؛ إذ إن تقرير المصير يقوم في بيئة إقليم خاضع للاحتلال أو الاستعمار أو إدارة سلطة أجنبية دون رضي شعب ذلك الأرض أو الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي، مما استوجب المقاومة والكفاح المسلَّح من قِبَل شعب يعاني التهميش السياسي والاقتصادي والهيمنة الثقافية ولا يستطيع إدارة شؤون بلاده أو السيطرة على أراضه وتنمية تراثه الثقافي والاجتماعي من أجل توفير بيئة صالحة لتنشئة هوية قومية. إذ يقوم المستعمر الأجنبي، ذو السلطة الفعلية، بتقييد حق ذلك الشعب في استظهار هويته أو التمتع بممارسة معتقداته، أو استقلاله الاجتماعي والاقتصادي، ويمنع عنه سبل التطور السياسي، مما يخلق جوًّا مشحونًا بالحنق والغضب، فيُعبِّر عن مظلوميته بأشكال مطردة من الاحتجاج تبدأ سلمية وتتدرج إلى العنف والكفاح المسلَّح.

 وقد ظهر مصطلح تقرير المصير كوسيلة سياسية وقانونية تتيح لمجموعات إثنية أو جغرافية الحق في التعبير عن الذات والإسهام في حل القضايا الوطنية من منطق تأثيرها على صنع مستقبل البلاد. وحق الشعب في تقرير المصير يكون بالحوار المباشر مع السلطة المستعمرة أو بدفع السلطة كي تلجأ إلى الشعب ليقرر مصيره وما إن كان يريد الاستقلال بالإقليم وإقامة دولة مستقلة أو ينضم لدولة أخرى قائمة بالفعل.

 وتهدف هذه الورقة إلى دراسة حالة الاستقلال عبر ممارسة تقرير المصير، وتبيان خلفيته القانونية والتاريخية، بالإضافة لاشتراطاته ومآلاته، وذلك بالتطبيق على تجربة جنوب السودان.

 اشتراطات حق تقرير المصير
يجب لقيام تقرير المصير اشتراطات محددة، أهمها:

  1.  سكان إقليم ما خاضعين لسلطة أجنبية.
  2.  أن تكون السلطة المسيطرة على الإقليم مختلفة عن الشعب المقيم به في الهوية والثقافة والتركيب السياسي بما يصنع قرينة المنع والكبت الثقافي والاستبداد العنصري؛ الإثني أو اللغوي أو الديني أو المذهبي.
  3. توفر ظروف موضوعية تجعل من العيش المشترك أمرًا مستحيلًا مثل اضطهاد السلطة الأجنبية للسكان المحليين، أو أن يعاني شعب الإقليم من التهميش أو يكون الاضطهاد ناجمًا بسبب العِرق أو اللون أو الثقافة أو الدين.
  4.  توفر الإرادة لدى شعب الإقليم لنيْل الاستقلال من نير الحكم الأجنبي.

 حق تقرير المصير في القانون الدولي
إن تعريف حق تقرير المصير يستند إلى مبدأ حق الشعب في ممارسة سيادته على إقليمه وحكم نفسه وأرضه. ولما كانت السلطة الأجنبية راغبة دومًا في فرض نظم وقواعد إدارية وقانونية لا تمت للشعب المحكوم بصلة، وتستعين بأطر مؤسساتية وقواعد قانونية غريبة عن الأرض والسكان القاطنين بها نتاج فرض ثقافة أجنبية على الشعب مما يخلق نوعًا من عدم الرضى وصلف المعاملة فإن ذلك يثير الرغبة في المقاومة(3).

 إن الحق في تقرير المصير يتأتى لافتقار شعب إقليم ما (الأقليات مثلًا) إلى المساواة التامة في الحقوق والواجبات والإشراك في الحكم والإدارة، كما يتمتع ذات الشعب بكينونته وتمايزه اللغوي والثقافي والعرقي والديني المغاير عن السلطة الأجنبية التي يرزح تحت احتلالها أو سيطرتها، سواء أكانت استعمارًا أم انتدابًا أم دولة نتجت بترتيب استعماري(4).

 إن حق تقرير المصير ونطاقه نتج عن إجماع دولي بأنه حق متاح لجميع الشعوب، لذا نصت الجمعية العامة للأمم المتحدة في المادة 2 من القرار رقم 1514 على أن "لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد مركزها السياسي، وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي"(5).

