دول الخليج والتوجه شرقًا: بين تنويع الشراكات وتداعيات الأزمة الخليجية - Al Jazeera Center for Studies

أخبار

الجزيرة للدراسات ضمن أهم مراكز الفكر تأثيرًا في الشرق الأوسط

المزيد

دراسة تحليل مضمون

توجهات السياسة الخارجية الإيرانية..الأولويات والأدوار

المزيد

منتدى الجزيرة

منتدى الجزيرة الثاني عشر

المزيد

النشرة الإخبارية

المرصد

المزيد
تقارير

دول الخليج والتوجه شرقًا: بين تنويع الشراكات وتداعيات الأزمة الخليجية

انجذبت دول الخليج نحو آسيا للاستفادة من الفرص الاقتصادية المتنامية لكن التغيرات المتسارعة في أسوق الطاقة والمخاطر السياسية المتزايدة، منها الأزمة الخليجية، تضعفان موقفها.

الخميس, 28 ديسمبر, 2017 12:48 GMT

شهد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ورئيس الوزراء السنغافوري هسين لونغ حفل توقيع مذكرة في استانا في سنغافورة (الجزيرة)

مقدمة

اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي (مجتمعة أو كل دولة على حدة) على مدى العقدين الماضيين إلى تنويع سياساتها الخارجية عبر توجيه المزيد من الاهتمام نحو دول جنوب شرق آسيا (الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، ورابطة دول جنوب شرق آسيا التي تُعرف برابطة الآسيان)(1)، أو ما بات يُصطَلح على تسميته "التوجه شرقًا" انسجامًا مع التحولات الدولية والإقليمية.

ولعل هذا الاهتمام يُعزَى إلى عاملين رئيسيين، الأول: كبح جماح الضغوط السياسية الغربية، خصوصًا الأميركية منها، التي انبثقت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وتواصلت بعد غزو العراق، وصولًا حتى فترة رئاسة أوباما. العامل الثاني: فرضه صعود اقتصادات الشرق نتيجة انتقال ثقل الاقتصاد العالمي نحو آسيا، مترافقًا مع تنامي الطلب على إمدادات الطاقة.

في سياق هذا التحول، أصبحت دول جنوب شرق آسيا (بخاصة دول مثل اليابان، والصين، وكوريا الجنوبية) أهم شريك اقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة أو كلًّا على حدة؛ حيث مثَّلت التجارة، التي ترتكز في معظمها على النفط الخام، والغاز الطبيعي المسال، ومنتجات البتروكيماويات، العمود الفقري للروابط الاقتصادية المتنامية بين الطرفين.

نمو العلاقات: العوامل المنطقية

تملك دول جنوب شرق آسيا في الوقت الراهن الاقتصادات الأكثر ديناميكية على المستوى الدولي؛ حيث تتمتع بأعلى معدلات النمو الاقتصادي، كما أنها تشتمل على أكبر اقتصادات في العالم. لذا، تتطلع جميع دول الخليج بدون استثناء إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية لكل دولة على حدة (أو حتى في الإطار الجماعي) في سياق سياساتها المبنية على التوجه شرقًا، ومن أهم هذه الأهداف:

أولًا: ضمان مشترين وزبائن دائمين لصادراتها من الطاقة.

ثانيًا: البحث عن فرص استثمارية جديدة سواء داخل الأسواق الآسيوية أو عبر استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا المتطورة التي تدعم خطط التنويع الاقتصادي داخل دول الخليج.

ثالثًا: ضمان الأمن الغذائي لدول الخليج عبر تدفقات دائمة من السلع والمنتجات الغذائية، أو من خلال الاستثمار في القطاع الزراعي والغذائي لبعض الدول الآسيوية.  

هذا بالإضافة طبعًا إلى ضمان الحصول على العمالة ذات الأجور الرخيصة من أجل المساهمة في بناء المشاريع التحتية أو حتى الاقتصاد بشكل عام.

صحيح أن دول مجلس التعاون الخليجي (كلًّا على حدة أو عبر المنظمات الإقليمية) تتعامل مع معظم دول جنوب شرق آسيا، بما في ذلك أهم الشركاء التجاريين، مثل: الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة وتايلاند، وتايوان. مع ذلك هنالك ثلاثة بلدان تستحق معاملة خاصة، وهي: الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، نتيجة عدة أسباب، من أهمها:

  • سياسيًّا، تعد الصين من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، في حين أن اليابان تخوض حملة للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي.
  • اقتصاديًّا، تعتبر هذه البلدان الثلاثة من أكبر الاقتصادات في العالم، علاوة على أن الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، تتربع على مراكز متقدمة ضمن قائمة أكبر الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2016(2).
  • في مجال الطاقة، كانت الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية من أكبر البلدان المستوردة للنفط والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج (خصوصًا السعودية وقطر) في عام 2016. وتعد الصين هنا حالة بارزة حيث من المتوقع أن يتزايد استهلاكها من الطاقة بشكل معتبر على مدى العقدين القادمين.
  • من الناحية العسكرية، من المتوقع تنامي قوة الصينالعسكرية بشكل مطَّرد على مدى العقود القادمة، بينما ستؤدي اليابان وكوريا الجنوبية أدوارًا مهمة أيضًا على هذا الصعيد.

الجدول رقم (1) يوضح أهمية دول الخليج بالنسبة لأكبر اقتصادات شرق آسيا (2016)

 

واردات النفط

واردات الغاز

الصادرات

الإجمالي

(مليون برميل يوميًّا)

% دول الخليج من الإجمالي

الإجمالي

(مليون طن سنويًّا)

% دول الخليج من الإجمالي

حجم الصادرات إلى دول الخليج (مليار دولار)

ترتيب دول الخليج ضمن أكبر الأسواق*

الصين

7.609

30.3% (13.4% من السعودية)

26.15

19% من قطر

56.2

8

اليابان

3.311

77.4% (35.7% من السعودية)

83.34

23.6% (14.5% من قطر)

19.6

7

كوريا الجنوبية

2.880

63.2% (30.4% من السعودية)

37.11

43% (35.5% من قطر)

14.3

6

* الترتيب يشمل أيضًا كلًّا من هونغ كونغ وتايوان

المصدر: تم احتساب جميع البيانات اعتمادًا على البيانات الرسمية للدول والأمم المتحدة.

 

الجدول رقم (2) يبين الأهمية الاقتصادية لبعض دول جنوب شرق آسيا بالنسبة لدول الخليج (2016)*

 

ترتيب الدول ضمن أكبر 10 شركاء تجاريين

% حصة تلك الدول من إجمالي تجارة كل دولة خليجية

البحرين

اليابان (5)، الصين (6)، تايلاند (10)

16.3%

الكويت

الصين (1)، كوريا الجنوبية (3)، اليابان (5)، تايوان (8)، سنغافورة (9)

40.2%

عمان

الصين (1)، كوريا الجنوبية (3)، اليابان (5)

33.4% (حوالي 25% مع الصين وحدها)

قطر

اليابان (2)، كوريا الجنوبية (3)، الصين (5)، سنغافورة (8)، تايلاند (9)، تايوان (10)

43.2%

السعودية

الصين (2)، اليابان (4)، كوريا الجنوبية (6)، سنغافورة (8)، تايلاند (9)

36.3%

الإمارات

الصين (3)، اليابان (4)، كوريا الجنوبية (10)

15.1%

*يشمل الترتيب الاتحاد الأوروبي ككتلة مجتمعة.

المصدر: صندوق النقد الدولي

 

مع ذلك، يمكن القول: إن هناك نوعًا من تقسيم العمل بين دول جنوب شرق آسيا؛ حيث تنشط الشركات الكورية بشكل بارز في مشاريع البنية التحتية (التكرير، والطاقة وتحلية المياه، والطرق السريعة، والمطارات، والجسور، ومحطات الطاقة النووية في الإمارات. إلخ). وهنا، تشير بيانات اتحاد المقاولين الدوليين الكوري الجنوبي (ICAK)، إلى أن منطقة الخليج، خصوصًا السعودية، تعتبر من أهم المناطق العالمية لنشاطات الشركات الكورية في هذا المجال، حيث شكَّلت دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة أكثر من ثلث عقود من البنية التحتية الموقَّعة مع الشركات الكورية منذ منتصف الستينات حتى وقتنا الراهن التي بلغ إجماليها 774 مليار دولار (السعودية 139 مليار دولار، الإمارات 72 مليارًا، الكويت 48 مليارًا)(3).

