المقدمة
تتناول هذه الدراسة بالرصد والتحليل تحولات الدور الأميركي في منطقة الخليج العربي خلال الفترة من 2012–2020، وتستكشف انعكاساتها على أدوار الفاعلين الدوليين، وبخاصة روسيا والصين والهند، في سياق بيئة دولية تتجه نحو تعددية قطبية وتراجع نسبي في مركزية الهيمنة الأميركية. وتنبع أهميتها من مركزية منطقة الخليج في التوازنات الجيوسياسية العالمية، وارتباطها بأمن الطاقة ومسارات التجارة الدولية، وتداخلها مع تحولات الإستراتيجية الأميركية، ولا سيما إعادة التوجه نحو آسيا.
تتمحور الإشكالية حول طبيعة العلاقة بين تغير الدور الأميركي في الخليج وتصاعد أدوار القوى الدولية الأخرى، وانعكاس ذلك على بنية الأمن الإقليمي وأنماط التحالفات السياسية. وتنطلق المعالجة من مجموعة تساؤلات فرعية تتناول تأثير هذا التحول على أمن الخليج، وعلى ديناميات التحالفات، وعلى طبيعة الأدوار التي تضطلع بها كل من روسيا والصين والهند في المنطقة.
تكتسب هذه المعالجة أهميتها من مستويين؛ عملي يتمثل في تفسير سلوك الفاعلين الدوليين في سياق التنافس على النفوذ، ونظري يرتبط بتوظيف مقاربات تحليل الدور في فهم التحولات في السياسة الدولية، خاصة في ظل انتقال النظام الدولي نحو تعددية مراكز القوة. كما تسهم في الربط بين التحولات في الإستراتيجية الأميركية وتغير أنماط التفاعل الإقليمي والدولي في الخليج.
اعتمد البحث منهجًا تحليليًا مقارنًا يجمع بين البعدين الوصفي والتفسيري، من خلال تحليل سياسات الولايات المتحدة خلال إدارتي أوباما وترامب، ومقارنتها بأنماط صعود القوى الدولية الثلاث في المنطقة. كما استند إلى تحليل السياقين الدولي والإقليمي، وربط المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية مثل تحولات الطاقة والثورات العربية والاستدارة نحو آسيا بتطور أنماط التفاعل بين الفاعلين الدوليين في الخليج.
وتوزعت الدراسة على ثلاثة محاور رئيسة: تحليل أسباب تغير الدور الأميركي، ودراسة ملامح هذا الدور خلال الفترة الزمنية المحددة، ثم بحث تصاعد أدوار روسيا والصين والهند في المنطقة، في إطار مقاربة تفسيرية شاملة للتحولات الجارية في النظام الدولي وانعكاساتها الإقليمية.
الخاتمة
في ضوء ما عرضته الدراسة من تحليلٍ للتحولات في الدور الأميركي في منطقة الخليج العربي، وما ارتبط بذلك من صعود أدوار قوى دولية وإقليمية، وما أفرزه هذا التفاعل من إعادة تشكيل في موازين القوة وأنماط التحالفات، تتجه الخاتمة إلى تقديم قراءة تركيبية لهذه التحولات عبر تفكيكها إلى مستوياتها الرئيسة. وعلى هذا الأساس، سيتم عرض الخلاصات وفقًا لأبرز الفاعلين المعنيين بهذه التحولات، بدءًا بدول الخليج العربية، ثم الولايات المتحدة الأميركية، فروسيا والصين والهند، بما يتيح فهمًا أكثر تماسكًا لطبيعة التفاعلات الجارية وانعكاساتها على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.
أولًا: دول الخليج العربية
واجهت دول الخليج العربية في القرن الواحد والعشرين مُناخًا إقليميًّا متغيرًا، طرح تحديات جديدة لأمن المجلس، من بينها الإرهاب، والنزاع الطائفي بين السنة والشيعة، والتشكك في نوايا إيران التي نهضت في الآونة الأخيرة ولديها طموحات للهيمنة وامتلاك السلاح النووي. وفي ضوء هذه التهديدات كان لزامًا على هذه الدول تناول قضايا الأمن الجماعي والدفاع الإقليمي، ولم تقم دول مجلس التعاون الخليجي بوضع إطار عمل ملموس للتعاون العسكري، لكنها حاولت بدلًا من ذلك وضع ردود أفعال موحدة، وتصورات للتهديدات المشتركة.
يمكن استعراض التصورات الأمنية لهذه الدول على ثلاثة مستويات، أولها اعتماد دول الخليج عسكريًا على الولايات المتحدة والقيود المتعلقة بذلك، حيث إن العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة تعد ميزة وعبئًا في الوقت نفسه. وقد ظلت الولايات المتحدة المدافع الرئيسي عنها منذ الثمانينيات من القرن العشرين، كما ظلت كذلك المورد الرئيسي للأسلحة والتكنولوجيا العسكرية لدول الخليج. ويرجع السبب في تقييد نطاق هذه الإستراتيجية إلى المعارضة الإسلامية الداخلية، والنقد اللاذع الموجه من الدول المحيطة مثل إيران، وكذلك وجود المنشآت الأميركية التي باتت أهدافًا للهجمات الإرهابية.
ونتيجة لذلك، نأت دول الخليج بنفسها عن أعمال الولايات المتحدة في العراق، بل وأقدمت على انتقاد الاحتلال الأميركي، معتبرة أن واشنطن هي السبب الأساسي وراء نشوب النزاع الطائفي في العراق، ومتخوفة من انتشاره في منطقة الخليج. وعلاوة على ذلك، ظلّت متشككة في نوايا الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة، كما امتعضت من مساندة الولايات المتحدة القوية لتلك الحكومة. ولكن قلت حدة تهديد العنف الطائفي نوعًا ما بحلول نهاية عام 2006.
وعلى الرغم من المخاوف المتفاوتة التي تساور دول الخليج العربية إزاء سعي إيران لتصبح قوة إقليمية، ولتطوير برنامجها النووي، فإنها تصدت لمبادرات أميركية بالانضمام إلى تحالف مناهض لإيران لإدانتها علنًا، وفضّلت التقارب بحذر مع إيران عن طريق التصالح معها.
وعلى الرغم من كل الأحداث الجسام التي تعرضت لها منطقة الخليج العربي من حروب، وتلوث بيئي خطير، وانهيارات اقتصادية ناجمة عن انخفاض أسعار النفط، وانهيار أسواق الأسهم العالمية، وما أسفر عنه ذلك من خسائر مالية كبيرة لحقت بدول الخليج العربية لم يتخذ صناع القرار في دول المجلس التدابير اللازمة لحماية دولهم ومواطنيهم من الأخطار المحدقة بهم. وعلى الرغم من ذلك أيضًا، لم يُشكّل صنّاع القرار هيئة موحدة لمواجهة الأزمات، فقد تعاملت كل دولة مع الأحداث منفردة، فاستفردت القوى المعادية بكل دولة على حدة، وهكذا سار العمل في هذه الدول، فلا يوجد موقف موحد، ولا وحدة عسكرية، ولا سياسة واضحة تجاه الأمن القومي الوطني.
لكن التحديات والمخاوف التي ذُكرت لا يمكن الاستهانة بها، كما أن التطورات التقنية والعلمية التي رافقت طفرة الوقود الصخري في الولايات المتحدة الأميركية ليست مستحيلة أن تتكرر، حتى لو كانت بدرجة أقل، في دول آسيوية أخرى، بما في ذلك الصين، وهو ما يعني أنه قد يحمل في طياته أيضًا مفاجآت غير سارة لدول الخليج العربية.
في جميع الأحوال، إن الاعتماد على تصدير الهيدروكربونات في التنمية لم يعد خيارًا مستدامًا، وإن حل الأزمات الداخلية والإقليمية، وعمليات التكامل الخليجي، ومواصلة تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الطاقة، تمثل السياسات الأنجح والأكثر أمانًا.