 ولقد تعمَّق الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في هذا المعني وذلك بالنص في المادة 19 منه على مبدأ مساواة الشعوب في الكرامة والحقوق وعدم تبرير سيطرة أي شعب على الآخر، فجاء فيها "إنَّ الشعوب كلها سواسية وتتمتع بنفس الكرامة ولها نفس الحقوق، وليس هناك ما يبرر سيطرة شعب على شعب آخر"(6).

 كما نصت المادة الأولى من القرار 1514 من الميثاق سابق الذكر على أن إنكار حق الشعوب في تقرير المصير هو إنكار لحق أساسي ولم تقل: لمبدأ من المبادئ، لذا فإن الحق في تقرير المصير يعد حقًّا من حقوق الإنسان الأساسية التي لا يمكن الافتئات عليها: "إن إخضاع الشعوب لاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكل إنكارًا لحقوق الإنسان، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويعيق قضية السلم والتعاون العالميين"(7).

 وقد وثَّق أيضًا العهد الدولي لحقوق الإنسان مبدأ تقرير المصير كحق من الحقوق السياسية والمدنية الأساسية للشعوب بما فيها الحق بملكية ثرواتها وأرضها، حيث تضمَّن اشتراطات وجوب تقرير المصير على أي شعب بحسب الشروط التي أوردتها المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بشأن "انطباق حق تقرير المصير بوجود الحالات التالية(8):

  1.   وجود شعب من الأقلية بحجم يتناسب مع انسجامه ثقافيًّا وإثنيًّا.
  2.  وجود الشعب في رقعة جغرافية محددة تمثل الإقليم الذي تقطنه تلك الأقلية.
  3. وضعية التهميش التي تمارس على تلك المجموعة العرقية سواء على مستوى المشاركة الفاعلة في الحكم المحلي أو المشاركة في الحكم المركزي بشكل فاعل.

إنًّ تدرج حق تقرير المصير جعله شعارًا ومطلبًا للشعوب بحسب تحدياتها الماثلة، ولقد تعاملت الدول الاستعمارية مع حق تقرير المصير على أنه وسيلة لتصفية وجودها بوسائل سلمية مما ترك لها مجالًا للتسويف من أجل الاستفادة من ثروات الدول المُستعمَرة.

 وقد جرت العادة على اتباع عدة وسائل من أجل الاستقلال عبر تقرير المصير، من ذلك مثلًا الاستفتاء، حيث يتم تسويق الاستفتاء على أنه ممارسة ديمقراطية لاستبيان رغبة الشعوب سواء في الاستقلال أو البقاء في الدولة المستعمرة مثل حالة استفتاء إريتريا، واستفتاء تيمور الشرقية واستفتاء جنوب السودان.

 ويختلف الاستفتاء الذي يستهدف الاستقلال عن الدولة القائمة عن الاستفتاء الذي يتم لأغراض داخلية مثل تجديد ولاية السلطة الاتحادية أو المصادقة أو رفض قبول مسودة الدستور الجديد. فالاستفتاء من أجل للاستقلال يتم تحت رقابة دولية عبر الأمم المتحدة، فإشراف الأمم المتحدة، رغم عدم الزاميته، يظل خيارًا يُسرِّع من فرص الاعتراف الدولي وفقًا لقرار الجمعية العامة رقم 637 الصادر في 16 ديسمبر/كانون الأول لعام 1952: "كمبدأ عالمي، فإن التوصل إلى رغبات الشعوب التي تريد تقرير مصيرها، يتم بواسطة الاستفتاء أو أية وسيلة من وسائل الديمقراطية الأخرى المعترف بها دوليًا، ويُفضَّل أن تتم ممارسته تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة"(9).

 ويري بعض فقهاء القانون الدولي أن تقرير المصير هو حق إجرائي تقتضي ممارسته الخطوات الإجرائية التالية(10):

  1. وجوب أن يكون هنالك اتفاق مسبق على إجراء الاستفتاء على تقرير المصير.
  2.  أن تُشرَّع عملية الاستفتاء في إطار القانون المحلي.
  3. أن تتم عملية الاستفتاء بطريقة شفافة تعكس خيار الشعب المُستفتَى.
  4. أن تعترف الدولة الأم بنتائج الاستفتاء.
  5.  أن تتقبل دول الجوار نتائج الاستفتاء بما يحقق الاعتراف بكيان الدولة.