في هذا السياق، أشارت دراسة حديثة إلى أن إجمالي قيمة المشاريع الجاري تنفيذها في دول الخليج بلغت حوالي 2.6 تريليون دولار أي ما يتجاوز 185% من إجمالي الناتج الكلي لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة(4). وتشكِّل الإمارات والسعودية معًا نحو 70% من قيمة المشاريع الجاري تنفيذها في الوقت الراهن. هذا، ولا تزال منطقة الخليج، رغم تراجع أسعار النفط العالمية والإنفاق الحكومي، تعج بالفرص الاستثمارية خصوصًا بعد حزمة المشاريع الكبرى التي طرحتها السعودية أخيرًا، وتلك التي تتعلق بكأس العالم في قطر، بالإضافة إلى "إكسبو دبي 2020" في الإمارات(5).

في حين أن الشركات اليابانية تتمتع بميزات قوية في مجال التكنولوجيا المتطورة، بما في ذلك مشاريع النفط والغاز الطبيعي المسال، وترشيد الطاقة، والبتروكيماويات. بينما تتركز استثمارات الشركات الصينية في المشاريع العامة مثل الموانئ، وشبكات القطارات، بالإضافة إلى قطاع الاتصالات حيث تنمو نشاطات الشركات الصينية خصوصًا هواوي بشكل ملحوظ. أما الدول الآسيوية المصدِّرة للعمالة، مثل: الفلبين، وإندونيسيا، وتايلاند، وفيتنام، هناك الملايين من مواطنيها الذين يعملون في دول الخليج ويرسلون إلى بلدانهم الأصلية تحويلات مالية تُقدَّر قيمتها بالمليارات.

لكن بشكل عام، يُولِي معظم دول جنوب شرق آسيا دول مجلس التعاون الخليجي (ككتلة مجتمعة أو كل دولة على حدة) أهمية متزايدة لعدة أسباب، من أهمها:

  • تعد دول المنطقة من أكبر منتجي النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ويبرز في هذا الإطار الدور الذي تلعبه كل من السعودية كأكبر مُصدِّر للنفط الخام، وقطر كأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال (LNG). وهنا، تنبغي الإشارة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تشتمل على ما يقرب من 30% من الاحتياطيات النفطية العالمية المؤكدة، وأكثر من 22% من احتياطيات الغاز(6).
  • تعتبر أسواق دول مجلس التعاون الخليجي جذابة للشركات الآسيوية، خصوصًا فيما يتعلق بمشاريع البنية التحتية، وتصدير السلع الاستهلاكية نتيجة ارتفاع معدلات الدخل الفردي التي تعد الأعلى عالميًّا. وهنا، يمكن القول: إن دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تعد من الاقتصادات الكبرى في العالم (تقديرات الناتج المحلي الإجمالي حوالي 1.4تريليون دولار في عام 2016)، في حين تمثِّل السعودية أكبر اقتصادات منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهي عضو في "مجموعة العشرين" G20(7).
  • تتوقع القوى الآسيوية، خصوصًا دولًا، مثل: الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، أن تلعب دول مجلس التعاون الخليجي (مجتمعة أو كلًّا على حدة)، دورًا بارزًا في تزويد منطقة آسيا بإمدادات الطاقة المطلوبة خلال العقدين القادمين على أقل تقدير.
  • تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي وجهة مربحة لصادرات التكنولوجيا العسكرية، خصوصًا في ظل مساعي دول خليجية مثل السعودية والإمارات إلى توطين نسبة مهمة من واردات السلاح. ولما كانت الدول الآسيوية مستوردًا رئيسيًّا للنفط والغاز الطبيعي المسال فإن كل دولة آسيوية على حدة، خصوصًا الصين، حريصة على تحسين ميزانها التجاري عبر تنويع صادراتها إلى الأسواق الخليجية.
  • تُولِي الحكومات الآسيوية قضايا التعاون في مكافحة الإرهاب مع دول مجلس التعاون الخليجي أهمية بالغة خصوصًا مع تصاعد نشاطات التنظيمات الجهادية مثل تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في دول مثل: إندونيسيا، والفلبين، وماليزيا، وتايلاند، وميانمار، بالإضافة إلى إقليم شينجيانغ في الصين.

الجدول رقم (3) يوضح الأهمية الاقتصادية لدول شرق آسيا في 2016

المنطقة

الناتج المحلي الإجمالي (GDP)

الترتيب كشريك تجاري رئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي

القيمة (تريليون دولار)

الترتيب عالميًّا

الصين

11.2

2

2 (بعد الاتحاد الأوروبي)

اليابان

4.9

3

4

رابطة الآسيان (ككتلة مجتمعة)

2.5

7

6

كوريا الجنوبية

1.4

11

7

المصدر: صندوق النقد الدولي

 

تسارع الاعتماد المتبادل

تأسيسًا على ما سبق، يمكننا القول: إن العلاقات بين الطرفين (دول الخليج، وبلدان جنوب شرق آسيا) شهدت تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية. في الواقع، تعد دول جنوب شرق آسيا (الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، ودول الآسيان) أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة؛ حيث تمثِّل نحو ثلث إجمالي تجارتها الخارجية.

على سبيل المقارنة، يمكن الإشارة هنا إلى أنه على مدى العقدين الماضيين، شكَّلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو 40% من إجمالي تجارة دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، لكن تلك النسبة تراجعت إلى النصف تقريبًا أو 22% في عام 2016(8).

 

الجدول رقم (4) يبين أهم الأسواق للصادرات والواردات الخليجية

2016

2000

الأسواق الرئيسية للصادرات الخليجية

% من الإجمالي

الشريك التجاري

% من الإجمالي

الشريك التجاري

14.7

الصين

23.3

اليابان

11.2

اليابان

11.7

كوريا الجنوبية

10.4

الهند

10.6

الولايات المتحدة

9.0

كوريا الجنوبية

4.8

سنغافورة

5.4

الولايات المتحدة

3.6

الصين

الأسواق الرئيسية للواردات الخليجية

11.1

الصين

13

الولايات المتحدة

10.3

الولايات المتحدة

10.1

اليابان

6.3

الهند

7.1

المملكة المتحدة

5.2

اليابان

7.0

ألمانيا

2.9

كوريا الجنوبية

5.2

فرنسا

المصدر: صندوق النقد الدولي

 

ومن جهة أخرى، يتزايد النشاط الخليجي الاستثماري في جنوب شرق آسيا خصوصًا دول الآسيان؛ حيث وقَّعت دول خليجية العديد من الاتفاقيات للتعاون مع عدة آسيوية خلال السنوات الماضية. على سبيل المثال، وقَّعت قطر اتفاقيات الاستثمار المشترك في مجال تصنيع السيارات مع كلٍّ من ماليزيا، وإندونيسيا، والفلبين. وبالمثل، وقَّعت الإمارات وماليزيا صفقات لتطوير المنطقة المالية الجديدة في كوالالمبور ومنشآت لتخزين النفط(9).

كما أن لشركات النفط الحكومية الخليجية استثمارات معتبرة في مجالات الطاقة؛ فعلى سبيل المثال، تملك شركة "مبادلة بتروليوم" الإماراتية مشاريع لإنتاج الطاقة في إندونيسيا وتايلاند وعمليات تنقيب في فيتنام وماليزيا. هذا، وتخطِّط شركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك) لإنفاق نحو 109 مليارات دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، تشتمل على توجيه المزيد من الاستثمارات إلى قطاعات التكرير والبتروكيماويات في آسيا(10). كما تملك "البترول العالمية" الكويتية حصة مهمة تبلغ 35.1% في مصفاة ومجمع البتروكيماويات (نغي سون) في فيتنام التي تعد من أهم المشاريع النفطية الجديدة في آسيا؛ إذ ستقوم المصفاة بتكرير 200 ألف برميل يوميًّا من النفط الكويتي، ومن المتوقع أن ينطلق تشغيلها تجاريًّا منتصف عام 2018(11).

