تداعيات مقتل عبد المالك دروكدال على منطقة الساحل

لن يشكِّل مصرع عبد المالك دروكدال نهاية تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مع أن التنظيم فقد بمقتله قائدًا من الدرجة الأولى، على مستوى عال من فهم المنطقة ومكوناتها الاجتماعية، وإذا لم يكن خَلَفُه على نفس مستواه من التخطيط فإن تنظيم القاعدة سيعرف فترة ركود وتخبط.
(الفرنسية)
لن يشكِّل مصرع دروكدال نهاية تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بل هو نقطة مهمة من دورات العنف في الساحل (الفرنسية)

قُتِل عبد المالك دروكدال داخل الصحراء المالية بين مدينة تساليت والحدود الجزائرية قرب قرية تالهنداك، يوم 4 يونيو/حزيران 2020، وهو في طريقه من مرتفعات منطقة القبائل بالجزائر نحو أزواد، من طرف عناصر فرنسية تابعة لعملية برخان عسكرية التي تعمل في منطقة الساحل(1).

وقد بات من الملحِّ معرفة ما الذي كان يفعله خبير المتفجرات وعضو الجماعة الإسلامية المسلحة، عبد المالك دروكدال، في هذه المنطقة وفي هذا الوقت بالذات، خصوصًا أن طبيعة عملية مقتله جرت بتنسيق مركب بين عدة جهات. وهل صحيح ما يتردد من أن دروكدال جاء إلى أزواد من مرتفعات منطقة القبائل للقاء زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، أياد أغ غالي، للتباحث معه حول الصراع الدائر بين جماعة النصرة وتنظيم الدولة في الصحراء الكبرى، وحول الحديث عن مفاوضات بدأت تلوح في الأفق بين زعيم جماعة النصرة، إياد أغ غالي، وبين الحكومة المالية، وهي تطورات لافتة ومؤثِّرة في مسار ومصير الحركات المسلحة في الساحل الإفريقي.  

ولا شك أن مصرع دروكدال سيلقي بظلاله على التوتر الحالي بين الحركتين المسلحتين بشمال مالي وبمنطقة الساحل عمومًا: تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وما يتفرع عنهما من فروع في المنطقة، فضلًا عن تأثيره على التوازنات الأمنية الهشة بدول منطقة الساحل، كما سيضيف أبعادًا جديدة لحسابات فرنسا وأميركا في المنطقة، وهذا ما ستتناوله هذه الورقة.

مسار عبد المالك دروكدال

عبد المالك دروكدال، المكنى بأبي مصعب عبد الودود، مولود في 20 أبريل/نيسان 1970 بقرية زَيان التابعة لمفتاح بولاية البليدة، ومتخصص في تركيب المتفجرات بحكم التحاقه بفرع التكنولوجيا بجامعة البليدة بالجزائر من سنة 1990 إلى 1993(2).

بدأ مساره مع الحركات المسلحة بعد 12 يناير/كانون الثاني 1992 حين قرر المجلس الأعلى للأمن الجزائري إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية بنسبة 82% والتي فتحت الجزائر على ما بات يُعرف بالعشرية السوداء. ترقَّى دروكدال في التنظيمات المسلحة حيث عيَّنته جماعة السلفية للدعوة والقتال، من سنة 2001 حتى سنة 2003، عينًا للمنطقة الثانية في مجلس أعيان الجماعة، وبعد مقتل أميرها، أبي إبراهيم مصطفى، استُخْلِفَ دروكدال على إمارة الجماعة، في يوليو/تموز 2004. وفي 24 يناير/كانون الثاني 2007، أعلن أبو مصعب عبد الودود دخوله في تنظيم قاعدة الجهاد وتغيير اسم تنظيمه من الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت، تعزز حضور التنظيم في الساحل، وجعل مجال الساحل الإفريقي مرتكزًا أساسيًّا له، وقد نفَّذ العديد من العمليات في هذه المنطقة، وكثيرًا ما توعَّد الفرنسيين في المنطقة، كما تبنى مقتل صحفيين فرنسيين بالشمال المالي عام 2013(3).

يشمل مجال نشاط تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي فضاء متسعًا من شمال مالي وشمال موريتانيا مرورًا بالصحراء الجزائرية إلى النيجر وبوركينا فاسو وإلى الجنوب الليبي، وما زال مجال عملياته يتوسع نحو دول إفريقية أخرى مثل كوت ديفوار وبنين وغيرهما. ولتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي كتائب وسرايا كثيرة (كتيبة طارق بن زياد، وكتيبة الملثمين، وسرية الفرقان، وسرية الأنصار، وسرية القدس...) وتتسم الهيكلية التنظيمية للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالتعقيد والشمول، في نفس الوقت، وهي تعكس صورة العمل الجماعي للقاعدة؛ حيث تتكون قيادة التنظيم من أمير التنظيم، ومجلس الأعيان، ورؤساء اللجان والهيئات، الذين يشكِّلون ما يُعرَف بمجلس شورى التنظيم، وتقوم مهامه على تنسيق العمل بين مختلف المستويات القيادية(4).