  بدائل تقرير المصير
إن ممارسة حق تقرير المصير يكون بطريقة سلمية، بينما يلجأ شعب ما للعنف فقط حال فشل تمكينه من التعبير عن رغباته بالوسائل الديمقراطية.

 قانونيًّا توسعت آليات تقرير المصير لتشمل حقوق الإنسان والشعوب بما فيها الشعوب المقهورة أو تلك التي تطمح لتقرير مصيرها؛ إذ تنص المادة 20 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب على أن: "لكل شعب الحق في الوجود، ولكل شعب حق مطلق وثابت في تقرير مصيره، وله أن يحدد بحرية وضعه السياسي، وأن يكفل تنميته الاقتصادية والاجتماعية على النحو الذي يختار بمحض إرادته.

  للشعوب المستعمَرة المقهورة الحق في أن تحرر نفسها من أغلال السيطرة، وباللجوء إلى كافة الوسائل التي يعترف بها المجتمع"(11).

 إن استمرار أعمال الكفاح المسلح بشكل عام يمثل خطرًا على السلم والأمن الدوليين؛ لذا فإن إيجاد الحلول السلمية هي من صميم اختصاص الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية من أجل إنهاء الصراعات الاثنية بما يتماشى مع المادة 55 من ميثاق الأمم المتحدة.

 أورد تقرير لجنة خبراء القانون الدولي حول مسألة العنف الذي يصاحب المطالبة بتقرير المصير بأنه "في أغلب الأحيان ليس تأكيد الحق في تقرير المصير من قبل الشعوب المضطهدة هو الذي يقود إلى العنف، بل رفض سلطات الدولة هو الذي يقود إلى نشوب أعمال النزاع المسلح"(12).

 إن البديل لاستفتاء خيار شعب يعيش في إقليم تحت الاحتلال أو الاستعمار أو يعاني التهميش بين الأغلبية يقود لتنامي نفوذ الداعين إلى العنف إذ إنه "أحد مظاهر التعبير عن الصراع"، في مقاومة صريحة تنتهي بالتفاوض والحل السلمي(13).

 مخرجات تقرير المصير
تقرير المصير يهدف للحصول على عدة غايات مثل المطالبة بالحكم الذاتي؛ أي أن يحكم الإقليم نفسه في إطار تلك الدولة، بمعني أنها دولة مركبة، للإقليم المنادي بالاستقلال تكوين إدارته المستقلة سواء في الإطار الفيدرالي أو الكونفيدرالي حيث تظل سيادة الدولة في هذه الحالة مركبة.

 ينظِّم المبدأ السادس من المرفق لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1541 بشأن تحديد الخيارات الثلاث لممارسة تقرير المصير، مآلات ممارسة تقرير المصير بالخروج بإحدى النتائج التالية؛ إذ "يجوز القول بنيل إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي قسطًا كاملًا منه:

  1.   بصيرورته دولة مستقلة ذات سيادة،
  2.  أو بدخوله الحر في رابطة مع دولة مستقلة،
  3.  أو بالاندماج مع دولة مستقلة"(14).

 إنَّ الادماج شكل من أشكال تقرير المصير، يستند على استشارة رأي شعب الإقليم وإلا تفضي الممارسة إلى المقاومة على المدى الطويل، وبحسب المبدأ التاسع من المبادئ التي تسترشد بها الأمم المتحدة في تقرير المصير فإنه: "يجب أن يكون الاندماج قد حصل باجتماع الشرطين الآتيين:

 1. أن يكون الإقليم المندمج قد بلغ مرحلة متقدمة من الحكم الذاتي، وتوفرت لديه المؤسسات السياسية الحرة اللازمة، بحيث يكون لدى سكانه أهلية الاختيار المسؤول بالطرق الديمقراطية المعروفة،

 2. وأن يكون الاندماج قد حصل نتيجة لرغبات سكان الإقليم التي أعربوا عنها بحرية يصحبها إدراكهم التام للتغيير في مركزهم، وبالطرق الديمقراطية المعروفة، مطبقة بكل تجرُّد، ومبنية على أساس اقتراع البالغين العام. ويجوز للأمم المتحدة، متى ارتأت ذلك، أن تشرف على تطبيق هذه الطرق"(15).