فيما تُواصل شركة أرامكو السعودية تنفيذ خططها الطموحة للاستثمار في قطاع التكرير والبتروكيماويات في آسيا من أجل ضمان حصصها النفطية، نفط خام، مبيعات المشتقات النفطية المكررة، وتوفير المرونة التنافسية للمملكة في الأسواق الآسيوية الرئيسية. ولعل الاتفاقيات التي وقَّعتها أرامكو أخيرًا مع بعض الشركات مثل بيرتامينا الإندونيسية (مصفاة سيلاكاب في إندونيسيا)، وبتروناس الماليزية(مشروع التكرير والبتروكيماويات المتكاملة-رابيد-في ولاية جوهور الجنوبية)، وشركة نورينكو وبانجين شينتشانغ الصينية (مشروع التكرير والبتروكيماويات والتجزئة في مقاطعة لياونينغ بشمال شرق الصين)، تمثِّل دليلًا واضحًا على تلك التوجهات(12).

وتُجري أرامكو أيضًا محادثات مع عدد من الدول الآسيوية، من بينها فيتنام والصين، للاستثمار في قطاع التكرير، بما في ذلك شراء حصة في مصفاة أنينغ الصينية في مقاطعة يوننان بجنوب غرب الصين التي بدأت مؤخرًا في استخدام النفط الخام الذي يصل عن طريق خط الأنابيب عبر ميناء سيتوي في ميانمار. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن أرامكو تمتلك حصصًا معتبرة في عدد من مصافي التكرير في كوريا الجنوبية، واليابان، والصين تضمن لها تدفق مئات الآلاف من براميل النفط يوميًّا(13).

إلى جانب قطاع الطاقة، هناك توجهات من صناديق الثروة السيادية الخليجية للاستثمار في الأراضي الزراعية في مختلف أرجاء آسيا. الأهم أن دولًا آسيوية، مثل: الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية قد توفر فرصًا استراتيجية لتلك الصناديق عبر ضخِّ استثمارات معتبرة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، ولعل الاستثمارات السعودية والإماراتية في صندوق التكنولوجيا التابع لـ"سوفت بنك" الياباني تقدِّم مثالًا بارزًا على هذا التوجه(14)

وهنا، تشير أحدث التقديرات إلى أن إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي قد ارتفع بمقدار 404 ملايين دولار (أو 16%) إلى 2.923 مليار دولار في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 من 2.519 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014، رغم تراجع الإيرادات المالية نتيجة انخفاض أسعار النفط العالمية(15)

وفي المقابل، تشتمل المَحَافِظ الاستثمارية للقطاع الخاص الخليجي في جنوب شرق آسيا أيضًا على العقارات، والتمويل، والسياحة، ومنتجات الحلال، والصيرفة الإسلامية، بالإضافة إلى قطاع الاتصالات الذي يستقطب استثمارات مهمة. كما أن تزايد نشاط السياحة الخليجية إلى دول آسيا، دفع خطوط الطيران الخليجية إلى تكثيف نشاطاتها في القارة الآسيوية، خصوصًا في دول مثل الصين، والوجهات السياحية الواعدة في دول الآسيان مثل: سنغافورة، وماليزيا، وإندونيسيا، وفيتنام، وتايلاند، وحتى الفلبين لاكتساب حصة معتبرة من كعكعة قطاع الطيران.

من جهة أخرى، دفعت الأزمة الخليجية دولة قطر إلى إعادة حساباتها الاستثمارية؛ حيث باتت الدوحة تتطلع إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الآسيوية، بهدف تنويع مصادر الواردات، والمشاريع الاستثمارية، وبيع المزيد من الغاز الطبيعي المسال. وفي الجانب المالي، يسعى بنك قطر الوطني إلى توسيع عملياته في آسيا، مع التركيز على دول الآسيان وسط تطلعات بأن يصبح مصرفًا رائدًا في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وجنوب شرق آسيا بحلول عام 2020(16).

وفي الوقت نفسه، تسعى الخطوط الجوية القطرية، التي وجدت نفسها محاصرة بعد إغلاق دول خليجية، مثل: السعودية، والإمارات، والبحرين، أجواءها الجوية أمام أسطولها الكبير، إلى تكثيف جهودها للاستفادة من الأسواق الآسيوية. وهنا، يمكن الإشارة إلى أن "القطرية" كانت قد أعلنت في بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017، الاستحواذ على حصة 9.6% من الخطوط الجوية كاثي باسيفيك هونغ كونغ.

كما تتطلع قطر إلى الحفاظ على مكانتها الريادية في سوق الغاز الطبيعي المسال في آسيا، خصوصًا في ظل اشتداد المنافسة مع أستراليا والولايات المتحدة وسط انخفاض الأسعار. وفي هذا السياق، أعلنت الدوحة، في أبريل/نيسان 2017، استئناف تطوير حقلها الشمالي، وهو أحد أكبر حقول الغاز في العالم، بعد توقف دام 12 عامًا. وفي يوليو/تموز 2017، أتبعته بالإعلان عن خطط لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال بنحو 30%.  وتنبغي الإشارة هنا إلى أن قطر قد أصبحت في عام 2015 أول مورِّد للغاز الطبيعي المسال إلى تايلاند. كما أنها تُجري مباحثات مع كل من فيتنام والفلبين لتصدير الغاز المسال القطري ضمن عقود طويلة الأجل(17).

 

الطاقة: قلب العلاقات الاقتصادية

في الوقت الحالي، تصدِّر دول مجلس التعاون الخليجي منتجات طاقوية إلى آسيا أكثر مما ترسله إلى دول الاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية مجتمعة. فوفقًا لبيانات منظمة الدول المصدِّرة للنفط (أوبك)، صدَّرت دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة نحو 13.4 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام و90.96 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في عام 2016، توجه معظمها إلى بلدان آسيا والمحيط الهادئ(18).

 

الجدول رقم (5) يوضح صادرات دول مجلس التعاون الخليجي من النفط (2016، مليون برميل يوميًّا)

الدولة

النفط

إجمالي الصادرات

إلى آسيا والباسفيك

% آسيا والباسفيك من الإجمالي

الكويت

2.128

1.643

77.2%

قطر

0.503

0.501

99.6%

السعودية

7.463

4.918

65.9%

الإمارات

2.407

2.361

98%

عُمَان

0.887

0.875

98.6%

دول الخليج مجتمعة

13.390

10.299

76.9%

المصدر: أوبك

 

الجدول رقم (6) يبين صادرات دول مجلس التعاون الخليجي من الغاز الطبيعي المسال (LNG) (2016، مليون طن*)

الدولة

الغاز

إجمالي الصادرات

إلى آسيا والباسفيك

% آسيا والباسفيك من الإجمالي

عُمان

8.14

7.23

88.8%

قطر

77.24

51.77

67.0%

الإمارات

5.58

5.58

100%

دول الخليج مجتمعة

90.96

64.58

71%

* مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال = 1.38 مليار متر مكعب.

المصدر: الاتحاد الدولي للغاز

 

كما تمثِّل آسيا، خصوصًا الصين، وجهة رئيسية لصادرات دول مجلس التعاون من البتروكيماويات، حيث ساعد التطور السريع في العقود الثلاثة الماضية في المنطقة على زيادة الطلب على منتجات دول مجلس التعاون. وتعد آسيا السوق الرئيسية لصادرات البتروكيماويات الخليجية، حيث استقطبت نحو 60% من إجمالي الصادرات في عام 2016(19). وشكَّلت الصادرات الخليجية إلى الصين (14.5 مليون طن) نحو ثلث الصادرات الكيماوية التي توجهت إلى آسيا(20).