وعلى الرغم من أن هناك حاجة واضحة لوضع ميثاق استراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي، فإن المشكلات الهيكلية والمخاوف من زيادة النفوذ السعودي بين الدول الأصغر داخل المجلس، في حال وضع أي ميثاق من هذا القبيل، فضلًا عن انعدام ثقة دول الخليج العربية في ترتيبات الدفاع المشترك، قد أدت إلى الامتناع عن الموافقة على وضع أي ميثاق عسكري استراتيجي من هذا النوع. وبالإضافة إلى ذلك، وتحسبًا للدخول في أي تحالف عسكري مع الدول العربية مثل مصر وسوريا، كان الإجراء الناجح الوحيد في نطاق التعاون الأمني هو قوات درع الجزيرة، وهي قوة دفاعية متعددة الجنسيات تابعة لمجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، وفي أعقاب سقوط نظام صدام حسين، وفي ظل وجود موقف استراتيجي غير واضح، اختلف زعماء الخليج حول رؤية مستقبل قوة درع الجزيرة، وركزوا بدلًا من ذلك على شراء مزيد من الأسلحة من الولايات المتحدة، كما ظلت دول المجلس تعتمد على الولايات المتحدة على أساس ثنائي، بدلًا من إنشاء منظمة دفاعية إقليمية ترتبط بالولايات المتحدة.
لم تضع دول الخليج العربية حتى الآن سياسة موحدة أو إطار عمل مشتركًا للتصدي للتهديدات الناشئة، مما يعكس الاختلافات في المصالح الفردية لدول المجلس. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، أظهرت دول الخليج مستوى عاليًا من الإجماع فيما يخص الأمن الإقليمي، كما فضّلت جميعها العمل الدبلوماسي للحفاظ على علاقات ودية مع مختلف الدول التي قد تكون متنازعة في بعض الأحيان. وتمشيًا مع موقفها غير العدواني، تصرفت دول مجلس التعاون الخليجي بشكل متوازن وثابت بهدف مجابهة الضغوط المضادة الصادرة من الولايات المتحدة وإيران، بينما سعت في الوقت نفسه إلى تحقيق إجماع عربي. وتهدف سياسة مجلس التعاون الخليجي إلى إيجاد أرضية مشتركة بين المصالح المتشابهة والفردية للدول، وهو ما يعكس صعوبات وضع سياسة واضحة ومتسقة بين دول المجلس.
أحدثت الثورات العربية انشقاقات بين دول المجلس، حيث اتخذت بعض الدول موقفًا معاديًا لحركات الثورات العربية التي انطلقت من تونس، وأطاحت بداية بالرئيس التونسي الأسبق "زين العابدين بن علي"، الذي كانت تربطه علاقات شخصية وأمنية ببعض دول الخليج العربية، وامتدت هذه الحركات إلى مصر، ابتداءً من ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، مطالبة بإسقاط نظام حسني مبارك، الذي كانت تربطه علاقات أمنية وشخصية وسياسية أيضًا بأكثر من دولة خليجية، ثم إلى ليبيا، التي تعاونت جميع دول المجلس في الإطاحة بالعقيد معمر القذافي ونظام حكمه، وتتابعت الأحداث في كلٍّ من سوريا واليمن. وفي هذه الأجواء، وقفت بعض الدول الخليجية مناصرةً لحركات الثورات العربية، على الأقل إعلاميًّا، وهو ما لم يلق قبولًا لدى دول خليجية أخرى، ومن هنا بدأ الشقاق.
لم يحقق مجلس التعاون توازنًا بين السيادة الوطنية والمصلحة الجماعية لأعضائه، فانفردت كل دولة في سياساتها الخارجية والأمنية وتحالفاتها، مما أدى إلى نشوب أزمات سياسية فيما بينها، من أبرزها أزمة العلاقات بين دولة قطر من جهة، وكلٍّ من السعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى، وقيام الدول الثلاث بسحب سفرائها من الدوحة في 5 مارس/ آذار 2014، احتجاجًا على سياساتها الخارجية والأمنية والإعلامية، وهو تحرك غير مسبوق في تاريخ مجلس التعاون الممتد لثلاثة عقود.
أسهمت هذه التحولات أيضًا، في سياق مقاربات القوى الخارجية للشرق الأوسط، في دفع دول الخليج العربي إلى السعي لتأسيس شراكات استراتيجية مع قوى غير الولايات المتحدة. وبعيدًا عن السياسة والأمن، تتجه العوامل الاقتصادية إلى تحويل آسيا إلى سوق تجارية أكثر أهمية من الغرب. وقد أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال تعاملها مع روسيا والصين، استعدادها للتغاضي عن خلافات معقدة حول قضايا شائكة مثل سوريا وإيران.
ولسوء حظ الدول الخليجية، فإن تراجع الدور الأميركي تزامن مع صعود قوى منافسة على المستويين الدولي والإقليمي، وهو ما دفع هذه القوى إلى تكثيف محاولاتها للتوسع الاقتصادي والدبلوماسي، الأمر الذي ينعكس بطبيعة الحال على حساب طموحات دول الخليج العربي. وتشكل هذه السياسات التوسعية تهديدًا جديًّا، خاصة أنها تقترن بتطوير قدرات عسكرية تقليدية ونووية. وفي حال تحقق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن حضور إسرائيل بوصفها قوة نووية بارزة في سوق المنطقة ودبلوماسيتها سيغدو أمرًا محسومًا، وستجد دول الخليج نفسها في مواجهة ثلاثة محاور نووية: إيران (في حال نجاحها في تطوير السلاح النووي)، وتركيا (التي تتمتع بمظلة الناتو النووية)، وإسرائيل (التي تملك أكثر من مائتي رأس نووي). ومن شأن هذه القوى أن تسعى إلى تقاسم النفوذ في المنطقة اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا، وقد بدأت ملامح هذا السيناريو في الظهور. لذلك تبدو دول الخليج في حاجة ملحة إلى تعزيز وحدتها، على نحو يتجاوز الإطار النخبوي ليشمل القاعدة المجتمعية، بما يجعل المجتمع الخليجي دعامة أساسية للأمن، وهو ما قد يتطلب إعادة النظر في بعض الامتيازات السياسية والاقتصادية القائمة.
تواجه منطقة الخليج تحديات سياسية وأمنية جسيمة، من أبرزها الحرب في اليمن، والتوترات مع إيران، وقضايا الإرهاب، والاحتجاجات في البحرين، وصولًا إلى الأزمة الخليجية. ومن منظور رسمي خليجي، لا تتوافر في الوقت الراهن بدائل واقعية للمظلة الدفاعية الأميركية في المنطقة، وهو ما يجعل من الصعب تصور دور عسكري آسيوي قادر على مضاهاة الدور الأميركي أو استبداله. وفي إطار الحسابات الإستراتيجية لصانعي القرار في دول مجلس التعاون، لا تمتلك دول جنوب شرق آسيا -نظرًا لعدم توحد مواقفها، ومحدودية قدراتها العسكرية واللوجستية، فضلًا عن اعتبارات الإرادة السياسية- القدرة على التدخل في الأزمات بالفاعلية التي توفرها المظلة الأميركية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الدول الآسيوية لا تستطيع، على الأقل في المديين القصير والمتوسط، تقديم ضمانات أمنية مماثلة لتلك التي توفرها الولايات المتحدة، خاصة في مواجهة التهديدات المرتبطة بإيران أو الجماعات المصنفة دوليًّا كتنظيمات إرهابية.
تشير هذه المعطيات إلى أن التحديات التي تواجه منطقة الخليج العربي ليست جديدة، لكنها تتسم في المرحلة الراهنة بدرجة أعلى من التعقيد والخطورة، نتيجة الخلل في توازن القوى الإقليمي، والتحولات في أنماط التحالفات الدولية والإقليمية، وهو ما يقلل من جدوى الاعتماد على تحالف واحد. فقد اعتمدت دول الخليج تاريخيًا على شراكتها مع الولايات المتحدة، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات ملحوظة في السياسة الأميركية تجاه المنطقة. وعلى الرغم من استمرار الخطاب الرسمي الأميركي في تأكيد الالتزام بأمن الحلفاء، فإن الوقائع الميدانية عكست تراجعًا نسبيًّا في هذا الالتزام، كما ظهر في حوادث الملاحة في مضيق هرمز، والهجمات التي استهدفت شركة أرامكو السعودية، وهو ما يطرح تساؤلات حول كفاية الاعتماد الأحادي على هذا الحليف لضمان الأمن والاستقرار. ومن ثم تبرز الحاجة إلى تنويع الشراكات الإستراتيجية، استنادًا إلى اعتبارات المصالح ومصداقية الالتزامات.
هذا التحول لا يعني تراجع الأهمية الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، ولا انخفاض دورها في أمن دول الخليج واقتصادها، بل يشير إلى إعادة تشكيل هذا الدور ضمن أطر وأدوات مختلفة. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى، لا تزال تمتلك مصالح حيوية في المنطقة، كما أن اعتماد دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، على تصدير النفط يظل مرتبطًا بتأمين خطوط الإمداد، والتقنيات الغربية في الإنتاج، والأسواق العالمية. وفي هذا السياق، أصبح الطلب العامل الحاسم في تحديد أسعار النفط، وهو ما يعزز أهمية الدور الأميركي المرتبط بأداء الاقتصاد العالمي، واحتمالات تعافي الطلب والأسعار في المستقبل.