 وقد يتبادر إلى الذهن أن تقرير المصير يقود إلى الاستقلال عن الدولة الأم، وذلك لترادف مصطلح تقرير المصير مع الانفصال، لذا يوصف المنادون بتقرير المصير دومًا بالانفصاليين، إلا أن الواقع أنه لا تعني فرضية إقامة الاستفتاء على تقرير المصير حصريًّا الاستقلال، فقد يختار الشعب أي خيارات أخرى.

 شروط صحة ممارسة الحق في تقرير المصير
تقرير المصير ممارسة ديمقراطية يجب أن تكون بشفافية ووفقًا للقانون، فإذا حدث استفتاء دون نص في القانون يلزم به فإنه لا ينتج الأثر المرجو منه، ويفتقد أحد شروط صحته، كما نظَّم المبدأ السابع من المبادئ التي يسترشد بها في تقرير المصير على النحو التالي(16):

 1.  يجب أن يكون الدخول الحر في رابطة نتيجة اختيار حر إرادي يُعرب عنه سكان الإقليم المعني بوسائل ديمقراطية معروفة، وعلى أساس احترام الذاتية الفردية والخصائص الثقافية للإقليم وسماته، على أن يتم الاحتفاظ لسكان الإقليم الداخل في رابطة مع دولة مستقلة بحرية تعديل مركزه والإعراب عن إرادتهم بالوسائل الديمقراطية حسب الأصول الدستورية.

2.  يجب أن يكون للإقليم الداخل في رابطة حق تقرير دستوره الداخلي، دون تدخل خارجي وفقًا للأصول الدستورية الصحيحة، ولرغبات السكان المعرَب عنها بحرية. ولا يمنع ذلك إجراء المشاورات المناسبة واللازمة بمقتضي نظام الرابطة الحرة المتفق عليها.

 تجعل الممارسة الديمقراطية الشفافة مساحة للتعبير عن رغبات شعب الإقليم؛ إذ سبق الاتفاق بين ممثلي شعب ذلك الإقليم والسلطة القائمة، سواء كانت أجنبية أو وطنية، من أجل ترتيب استفتاء لاستشارة الشعب وتحديد إشراف الأمم المتحدة.

تُنتج خيارات الشعب المُستفتَى خيارًا آخر هو الاندماج في إطار الوحدة الطوعية في الدولة القائمة، غير أن الضمانة الوحيدة لإمكانية الوحدة هما مبدأي التساوي بين شعب الإقليم وشعب الدولة التي ينضم إليها، ومبدأ العدالة في توزيع الثروات والخدمات.

تسعى السلطة المركزية في الدولة لفرض مشاركة فعلية في السلطة لتأكيد وضعية الإقليم الذي اختار الوحدة أو الادماج بتأكيد مواطنته وخصوصية ثقافية بحسب المبدأ الثامن من ميثاق الأمم المتحدة كما يلي: "يجب أن يقوم اندماج الإقليم غير المتمتع سابقًا بالحكم الذاتي مع أية دولة مستقلة على أساس المساواة التامة بين سكانهما. ويجب أن يتساوى سكان الإقليمين في المركز وحقوق المواطنة والضمانات الخاصة بالحقوق والحريات الأساسية، دون أي تفريق أو تمييز في حقوق وفروض التمثيل والمشاركة الفعلية، على جميع المستويات في هيئات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية"(17).

 أرست الأمم المتحدة قواعد لممارسة تقرير المصير في حالات مغايرة وإن لم ترتبط بعملية تصفية الاستعمار، وقد سميت بعمليات تصحيح أخطاء حقبة تصفية الاستعمار مثل حالة إريتريا وجنوب السودان وتيمور الشرقية.