 

الشراكات الأمنية: روابط ضعيفة

تواجه منطقة الخليج تحديات سياسية وأمنية جسيمة، من أهمها: الحرب في اليمن، والتوترات مع إيران، وقضايا الإرهاب، والاحتجاجات في البحرين، وصولًا إلى الأزمة الخليجية الحالية. من وجهة النظر الخليجية الرسمية (جميع الدول بدون استثناء)، لا يوجد في الوقت الحاضر بدائل واقعية للمظلة الدفاعية الأميركية في المنطقة. بالتالي، واستنادًا إلى المعطيات الراهنة، من الصعب تصور أي دور عسكري آسيوي فاعل من شأنه أن يكمل، ناهيك عن الاستبدال بدور الولايات المتحدة في المنطقة.

في إطار الحسابات الاستراتيجية لصانعي القرار في دول مجلس التعاون، لا تملك دول جنوب شرق آسيا (غير الموحَّدة أصلًا في مواقفها وتحالفاتها) القدرات العسكرية واللوجستية (وربما الإرادة السياسية) للتدخل في ظروف الأزمات كتلك التي توفرها المظلة الأميركية. وعلى هذا الأساس، يمكن الاستنتاج أنه من وجهة النظر الخليجية لا يمكن للدول الآسيوية (على الأقل في المديين القصير والمتوسط) تقديم نفس الضمانات الأمنية الأميركية ضد التهديدات التي تواجهها المنطقة، ولاسيما ضد إيران و/أو الجماعات التي تصنَّف دوليًّا على أنها إرهابية وتهدد الأمن القومي لدول الخليج.

وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي تعتقد أن الدول الآسيوية الصاعدة، وخاصة الصين، ليست بديلًا عن الولايات المتحدة على الأقل خلال عقد أو عقدين من الآن، لكن تسعى إلى تنويع شراكاتها الأمنية وترك معظم خياراتها الخارجية مفتوحة. وهنا، يمكن القول: إن هنالك العديد من العوامل الاستراتيجية والسياسية الأخرى قد تدفع الدول الخليجية إلى تطوير علاقات أوثق مع دول آسيا خصوصا الصين، من أهمها:

أولًا: في حال قررت الرياض مستقبلًا تطوير برنامج عسكري نووي له طابع عسكري، فإن الدولتين الآسيويتين المرشحتين للعب دور رئيسي في هذا المجال، هما: الصين وباكستان.

ثانيًا: تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي (خصوصًا السعودية وقطر) من بين أكبر موردي النفط والغاز الطبيعي المسال إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية وبعض دول الآسيان، ومع ذلك تسعى دول الخليج إلى زيادة الاستثمارات الموجهة إلى قطاع الطاقة وغيره في هذه الدول لضمان حصصها السوقية في هذه الأسواق، وربما لتعزيز الشراكات الأمنية في المستقبل.

ثالثًا: تنظر دول مجلس التعاون إلى الدول الآسيوية، خصوصًا الصين، على أنها من مصادر الدعم السياسي المهمة خصوصًا فيما يتعلق بقضايا، مثل: فلسطين، والتصدي للانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان، والديمقراطية.

رابعًا: التعاون (سواء بشكل جماعي أو كل دولة خليجية على حدة) في مجالات مثل التدريب الأمني والعسكري، وشراء المعدات الحربية، أو القضايا التي تتعلق بالإرهاب، حيث وقَّع العديد من دول الخليج من الاتفاقيات بهذا الخصوص مع بعض الدول الآسيوية، مثل: الصين، وكوريا الجنوبية، وماليزيا، وإندونيسيا.

في هذا السياق، تكتسب الصين أهمية كبيرة في الحسابات الخليجية، حيث من المتوقع أن تصبح هذه الدولة الآسيوية العملاقة أكبر اقتصاد في العالم، وقوة عسكرية لا يُستهان بها بحلول عام 2030(21). هذا، بالإضافة إلى أن مبادرة طريق الحرير أو ما تسمى حاليًّا "مبادرة الحزام والطريق"، التي أطلقها الرئيس الصيني في عام 2013، بدأت تكتسب زخمًا كبيرًا في الآونة الأخيرة، وهي مبادرة تتقاطع في بعض جوانبها مع حسابات دول الخليج في أكثر من مكان.

 

طريق الحرير: فوائد ومخاوف

رغم أن دول مجلس التعاون ليست مركزية ضمن الخارطة الصينية شبه الرسمية لمبادرة الحزام والطريق، إلا أن بكين لا تستطيع على أرض الواقع تجاهل دول الخليج. بكل تأكيد، من الأهداف الرئيسية لمبادرة الحزام تأمين وصول الصين إلى موارد الطاقة التي تحتاجها بكين، وتتركز بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط خصوصًا في دول الخليج.

وفي إطار الحديث عن أهمية منطقة الخليج، يمكن الإشارة إلى أن واردات الصين من النفط الخام من دول مجلس التعاون الخليجي قد قفزت بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي من حوالي 0.87 مليون برميل يوميًّا في عام 2006 إلى ما يزيد عن 2.3 مليون برميل يوميًّا، (نصفها تقريبًا من السعودية)، أو ما يمثل تقريبًا 31% من إجمالي واردات الصين من النفط في 2016. في حين زادت واردات الغاز الطبيعي المسال من صفر تقريبًا إلى نحو 20% من إجمالي واردات الصين (جُلُّها تقريبًا من دولة قطر) لنفس الفترة المذكورة(22).

كما تعتبر دول الخليج أهم شريك تجاري للصين مع العالم العربي حيث شكَّلت تجارتها حوالي ثلثي (65.5%) إجمالي حجم التجارة البينية بين الصين والدول العربية في عام 2016 والتي بلغت نحو 171 مليار دولار. في حين تجاوزت تجارة دول مجلس التعاون 53% من إجمالي تجارة الصين مع الشرق الأوسط والتي وصلت إلى حوالي 212 مليار دولار في 2016. وهناك توقعات أن تتضاعف التجارة بين دول الخليج والصين إلى 350 مليار دولار خلال العقد القادم(23).

طبعًا، هناك أجزاء مهمة من مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تتوافق بشكل جيد مع أهداف دول مجلس التعاون الخليجي الحالية في مجالات التنويع الاقتصادي، والاستثمار خصوصًا في مجالات: البنية التحتية، والوصول إلى الأسواق، والأمن الإقليمي، أو عبر دعم اقتصادات دول مهمة، مثل: باكستان، ومصر، والسودان، بالإضافة إلى مشاركة الصين في عمليات مكافحة الإرهاب والقرصنة، أو إعادة إعمار دول عربية مثل اليمن، والعراق، وسوريا(24)

غير أن جوانب أخرى من المبادرة تنطوي على مخاوف خليجية من تداعيات استراتيجية محتملة قد تؤثر على ديناميات توازن القوي في المنطقة، تتمثل في تقوية وزيادة نفوذ إيران في منطقة الخليج وصولًا إلى دول آسيا الوسطى. وهنا يتعين على قادة دول الخليج تحقيق التوازن بين علاقاتهم المتنامية مع الصين، بشكل لا تؤدي فيه مبادرة الحزام والطريق إلى تقوية إيران على حساب دول مجلس التعاون، أو تهدد في المقابل العلاقات الخليجية مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، وروسيا أو حتى الهند(25).