وعلى الرغم من أن دول الخليج العربية ترى أن الدول الآسيوية الصاعدة، ولا سيما الصين، لا تمثل بديلًا عن الولايات المتحدة، على الأقل خلال عقد أو عقدين قادمين، فإنها تسعى إلى تنويع شراكاتها الأمنية، وترك معظم خياراتها الخارجية مفتوحة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن هناك عددًا من العوامل الإستراتيجية والسياسية التي قد تدفع الدول الخليجية إلى تطوير علاقات أوثق مع دول آسيا، خاصة الصين، من أبرزها:
أ ـ في حال قررت الرياض مستقبلًا تطوير برنامج نووي ذي طابع عسكري، فإن الدولتين الآسيويتين المرشحتين للعب دور رئيسي في هذا المجال هما الصين وباكستان.
ب ـ تُعد دول الخليج العربي، ولا سيما السعودية وقطر، من بين أكبر موردي النفط والغاز الطبيعي المسال إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وبعض دول الآسيان. وفي الوقت ذاته، تسعى هذه الدول إلى زيادة استثماراتها في قطاع الطاقة وغيره داخل تلك الأسواق، بهدف الحفاظ على حصصها السوقية وتعزيز حضورها الاقتصادي، وربما دعم شراكات أمنية مستقبلية.
وفي هذا الإطار، تنظر دول مجلس التعاون إلى الدول الآسيوية، خاصة الصين، بوصفها مصدرًا مهمًا للدعم السياسي، لا سيما في القضايا المرتبطة بفلسطين، أو مواجهة الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية. كما يرتبط هذا التوجه بتوسيع مجالات التعاون، سواء بشكل جماعي أو على مستوى كل دولة على حدة، في مجالات التدريب الأمني والعسكري، وشراء المعدات الدفاعية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، حيث أبرمت عدة دول خليجية اتفاقيات متعددة في هذا الشأن مع دول آسيوية مثل الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا.
ثانيًا: الولايات المتحدة الأميركية
ليس من المنتظر أن تتلاشى القوة الأميركية أو أن تشهد انكسارًا حادًا في مكانتها، لمجرد أن الجيش الأميركي يواجه صعوبات عسكرية في أفغانستان والعراق، أو نتيجة تزايد مشاعر العداء لها في العالم وتراجع قوتها الناعمة. فالولايات المتحدة الأميركية ما تزال، ومن المرجح أن تظل، القوة العظمى الأولى لعقود قادمة، غير أنها ليست خارج قوانين التاريخ والاجتماع السياسي التي تسري على جميع الأمم والإمبراطوريات.
فالولايات المتحدة، شأنها شأن الإمبراطوريات التي تعاقبت على الهيمنة الدولية، لا يمكن أن تستمر في قيادة النظام الدولي إلى أمد غير محدود دون أن تتعرض لتحولات تؤثر في مكانتها. وتشير القراءة المتأنية للمشهدين الأميركي والدولي إلى أن القوة الأميركية تسير في مسار تراجع نسبي، وليس في مسار تصاعد مستمر، على الرغم مما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة. وربما يسجل التاريخ أن مرحلة بلوغ الذروة في القوة والهيمنة العالمية، كانت في الوقت ذاته بداية التحول نحو الانكماش النسبي في الدور الأميركي.
لقد شكّل سقوط المعسكر الشيوعي، ثم حرب الخليج الثانية عام 1991، نقطة انطلاق لترسيخ نظام الأحادية القطبية، بينما مثّلت الحرب على العراق عام 2003 وما تلاها من تداعيات، بداية التراجع الفعلي في مكانة القوة الأميركية. وفي السياق الراهن، تتجه بنية النظام الدولي نحو مزيد من التعددية، بحيث لن تكون الولايات المتحدة اللاعب الوحيد المهيمن، بل فاعلًا رئيسًا ضمن مجموعة من القوى الدولية المتنافسة. ويمكن فهم هذه التحولات في إطار ما أشار إليه الفيلسوف الألماني هيجل بمفهوم "مكر التاريخ".
فمنذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، انفردت الولايات المتحدة الأميركية بالهيمنة، بوصفها قوة خارجية، على منطقة الشرق الأوسط عمومًا، وعلى منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص. وخلال هذه الفترة، اتسمت ديناميكيات القوة الإقليمية بدرجة من الاستقرار النسبي، غير أن حركات التغيير، واستمرار أزمات المنطقة، فضلًا عن انتقال الاهتمام الأميركي خلال فترة إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما نحو آسيا، أفضت إلى نشوء متغيرات جيوبوليتيكية، أسفرت عن تحولات جذرية في طبيعة موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، وتزامنت مع صعود قوى دولية أخرى.
هذا الوضع مرشح للتغير، في ظل البحث عن بدائل تعكس حالة الإرهاق الأميركي من المنطقة، وتراجع تقبل المنطقة للهيمنة الأميركية. وقد استندت سياسة واشنطن إلى فرضيتين تفتقران إلى الدقة، تتمثلان في الاعتقاد بإمكانية معالجة المشكلات كافة عبر الأدوات العسكرية، والافتراض بأن الحلول التي يطرحها صانع القرار الأميركي هي حلول صائبة بالضرورة. وفي هذا السياق، برز في المنطقة تياران فكريان متباينان؛ يدعو الأول إلى تقليص مستوى التدخل الدولي في شؤون المنطقة، بينما يطالب الثاني بتعزيز هذا التدخل. وتشير المعطيات إلى أن التيار الثاني هو الأكثر حضورًا في المرحلة الراهنة.
وقد انعكس هذا التوجه في تصريحات عدد من القيادات الخليجية، حيث أكد وزير الخارجية السعودي الأسبق، الأمير سعود الفيصل، في ملتقى حوار الخليج في البحرين في ديسمبر 2004، أن "ضمانات أمن الخليج لا يمكن أن تقدم من جانب واحد، حتى وإن كان ذلك الجانب هو القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأن المنطقة تحتاج إلى ضمانات توفرها الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي". كما أشار أمير دولة قطر الأسبق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2007، إلى أن "الصراعات العالمية الكبرى أصبحت أوسع من أن تستطيع قوة عظمى واحدة معالجتها بمفردها".
يتمثل جوهر السياسة الخارجية والدفاعية للرئيس باراك أوباما، كما عبّر عنه في خطاب حالة الاتحاد لعام 2014، في توجه واشنطن نحو الحد من تدخلها العسكري في الصراعات حول العالم، دون إغفال ظاهرة الإرهاب العالمية. وتعكس هذه السياسة أحد تصورين، أو كليهما: تراجع الدور الأميركي نتيجة الضغوط الاقتصادية، والرغبة في إعطاء الأولوية للقضايا الداخلية على حساب الانخراط الدولي. وفي صميم هذا التوجه، أقرّ أوباما بأن أحد الأسباب الرئيسة للركود الاقتصادي في الولايات المتحدة يتمثل في التدخل العسكري لإدارة الرئيس الأسبق جورج بوش في أفغانستان والعراق، والذي قد تصل كلفته النهائية إلى نحو 6 تريليونات دولار من خزينة الدولة.
وقد أثّرت هذه الحروب، التي تُعد الأعلى تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، في الميزانية الاتحادية على مدى عدة عقود، وهو ما شكّل أحد العوامل التي دفعت الرأي العام الأميركي إلى تفضيل تقليص الانخراط الأمني في الخارج. ووفقًا لاستطلاعات الرأي، يرى 52 في المئة من الأميركيين أن على واشنطن التركيز على شؤونها الداخلية وترك المجال للأمم الأخرى لإدارة شؤونها، وهو ما يمثل أعلى مستوى لهذا الاتجاه منذ خمسة عقود. كما أيد هذا التوجه نحو 80 في المئة من الأميركيين الذين يفضلون إعطاء الأولوية للشأن الوطني على حساب القضايا الدولية. وقد عبّر الرئيس أوباما عن هذه الرؤية بقوله: "أن تكون لدينا أفضل مطرقة، فذلك لا يعني أن كل مشكلة هي مسمار"، في إشارة إلى محدودية الحلول العسكرية في معالجة الأزمات الدولية.