 إن حالة تخيير شعب الإقليم الاندماج مع باقي أقاليم الدولة إذا كان إقليمًا متمتعًا بالحكم فإن خيارات الإدماج في إطار الدولة القائمة تتبع الخطوات التي أقرتها مبادئ يُسترشد بها في تقرير المصير وفق نص محكمة العدل الدولية القائل: "يجب أن يكون الاندماج قد حصل باجتماع الشرطين الآتيين:

 1. أن يكون الإقليم المندمج قد بلغ مرحلة متقدمة من الحكم الذاتي، وتوفرت لديه المؤسسات السياسية الحرة بحيث يكون لدى سكانه أهلية الاختيار المسؤول بالطرق الديمقراطية المعروفة،

 2. وأن يكون الاندماج قد حصل نتيجة لرغبات سكان الإقليم التي أعربوا عنها بحرية يصحبها إدراكهم التام للتغيير في مركزهم القانوني، وبالطرق الديمقراطية المعروفة، مطبَّقة بكل تجرُّد ومبنية على أساس اقتراع البالغين العام. ويجوز للأمم المتحدة، متى ارتأت ذلك، أن تشرف على تطبيق هذه الطرق"(18).

تصح ممارسة تقرير المصير إذا كان الاختيار ديمقراطيًّا مثل الاستفتاء أو المشورة عبر الممثلين تحت إشراف قانوني وبرقابة إقليمية أو دولية تنتهي باعتراف الدولة الأم.

الاشتراطات الإجرائية لصحة تقرير المصير كما في القانون الدولي هي إشكالات الهيمنة السياسية الدولية على القرار الدولي، كما استفتاء كوسوفو لتقرير المصير فإنه لم يحظ بمباركة الدولة الأم مما جعله معيبًا من الناحية الإجرائية، وقد اقتضت مصالح الولايات المتحدة الأميركية وحليفاتها الاعتراف بكوسوفو دولةً مستقلةً بينما عارضت صربيا وروسيا ذلك، إلا أن محكمة العدل الدولية لم تر الأمر مخالفًا للقانون الدولي أو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1244 لعام (1999) أو حتى الإطار الدستوري بالحكم الإقليمي بدستور صربيا(19).

إن استقلال كوسوفو وما صاحبه من تداعيات لم يوجد قاعدة قانونية جديدة متوافقًا عليها، إنما أدخل التسييس في القانون الدولي، على الرغم من أن القانون الدولي لا يمنع إعلان الاستقلال لأي شعب.

ولقد أتى الاستفتاء في إقليم دونتسيك وانفصاله عن أوكرانيا بحماية سياسية وعسكرية روسية على النسق الأميركي في كوسوفو، ولقد فرض أمرًا واقعًا بالرغم من أنه تم تحت احتلال أو نفوذ عسكري روسي(20) مما يسهل الاستنتاج بأن منطق القوة لا يزال يحكم النظام القانوني الدولي.

آثار الممارسة خارج النسق الدستوري
جرى العرف الدولي أن تتم ممارسة حق تقرير المصير داخل الإطار الدستوري كما هي الحال في استفتاءات كويبك، وإريتريا، وتيمور الشرقية، وجنوب السودان، واسكتلندا.

إن قيام الاستفتاء من طرف واحد يُستشف منه رغبة شعب الإقليم لكنه يترك المستفتين في حيرة من أمرهم؛ إذ إنهم قد يطالبون باحترام نتيجة استفتائهم كحق شعبي قاموا به، ولو كانت الممارسة شفافة وهادئة إلا أن النقصان القانوني في الإجراءات يجعل الأمر مجرد استطلاع رأي لا أثر قانونيًّا له.

الآثار المترتبة على أي قرار أحادي باستفتاء المصير آثار كارثية، فإذا تسرَّعت السلطة المسيطرة على الإقليم بفرض إجراءات لمنع قيام استفتاء على تقرير المصير فإننا نشهد توترات قد تتطور لأعمال عسكرية تمنع قيام الاستفتاء أو تسعى لعرقلته أو عدم الاعتراف بنتيجته، وتترتب على الاستفتاء الأحادي عدة آثار كما يلي:

1. آثار داخلية في الدولة: إذا رفضت السلطة الوطنية أو الاتحادية أو السلطة الأجنبية وفرضت التصعيد السياسي فإنها تضع كل تلك الجهود في مهب الريح. ويخلق الاستفتاء الأحادي على تقرير المصير استقطابًا ضارًّا قد يقود إلى تصعيد في الصراع وتوسيع شقة الخلاف بين طرفي الصراع مما يُهيئ جوًّا مشحونًا بعدم الثقة مؤديًا بالضرورة إلى تصعيب الموقف التفاوضي بين الأطراف.