ورغم هذه المخاوف، إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي تتطلع إلى الاستفادة من المبادرة الصينية إلى أقصى الحدود.بداية، من المتوقع أن تلعب مبادرة الحزام والطريق دورًا مهمًّا في دفع الشركات الصينية إلى الاستثمار في القطاعات غير النفطية داخل السعودية، بشكل يتوافق مع برامج التنويع الاقتصادي التي طرحتها المملكة خصوصا "رؤية 2030" وذلك عبر العديد من القطاعات:

  • توطين الصناعات الدفاعية: هذا القطاع مجال محتمل للتعاون بين الطرفين، خصوصًا مع تنامي جودة بعض الصناعات العسكرية الصينية، ورغبة الرياض بتوطين بعض الصناعات داخل المملكة، ولعل الاتفاقية التي وقَّعها البلدان بشأن بناء مصنع مخصص لإنتاج طائرات بدون طيار على أراضي المملكة تعكس هذا التوجهات(26).
  • تتيح تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطاقة النووية السلمية أو المتجددة فرصًا كبيرة للاستثمار في السعودية، ولعل الشركات الصينية تملك خبرات لا يستهان بها في هذه القطاعات.
  • تعتبر الشركات والبنوك الصينية مصدرًا مهمًّا للقروض وتوفير السيولة النقدية سواء على مستوى الحكومة السعودية أو شركات القطاع الخاص، وربما تكون تلك المؤسسات الصينية أحد المصادر الاستثمارية الرئيسية في اكتتاب شركة أرامكو المزمع عقده خلال العام القادم.
  • الخبرات الصينية مفيدة جدًّا في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهي من القطاعات التي تهدف السعودية إلى دعمها للحدِّ من مشكلة البطالة.
  • يتقاطع طريق الحرير الصيني مع خطط الرياض الكبيرة الهادفة إلى تنمية العديد من المناطق السعودية التي تطل على البحر الأحمر. هذا، بالإضافة إلى التعاون في مجال مكافحة القرصنة البحرية بالقرب من مضيق باب المندب أو بحر العرب.

من ناحية أخرى، تعوِّل الإمارات على المبادرة الصينية لتعزيز مكانة البلاد على الخريطة الاقتصادية العالمية. يمكن الإشارة هنا إلى أن موانئ دبي العالمية تتطلع للاستفادة من مبادرة الحزام والطريق، حيث تملك حوالي 20 محطة تشمل 6 في جنوب آسيا، و4 في الصين، ودول أخرى مثل تايلاند وفيتنام وكوريا الجنوبية وإندونيسيا(27)، بالإضافة إلى الاستثمارات الإماراتية المعتبرة في منطقة قناة السويس في مصر.

كما تعمل الإمارات جاهدة من أجل الحفاظ على موقعها الريادي كأهم مركز لإعادة التصدير في منطقة الشرق الأوسط. وتعتبر الصين الشريك التجاري الأول لدولة الإمارات في عام 2016، كما تعد الصين أكبر شريك تجاري للمنطقة الحرة لجبل علي "جافزا"؛ حيث تتخذ الشركات الصينية من دبي مقرًّا إقليميًّا ومنصة لوجستية لإعادةتصدير السلع والمنتجات إلى الدول الأخرى(28).

هذا، وتراهن الإمارات على استقطاب المزيد من السياح الصينيين لدعم القطاع السياحي المهم في البلاد. أكثر من 900 ألف صيني زاروا الإمارات خلال عام 2016(29)؛ حيث استقبلت دبي وحدها 540 ألف سائح صيني، لتكون الصين بذلك ضمن قائمة أكبر 10 أسواق عالمية مصدِّرة للسياح إلى الإمارة(30). في السياق ذاته، تتطلع أبو ظبي إلى جذب 600 ألف سائح صيني سنويًّا بحلول عام 2021، في حين تعمل الشارقة لاستقبال 200 ألف زائر صيني في العام ذاته(31).

أما في سلطنة عُمان، فقد أصبحت الصين محركًا رئيسيًّا لجهود عًمان في تنويع اقتصادها بعيدًا عن قطاع الطاقة خصوصًا عبر الاستثمار في تطوير المركز الصناعي بمنطقة الدقم(32). وتروِّج الدقم العُمانية لموقعها باعتباره وجهة جذابة، ليس فقط لقربها من مسارات التجارة البحرية، بل أيضًا لوقوعها خارج مضيق هرمز وهو ما قد ينأى بها عن الصراعات إذا تصاعدت التوترات الإقليمية(33).

أما بالنسبة للصين، التي يُتوقَّع أن تضخ شركاتها مليارات الدولارات إلى السَّلطنة، تمثِّل الدقم المطلة على بحر العرب قاعدة تشغيل محتملة للشركات الصينية قرب أسواق التصدير التي تريد تطويرها في إطار مبادرة الحزام والطريق، بالإضافة إلى قربها من بعض موارد النفط والغاز التي تحتاجها الصين(34). 

وعلى صعيد الدول الخليجية الأخرى، تتطلع قطر إلى اكتساب حصة معتبرة من سوق الغاز الطبيعي المسال خلال العقدين القادمين في ظل التوقعات المتفائلة لنمو الواردات الصينية. كما ترغب الدوحة بمشاركة فعَّالة من قبل الشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية بما في ذلك تلك التي تتعلق ببطولة كأس العالم في عام 2022. ولعل الأهم بالنسبة للحكومة القطرية استقطاب المزيد من الشركات الصينية عند اكتمال توسعة ميناء حمد الدولي والمنطقة الحرة التابعة له خلال السنوات القليلة القادمة.

وفي المقابل، تطمح كل من الكويت والبحرين إلى استقطاب المزيد الاستثمارات الصينية خصوصًا إلى مدينة الحرير الضخمة التي تخطط الكويت لتطويرها.

 

الآفاق المستقبلية: فرص وتحديات

تتوقع دول الخليج تحول منطقة آسيا إلى دينامو نمو الطلب على الطاقة على مدى العقدين المقبلين؛ حيث من المتوقع أن تبقى الصين، والهند، ودول الآسيان المحركات الأساسية للنمو في الطلب على النفط أو الغاز الطبيعي المسال حتى عام 2030. على سبيل المثال، من المتوقع أن تقفز واردات الصين النفطية إلى أكثر من 12 مليون برميل يوميًّا مع نهاية العقد القادم.

كما أنه من المتوقع أن يتزايد تأثير رابطة الآسيان على أسواق الطاقة العالمية في العقد القادم خصوصًا من دول مثل: إندونيسيا، والفلبين، وتايلاند. في الوقت الراهن، تعتبر دول الآسيان مجتمعة ثالث أكبر (بعد الهند والصين) منطقة من حيث عدد السكان الذي يبلغ نحو 640 مليون نسمة(35). كما أنها تمثل سابع أكبر اقتصاد في العالم، وخامس أكبر وجهة للاستثمار الأجنبي في عام 2016، ومن المتوقع أن تصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم بعد الصين، وأميركا، والهند بحلول عام 2030(36).

وهنا، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع استيراد دول الآسيان بنحو 3.4 ملايين برميل يوميًّا على مدى العقدين القادمين، وبالتالي، سوف يزداد الاعتماد على استيراد النفط (كمية النفط المستوردة كنسبة من إجمالي الطلب) من 21% حاليًّا ليصل إلى 78% بحلول 2040(37).

الجدول رقم (7) يوضح توقعات الطلب على النفط (مليون برميل يوميًّا)

 

2015

2030

الصين

12.1

16.4

اليابان

4.1

3.4

كوريا الجنوبية

2.4

2.6

الآسيان

4.3

6.2

المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ووكالة الطاقة الدولية

وفي المقابل، تشير توقعات "بلومبيرغ" المستقبلية، إلى أن إمدادات الغاز الطبيعي المسال ستبلغ ذروتها في عام 2020، حيث لا يُتوقع تدشين مشاريع جديدة خلال الفترة 2020-2024. ونتيجة لذلك، بحسب بيانات المؤسسة الأميركية، قد تواجه أسواق الغاز الطبيعي المسال نقصًا محتملًا في الإمدادات في منتصف العقد القادم، وهو الوقت الذي يتوقع أن تضيف دولة قطر إلى إنتاجها نحو 30 مليون طن سنويًّا(38). ومن المرجح أن تقود الصين نمو الطلب في منطقة جنوب شرق آسيا حتى عام 2020، نتيجة سياسات بكين التي تهدف إلى رفع حصة الغاز في مزيج البلاد من الطاقة على حساب الفحم(39). وبعد ذلك التاريخ، من المتوقع أن يرتفع الطلب في منطقة الآسيان نتيجة انخفاض إنتاج الغاز وارتفاع الاستهلاك في المنطقة(40).

