حزب نداء تونس: ثمن"الشراكة" مع النهضة - Al Jazeera Center for Studies

أخبار المركز

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

مجلة لُباب

مركز الجزيرة للدراسات يصدر مجلة محكَّمة

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

حزب نداء تونس: ثمن"الشراكة" مع النهضة

خلطت الشراكة بين حزبي نداء تونس والنهضة أوراقًا سياسية داخل المشهد السياسي التونسي. وبالقدر الذي أدى ذلك إلى ردود أفعال متباينة داخل النداء حيال التفاهم مع الإسلاميين؛ فقد أعاد ترتيب التحالفات ومعادلات الاصطفاف السابقة، حيث تراجع خلالها حلفاء سابقون لكلا الحزبين إلى الوراء.

الأحد, 08 مارس, 2015 10:19 GMT

يجد حزب النداء نفسه نتيجة متطلبات التفاهم مع الإسلاميين مضطرًا إلى مواجهة تحدي استمرار تجانسه (الجزيرة)

ملخص
بالقدر الذي أحدث التفاهم بين نداء تونس والنهضة ارتباكًا داخل حزب النداء فقد خلط أوراقًا سياسية أخرى بالنسبة لعدد من الأحزاب التي اصطفَّت مع النداء سابقًا في مواجهة النهضة، مثل الجبهة الشعبية، أو تلك التي اصطفت مع النهضة سابقًا.

وتطرح تركيبة النداء، كونها خليطًا من قوى اشتراكية وليبرالية ونقابية ونظام قديم، إشكالية تطور هويته وتشكُّلها ليتجاوز عقدة تكوينه التي ارتبطت بمواجهة النهضة، إلى بناء هوية مميِّزة ورؤية واضحة. وقد تمكن هذا الحزب الناشئ من ربح معاركه الانتخابية بتركيبته غير المتجانسة وظروف نشأته الحديثة، كما تمكن حتى اللحظة من منع تطور التباينات الداخلية المعلنة والسجالات حيال التفاهم مع النهضة. ويبقى الانتقال من المقاربة الأيديولوجية التي تم على أساسها الوقوف ضدَّ النهضة ومشروعها السياسي والاجتماعي، إلى المقاربة البراغماتية التشاركية تحديًا كبيرًا، في ظل القرارات التي سيجد نفسه مجبرًا على اتخاذها على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. ولن يمر تفاهم النداء مع النهضة دون ثمن سياسي يدفعه النداء مضطرًّا أو مختارًا. ومن دون شك ستكون الفترة الزمنية التي تسبق انعقاد المؤتمر الأول للحزب امتحانًا لقدرة الرؤى المتباينة على التعايش بما لا يهدد تماسك الحزب، وبما يمكِّنه من تجاوز تحدي مخرجات ونتائج مؤتمره الأول في حال انعقاده.

يؤدي التفاهم بين حزبي نداء تونس والنهضة إلى مزيد من خلط الأوراق داخل المشهد السياسي والحزبي التونسي. وأثارت تركيبة حكومة الحبيب الصيد والمنهجية التي تمت بها إدارة التفاهم مع حركة النهضة عددًا من ردود الأفعال داخل حزب نداء تونس، وتساؤلات حول مستقبل التماسك السياسي والتنظيمي لهذا الحزب، وإلى أي مدى يدفع ذلك باتجاه تعزيز التوتر بين مكوناته في هذه المرحلة التي تسبق انعقاد مؤتمره الأول الذي لا يزال لم يحسم بعد الجدل حوله؛ حيث يطرح اختلاف الرؤى عقب انهيار مشروع مواجهة الإسلاميين الذي تأسس عليه السلوك السياسي للحزب عقب تأسيسه، بعد إشراك النهضة في الحكومة، تحديات مستقبلية على مساره.