 2. آثار دولية وإقليمية: لا ينبغي النظر لمسألة نشوء الدول على أنه أمر يخص الشعب المُستفتَى فقط، إنما يخص أيضًا بالضرورة دول الجوار، حيث تكون الموارد واقتصاد الإقليم والتجارة في صميم اهتماماتها.

يعتبر الأمن مبررًا كبيرًا لاهتمام الجوار الموازي للإقليم، إذ إن فرضية قيام دولة جديدة على حدود أية دولة قائمة هو تحد استراتيجي لأجهزة الدولة الحديثة التي ستحتاج عدة سنوات لتنضج فيها البيروقراطية وتكتسب كفاءة في حراسة الحدود والسيطرة عليها.

3. آثار داخلية على الشعب المُستفتَى: رغم الفرح والحماس الذي يجتاح الشعب قبل وبعد الاستفتاء، فإن تقرير المصير الأحادي الذي يُرفَض دوليًّا وإقليميًّا أو من السلطة القائمة يخلق نوعًا من الإحباط المجتمعي والفتور السياسي.

4. عدم تسبيب آثار قانونية: الاستفتاء الأحادي دون موافقة مسبقة لا يسبِّب آثارًا قانونية ولا يُقبَل من قِبَل الدولة الأم وهو يجعل دول الجوار لا تقبله أيضًا.

 5. عدم الاعتراف الدولي: تكون النتيجة مقبولة دوليًّا إذا انتهجت الدولة الأم الريادة في قبول نتائج الاستفتاء؛ ذلك لأن المقبولية المحلية تُنتِج مقبولية إقليمية ثم دولية وتُسرِّعُ الاعتراف الدولي به.

صعوبات تكتنف حق تقرير المصير
تكتنف ممارسة تقرير المصير العديد من المصاعب في التنفيذ على الأرض، فعلى الرغم من أن حق تقرير المصير مُشرَّعٌ في ميثاق الأمم المتحدة، وتعترف به كل إعلانات الأمم المتحدة وقواعد العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، فإن قواعد القانون الدولي لا تجد سلطة عليا قادرة على إنفاذها على الأرض.

ذلك لأن النظام الدولي يقوم على مبدأ تماشي الحق مع قوة صاحب الحق، فالمطالب على الأرض تفرضها قوة الدولة التي تفرض ذلك بالقوة(21).  إن تقنين الحق في تقرير المصير كحق أساسي من حقوق الإنسان وفق القانون الدولي يترك الأمر معلقًا وغير قابل للإنفاذ، حيث إن النظام الدولي يغضُّ الطرف عن استمرار التنكيل والعنف والتهميش والتمييز(22).

إنَّ تقرير المصير يعتبر أمرًا صعبًا لأن مآلاته غير محسوبة؛ إذ اعتبره الرئيس الأميركي الأسبق، ودرو ولسون، "شكلًا بسيطًا مليئًا بالديناميت"،  وبالرغم من اعتباره حقًّا أساسيًّا ضروريًّا لممارسة الشعوب تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي، فإن ممارسته ليست سهلة؛ إذ تتخللها مجموعة كبيرة من الاعتبارات الداخلية والإقليمية والدولية، بالإضافة لكون مبدأ تقرير المصير في القانون الدولي ينافي مبدأ آخر في ذات القانون هو مبدأ احترام سلامة الأطر الإقليمية.

تجربة جنوب السودان
يمكن تكييف تجربة جنوب السودان في إجراء استفتاء حق تقرير المصير بأنها نوع من الاحتجاج على المظلومية والتهميش التنموي والسياسي والتمييز الاجتماعي والديني، ذلك لأن موضوع النزاع مع حكومات السودان تمحور حول السلطة والهوية والحرية الدينية.

 وقد سبقت عملية تضمين تقرير المصير في جدول أعمال المفاوضات التي جرت بين الحكومات السودانية وجماعات المعارضة المسلحة في شمال البلاد وجنوبها جهودٌ مضنية، من ذلك مثلًا ما قامت به الحركة الشعبية لتحرير السودان من حوارات مطوَّلة مع فرقاء السياسة في الجنوب لتوحيد الصف الجنوبي عام 1993، والجهود الكبيرة التي بُذلت في مؤتمر أسمرة للقضايا المصيرية 1995، واتفاق فشودة للسلام 1996 والخرطوم للسلام 1997، وصولًا إلى تضمين حكومة السودان حق تقرير المصير في دستور البلاد المؤقت الصادر عام 1998.