الجدول رقم (8) يبين توقعات الطلب على الغاز الطبيعي المسال (مليون طن سنويًّا)

 

2016

2030

اليابان

82.8

59

كوريا الجنوبية

33.5

44.5

الصين

26.3

64.2

تايوان

14.9

23.9

الآسيان

5.7

42.6

المصدر: بلومبرغ

على الرغم من هذه الخلفية المتفائلة، تبقى عدة قضايا رئيسية يمكن أن تشكِّل تحديًا لتنامي العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول جنوب شرق آسيا.

أولًا: منافسة الإنتاج الصخري: تعني طفرة الوقود الصخري أن الولايات المتحدة باتت تعتمد بشكل أقل على نفط الشرق الأوسط، والبلاد مرشحة لأن تصبح أكبر مُصَدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم بحلول منتصف العقد القادم(41). ومما يبعث على القلق أيضًا التهديد الذي تشكِّله هذه الطفرة على خطط الشركات الخليجية في مجال البتروكيماويات والصناعات المرتبطة بهذا القطاع(42).

وفقًا لسيناريوهات وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن تمثِّل الولايات المتحدة وحدها 80% من الزيادة المتوقعة في إمدادات النفط العالمية حتى عام 2025، في حين قد تصل صادرات النفط الخام الأميركية إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًّا في عام 2030. هذا التطور في حال حصوله من المرجح أن يزيد الضغوط النزولية على أسعار النفط العالمية على الأقل في المدى القصير، ويحول الشركات الأميركية إلى منافس لا يستهان به في الأسواق الآسيوية(43).

كما أن وفرة إمدادات الغاز الصخري، وبأسعار مناسبة، من المؤكد أن تمنح منتجي البتروكيماويات الأميركيين ميزات تنافسية لا يمكن تجاهلها. وفي هذا السياق، هناك توقعات تشير إلى أن صافي صادرات البتروكيماويات الأميركية يمكن أن ينمو 10 أضعاف خلال العقد المقبل(44). هذه المخاوف عبَّر عنها عبد الوهاب السعدون، الأمين العام للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات والكيماويات (جيبكا) في مقابلة أُجريت معه أخيرًا بقوله: "في هذا الجزء من العالم وفي دول أخرى، تتأثر الصناعة بتغير الديناميات مثل تخفيض مزايا المواد الخام، وتنامي المنافسة الاقتصادية، وظهور الغاز الصخري، وكذلك الفحم الكيميائي في الصين"(45).

ثانيًا: التطورات في الصين: تعد الصين حاليًّا أكبر شريك اقتصادي (إذا استثنينا الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة) لدول مجلس التعاون الخليجي، بالتالي فإن احتمالات الهبوط الحاد للاقتصاد الصيني مستقبلًا من المرجح أن تؤثِّر سلبًا على دول الخليج. ولعل هذا الأمر يبرز جليًّا في حالة سلطنة عُمان التي تعتمد بشكل مفرط على الاستثمارات الصينية، كما أن نحو 80% من صادراتها النفطية تتوجه نحو الصين وحدها(46).

وهناك أيضًا منافسة الدول الأخرى؛ حيث أصبحت روسيا في عام 2016 (وعام 2017) المورِّد الأول للصين بعد أن تربعت السعودية على هذا المركز لمدة 14 عامًا. كما أن مشتريات الصين من النفط الأميركي تتزايد باطِّراد حيث ارتفعت واردات الصين من الولايات المتحدة من صفر تقريبًا في عام 2016 إلى متوسط شهري يبلغ حوالي 135 ألف برميل يوميًّا في الأشهر العشرة الأولى من عام 2017(47).

ورغم أن هذا الرقم يضع الولايات المتحدة في الترتيب 15 في قائمة أكبر مورِّدي النفط للصين، إلا أنه يمثِّل زيادة مذهلة تُقدَّر بنحو 900% مقارنة بنفس الفترة من عام 2016(48). طبعًا، مع العقود الضخمة التي وقَّعتها الشركات الصينية مع نظيراتها الأميركية خلال زيارة الرئيس، دونالد ترامب، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، من المنطقي توقُّع احتمالات زيادة الواردات الصينية من النفط الأميركي.

من المتوقع أن تضيف الصين إلى إنتاجها الكيميائي (باستثناء الميثانول)، نحو 23 مليون طن سنويًّا(49)، بشكل قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على منتجات البتروكيماويات القادمة من دول مجلس التعاون الخليجي. في الواقع، تراجعت الصادرات الكيماوية لدول مجلس التعاون الخليجي إلى الصين للعام الثاني على التوالي في عام 2016، مسجلة انخفاضًا بنسبة 13% لتصل إلى 11.3 مليار دولار، بعد تراجعها 15% في 2015. يشار هنا إلى أن إجمالي الصادرات الكيماوية لدول مجلس التعاون الخليجي إلى آسيا بلغ نحو 49 مليار دولار في عام 2016، بانخفاض قدره 6% عن العام السابق(50).

ثالثًا: الطلب في اليابان وكوريا الجنوبية: من المرجحفي الأجلين المتوسط والطويل أن تتراجع واردات اليابان من النفط والغاز الطبيعي المسال (انظر الجدولين رقم 5، 6). ويُعزى ذلك إلى عوامل هيكلية، مثل استبدال الوقود، وشيخوخة السكان، وأهداف ترشيد الطاقة التي تفرضها الحكومة. كما أن زيادة التنويع في قطاع الطاقة، من خلال التركيز على الطاقة النووية والمتجددة، يمكن أن تكبح نمو الطلب المحلي على مشتقات النفط والغاز الطبيعي(51). والعديد من تلك القضايا قد يحصل في كوريا الجنوبية ويؤدي بالمحصِّلة إلى تباطؤ نمو الطلب في البلاد على النفط والغاز.

وتعتبر اليابان حاليًّا أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم؛ حيث تمثِّل وارداتها ثلث الطلب العالمي في عام 2016. وتحتل قطر حاليًّا المركز الثالث كأكبر مورِّد (بعد أستراليا وماليزيا) حيث زوَّدت اليابان بنحو 12.3% من احتياجاتها في الأشهر التسعة من عام 2017(52). لكن تحركات طوكيو الأخيرة لتنويع مصادر الغاز الطبيعي المسال أدت إلى زيادة المشتريات من بابوا غينيا الجديدة، وإندونيسيا، والولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه بشكل متزايد خصوصًا مع وجود تخمة في الأسواق حاليًّا تسمح بالاختيار من بين مجموعة واسعة من المورِّدين(53).

رابعًا: النزاعات الآسيوية: الخلافات بين الدول الآسيوية نفسها قد تُلقي بظلالها السلبية على دول مجلس التعاون الخليجي. هناك نزاعات دول الآسيان (خصوصًا الفلبين، وفيتنام) مع الصين حول بحر الصين الجنوبي، والخلافات اليابانية-الصينية حول الحدود البحرية في بحر الصين الشرقي، فضلًا عن ملف كوريا الشمالية. ولعل المخاطر هنا تتمثَّل في إمكانية انتقال التوترات الحاصلة في تلك المناطق إلى المحيط الهندي. وهنا، تنبغي الاشارة إلى أن أكثر من 60% من شحنات النفط والغاز المسال في العالم تمر عبر المحيط الهندي، بالإضافة إلى نحو 70% من حركة الحاويات من وإلى الدول الصناعية في آسيا وبقية العالم(54).

طبعًا، هذا إلى جانب الهواجس الهندية حول صعود الصين؛ حيث تشعر نيودلهي بقلق من خطط بكين الطموحة لتطوير أسطولها البحري، واستثماراتها الضخمة في إطار مبادرة الحزام والطريق، خصوصًا في دول مثل باكستان وسريلانكا؛ حيث تخشى أن يخلق ذلك مناطق نفوذ صينية تؤدي بالنهاية إلى تطويق الهند(55). هناك ما يشبه اندلاع حرب باردة جديدة في المحيط الهندي بين تحالف غير رسمي أو معلن بين الولايات المتحدة، والهند، وأستراليا، واليابان من جهة، والصين من جهة أخرى.