ورغم التباينات داخل النداء تُظهر المعطيات الحالية ودخول النهضة إلى الحكومة تفوُّق المقاربة المصلحية البراغماتية داخل الحزب على المقاربة الأيديولوجية الداعية إلى إبعاد الإسلاميين، والتي لا تزال تتبناها قيادات من شق الرافضين للتفاهم مع النهضة مثل وزير الخارجية الطيب البكوش الذي يعلن استعداده لمعارضة الإسلاميين حتى وإن كانوا شركاء في الحكومة. ذلك أن الخيار الذي انتهجه النداء لم يرُق للشق اليساري الذي يعتقد أن التفاهم مع الإسلاميين كان على حسابه. وتُظهر تباينات حزب النداء المعلنة سباقًا واضحًا بين مكوناته للحصول على أكبر نصيب من القيادة والسلطة.

ثمن التفاهم مع حركة النهضة

بالقدر الذي أحدث التفاهم بين نداء تونس والنهضة ارتباكًا داخل حزب النداء فقد خلط أوراقًا سياسية أخرى بالنسبة لعدد من الأحزاب التي اصطفت مع النداء سابقًا في مواجهة النهضة، مثل الجبهة الشعبية البيت اليساري الكبير. وأدَّت ترتيبات التفاهم إلى تراجع قوى اليسار الكبيرة خاصة تلك المجتمِعة في الجبهة الشعبية التي  تجد حاليا صعوبة في الفوز حتى بتمثيل المعارضة داخل البرلمان، بعد أن صوَّت مكتب مجلس النواب لصالح الكتلة الاجتماعية الديمقراطية التي يقودها إياد الدهماني لتمثيل المعارضة في مجلس نواب الشعب، لتكون الجبهة الشعبية بذلك خارج دائرة السلطة، وفي وضع لا تمثل فيه المعارضة بكامل طيفها. وقد أحدث الخلاف حول رئاسة لجنة المالية في مجلس نواب الشعب(رئاسة اللجنة دستوريا من حق المعارضة) انقساما في صفوفها، وسواء كان رئيسها القادم ممثل كتلة الجبهة الشعبية منجي الرحوي أو ممثل الكتلة الديمقراطية الاجتماعية إياد الدهماني، فإن ذلك لا يعني إلا شيئا واحدا وهو مزيد من الانقسام في صفوف المعارضة. ومن دون شك فإن استمرار تمسك يسار الجبهة بالمقاربة الأيديولوجية الإقصائية في التعامل مع الإسلاميين يحرم اليسار التونسي من خطاب سياسي معتدل.

لن يمر تفاهم النداء مع النهضة دون ثمن سياسي يدفعه النداء مضطرًّا أو مختارًا. ومن دون شك ستكون الفترة الزمنية التي تسبق انعقاد المؤتمر الأول للحزب امتحانًا لقدرة الرؤى المتباينة على التعايش بما لا يهدد تماسك الحزب، وبما يمكِّنه من تجاوز تحدي مخرجات ونتائج مؤتمره الأول في حال انعقاده، علمًا بأن المؤتمرات الحزبية غالبًا ما تمثل مناسبة لبروز الانشقاقات السياسية والتنظيمية، ولذلك يتم تأجيل انعقادها.

لاشك بأن التفاهم مع حركة النهضة قد أحدث ارتباكًا بين مكوِّنات النداء، ويجد حزب النداء نفسه نتيجة متطلبات التفاهم مع الإسلاميين مضطرًّا إلى مواجهة تحدي استمرار تجانسه. ويبدو من مصلحة النهضة اتساع المساحة الفاصلة بين الدساترة واليسار داخل النداء وفكُّ الارتباط بينهما، ويوحي سلوكها السياسي بالرغبة في فصل الفئة ذات القابلية للتقارب معها داخل النداء عن شبكة تحالفاتها الرافضة للتفاهم مع الإسلاميين، والتي تشكَّلت في السياق الانتخابي. وهذا ما ظهر بعض آثاره على الأقل حتى اللحظة، بعد أن صوَّتت الجبهة الشعبية ضدَّ منح الثقة لحكومة الحبيب الصيد.