 لقد اتفقت حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان على القبول بإعلان نيروبي للمبادئ الصادر عام 1996، والذي حدَّد مسيرة التفاوض بإحدى صيغتين، هما: فصل الدين عن الدولة أو حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقامت الوساطة بتقنينهما بعد جهود مضنية لاتفاق سلام وُقِّع عام 2005 في نيفاشا بكينيا.

 من الناحية الإقليمية، كانت المخاوف قائمة من عرقلة مصر مُضي جنوب السودان نحو حق تقرير المصير بسبب مخاوفها من زيادة عدد دول حوض النيل، لكن ممثلي جنوب السودان قاموا بتهدئة المخاوف المصرية من خلال زيارات متعددة لعدد من الوفود أشهرها الزيارة التاريخية للدكتور جون قرنق، القائد العام للجيش الشعبي، والذي التقي فيه قيادات الدولة المصرية ومثقفيها.

 ولم تكن فكرة تقرير المصير غريبة أو مخيفة لبقية دول الإقليم؛ إذ إن أحدث دول الإقليم وهي إريتريا قد انضمت لمنظمة الإيغاد بعد أن مارست حقها في تقرير المصير في 1993، كما أن المتغيرات الداخلية في الإقليم اعترفت بحق الشعوب في تقرير مصيرها مثل الفيدرالية الإثنية بدستور إثيوبيا، وقد أقر السودان تقرير المصير بدستوره عام 1998، كما سبق القول. وقد تضمن الاتفاق فترة انتقالية مدتها ستة أعوام، تنتهي باستفتاء أُجري في عام 2011، وقد سُئل شعب جنوب السودان في هذا الاستفتاء عمَّا إذا كان يرغب في الاستقلال أو البقاء في الدولة السودانية بذات ترتيبات الحكم الذاتي الموسع وبرعاية الأمم المتحدة. ومضت تجربة استفتاء جنوب السودان سلسة بمراقبة دولية واسعة، ثم تبعتها تدبيجات تصف الاستفتاء بالتاريخي وأخرى بأنها كانت شفافة ونزيهة، وانتهت بإعلان نتيجة الاستفتاء التي ناهزت 99.8% لصالح الانفصال عن السودان وتكوين دولة منفصلة.

 وقد تبع إعلان نتيجة استفتاء جنوب السودان اعتراف حكومة السودان به، ثم تلاه اعتراف آخر منها في ذات العام باستقلال جنوب السودان، وقد ساعد ذلك في اعتراف بقية دول العالم بجنوب السودان دولةً مستقلةً وإكسابها الكينونة القانونية، وكل ذلك نتيجة صحة الإجراءات التي اتُّبعت على مدى سنوات متعاقبة، بالإضافة إلى القبول الإقليمي والدولي.

____________________________________________________________________

*إليو قرنق، خبير القانون الدولي، مدير وحدة دعم الوساطة في الهيئة الحكومية-الدولية للتنمية (إيغاد) ومقرها جيبوتي.

* قُدِّمت هذه الورقة في ندوة "المسألة الكردية: دينامياتها الجديدة وآفاقها المستقبلية" التي نظَّمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة يومي 25 و26 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والتي شارك فيها باحثون ومفكرون من بلدان وتيارات فكرية مختلفة.

مراجع

(1)Redie Bereketeab, Self-determination and Secession: A 21st Century Challenge to the Post-colonial State in Africa, the Nordic Africa Institute, Policy Notes, 2012/5.

(2)  نصت المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام".

(3)Sujit Choudhry, Old Imperial Dilemmas and the New Nation- Building: Constitutive Constitutional Politics in Multinational Polities, Berkeley Law Scholarship Repository, Berkeley University, summer 6-1-2005, p. 933.

(4)Jeff Corntassel, Toward Sustainable Self-Determination: Rethinking the Contemporary Indigenous-Rights Discourse, Alternatives 33, (2008), p. 108.

(5) الجمعية العامة للأمم المتحدة، المادة 2 من القرار رقم 1514

(6) الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، إجازة مجلس الرؤساء الأفارقة في دورته العادية رقم 18، نيروبي، كينيا، 1981.