في السياق ذاته، تسعى الولايات المتحدة، من خلال مجموعة من السلوكيات التكتيكية والإستراتيجية، إلى التكيف مع التحولات الدولية باتجاه نظام عالمي أكثر تعددية، بما يضمن استمرار نفوذها وإطالة أمد قوتها. ويستند هذا التوجه إلى عدد من الأدوات، من أبرزها:
أ ـ إنشاء وتطوير منظومات الدرع الصاروخي، بما يعزز الاعتماد الأمني لحلفائها عليها، ويكرّس موقعها القيادي في منظومة الأمن الدولي.
ب ـ توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقًا، وإدماج بعض دول أوروبا الشرقية في الفضاء الأوروبي، وهو ما يسهم في زيادة الضغط على روسيا، وإدخالها في سياق توازنات أوروبية معقدة، بما يؤثر في أولوياتها الإستراتيجية.
وعلى المستوى ذاته، أعادت الولايات المتحدة النظر في آليات تعاملها مع حلفائها في الشرق الأوسط، وبدأت في مراجعة استراتيجيتها الأمنية والعسكرية في ضوء المتغيرات الإقليمية الجديدة.
في المقابل، تقف دول الخليج العربية اليوم أمام تحولات عميقة تفرض عليها تطوير استراتيجياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، استجابةً لمتغيرات البيئة الإقليمية والدولية. وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل محاولات بعض القوى الخارجية التأثير في الأوضاع الداخلية لدول المجلس، سواء عبر التدخل المباشر أو من خلال التأثير في البنى المجتمعية. وفي حال عدم التعامل مع هذه التحديات بوعي واحتراف، فإن هذه التدخلات قد تدفع دول المجلس إلى الانخراط في تفاعلات ذات طابع صفري، بما يهدد استقرارها ومصالحها الإستراتيجية.
إن دول الهامش أو الأطراف على الساحة الإقليمية، مثل إيران وتركيا وإسرائيل، وكذلك القوى الدولية كروسيا والصين، تركت تأثيرات واضحة على خريطة التحالفات الجديدة، فضلًا عن انعكاساتها على مستقبل الدور الأميركي في المنطقة.
النظام العالمي القائم لم ينتهِ بعد، لكنه يسير نحو التآكل بصيغته الحالية، وفي حال استمرار مقاومة الغرب لإدخال تعديلات على بنيته، فإن الصين وروسيا ستتجهان إلى بناء ترتيبات موازية تسهم في إضعاف هذا النظام. وفي هذا السياق، قد تسهم السياسات الأميركية، خاصة في عهد الرئيس دونالد ترامب، في تسريع هذه التحولات. فقد تأسس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على القوة العسكرية والاقتصادية والأيديولوجية للولايات المتحدة، غير أن واشنطن لم تعد راغبة، ولا قادرة بالقدر ذاته، على الاستمرار في أداء دور القيادة العالمية، الأمر الذي يجعل التغيير في بنية النظام الدولي مسارًا لا يمكن تجنبه.
ثالثًا: روسيا والصين والهند
في هذا الإطار، ذهب العديد من المحللين الاستراتيجيين إلى أن من أبرز سمات المرحلة الراهنة صعود ممارسات التوازن المضاد (Counter Balancing)، التي أخذت كل من روسيا والصين تمارسها في مواجهة الولايات المتحدة، في محاولة لاحتواء نفوذها وردعه. وقد تراجعت هذه الممارسات خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث ساد قدر من التوافق بين القوى الكبرى في ظل الهيمنة الأميركية، خاصة عقب تفكك الاتحاد السوفيتي.
غير أن هذا التفوق الأميركي واجه تحديات متزايدة مع بداية فترة الرئيس باراك أوباما، نتيجة إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية الأميركية، بما وضع مصالح الولايات المتحدة أمام اختبارات جديدة في ظل صعود قوى دولية منافسة. فقد اتجهت الصين إلى تعزيز حضورها البحري في جنوب بحر الصين، وإلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط عبر مبادرة "الحزام والطريق"، في حين سعت روسيا إلى إعادة تموضعها العسكري في منطقة القوقاز للحد من توسع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. كما مثّلت تدخلاتها العسكرية في جورجيا وأوكرانيا وأرمينيا وسوريا، إلى جانب ضمها شبه جزيرة القرم، مؤشرات واضحة على تصاعد دورها العسكري، ليس فقط منذ نهاية الحرب الباردة، بل حتى مقارنة بمراحل سابقة في النظام الدولي.
وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى التحركات الروسية والصينية بوصفها تعبيرًا عن تشكل استراتيجيات جديدة تستهدف إعادة رسم ملامح الخريطة الدولية، في سياق انتقال تدريجي نحو نظام أكثر تعددية في مراكز القوة.
إن حيوية منطقة الخليج العربي وخطورتها في سياق التنافس بين القوى الكبرى ـ ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية ـ والدول الصاعدة مثل الصين وروسيا، فضلًا عن القوى الإقليمية كإيران وتركيا وإسرائيل، وما يرتبط بذلك من سعي هذه الأطراف إلى الهيمنة أو تعزيز نفوذها في المنطقة، إلى جانب الجهود الأميركية المستمرة لاحتواء أدوار هذه القوى بوصفها فاعلين رئيسين، تُعد جميعها عوامل أسهمت في توليد تداعيات عميقة على المنطقة برمتها، بحيث أصبحت من أكثر مناطق العالم توترًا، خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وقد أبرزت الدراسة الخصائص الجيوبوليتيكية التي تتمتع بها المنطقة، والتي جعلتها محل اهتمام متزايد من قبل هذه القوى، إذ تتسم بموقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية، أكدت عليه مختلف النظريات الجيوبوليتيكية القديمة والحديثة. كما تشرف على عدد من أهم المضايق العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 40% من النفط العالمي.
وعلى الرغم من أن روسيا والصين، سواء بشكل منفرد أو مشترك، لا تستطيعان ـ في الظروف الراهنة على الأقل ـ تشكيل قطب موازن للولايات المتحدة، فضلًا عن التفوق عليها، فإن ما يثير قلق الولايات المتحدة والدول الغربية يتمثل في عاملين رئيسين:
أ ـ قدرة الصين وروسيا على تحسين موقعهما الاستراتيجي على حساب النفوذ الأميركي، مستفيدتين من انخراط الولايات المتحدة في أزمات معقدة في العراق وأفغانستان، وما ترتب على ذلك من تزايد التحديات التي تواجهها في منطقة الشرق الأوسط. وقد نجحت الصين في التحرك تدريجيًا، ولكن بثبات، لتعزيز حضورها في مجالات الطاقة والنفط، والتوسع في الأسواق الإفريقية والآسيوية، بل وحتى في مناطق قريبة من المجال الحيوي الأميركي. وفي المقابل، عملت روسيا، في ظل قيادة فلاديمير بوتين، على إعادة إحكام سيطرة الدولة على قطاع الطاقة، وتقليص نفوذ شبكات المال والسياسة المرتبطة بالغرب، إلى جانب تحقيق تقدم ملحوظ في إعادة بناء وتحديث صناعتها العسكرية، في مواجهة التحديات الأطلسية.
وفي هذا السياق، برزت منظمة شنغهاي للتعاون إطارًا سياسيًا وأمنيًا للتنسيق بين روسيا والصين، وتعكس في دلالاتها الأوسع اتجاه النظام الدولي نحو الانتقال من حالة الأحادية الأميركية إلى نظام يتسم بتعدد مراكز القوة.
ب ـ يمثل النموذجان الصيني والروسي حالة ملهمة وجاذبة لعدد من دول العالم في مواجهة النموذج الليبرالي، خاصة في نسخته الأميركية. فقد حققت الصين نهضة اقتصادية وعسكرية كبيرة، ووفرت قدرًا معتبرًا من الاستقرار السياسي، في إطار منظومة شيوعية معدلة تقوم على دور مركزي للدولة. كما تمكنت روسيا، في عهد فلاديمير بوتين، من تجاوز تداعيات انهيار النظام الشيوعي ومرحلة يلتسن، بدرجة ملموسة من النجاح، من خلال استعادة الدور التوجيهي للدولة في قطاعات الاقتصاد والطاقة والصناعات الثقيلة، إلى جانب مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
ويكمن القلق لدى الولايات المتحدة والدول الغربية في أن يشكل هذان النموذجان عامل جذب لدول العالم الثالث، بما يعزز قناعة مفادها أن مسارات التنمية لا تقتصر على النموذج الليبرالي الأميركي المعولم، ولا تتطلب بالضرورة الالتزام بتوصيات المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقد شهدت بعض دول أمريكا الجنوبية توجهات تعكس هذا المسار، مثل فنزويلا ونيكاراغوا والأرجنتين وبوليفيا والبرازيل، وهو ما يعبر عن اتساع ظاهرة البحث عن نماذج تنموية بديلة.