من الواضح اليوم أن مقولة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي: "حزبا نداء تونس والنهضة خطَّان متوازيان" لم تعد صحيحة؛ حيث نسختها مقولته الثانية: ".. وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله"(1). وقد أضعف دخول حركة النهضة في حكومة الحبيب الصيد، وإن كان ذلك بتمثيل رمزي لا علاقة له بالحجم الحقيقي للحركة، قاعدة المشروع الأيديولوجي والسياسي الذي تأسست عليه فكرة حزب النداء، الذي كان هدفه الرئيس مواجهة النهضة وزحزحتها عن سُدَّة الحكم. وهو الهدف الذي لم يشكِّل أيَّ عائق أو تحدٍّ أمام واقع التباين الأيديولوجي اليساري الليبرالي داخله، بما تحمله هذه الأطراف من طموحات سياسية في مواجهة الإسلاميين، من خلال معركة الاستقطاب في انتخابات عام 2014 التشريعية والرئاسية، وما رافقها من آليات الفرز والحشد الأيديولوجي، الذي اعتُبر الصيغة المثلى لمنافسة النهضة وتجميع ما تصفه مكونات النداء بالصف الديمقراطي المدني لتحصين مكتسبات الدولة العصرية.

إن تداعيات تشكيل حكومة الحبيب الصيد الأخيرة تدفع إلى التساؤل: هل نحن حيال واقع سياسي وتنظيمي يميل فيه يسار النداء إلى الجبهة الشعبية البيت اليساري الأكبر، في حين يميل يمين النداء إلى الاقتراب من حركة النهضة؟ ومن الأقدر على صياغة التوجهات النهائية للحزب؟ وهو ما تُظهره على الأقل النقاشات وردود الأفعال داخل النداء في الآونة الأخيرة. فلننظر إلى ما أحدثه السلوك السياسي لحركة النهضة ودخولها الحكومة وما أظهره من تباين داخل نداء تونس.

لقد فرضت التفاهمات التي سبقت مرحلة الفرز السياسي والأيديولوجي إبَّان الانتخابات، واللقاء الذي جمع السبسي والغنوشي في باريس يوم 15 أغسطس/آب 2013، تسويات معلنة وأخرى غير معلنة بين الرجلين، ظهرت آثارها في طبيعة إدارة عملية تشكيل حكومة الحبيب الصيد. ويبدو ضروريًّا استحضار رسائل سابقة من طرف النهضة تجاه النداء حين رفضت التنصيص على قضية السن القصوى لتولي منصب رئاسة الجمهورية داخل البرلمان، وقد جاء ذلك في سياق تسهيل ترشح السبسي للانتخابات الرئاسية عام 2014(2). وهو ما يظهر معه قائد السبسي وفيًّا لتفاهمه السابق مع الغنوشي بعد سلوكه الحياد في معركة الرئاسيات الأخيرة، وهو الحياد الذي تميز بدرجة واضحة من التوجيه الخفي لقواعد النهضة المتحمسة لانتخاب ودعم المرشح المنصف المرزوقي.

وتشير المعطيات السابقة، خصوصًا بعد انجلاء معركة الانتخابات الرئاسية والانتهاء من تشكيل الحكومة، إلى أن آلية الاستقطاب والحشد الأيديولوجي ضد النهضة في الانتخابات، والتي استُخدم فيها يساريُّو النداء بشكل جيد، كانت وسيلة مرحلية استطاع من خلالها الرئيس السبسي توظيف المكونات المختلفة داخل حزبه وخارجه خصوصًا اليسارية منها من خلال الحشد ضد النهضة، وهو ما كان كفيلًا بتقريب اليسار بأكمله، بما في ذلك التيار الموصوف براديكاليته، من مشروعه الليبرالي لتحقيق مكاسب انتخابية تحت شعار "من لا يصوِّت للنداء، فكأنما صوَّت للنهضة"، لكن توارى عقبها معطى التحشيد الأيديولوجي ببروز الحسابات الداخلية والتوجه الخارجي خصوصًا الأميركي الذي يدفع باتجاه إشراك الإسلاميين.