بكل تأكيد، جميع هذه القضايا ربما يكون لها تداعيات سلبية على دول مجلس التعاون، وقد تعقِّد حسابات الدول الخليجية (مجتمعة أو كلَّ دولة على حدة) في التعامل مع البلدان الآسيوية أو مشاركتها في مبادرة الحزام والطريق الصينية خصوصًا في مناطق مثل باكستان وآسيا الوسطى. ومن الناحية الاقتصادية، في حال تصاعد النزاعات بين الدول الآسيوية قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين. طبعًا هذا الوضع يتطلب سياسات خليجية موحدة وتكاملية، حيث إن تعامل دول مجلس التعاون بشكل انفرادي قد يُضعف موقفها، ويقلِّل من الأهمية الاستراتيجية لمجلس التعاون الخليجي ككتلة لها وزنها الاعتباري.

خامسًا: غياب اتفاقيات التجارة الحرة:في ظل غياب اتفاقيات للتجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي مع بلدان منطقة جنوب شرق آسيا، فإنه لا يمكن استبعاد إمكانية بروز إشكالية محتملة تتمثل في السياسات الحمائية من قبل الجانبين أو الاتهامات بالإغراق التجاري، خصوصًا فيما يتعلق بمنتجات شركات البتروكيماويات الخليجية، أو صادرات الحديد والألومنيوم الصينية.

سادسًا: القضايا الخلافية: هناك قضايا خلافية بين دول الخليج وبعض دول جنوب شرق آسيا عكَّرت الأجواء أو ربما يكون لها تداعيات سلبية في المستقبل. على سبيل المثال، لا تزال العلاقات الصينية-الإيرانية (التعاون العسكري) تثير الشكوك لدى بعض دوائر صنع القرار في دول الخليج خصوصًا في السعودية. كما تبقى هناك إمكانية لتزايد التوترات السياسية بشأن حقوق العمال الآسيويين ومعاملتهم في دول مجلس التعاون الخليجي أو معاملة الأقليات الإسلامية في بعض دول الآسيان (ميانمار وتايلاند) أو حتى الصين.

 

تداعيات أزمة الخليج

تلك التحديات السابقة تترافق مع التطورات السلبية لتداعيات أزمة الخليج المستمرة منذ شهر يونيو/حزيران 2017، والتي باتت تهدد مستقبل مجلس التعاون الخليجي وأهميته الاقتصادية على الصعيد العالمي. لقد عانت جميع دول الخليج اقتصاديًّا منذ الهبوط الحاد في أسعار النفط في منتصف العام 2014. وقد دفع تراجع الإيرادات المالية بشكل حاد إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وتزايد العجز المالي، وتقليص الانفاق العام. طبعًا، شظايا هذا الوضع أصابت العديد من الدول الآسيوية عبر تراجع الواردات، والتحويلات المالية، فضلًا عن عمليات تسريح كبيرة للعمالة الأجنبية.

حكومات الدول الآسيوية بما فيها الصين وماليزيا وإندونيسيا واليابان رفضت تأييد الإجراءات التي فُرضت ضد قطر، وبدلًا من ذلك دعت الأطراف الخليجية المعنية إلى دعم الوساطتين، الكويتية والأميركية، لحل الأزمة والتوصل إلى تسوية تُرضي جميع الأطراف. مع ذلك، فإن الدول الآسيوية باتت تخشى احتمالات تصاعد الأزمة الخليجية وبشكل قد يمس بمصالحها الاقتصادية في المنطقة. 

ولعل تطبيق إجراءات اقتصادية قاسية ومباغِتة ضد قطر من أجل تحقيق أهداف سياسية، من القضايا التي أثارت قلق الدول الآسيوية حيث لا تستبعد أن يتكرر المشهد مع دول أخرى في المستقبل. لا، بل إن الدول الآسيوية باتت تخشى من السيناريو الأسوأ، الذي يتمثَّل في إجبارهم على الانحياز ضد قطر. ورغم أن هذا السيناريو مستبعد في الوقت الراهن، إلا أن تطبيقه قد يجلب معه تداعيات خطيرة على مجلس التعاون ويجبر دول آسيا بشكل عام على إعادة حساباتها بشكل جذري تجاه منطقة الخليج.

كما أن الوضع الإقليمي المشتعل في الخليج، يعيد تذكير الدول الآسيوية المستهلِكة للطاقة بحالة عدم الاستقرار في المنطقة؛ الأمر الذي قد يجعل استراتيجية تنويع واردات الطاقة تحتل الصدارة. أو بعبارة أخرى، فإن الأزمة الخليجية قد تسرِّع من توقيع الشركات الآسيوية على صفقات طاقوية مع شركات أميركية، وروسية، وحتى مع الدول الإفريقية، وإيران، والعراق.

أما فيما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق، فلا يمكن لبكين أن تتجاهل ما يحدث في منطقة الخليج، بل تنظر بقلق عميق إلى تداعيات الأزمة الخليجية على الاقتصاد الصيني فيما إذا تطورت الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تعد أكبر مورِّد نفطي إلى الصين، وثاني أكبر مزود للغاز الطبيعي المسال، وثامن أكبر سوق في العالم للصادرات الصينية(56).

كما أن الأزمة الخليجية التي لا تزال تداعياتها تتفاعل حتى الآن تعقِّد تشكيل سياسة خليجية موحدة تجاه مبادرة الحزام والطريق، وتُضعف الموقف التفاوضي للأطراف الخليجية بشكل عام(57). وعلاوة على كل ذلك، تتفاوض دول مجلس التعاون الخليجي مع بعض الدول الآسيوية، خصوصًا الصين، من أجل توقيع اتفاقيات منطقة التجارة الحرة. ومن الواضح أن الأزمة الخليجية قد ألقت بظلالها السلبية على مسار تلك المفاوضات.

 

خاتمة

من العرض السابق يتضح لنا أنه لا تزال هناك فرص واعدة في منطقة آسيا، أو في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية. ومع الأخذ بعين الاعتبار التحولات الشاملة في العلاقات الدولية، وتحول مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو آسيا، فمن الأهمية بمكان أن تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى نسج علاقات استراتيجية مع القوى الصاعدة في آسيا.

لكن التحديات والمخاوف التي ذكرناها آنفًا لا يمكن الاستهانة بها، كما أن التطورات التقنية والعلمية التي رافقت طفرة الوقود الصخري في الولايات المتحدة الأميركية، ليس مستحيلًا أن تتكرر، حتى لو كانت بدرجة أقل، في دول آسيوية أخرى بما ذلك الصين، وهو ما يعني أن المستقبل قد يحمل في طياته -أيضًا- مفاجآت غير سارة لدول مجلس التعاون.

في جميع الأحوال، إن الاعتماد على تصدير الهيدروكربونات في التنمية لم يعُدْ خيارًا مُستدامًا، وإن حل الأزمات الداخلية والإقليمية، وتعزيز عمليات التكامل الخليجي، ومواصلة عملية تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الطاقة، هي السياسة الأنجع والأسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * د.ناصر التميمي، باحث وخبير في الشؤون الخليجية

مراجع

(1) رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة اختصارًا باسم آسيان (بالإنجليزية: ASEAN اختصارًا لـ The Association of Southeast Asian Nations)، وتأسست في 8 أغسطس/آب 1967. تضم في عضويتها 10 دول في جنوب شرق آسيا، هي: إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، وبروناي، وفيتنام، ولاوس، وبورما، وكمبوديا.

(2)"Direction of Trade Statistics (DOTS)", The International Monetary Fund (IMF). https://goo.gl/eMGqiJ

(3)  SEE: International Contractors Association of Korea. https://goo.gl/JYL2au

(4) "Study: GCC construction market records 30% growth in 2017", Construction Week, 23 November 2017. https://goo.gl/4B8iWL

(5) Ibid.