جرى مقتل أبو مصعب عبد الودود "دروكدال" على أيدي الفرنسيين وبتنسيق وتعاون استخباري مع الأميركيين. وقد تكشفت بعض تفاصيل العملية حيث أوضح الجانبان، الفرنسي والأميركي، أنها عملية جرت في صحراء وعرة وبين هضبات قاحلة، وكانت منسقة إلى أقصى حد بين الجانبين الفرنسي والأميركي؛ من حيث تبادل المعلومات الاستخبارية(5). وبطبيعة الحال، لا يمكن أن تجري العملية دون تنسيق مع الجزائر؛ إذ إن دروكدال والخمسة الذين قُتلوا معه جاؤوا إلى الصحراء المالية من مرتفعات بمنطقة القبائل شمال الجزائر، فلا بد أن العيون الجزائرية رصدت تحركهم، ونظرًا لحساسية العلاقة الجزائرية-الفرنسية بخصوص ملف الساحل الإفريقي، وعدم اتفاقهما حول طريقة تدبير هذا الملف، فمن غير المستبعد أن تكون الجزائر أبلغت الجانب الأميركي بتحرك دروكدال، والأميركيون بدورهم نقلوا تلك المعلومات للجانب الفرنسي. ويبقى مقتل دروكدال منسقًا إلى أقصى حدٍّ بين الجانبين، الفرنسي والأميركي، وبشكل دقيق.

وينبغي أن نتذكر أن مقتل دروكدال، زعيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، يشكِّل ثالث عملية قتل لرأس جماعة مسلحة توسم بالجهادية؛ حيث تم قتل عاصم عمر، زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة الهندية، في عملية أميركية-أفغانية مشتركة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2019. كما قُتل زعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب باليمن، قاسم الريمي، من طرف الأميركيين وأعلن عنه يوم 7 فبراير/شباط 2020، ثم قُتل عبد المالك دروكدال يوم 3 يونيو/حزيران 2020. إذن تُعتبر هذه العملية ثالث مصرع لقائد منطقة في أقل من تسعة أشهر، واستهداف قطع رأس الجماعة المسلحة يعتبر مقاربة أميركية في الأصل وقد أخذتها فرنسا وطبقتها على أكثر من حالة في منطقة الساحل.

وكان مصرع دروكدال، يوم الأربعاء 3 يونيو/حزيران 2020، غير أن الفرنسيين لم يعلنوا عنه إلا يوم الجمعة، 5 يونيو/حزيران، ومن الواضح أنهم أخذوا ما يزيد على 48 ساعة من أجل التأكد من شخصيته، لأن وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، كانت قد أعلنت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وأمام البرلمان الفرنسي، أن عناصر تابعة لعملية برخان الفرنسية قتلت حامَدون كوفا، زعيم كتيبة ماسينا بمالي، وبعد ذلك ظهر كوفا في بداية مارس/آذار 2019 يسخر من الوزيرة الفرنسية(6).

ولعل الهدفَ من المهلة التي أخذها الفرنسيون بعد مقتل دروكدال هو عدم الوقوع في نفس الحرج الذي وقعوا فيه نهاية السنة الماضية، وذلك عن طريق فحص الحمض النووي "DNA". ومن المحتمل جدا أن يكون فحص الحمض النووي لدروكدال تم بالتنسيق مع الجزائريين، فربما هم وحدهم من يملك نفي أو تأكيد هوية دروكدال.

من سيخلف عبد المالك دروكدال؟

بموت دروكدال تظهر ثلاث زعامات محلية بمنطقة الساحل الإفريقي من غير المستبعد أن تتصدر المشهد المسلح بالمنطقة:

أولًا: إياد أغ غالي، وهو القائد الطارقي المنحدر من مجموعة أيفوغاس. وقد أسس إياد الحركة الشعبية لتحرير أزواد اليسارية 1990، ووقَّع اتفاقية الجزائر، سنة 1992، مع الحكومة المالية وتم تعيينه قنصلاً عامًّا في السعودية. تخلى، سنة 2007، عن الفكر اليساري وانضم لجماعة الدعوة والتبليغ فترة ليعتنق الفكر المتشدد بعد ذلك ويؤسس، أواسط 2011، حركة "أنصار الدين"، وليصبح قائد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فاتح مارس/آذار 2017 بمباركة من دروكدال(7).

ثانيًا: حامَدون كوفا، وينحدر من مجموعة الفلان، وقد انضم أولًا لحركة الدعوة والتبليغ، والتقى بإياد أغ غالي في هذا التيار الدعوي وقاما معا بخروج دعوي في موريتانيا والسنغال ومالي وبوركينا والنيجر والتوغو، كما ذهبا مرتين معًا إلى باكستان، وتوطدت العلاقة بينهما. وثَّق كوفا تلك التجربة باللغة الفلانية مستخدمًا الشعر والسجع والتشبيهات وغيرها من أصول الخطابة، فصادف ذلك هوى في نفوس الشباب الفلاني. وله صوتيات باللغة الفلانية واسعة الانتشار والتوزيع في الساحل(8). أسَّس كوفا، أمير جبهة تحرير ماسينا، في مارس/آذار 2012، المعروفة حاليًّا باسم كتيبة ماسينا وهي مكون من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة(9).