وقد كان ذلك بعيدًا عن رغبات يساريي الحزب واليسار عمومًا خارج النداء؛ وهو ما استشعره عدد من قادة اليسار مبكرًا وقبل الحسم في تشكيل الحكومة. بل إن التقارب بين النداء والنهضة كان أمرًا متوقعًا بالنسبة إلى بعضهم، وهو ما صرَّح به الجيلاني الهمَّامي القيادي البارز في الجبهة الشعبية وعضو مجلس نواب الشعب؛ حيث قال "إن تحالفًا سياسيًّا جديدًا يتشكل بين النهضة ونداء تونس بعد التوافقات التي تمت على تركيبة مكتب رئاسة المجلس"(3).

لاشك بأن منح الحكومة أقصى درجات الهدوء الاجتماعي من خلال إشراك النهضة هدف أساسي بالنسبة لنداء تونس، الذي يرى في النهضة أحد عوامل التهدئة التي يحتاجها لإدارة هذه المرحلة التي لن تخلو من قرارات صعبة على المجتمع التونسي.

وإذا كان ضمان استقرار الوضع في تونس مطلبًا وضرورة إقليمية بالنظر إلى تزايد حدة الصراع في المنطقة خصوصًا في ليبيا، فإن هذه الضرورة الإقليمية باتت أقوى من الحسابات الحزبية، وهي تفرض وجود تفاهم ضروري بين الحزبين الكبيرين في تونس؛ مما يعني تخليهما حتى عن شبكات تحالفاتهما السابقة التي وُجدت إبَّان المرحلة الانتقالية. وقد أدى ذلك عمليًّا إلى تراجع مدِّ الجبهة الشعبية وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية. غير أن إعادة ترتيب وضع التحالفات السابقة والانحراف عن الهدف السياسي الأول لتأسيس حزب النداء لن يمرَّا دون أن يتركا آثارهما على الحزب بشكل جليٍّ؛ حيث إن المهمة الأساسية التي بُرِّر بها وجود اليسار بشكل لافت في بداية تشكل الحزب قد انتهت تقريبًا، وهي التصدي للإسلاميين. وذلك حين برزت القيادات اليسارية إعلاميًّا للترويج لمقولة: "الخطر الإسلامي المحدق" واستقطاب جزء مهم من الطبقات الفقيرة.

ردود أفعال داخلية تتحدَّى تماسك النداء

يبدو حجم الرافضين لتقارب النداء والنهضة غير وازن ويظل تأثيرهم محدودًا إلى حدِّ الساعة ولا يخرج عن منطق ردود الأفعال؛ حيث إن دعوة أعضاء من المكتب التنفيذي للنداء إلى الاحتجاج على إشراك النهضة في الحكومة لم تلقَ تجاوبًا كبيرًا بحضور بضع عشرات من المحتجين. إلا أن ذلك لا يمنع من القول: إن النداء يعرف حالة من الجدل الداخلي المتنامي بخصوص طبيعة العلاقة مع النهضة. وبعد أن نفى النداء تجميد نشاط أربعة من قيادييه، لم ينفِ مطالبتهم بالاعتذار إذا ما أرادوا المشاركة في انتخابات المكتب السياسي، وهؤلاء هم: خميس قسيلة، وعبد العزيز القطي، والهاشمي الحذيري، وعبد الستار المسعودي الذي صرَّح لوسائل الإعلام بأن "زعيم الحزب الباجي قايد السبسي بات محاصرًا في قصر قرطاج"(4). بل هناك من نواب النداء من رفض منح ثقته للحكومة التي شكَّلها حزبهم(5). وبالمقابل، تميز نواب النهضة، كعادتهم، بانضباط كبير أثناء التصويت على منح الثقة للحكومة.