تتداخل العوامل المؤثرة في تقلبات أسعار النفط الخام، ولم تعد هذه السلعة الإستراتيجية خاضعة فقط لعوامل العرض والطلب التقليدية، إذ أصبحت العوامل الجيوسياسية عنصرًا حاسمًا يؤثر في سلوك المنتجين والمستهلكين على حد سواء. ولم يعد التحكم في الأسعار ممكنًا من جانب الدول المنتجة أو المستهلكة منفردة، كما أن ارتفاع الأسعار يتزامن مع زيادة تدريجية في الطلب العالمي. ولم يعد هذا الطلب مقتصرًا على الدول الصناعية التقليدية، إذ شهدت الدول الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب نتيجة النمو الاقتصادي المتسارع، إلى جانب اقتصادات شرق آسيا الصاعدة.
وقد أصبحت الصين والهند من أبرز المنافسين للولايات المتحدة في استهلاك الطاقة، كما انخرطتا في شراكات متعددة مع دول مجلس التعاون الخليجي في الصناعات المرتبطة بالنفط، إضافة إلى إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد الطاقة. وفي المقابل، تواجه بعض الدول المنتجة تحديات في مستويات الإنتاج، الأمر الذي يعزز من أهمية دول مجلس التعاون الخليجي بوصفها مصدرًا رئيسًا ومستقرًا لإمدادات النفط في الحاضر والمستقبل.
وبصورة عامة، تتسم أسواق النفط بحالة من الاضطراب الدوري، ويُتوقع أن يكون للصين ـ على نحو خاص ـ ولدول جنوب شرق آسيا عمومًا تأثير متزايد في تطورات هذه الأسواق مستقبلًا، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تراجع دور النفط ضمن مزيج الطاقة العالمي. وفي هذا السياق، يُرجح أن تتصاعد المنافسة بين مناطق الاستهلاك التقليدية، المتمثلة في الولايات المتحدة وأوروبا، وبين الصين ودول جنوب شرق آسيا، على الطلب على النفط، وهو ما قد يفضي إلى مزيد من التقلبات في الأسواق، خاصة إذا لم تتمكن منظمة أوبك وغيرها من توفير الاستثمارات اللازمة لتطوير الحقول النفطية. وفي المقابل، تظل دول الخليج العربي، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، المورد الرئيس الذي يُعوَّل عليه في تلبية الإمدادات الإضافية، نظرًا لما تمتلكه من احتياطيات مؤكدة غير مطورة.
في الوقت ذاته، يُتوقع أن تستمر العلاقات الخليجية الآسيوية في التصاعد، فعلى الرغم من أن آسيا لا تزال متأخرة ـ مقارنة بالولايات المتحدة ـ من حيث النفوذ السياسي العالمي، فإن تراجع الدور الأميركي يفتح المجال أمام تنامي التأثير الآسيوي، ولا سيما الصيني والهندي، في الساحة الدولية. ويرتبط هذا التطور بقدرة الدول الآسيوية على إدارة معضلة أساسية تتمثل في تحقيق التوازن بين تأمين احتياجاتها الإستراتيجية من النفط الخليجي، والحفاظ على مبدأ عدم التدخل، الذي يُعد من الركائز الأساسية في سياساتها الخارجية.
ومع ذلك، لا تنفرد الولايات المتحدة بكونها الشريك الأكثر جاذبية لدول الشرق الأوسط، إذ تواصل الصين تعزيز حضورها في المنطقة، خاصة في إطار مبادرة "الحزام والطريق". وتتميز المقاربة الصينية تجاه الشرق الأوسط بطابع اقتصادي بالدرجة الأولى، وبأفق زمني طويل، مدفوعًا بحجم الاستثمارات الكبيرة التي تضخها بكين في البنية التحتية عبر المنطقة، بهدف تعظيم مكاسبها الاقتصادية وضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة. وعلى خلاف روسيا، تحرص الصين على الابتعاد عن الانخراط المباشر في القضايا السياسية والأمنية الإقليمية، ولا تطرح نفسها كضامن أمني لدول المنطقة، على الرغم من أن بعض الفاعلين الإقليميين يوظفون علاقتهم بها لسد فجوات قائمة، أو لإرسال رسائل توازن إلى الولايات المتحدة.
على الرغم من تقليص التركيز الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، مقابل زيادة اهتمامها بآسيا في إطار ما يُعرف بسياسة "المحور نحو آسيا"، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع فك ارتباطها بالمنطقة بصورة كاملة، نظرًا لاستمرار وجود مصالح حيوية لها، وفي مقدمتها ضمان تدفق النفط إلى حلفائها. وباستثناء التدخل العسكري الروسي في سوريا، تحاول كلٌّ من روسيا والصين تجنب التورط المباشر في النزاعات القائمة في المنطقة، مع السعي إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
وقد تمكنت موسكو وبكين من التحرك بحذر في ظل التوترات القائمة بين إسرائيل وإيران وتركيا والأكراد والمملكة العربية السعودية وقطر، حيث حرصتا على البقاء على مسافة من هذه الخصومات، مع الاستمرار في تقديم أطر للتعاون الاقتصادي والشراكة السياسية. وتسعى الدولتان إلى تحقيق توازن في علاقاتهما، يجمع بين الحفاظ على روابطهما الوثيقة مع إيران، والاستعداد لتطوير علاقات التعاون مع المملكة العربية السعودية.
فيما يتعلق بإيران، تحرص موسكو وبكين على إظهار قدر من التضامن معها، خاصة في ملفها النووي، وهو ما يعكس، في جانب منه، رغبتهما في تحدي النفوذ الأميركي في المنطقة. ومع ذلك، فإن الدولتين لا تؤيدان امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، وإنما تختلفان في مقاربتهما لمعالجة هذا الملف، وهو ما يفسر معارضتهما لقرار إدارة ترامب بالانسحاب من خطة العمل المشتركة، التي اعتبرتاها فرصة لمعالجة القضية عبر المسار الدبلوماسي.
أما في ما يخص المملكة العربية السعودية، فإن دوافع كل من روسيا والصين تتسم بطابع اقتصادي بالدرجة الأولى. فقد تبنت الصين التعاون الاقتصادي مع المملكة باعتباره أحد مرتكزات سياستها في الشرق الأوسط، لا سيما في مجال الطاقة، حيث أصبحت السعودية أحد أبرز موردي النفط إلى الصين، كما توسع التعاون ليشمل استثمارات سعودية في قطاعات متعددة داخل الصين، من بينها قطاع التكرير، إلى جانب استثمارات في مشروعات البنية التحتية، مثل ميناء جوادار في باكستان. كما انخرطت بكين في تطوير قطاع الاتصالات في المملكة، من خلال دعم شبكات الجيل الخامس (5G) والبنية التحتية المرتبطة بها، فضلًا عن تنامي التعاون في مجال التسليح.
وفي السياق ذاته، وفّر التعاون السياسي والعسكري الروسي مع إيران، إلى جانب التدخل في سوريا، لموسكو أدوات ضغط إضافية في تعاملها مع إسرائيل، وهو ما انعكس في سعي الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا، بهدف الحد من الدعم الروسي لإيران، والحصول على قدر من التفاهم الضمني بشأن تحركاتها العسكرية في الساحة السورية.
أما بالنسبة للصين، فتُعد إسرائيل مصدرًا مهمًا للتكنولوجيا المتقدمة، سواء للأغراض المدنية أو ذات الاستخدام المزدوج، على الرغم من أن نطاق هذا التعاون يظل محدودًا، في ظل الضغوط الأميركية التي تستهدف تقييد انخراط إسرائيل في شراكات تكنولوجية مع بكين.
وفي إطار سعيها إلى إعادة تشكيل ملامح النظام الدولي، خاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤية استراتيجية أوسع، تُعد جزءًا من تصور شامل لدور الصين العالمي. وقبل توليه الرئاسة رسميًا في عام 2013، كان واضحًا توجه القيادة الصينية نحو تعزيز موقعها بوصفها منافسًا دوليًا رئيسًا، وهو ما عبّر عنه شي جين بينغ خلال زيارته لواشنطن عام 2012، حين طرح فكرة "نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين"، يقوم على التعاون المتبادل واحترام المصالح الأساسية.