 المرجع السابق.

(7) المادة 1، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتُمد وعُرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة رقم 220000 (د ـ 21) لسنة 1966. 

(8) العباسي، كهينة، المفهوم الحديث للحرب العادلة، رسالة ماجستير في القانون العام، مولود معمري تيزي أوزو، الجزائر، 2011.

  Jan Klabbers, The Right to be Taken Seriously: Self-Determination in International Law, paper presented in conference on "Self-determination in Transition", co-organized by the Islamic University of Yogjakarta and Erasmus University Rotterdam, and to an audience at the University of Lund, p. 4

(9) الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، أجيز في نيروبي، 1981.  

(10)  The Report of the International Conference of Experts (1998), p. 10.

(11) عماد، عبد الغني، المقاومة وحق تقرير المصير في تجربة الميزان الدولي، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2009، ص 2.

(12)  قرار الجمعية العامة رقم 1514.

(13) المبدأ التاسع من المبادئ التي تسترشد بها الأمم المتحدة.

(14) المادة السابعة، المبادئ التي يجب أن تسترشد بها الدول الأعضاء في تقرير وجود أو عدم وجود الالتزام بإرسال المعلومات المنصوص عليها في المادة 73 هـ من ميثاق الأمم المتحدة. 

(15)  المرجع السابق.

(16)Report of Judgement, Advisory Opinions and, International Court of Justice, Accordance with International Law of the Unilateral Independence in respect of KOSOVO, Advisory Opinion of 22 July 2010, p. 52.

(17) Christian Marxsen, The Crimea Crisis: An International Law Prospective, Max Plank, Heildelberg Journal of International Law (HJIL) ZaöRV 74 (2014), p. 369.

(18) المادة التاسعة من المبادئ التي تسترشد بها الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.

(19) عماد، عبد الغني، المقاومة وحق تقرير المصير في الميزان، الجامعة اللبنانية، ص4، مرجع سابق.

(20) أقاو، أبدون، الحق في تقرير المصير، دورية حقوق الإنسان السوداني، العدد 2، 1996.

(21)ROBERT LANSING, THE PEACE NEGOTIATIONS: A PERSONAL NARRATIVE 97 (1921), quoting from a note he had written in Paris, December 1918. Referenced in Jan Klabbers, opcit. p. 1.

(22)Lea Brilmayer, Session and Self-Determination: A Territorial Interpretation, Essay, Yale Law School Journal, vol. 16:177, Yale Law School Legal Scholarship Repository, 1 – 1- 1991, p. 2.

تعليقات

 

نرشح لكم

تستعرض الورقة نموذج الضفة الغربية ومآلاته في ظل التطورات العاصفة التي تشهدها القضية الفلسطينية، وتؤكد أن العام 2019 سيشهد ضما تدريجيا لبعضها، يبدأ بالكتل الاستيطانية أو جزء منها، ويمكن أن يصل إلى معظم مناطق الضفة.

منذ 7 ساعات

تعالج هذه الورقة الوضع في مدينة سنجار الواقعة في شمال شرق العراق، وعلاقتها بالصراعات الاستراتيجية الداخلية والإقليمية. وكانت سنجار قد اكتسبت شهرتها بعد سيطرة تنظيم الدولة عليها في صيف عام 2104، وتنكيله بأبناء الطائفة الإيزيدية ذات الغالبية في تلك المدينة.

2019/05/19

إن الاعتراف الرئاسي الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، يمثل طيًّا أميركيًّا لصفحة مفاوضات السلام السورية-الإسرائيلية التي رعتها واشنطن وقامت على مبدأ الأرض مقابل السلام، ويعزز مخاطر المواجهة في لبنان مع إسرائيل،حيث تصر بيروت على أن مزارع شبعا الملحقة بالجولان، هي لبنانية وليست سورية.

2019/05/16

يتناول هذا التقرير معضلة التغلب على الفساد في تونس، فالتغلب على الفساد، وإن كان أحد أهداف ثورة تونس، فإنه بقي دون المطلوب بكثير، ولم تفلح الخطوات العديدة التي قيم بها بل بقيت خطوات خجولة، وهو ما أصاب برنامج مكافحة الفساد بتعثرات قاتلة.

2019/05/15