وإذا ما استمر تزايد حدَّة الجدل الداخلي في حزب النداء حيال التعامل مع الإسلاميين إلى حين انعقاد المؤتمر الأول للحزب، فلا شك أنه سيكون لذلك تداعيات على تماسكه التنظيمي والسياسي، ناهيك عن أن الكثيرين داخل حزب النداء يدركون التأثير الذي أظهرته حركة النهضة في مسار تشكيل الحكومة. وقد صار مقر النهضة قبيل الإعلان عن التركيبة النهائية للحكومة "مزارًا لعدد من وجوه حزب نداء تونس بهدف درء سوء التفاهم وإقناع زعيم النهضة برفع تحفظاته عليهم"(6). لكن من ناحية أخرى يبقى التفاهم بين حركة النهضة -التي تعرف بدورها نقاشًا داخليًّا حيال الشراكة مع النداء- وبين هذا الأخير مرتبطًا بمحصِّلة الوضع والتفاعلات الداخلية للنداء نفسه، ولاسيما بعد تشكيل مكتبه السياسي الجديد يوم الأحد 1 مارس/آذار 2015، الذي سيُعدُّ للمؤتمر المرتقب الذي ربما يُعقد في بداية الصيف القادم أو في نهايته.

وترجع التباينات داخل النداء بشكل أساسي إلى سببين رئيسين يتمثل الأول في طبيعة الرؤية السياسية التي بها ينظر إلى العلاقة مع النهضة، بينما يرجع الثاني إلى الصراع حول مستقبل المواقع السياسية سواء داخل بنية الحزب أو بنية الدولة بين مكونات النداء. ولا تستند هذه التباينات إلى الموقف من إشراك النهضة فقط، وإنما ترجع في جزء منها إلى الاحتجاج على ما يُعتبر تهميشًا لعدد من القيادات السياسية، وهو نتيجة طبيعية لعملية البحث عن المواقع التي تم إرباكها بدخول النهضة على الخط. وذلك ما يبعث على الاعتقاد بأن الدفع بالنسخة الحكومية الأولى كان بقصد إفشال التصويت عليها وفي نفس الوقت الضغط على القطاع الرافض للشراكة مع الإسلاميين في اتجاه القبول بهم؛ وهو ما وضع الشق الرافض لدخول النهضة أمام خيار القبول بمبدأ التفاهم مع النهضة في ظل غياب بدائل أخرى لجبهة الرفض؛ وهو ما يعني عمليًّا الانتقال من مربع المقاربة الأيديولوجية إلى التعامل بواقعية المصالح السياسية.

وعرف حزب نداء تونس، في سياق المصادقة على الحكومة في البرلمان، أحداثًا مسَّت صورته وتماسكه، وعبَّر خلالها بعض قياداته عن رفضه لتركيبة الحكومة باعتبار أنها "ليست حكومة نداء تونس وتضم في صفوفها بعض الأسماء المشبوهة"(6). وهنالك جدل أُثير حول ترتيب الهيكلة الداخلية للحزب، خصوصًا مواقعه القيادية، في سياق اعتبار إعادة ترتيب هياكل الحزب تحديًا أساسيًّا في إدارة المرحلة التي تسبق عقد مؤتمره الأول، لما له من علاقة باختيار كوادر الدولة في الوزارات والمؤسسات العمومية.

وقد بات واضحًا أن الشِّقَّ الدستوري هو الطرف الأكثر تضررًا من عملية تشكيل الحكومة؛ فبالإضافة إلى استئثار الشق اليساري بالمواقع القيادية داخل الحزب؛ فقد هيمن على أهم المناصب الوزارية التي حصل عليها النداء في حكومة حبيب الصيد، وهو ما أزعج الدستوريين الذي يمتلكون ثقلًا كبيرًا داخل الحزب. وفي هذا السياق يُبدي بعض القيادات الدستورية شعوره بالإقصاء مقابل هيمنة اليسار على مواقع القيادة؛ حيث اعتبر القيادي الدستوري ورجل الأعمال فوزي اللومي أن "الحكومة الجديدة أقصت القيادات الدستورية التي تعتبر الرافد الأساسي لما يُعرف بالآلة الانتخابية للنداء، والتي لولاها لما تمكَّن الحزب من الحصول على المرتبة الأولى في الانتخابات الأخيرة. وهذه القيادات غير موجودة اليوم، لا في الحكومة ولا في رئاسة الجمهورية؛ حيث إن أغلب مستشاري الرئيس الباجي قائد السبسي من اليسار، وكذلك شأن أعضاء الحكومة"(7).