استهدف شي جين بينغ من طرح هذا النموذج تأسيس علاقات جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على مبدأ التساوي، لا على أساس التبعية. وتشير مجمل خطاباته بوضوح إلى رغبته في أن تضطلع الصين بدور ريادي في النظام الدولي، وأن تتولى زمام المبادرة، إذ يكرر في العديد من خطاباته عبارات مثل "المجتمعات ذات المصير المشترك" و"المستقبل المشترك للبشرية". ولتحقيق موقع متقدم في آسيا، تتمحور استراتيجيته حول الانخراط الاقتصادي العميق للصين في القارة، من خلال تقديم امتيازات اقتصادية للدول الآسيوية، وتعزيز المشاركة السياسية عبر الانخراط في المنظمات الإقليمية، إلى جانب إظهار قدر من الحزم العسكري، خاصة في القضايا المرتبطة بالمصالح السيادية البحرية المتنازع عليها، فضلًا عن تسريع وتيرة التحديث العسكري وزيادة الإنفاق على التسليح وتطوير الجيش الصيني. ويشكل هذا المسار، على وجه الخصوص، تحديًا مباشرًا للولايات المتحدة، واختبارًا لمدى قدرتها على الحفاظ على التزاماتها تجاه حلفائها في مواجهة القوة الصينية المتصاعدة.
في السياق ذاته، وجدت كل من الصين وروسيا آفاقًا واسعة لتعزيز التنسيق والتعاون المشترك بينهما في الشرق الأوسط، إذ تسعى الدولتان إلى الحد من النفوذ الأميركي، أو على الأقل إظهار قدرتهما على موازنته في المنطقة. وقد تجلى ذلك في مواقفهما المتقاربة من عدد من القضايا، من بينها معارضتهما للغزو الأميركي للعراق عام 2003، ودعمهما لنظام بشار الأسد، عبر تعطيل المبادرات الأميركية الرامية إلى معاقبته أو التدخل عسكريًا في سوريا. كما دافعتا عن استمرار خطة العمل المشتركة الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، في مواجهة قرار إدارة ترامب بالانسحاب منها. وعلى صعيد آخر، أبدت الدولتان موقفًا رافضًا لما عُرف بالثورات العربية، ووصفتاها بأنها أحد مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر حرصهما على بناء علاقات مع الأنظمة السياسية القائمة، بغض النظر عن طبيعة نظمها السياسية أو مستوى احترامها لحقوق الإنسان.
مع ذلك، فإن آفاق التعاون بين موسكو وبكين في المنطقة قد لا تستمر بالزخم نفسه على المدى الطويل، إذ إن تنامي الحضور العسكري قد ينعكس سلبًا على المصالح الاقتصادية للصين وأمنها في المنطقة. وفي المرحلة الراهنة، تتركز بوادر التنافس بين الطرفين في المجال الاقتصادي، خاصة في أسواق السلاح وصادرات التكنولوجيا النووية المدنية. وتُعد منطقة الشرق الأوسط سوقًا مهمة لصادرات الأسلحة لكل من روسيا والصين، حيث تحتل الجزائر موقعًا متقدمًا بوصفها أحد أكبر المستوردين، إلى جانب دول أخرى مثل العراق ومصر وسوريا بالنسبة لروسيا. كما أسهمت العمليات العسكرية الروسية في سوريا في تعزيز القدرة الترويجية لصناعاتها العسكرية، وهو ما شجع بعض الدول، بما فيها حلفاء تقليديون للولايات المتحدة مثل تركيا، على التوجه لشراء منظومات تسليح روسية، وعلى رأسها منظومة S-400.
كما سعت كل من روسيا والصين إلى تعزيز حضورها في السوق السعودية، وإن ظل ذلك في حدود أقل مقارنة بحصة الولايات المتحدة وأوروبا في سوق السلاح الخليجي. وفي المقابل، تمثل السياسات الأميركية خلال إدارة ترامب، خاصة ما اتسمت به من اندفاع في التعامل مع ملفات إقليمية حساسة، عامل ضغط على المصالح الصينية، لا سيما في ظل التصعيد مع إيران، وما قد يترتب عليه من تداعيات على الاستقرار الإقليمي، وانعكاساته المحتملة على أمن الطاقة ومسارات التجارة الدولية.
ترى بكين أن بإمكانها تحقيق مكاسب اقتصادية والحفاظ على قدر من الاستقرار، مع ترك زمام المبادرة للولايات المتحدة في توفير الأمن في المنطقة، ما دامت مصالحها الاقتصادية غير متضررة. غير أن هذا لا يعني أن الصين، على المدى الطويل، ستكون مرتاحة لاستمرار الحضور العسكري الكثيف في المنطقة، كما أنها لا تسعى إلى استبدال هذا الحضور الأميركي بوجود عسكري مماثل، سواء من جانبها أو من جانب قوى أخرى، كما قد ترغب بعض الدول الإقليمية، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي. ومن ثم، فإن الخيار الذي تميل إليه القيادة الصينية يتمثل في العمل التدريجي على تقليص النفوذ الأميركي عبر التوسع الاقتصادي، انطلاقًا من تصور يربط بين الأمن والتنمية والدور الحكومي. وقد تجد الصين نفسها مضطرة إلى تعزيز حضورها العسكري بدرجة محدودة في ظل تصاعد التحديات الأمنية، لكنها لن تتجه إلى توسيعه بصورة لافتة.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز موقع الهند بوصفها شريكًا استراتيجيًا، إن لم تكن حليفًا، بما يتيح لها الاستفادة من هذه العلاقة في موازنة النفوذ الصيني. كما أن ما تتمتع به الهند من سمعة نسبية في الحياد، إلى جانب التقاطع في المصالح الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، يعزز هذا التوجه. وبالنظر إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال من أكثر الشركاء استقرارًا للولايات المتحدة في المنطقة، فمن المتوقع أن تدعم واشنطن توسيع دور الهند في الخليج خلال المرحلة المقبلة.
وقبل استشراف مستقبل العلاقات الهندية ـ الخليجية، تبرز أهمية الوقوف على المحددات الحاكمة لهذه العلاقة، إذ إن فهمها يعد شرطًا لتفسير اتجاهاتها. ويأتي في مقدمة هذه المحددات مفهوم الاحتياج الاستراتيجي، الذي يعكس إدراكًا متبادلًا لدى الطرفين بأهمية كل منهما للآخر، حتى في ظل وجود اختلافات، وهو إدراك ينبع من تشابك المصالح التي يسعى كل طرف إلى الحفاظ عليها.
فعلى الجانب الهندي، تتجلى أهمية منطقة الخليج في كونها مصدرًا رئيسًا للطاقة، حيث تستورد الهند نحو 70% من احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة. كما تمثل العمالة الهندية في دول مجلس التعاون عنصرًا مهمًا في هذه العلاقة، إذ يتجاوز عددها ستة ملايين عامل، وتحول إلى الهند سنويًا ما يقارب 18 مليار دولار. ومن ثم، فإن ضمان تدفق النفط واستقرار أوضاع العمالة يمثلان عاملين حاسمين في توجيه السياسة الهندية تجاه دول الخليج.
أما من الجانب الخليجي، فتبرز أهمية الهند في حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، حيث تمثل سوقًا استهلاكية واسعة للمنتجات الخليجية، خاصة النفط والبتروكيماويات والأسمدة. كما تعد الهند ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، بما يتجاوز مليار نسمة، وأحد الاقتصادات الصاعدة التي شهدت نموًا متسارعًا، خاصة منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 1991، وهو ما يعزز من مكانتها كشريك اقتصادي واستراتيجي مهم لدول مجلس التعاون الخليجي.
يلقي القلق الهندي بشأن أمن الطاقة بظلاله على توجهاتها الجيوسياسية، إذ أدى انشغالها المتزايد بقضايا الطاقة إلى تعميق تحالفاتها العسكرية في الإقليم، ودفعها إلى اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، من بينها إرسال تمثيل عسكري محدود إلى طاجيكستان، وتوقيع اتفاقية مع إيران لإنشاء محطة لتسييل الغاز الطبيعي ومد خط للأنابيب. كما ركز الحوار مع إيران على الجوانب الأمنية، بما في ذلك إجراء مناورات بحرية مشتركة، وإبرام اتفاقيات للتدريب والصيانة العسكرية. وقد انعكس هذا التقارب مع إيران سلبًا على علاقات الهند مع بعض الدول الأوروبية، كما أثار قلق بعض أعضاء الكونجرس الأميركي.