(6) British Petroleum (BP), "Statistical Review of World Energy 2017", June 2017. https://goo.gl/p8ZTLz

(7) "World Economic Outlook Databases (WEO) ", The International Monetary Fund (IMF). https://goo.gl/r9a3GY

(8)تم احتساب الأرقام استنادًا إلى بيانات التجارة التي نشرها صندوق النقد الدولي، http://www.imf.org/external/index.htm

(9) "GCC Trade and Investment Flows", The Economist Intelligence Unit, 16 December 2014. http://www.economistinsights.com/sites/default/files/GCC%20Trade%20and%20investment%20flows.pdf

(10) "Abu Dhabi Oil Producer May Invest in First Overseas Refineries", Bloomberg, 27 November 2017. https://goo.gl/Z3T4c8

(11) "(البترول) الكويتية تؤكد أهمية المشاريع النفطية العالمية في تحقيق عوائد آمنة ومجزية"، كونا، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.https://goo.gl/ysDpgZ

(12) "Aramco Asian Downstream Plans Advance with Malaysia Polymers Push", MEES, 6 October 2017. http://archives.mees.com/issues/1717/articles/55220

(13) Ibid.

(14) "Asia: Saudi Arabia’s One-Stop Shop for Economic Opportunities", Stratfor, 1 March 2017. https://goo.gl/tSq8sj

(15) "Gulf SWFs Overhaul Their Strategies for A ‘Lower for Longer’ World", MEES, 17 November 2017. https://goo.gl/yo29Jk

(16)   “Qatar looks to build Asia ties as Gulf isolation drags on”, Nikkei Asian Review, 25 November 2017.  https://goo.gl/L1bSRy

(17) "Qatar Looks to Expand Its LNG Options as Contract Renegotiations Loom", MEES, 28 July 2017.https://goo.gl/68MS7e

(18) OPEC, "Annual Statistical Bulletin", June 2017. https://goo.gl/jCzLvP

(19) "Qatar petchem trades face disruption amid diplomatic crisis", ICIS News, 7 June 2017. https://goo.gl/UPF5aP

(20) "GPCA '17: GCC chemical exports to China fall for second year in 2016", ICIS News, 28 November 2017. https://goo.gl/uXAGp8

(21) "China's new global ambition", The Economist Intelligence Unit, 20 November 2017. https://goo.gl/ZS8YQm

(22) SEE: “China 3Q17 LNG Imports”, MEES, 27 October 2017.  https://goo.gl/K3ncBU

& “Chinese Crude Imports ('000 B/D)”, MEES, 28 July 2017. https://goo.gl/xXPYJ3

(23) "Gulf Finance: Rise of The Renminbi", MEES, 16 December 2016. https://goo.gl/zsH8rD

(24) Robin Mills, Sarmad Ishfaq, Roa Ibrahim, and Aaron Reese, "China’s Road to the Gulf Opportunities for the GCC in the Belt and Road initiative," Emerge85, 11 October 2017. https://goo.gl/6BmwvC

(25) Jonathan Fulton, "The G.C.C. Countries and China’s Belt and Road Initiative (BRI): Curbing Their Enthusiasm?" Middle East Institute, 17 October 2017. https://goo.gl/cvYdhM

(26)  "China, Saudi Arabia eye $65 billion in deals as king visits", Reuters, 16 March 2017. https://goo.gl/7J1t6j

(27) "DP World hitches lift on the new Silk Road", Financial Times, 30 May 2017.

(28)"80.2 مليار دولار قيمة تجارة المنطقة الحرة لجبل علي في 2016"، المنطقة الحرة لجبل على (جافزا)، 13 أغسطس/آب 2017. https://goo.gl/tCrrkD

(29)"60% من الصادرات الصينية للشرق الأوسط تمر عبر الإمارات"، الإمارات اليوم، 27 سبتمبر/أيلول 2017.  https://goo.gl/MYnmxj

(30) Emily Perryman, "How the Middle East is drawing in Chinese visitors", JLL Real Views, 13 November 2017. https://goo.gl/bFeQ4X

(31)  "China becomes largest source of tourists for Abu Dhabi", Xinhua, 19 October 2017. https://goo.gl/Bzxjbi

(32) "25 projects to be set up by Chinese investors", The Economist Intelligence Unit (EIU), 4 October 2017https://goo.gl/cKjV7i

(33) "Oman counts on Chinese billions to build desert boomtown", Reuters, 5 September 2017. https://goo.gl/wbNQgY

(34) Ibid.

(35) International Energy Agency (IEA). “Southeast Asia Energy Outlook 2017”, 24 October 2017. https://goo.gl/WExsBy

(36) Ibid.

(37) Ibid.

(38) "Global LNG Outlook 2017”, Bloomberg New Energy Finance, September 2017.https://goo.gl/QkQQxS

(39) "China Country Oil & Gas Report Q4 2017", BMI Research, October 2017, p. 50.

(40) Ibid.

(41) Ibid.

(42) "U.S. Shale Threatens Chemical Element of Saudi Aramco’s IPO", The Wall Street Journal, 26 July 2017. https://goo.gl/Jafpth

(43)  International Energy Agency, "World Energy Outlook 2017", 14 November 2017. https://goo.gl/rxThcj

(44)  "U.S. Shale Threatens Chemical Element of Saudi Aramco’s IPO",op. cit.

(45) "GCC Petchem industry transformation key to stay competitive", ICIS News, 8 November 2017. https://goo.gl/3ceL8c

(46) "Oman signs loan with Chinese banks", The Economist Intelligence Unit (EIU), 17 August 2017. https://goo.gl/z9W4wy

(47) Clyde Russell, "COLUMN-China's splurge on U.S., Russian crude shows OPEC's dilemma: Russell", Reuters, 27 November 2017. https://goo.gl/3vYtVz

(48)  Clyde Russell, "COLUMN-U.S. crude oil exports to Asia soar, complicating OPEC's efforts: Russell", Reuters 13 November 2017. https://goo.gl/8L5kWJ

(49) "Oil companies make big switch to chemicals", ICIS Chemical Business, 9 November 2017. https://goo.gl/8FekJd

(50)  "GPCA '17: GCC chemical exports to China fall for second year in 2016", op. cit.

(51)  "Japan Country Oil & Gas Report Q4 2017", BMI Research, October 2017, p. 9.

(52)  "Japan LNG Imports", MEES, 3 November 2017. https://goo.gl/VFUsj2

(53)  "Japan Country Oil & Gas Report Q4 2017", op. cit. 34.

(54) Bertil Lintner, "A New Cold War in the Indian Ocean?", The National Interest, 19 June 2017. https://goo.gl/veda1M

(55) Gideon Rachman, "China, India and the clash of two great civilisations", Financial Times, 5 June 2017. https://goo.gl/GgHW9h

(56)تم احتساب الأرقام استنادًا إلى بيانات التجارة التي نشرها صندوق النقد الدولي، http://www.imf.org/external/index.htm

(57)"China’s Road to the Gulf Opportunities for the GCC in the Belt and Road initiative," op. cit.

تعليقات

 

نرشح لكم

تراجع الورقة الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية الأخيرة وتسببت باندلاع احتجاجات لم تشهدها المملكة الأردنية منذ الربيع العربي في العام 2011، وتخلص إلى أن توقف المساعدات والضغوط التي تتعرض لها عَمَّان على خلفية صفقة القرن كانت جزءًا من الأسباب المباشرة لهذه الأزمة.

2018/06/12

أدت العقوبات الجماعية التي فرضتها دول الحصار بالقطريين إلى الاعتماد على أنفسهم وتقوية روابطهم والالتفاف حول قيادتهم؛ لأنها تمثل كبرياءهم وتحمي استقلالهم وسيادتهم.

2018/06/11

اعتمدت دول الحصار في قياس التفاوت في القوة على منظور اختزالي، بالَغَ في أهمية عوامل القوة التقليدية وأغفل أهمية عوامل أخرى للقوة أثبتت مع توالي الأيام مناعة قطر ومتانتها.

2018/06/11