وانضاف إلى قائمة الإشكالات التي يواجهها النداء بروز نقاش حول موقع حافظ قايد السبسي ابن مؤسس الحزب وزعيمه "الأوحد" في قيادة الحزب مستقبلًا؛ وهو الذي بدأ يتحدث عن أن "الدساترة يتعرضون إلى مؤامرة من مستشاري القصر، وأن قواعد النداء باتت اليوم في المزاد العلني"(8). وقريب من هذا الموقف ما صرَّح به عبد الستار المسعودي عضو المكتب التنفيذي للنداء والمحامي الشخصي للرئيس من "أن السبسي لا يسيِّر الدولة بل هناك ثُلاثي في قصر قرطاج يسيِّرها، وهم: محسن مرزوق ورضا بالحاج ورافع بن عاشور، وأن جماعة القصر يستفردون بالسبسي ويقومون بتصوير المشهد الموجود الآن؛ حيث يضعون الوزراء وكُتَّاب الدولة الذين يرغبون فيهم في الحكومة، بعد أن صار التواصل مع السبسي بعد توليه منصب الرئاسة صعبًا جدًّا ومعقدًا"(9).

وللإشارة، فإن حافظ قايد السبسي قد دعا، في سياق تعزيز نفوذه داخل الحزب ومراهنته على تناغم حركة النهضة مع خطه السياسي، إلى القيام بمسيرة وطنية ضدَّ الإرهاب جابت يوم السبت 21 فبراير/شباط 2015 أكبر شوارع العاصمة؛ حيث شارك في هذه التظاهرة التي أعقبت عملية مسلحة بجهة القصرين (منطقة بولعابة) وراح ضحيتها أربعة أعوان من الحرس الوطني، عدد من قيادات النهضة والنداء من الصف الأول، وإن غاب عنها وجوه مؤثرة من يسار النداء.

لقد تمكن الباجي قايد السبسي من توظيف اليسار جيدًا في معاركه الانتخابية بما أوصله إلى رئاسة تونس، لكن بالمقابل وجد الدساترة موقع الرئاسة محاطًا بقيادات اليسار في النهاية. وإذا كان الشق الدستوري قد تمكن من تأمين الرئاسة فإنه لم يتمكن من تأمين الحزام الرئاسي الذي استطاع اليسار أن يفرض نفسه بداخله بقوة. ورغم خسارة اليسار داخل النداء معركة إقصاء الإسلاميين فإنه لم يخسر معركة المناصب داخل الحكومة. ومن دون شك سيبقى الفريق المحيط بالرئيس الجهة الأكثر تأثيرًا في صناعة القرارات وضبط العلاقات السياسية مستقبلًا.

خاتمة

تطرح تركيبة النداء، كونها خليطًا من قوى اشتراكية وليبرالية ونقابية ونظام قديم، إشكالية تطور هويته وتشكُّلها ليتجاوز عقدة تكوينه التي ارتبطت بمواجهة النهضة، إلى بناء هوية مميِّزة ورؤية واضحة. وقد تمكَّن هذا الحزب الناشئ من ربح معاركه الانتخابية بتركيبته غير المتجانسة وظروف نشأته الحديثة، كما تمكن حتى اللحظة من منع تطور التباينات الداخلية المعلنة والسجالات حيال التفاهم مع النهضة. ويبقى الانتقال من المقاربة الأيديولوجية التي تم على أساسها الوقوف ضدَّ النهضة ومشروعها السياسي والاجتماعي، إلى المقاربة البراغماتية التشاركية تحديًا كبيرًا، في ظل القرارات التي سيجد نفسه مجبرًا على اتخاذها على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. ونداء تونس يدرك تمام الإدراك أنه غير قادر على مواجهتها منفردًا دون غطاء برلماني وسياسي واسع. ويبقى موقع الإسلاميين ضمن المشهد السياسي التونسي مرتبطًا جزئيًّا بمحصِّلة الصراع بين شقي حزب نداء تونس.