في هذا السياق، تجد الهند نفسها مضطرة إلى تأمين مصادر طاقة قادرة على تلبية احتياجات نموها الاقتصادي المتسارع، إذ يعتمد استمرار هذا النمو بدرجة كبيرة على تدفق إمدادات الطاقة من دول الخليج بأسعار معقولة. وتسهم الزيادة المستمرة في الطلب على الطاقة في تعزيز علاقات الهند بدول الخليج، خاصة على الصعيد الاقتصادي، حيث يُتوقع أن تحصل الهند على الجزء الأكبر من احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة.
ولضمان مصالحها الإستراتيجية، يتعين على الهند تبني سياسة خارجية مستقرة تعطي أولوية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في منطقة الخليج، والعمل على دعم أمنها واستقرارها. فمن شأن توسيع الحضور الهندي في دول الخليج أن يوفر لها مستوى أعلى من أمن الطاقة، ويفتح أمامها آفاقًا أوسع للانخراط في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وفي المقابل، فإن أي اضطراب في إمدادات الطاقة من الخليج من شأنه أن ينعكس سلبًا على مسار النمو الاقتصادي الهندي.
انطلاقًا من ذلك، يرتبط ضمان أمن إمدادات النفط والغاز، في جانب منه، بمتانة العلاقات الهندية مع دول الخليج والمنطقة العربية عمومًا. وعلى هذا الأساس، تبرز أهمية تعزيز التحرك الدبلوماسي للهند في المنطقة، من خلال توسيع نطاق حضورها الرسمي، وتكثيف زياراتها رفيعة المستوى، وتفعيل دور شركاتها واستثماراتها، إذ لا يزال الوجود الدبلوماسي الهندي في الخليج محدودًا نسبيًا، سواء من حيث عدد الكوادر أو مستوى التمثيل السياسي.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن القوى الآسيوية، مثل الصين والهند، قد تسهم في أي ترتيبات تعاون دولي تستهدف ضمان أمن منطقة الخليج العربي. ويمكن أن يتجلى إسهام الهند في هذا الإطار من خلال المشاركة في التدريبات العسكرية المشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وحماية الممرات المائية الحيوية في المنطقة. ويُعد انخراط بعض دول المجلس، مثل عُمان والإمارات والسعودية، في تعاون عسكري وأمني، وإجراء مناورات بحرية مشتركة مع الهند، مؤشرًا واضحًا على بداية مرحلة جديدة من العلاقات الإستراتيجية المتنامية بين الجانبين.
تشكل بعض الملفات تحديات أمام تطوير الشراكة الهندية ـ السعودية، في مقدمتها إدارة العلاقات الهندية ـ الإيرانية، والعلاقات السعودية ـ الباكستانية. فنيودلهي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع إيران، في حين تشهد العلاقات السعودية ـ الإيرانية حالة من التوتر وعدم الاستقرار. وفي المقابل، ترتبط الرياض بعلاقات وثيقة مع باكستان، بينما تمثل العلاقة بين الهند وباكستان أحد أبرز نماذج الخصومة التقليدية في جنوب آسيا.
كما أن التقارب المتسارع بين الولايات المتحدة والهند، إلى جانب ارتباط الأخيرة بعلاقات وثيقة مع اليابان وكوريا الجنوبية، من شأنه أن يحد من هامش الحركة الجيوسياسية للصين، حتى مع محاولاتها توسيع خياراتها عبر الشراكة مع باكستان، رغم ما تنطوي عليه من كلفة وتعقيدات، أو عبر تعزيز تعاونها مع روسيا من خلال اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى، مثل القمم التي تجمع قيادتي البلدين. ويُعد هذا التداخل في العلاقات والتحالفات أحد العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل التوازنات الإستراتيجية بين القوى الكبرى، ولا سيما روسيا والصين.
التوصيات
1- تعيش منطقة الخليج العربي ودولها تطورات سياسية انعكست على أدائها المشترك تجاه قضايا إقليمية ودولية، إذ يُلاحظ وجود تباين في المواقف بين دول مجلس التعاون الخليجي، ظهر بعضه إلى العلن وبقي بعضه الآخر في الخفاء. ومن أبرز تداعيات ذلك استنزاف الموارد المالية الناتجة عن النفط الخام والغاز الطبيعي، التي تمثل الثروة الوطنية لهذه الدول، نتيجة تداعيات الحروب في المنطقة. وقد انعكست هذه التطورات على القدرة على صياغة دبلوماسية موحدة، وعلى إنشاء موقف جماعي متماسك عند التعامل مع الأطراف الدولية المؤثرة في الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة إعادة النظر في مؤسسات مجلس التعاون الخليجي، بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية التي شهدتها دوله، حفاظًا على القوة التفاوضية الجماعية التي ميزت هذه المنظومة خلال العقود الماضية، ومكّنتها من التفاعل الإيجابي مع التحولات الدولية.
2- تفرض التحولات والتوازنات الإقليمية والدولية الراهنة، وتلك التي لا تزال قيد التشكل، على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بلورة رؤية استراتيجية موحدة، تعزز من قدرتها على التعاون إقليميًا ودوليًا، بما يسهم في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية. وينبغي أن تقوم هذه الرؤية على مجموعة من الركائز، في مقدمتها بناء وتعزيز قدرات القوة الذاتية الجماعية، والحفاظ على الامتداد العربي الداعم لهذه القوة، وتوسيع التعاون مع الحلفاء الإقليميين الفاعلين، إضافة إلى تأمين الدعم الدولي في أبعاده القانونية والسياسية والاستخباراتية.
3- تتوافر أمام دول مجلس التعاون الخليجي عدة خيارات للتعامل مع التداعيات المحتملة للتقارب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة ويعزز المصالح العليا لدول المجلس، على المستويين الفردي والجماعي. ومن أبرز هذه الخيارات تعزيز الاعتماد على القوة الذاتية من خلال تسريع خطوات التكامل الخليجي، وتطوير المظلة العربية للأمن، إلى جانب بناء شراكات مع قوى دولية كبرى، مثل روسيا والصين والهند، في المجالات الأمنية والعسكرية، بحيث تشكل هذه الشراكات دعمًا إضافيًا، على الأقل في المدى المنظور، لعلاقات التحالف القائمة مع الولايات المتحدة الأميركية.
4- تعزيز المظلة العربية للأمن الخليجي، نظرًا للارتباط العضوي بين أمن الخليج والأمن العربي من جهة، وأمن الشرق الأوسط من جهة أخرى. إذ يُتوقع أن تتشاور الولايات المتحدة الأميركية مع القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة قبل إقرار أي ترتيبات أمنية مستقبلية في الخليج، بهدف استشراف مواقف هذه القوى عند صياغة نظام أمني جديد، مع إشراكها بدرجات متفاوتة في هذا النظام، ويأتي في مقدمة هذه القوى مصر، إلى جانب تركيا وإسرائيل.
كما يجدر بدول الخليج التمهيد لبناء شراكات، إن لم تكن تحالفات، مع قوى دولية كبرى، مثل روسيا والصين وربما الهند، خاصة على الصعيدين الأمني والعسكري، بحيث تمثل هذه الشراكات دعمًا إضافيًا، على الأقل في المدى المنظور، لعلاقات التحالف القائمة مع الولايات المتحدة الأميركية. ويمكن توظيف هذه الشراكات بوصفها أداة ضغط، عند الضرورة، على الحليف الاستراتيجي الرئيس، بما يسهم في ضمان المصالح الحيوية والدفاع عنها.
5- في ضوء الغياب المؤقت للعراق عن توازن القوى الراهن في منطقة الخليج، مقابل الحضور القوي لإيران وما يترتب على ذلك من تداعيات على أمن دول الخليج العربية، يمكن القول إن منظومة الأمن الخليجي خلال المرحلة المقبلة ينبغي أن ترتكز على ثلاثة مكونات رئيسة، هي:
أ- الاعتماد على الذات الخليجية.
ب- تعضيد منظومة التحالفات الإستراتيجية الدولية.
ج- إيجاد بيئة خليجية حاضنة لدور عراقي جديد للحفاظ على عروبة الخليج ودرء الأخطار، بما يمكّنه من استعادة مكانته الإقليمية، ومعاودة ممارسة دوره التقليدي كموازن إقليمي لإيران في المنطقة.