ويبدو أن تماسك حزب نداء تونس مرتبط بشكل كبير بوجود شخصية الباجي قايد السبسي التوفيقية والكارزمية في آن واحد؛ حيث مثَّل السبسي مرتكز عملية الاستقطاب والحشد، كما أن إمكانيَّة غيابه بالنظر إلى تقدم سنِّه تعتبر احتمالًا راجحًا قد يؤدِّي إلى تشظي هذا الحزب. وربما يكون المؤتمر الأول القادم، في حال انعقاده، فرصة للدستوريين لإعادة التموقع الصحيح، وتثبيت وجودهم في هرم الحزب، وتقليص نفوذ اليسار.
_______________________________________
كمال القصير - باحث في مركز الجزيرة للدراسات-مسؤول منطقة المغرب العربي.

المصادر
1- موقع الصباح نيوز:
http://www.assabahnews.tn/article/93576/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%AC%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A8%D8%B3%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD-%D9%86%D9%8A%D9%88%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D8%AE%D8%B7%D9%91%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D9%84%D8%A7-%D8%A8%D8%A5%D8%B0%D9%86
2-موقع باب نت تونس الإخباري:
http://www.babnet.net/rttdetail-77923.asp?ModPagespeed=noscript
3-موقع الجبهة الشعبية:
http://front-populaire.org/?p=4844
4-موقع جريدة الشروق:
http://www.alchourouk.com/93628/151/1/طالب-4-من-قيادييه-بالاعتذار:«نداء-تونس»-يهدّد-بالإقصاء؟.html
5-موقع جريدة الشروق:
http://www.alchourouk.com/93628/151/1/طالب-4-من-قيادييه-بالاعتذار:«نداء-تونس»-يهدّد-بالإقصاء؟.html
6- انظر: ورقة عدنان منصر بعنوان "تفاعلات المشهد السياسي التونسي عقب تشكيل الحكومة":
http://studies.aljazeera.net/reports/2015/02/20152197245914265.htm
7-موقع جوهرة الإخباري:
http://www.jawharafm.net/ar/article/-%D9%82%D8%B3%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A--%D9%84%D9%86-%D9%86%D8%B5%D9%88%D9%91%D8%AA-%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D8%AF-%D9%88%D9%84%D9%86-%D9%86%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%8A%D9%84/92/22705
8-موقع الشاهد:
http://www.achahed.com/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8F%D9%83%D9%85-%D9%8A%D9%87%D8%AF%D8%AF-%D9%86%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D8%A8%D8%AF%D9%84-%D8%AA%D9%82%D9%88%D9%8A%D8%AA%D9%87.html#sthash.iPxNqGat.dpuf
9- موقع جريدة الحياة التونسية:
http://www.alhayetatounissia.net/news/6320/54

تعليقات

 

نرشح لكم

يعالج هذا البحث العلاقة المركبة والمعقدة بين المجال السياسي وبين مجال التصوف في غرب إفريقيا متخذا من الطريقة المريدية بالسنغال حالة للدرس، وذلك في ضوء التحديات المستجدة التي تواجهها الطرق الصوفية بغرب إفريقيا وقد بات لزاما عليها تجديد نفسها والتكيف مع هذه المستجدات.

2018/11/13

تتعدد أوجه تأثير العقوبات على إيران ولا يمكن حصر تأثير هذه العقوبات في المجال الاقتصادي، وهو ما تبحثه هذه الورقة التي تناقش آثار هذه العقوبات في السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

2018/11/07

تعتمد الإمارات في حماية مصالحها في جنوب اليمن على القوى الانفصالية. وسواء تم إسقاط حكومة الرئيس هادي بالقوة وإقامة حكومة شطرية بديلة على حدود ما قبل 1990، أو تم تغييرها من الداخل؛ فكلاهما يؤديان على الأرجح إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله.

2018/11/04