6- إذا كانت دول الخليج قد انتقلت في الآونة الأخيرة من مرحلة إدراك المخاطر إلى اتخاذ خطوات عملية لإيجاد آليات لمواجهتها والتعامل معها بمهنية عسكرية متقدمة، فإن أحد أبرز معوقات التعاون العسكري الخليجي لا يزال قائمًا، ويتمثل في صعوبة تجاوز تصورات راسخة لدى صانع القرار الخليجي، مفادها أن أمن الخليج يمثل مصلحة دولية، وأن حمايته تتطلب قوة عسكرية تفوق قدرات التجمع العسكري الخليجي القائم، وهو ما ينعكس سلبًا على تطور نظام الأمن الجماعي الخليجي.
7- يتمثل أحد مظاهر الضعف الدبلوماسي في استمرار الارتهان لأنماط تفكير تقليدية لم تعد ملائمة للتحولات التي شهدتها المنطقة، خاصة بعد الثورات العربية، التي غيّرت ملامح البيئة السياسية وأعادت تشكيل قواعد التفاعل الإقليمي والدولي. وقد أفرزت هذه التحولات فاعلين جددًا، وفرضت أنماطًا مختلفة من التوازنات، بما يجعل من الضروري إعادة تقييم المقاربات التقليدية. كما أن الولايات المتحدة لم تعد تمارس الدور الأحادي الذي ميّز مرحلة ما بعد الحرب الباردة، على الرغم من استمرار تأثيرها، وهو ما يفتح مجالًا أوسع أمام دول الخليج لتعزيز هامش المناورة في علاقاتها الدولية. وفي هذا الإطار، لا ينبغي النظر إلى التعاون مع القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة باعتباره خيارًا محفوفًا بالمخاطر، بل يمكن توظيفه في إطار تحقيق التوازن الاستراتيجي وتعزيز المصالح الخليجية.
8- تتعدد المؤشرات الدالة على حجم العمالة الوافدة من مختلف مناطق العالم، ولا سيما من القارة الآسيوية، في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تمثل هذه العمالة أغلبية القوى العاملة في جميع دول المجلس، كما تشكل الأغلبية السكانية في معظمها، باستثناء السعودية وعُمان. وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى بلورة استراتيجية واضحة للتعامل مع قضية العمالة الوافدة، خاصة القادمة من الدول الآسيوية، تقوم على تحديد الأعداد والنوعيات وأولويات الاستقدام وفقًا للاحتياجات الفعلية للاقتصاد، مع العمل في الوقت ذاته على زيادة نسبة العمالة الوطنية، والاستفادة من العمالة العربية القادرة على أداء الأدوار نفسها التي تضطلع بها العمالة الآسيوية.
9- تتجه الولايات المتحدة الأميركية نحو تبني ما يمكن وصفه بسياسة "التعايش"، مدفوعة باعتبارات اقتصادية وسياسية معقدة، على حساب سياسة الأحادية القطبية أو الهيمنة الشاملة. ويترتب على هذا التحول كلفة تسعى واشنطن إلى تحميل جزء كبير منها لدول المنطقة. وفي هذا السياق، تشعر دول الخليج العربية بدرجة أعلى من الانكشاف في مواجهة تفاعلات ومساومات إقليمية ودولية تشمل أطرافًا مثل تركيا وإيران وأوروبا والولايات المتحدة. ومن ثم، فإن الاعتماد على الولايات المتحدة في توفير مظلة أمنية، سواء تقليدية أو نووية، لم يعد بالدرجة التي كان عليها في السابق. وعلى الرغم من استمرار حرص واشنطن على منع أي طرف من السيطرة الكاملة على الخليج لأسباب استراتيجية واضحة، فإنها لن تبذل الجهد نفسه الذي كانت تبذله سابقًا. ويعني ذلك أن الوصول إلى تفاهمات مع الفاعلين الرئيسيين في المنطقة بات ضرورة، سواء من جانب الولايات المتحدة أو من جانب دول الخليج، مع ما يترتب على ذلك من كلفة تتحملها دول المنطقة.
10- لا تبدو في المدى القريب بدائل سريعة وفعالة أمام دول الخليج، وهو ما يدفع الدول الست إلى البحث عن صيغ جماعية لتعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات الراهنة، ومن هنا تبرز فكرة الاتحاد. ولا يقتصر هدف هذه الفكرة على تحقيق الاعتماد الكامل على الذات، بقدر ما يسعى إلى تعويض النقص الناجم عن التحولات في الإستراتيجية الأميركية وملء الفراغ الناتج عنها. غير أن نجاح هذا التوجه يرتبط بوضوح الأهداف ومدى الالتزام بها، إذ إن غياب رؤية واضحة للاعتماد الذاتي، حتى على المدى البعيد، قد يحد من قدرة هذا المشروع على تحقيق غاياته، خاصة أن فاعلية أي مشروع تكاملي ترتبط بمدى التوافق والاستعداد لتقديم التنازلات، وهي عوامل خبرتها دول الخليج في تجاربها السابقة.
11- في ضوء ذلك، يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي التفكير خارج الأطر التقليدية، مع الإدراك أنه لا بديل أمامها ـ في المستقبل المنظور عن الاعتماد على الولايات المتحدة الأميركية أمنيًا وعسكريًا، إذ لا يمكن التعويل على روسيا أو الصين أو الهند أو أوروبا في نشر القوات، أو تقديم الخدمات الأمنية، أو توفير صفقات التسليح على النحو الذي تؤمنه الولايات المتحدة. وبما أن دول المجلس تواجه ما يمكن تسميته "معضلة التحالف الأمني"، وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيس المجلس، فإن التعامل الجماعي لم يصل بعد إلى مستوى الضمانة الكافية، كما أن الاعتماد على الأطر الثنائية أو عبر المنتدى الاستراتيجي الأميركي-الخليجي لا يوفر بديلًا مستقرًا. ومن ثم، فإن الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد الخليجي، كما طُرح سابقًا، لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات والتهديدات المتزايدة في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الأمنية، وظهور تنظيمات متطرفة.
12- تنظر روسيا إلى دول الخليج العربي بوصفها ركيزة أساسية في تحقيق التوازن في سوق الطاقة العالمي، فضلًا عما حققته هذه الدول من مستويات متقدمة من الاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الماضية، وهو ما منحها خبرة معتبرة في إدارة العلاقات الدولية. وعلى هذا الأساس، فإن من المصلحة الخليجية المشتركة تعزيز خيار الشراكة مع روسيا الاتحادية بدلًا من التباعد الذي قد يضر بالمصالح المتبادلة، خاصة أن مستقبل هذه الشراكة يرتبط بصورة وثيقة بقطاع الطاقة، الذي يمثل مجالًا رئيسًا للتكامل استنادًا إلى المزايا النسبية للطرفين.
13- يمكن أن تمثل روسيا الاتحادية خيارًا إضافيًا لتنويع أدوات الأمن والدفاع لدى دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية التي تمس مصالح الطرفين، وهو ما يستدعي تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات في هذا المجال. وفي ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، خاصة في مضيق هرمز، واحتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز أهمية الدور الروسي في المساهمة في خفض التوتر، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة مع إيران. كما تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دول المجلس وروسيا، بما يتلاءم مع التحولات العالمية، من خلال تعزيز التنسيق في سياسات الطاقة، سواء في إطار منظمة أوبك فيما يتعلق بالنفط، أو عبر التعاون الثنائي في تجارة الغاز الطبيعي.
14- في ظل تقلب الأوضاع الإقليمية والدولية، تزداد الحاجة إلى تبني استراتيجيات بديلة، مع إمكانية أن تضطلع آسيا بدور متزايد في هذا السياق. ومن ثم، فإن منطقة الخليج مدعوة إلى صياغة ترتيباتها الأمنية المستقبلية بصورة أكثر استقلالية، دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. ويمكن لدول مجلس التعاون، من خلال توسيع نطاق التعاون الاقتصادي والتجاري مع روسيا والصين والهند واليابان، أن تعزز فرص التفاهم مع هذه القوى، وأن تبني سياسات أكثر توازنًا تستوعب مصادر القلق المتبادلة، بما يسهم في الحد من التهديدات الإقليمية وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
• تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
• يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
• ترسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي:
ajcs-publications@aljazeera.net
• نشر رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه في باب "أطروحات جامعية" بموقع مركز الجزيرة للدراسات لا يعني عدم إمكانية نشرها من قبل الباحثين في أماكن أخرى وبأشكال مختلفة، بما في ذلك نشرها على هيئة كتاب.