ثالثًا: عدنان أبو الوليد الصحراوي: اسمه لحبيب ولد علي ولد الجماني، من قبيلة الركيبات، كان في مخيمات تيندوف بالغرب الجزائري. كان قائدًا سابقًا في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ثم جزءًا من حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، في أكتوبر/تشرين الأول 2011، وأحد كبار قياداتها. وبحلول عام 2013، أسس مجلس شورى المجاهدين في غاو بمالي. بعد دمجها مع حركة التوحيد والجهاد برئاسة مختار بلمختار، ولواء الملثمين، في أغسطس/آب 2013، شكَّلوا معًا تنظيم "المرابطون". وأصبح أمير تنظيم المرابطين فيما بعد، كما أعلن، في 13 مايو/أيار 2015، بيعته لأبي بكر البغدادي، أمير تنظيم الدولة الإسلامية، وأسس ولاية الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى. لم يقبل كل المرابطين بهذه الخطوة؛ حيث عارضه مختار بلمختار؛ مما تسبَّب في انقسام في المجموعة(10).

التنظيمات المسلحة بالساحل ومصرع دروكدال

فقد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي شخصًا يصعب على التنظيم وجود مثيل له فعالية وتخطيطًا وفهمًا لفضاء أزواد ومكوناته الاجتماعية. كان دروكدال على علاقة وثيقة بجميع الفاعلين المسلحين في شمال مالي وفي منطقة الساحل الإفريقي، ولا يستبعد أن يكون مهندس نشأة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فاتح مارس/آذار 2017، نظرًا لعلاقته الوثيقة مع رموزها وتأثيره في المشهد عموما. وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين عبارة عن تكتل أنصار الدين بزعامة إياد أغ غالي، وجماعة إمارة الصحراء وأميرها في ذلك التاريخ، جمال عكاشة، الشهير بيحيى أبي الهمام، وكتيبة ماسينا وأميرها، حامَدون كوفا، وجماعة المرابطين وأميرها، مختار بلمختار. كما ظهر في الفيديو الذي أعلن فيه عن تأسيس جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أبو عبد الرحمن الصنهاجي قاضي القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وأعلن الحاضرون مبايعتهم زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، وأعلنوا نصرتهم لأمير إمارة أفغانستان الإسلامية، هبة الله أخوند زاده، ولأمير القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، عبد المالك دروكدال (أبو مصعب عبد الودود)(11).

ويذهب العديد من المهتمين بشأن الجماعات المسلحة في شمال مالي إلى أن دروكدال أدرك منذ سنة 2011 حساسية بعض الجماعات المسلحة المحلية من قيادة العناصر الأجنبية وخصوصًا الجزائرية للتنظيمات المسلحة بصحراء مالي فنسَّق وهندس ظهور جماعات تحمل ملامح إثنية (جماعة أنصار الإسلام وأغلبية عناصرها من الطوارق، وكتيبة ماسينا من الفلان).

ولا نبتعد عن الحقيقة إن قلنا: إن العنف المرتبط بالحركات المسلحة في منطقة الساحل يعتمد في فعاليته وقدرته على التمدد والانتشار على القبائل البدوية التي تعيش حياة الانتجاع والترحال في الصحراء الإفريقية سواء أكانوا من الطوارق أو العرب أو من قبائل الفلان وغيرها من الإثنيات الإفريقية. فهي مجموعات تعيش على هامش الدولة الحديثة وأغلبها -إن لم نقل: كلها- كانت على علاقة سيئة جدًّا بالأنظمة التي تعاقبت على السلطة منذ استقلال دول الساحل عن فرنسا سنة 1960، وحتى في زمن الاستعمار كانت لها رؤية رافضة للاستعمار الفرنسي، وكانت في السابق تحمل لواء الجهاد في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد تم توظيف جانب من تلك المرجعية التاريخية فيما نشاهده اليوم من مواجهة الفرنسيين.

لقد ربط دروكدال علاقات وثيقة بزعماء هذه الإثنيات الذين انخرطوا معه في مشروعه بمنطقة الساحل (إياد أغ غالي وحامَدون كوفا)، وهو ما جنَّب تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي الصدام مع العناصر المحلية، بل جعلته في بعض الأحيان الإطار العام الذي يقود الجميع دون هيمنة، ويتفاهم مع الكثير دون ضغط، ويكسب ود واحترام الساكنة المحلية.

ومن المهم أن نقف على جملة من التفاعلات التي سبقت مصرع دروكدال والتي قد تكون مهَّدت لمصرعه، وهي الصراع الذي طفا على السطح منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي وتنظيم الدولة في الصحراء الكبرى.

يستدعي الأمر التركيز على حوادث مهمة جدًّا وتتعلق بإثنية الفلان تلك المجموعة العرقية الإفريقية التي توجد في أكثر من دولة من دول غرب ووسط إفريقيا، ولهذه المجموعة علاقة تاريخية بالدين الإسلامي وباللغة العربية، وبقيام العديد من الدول الإسلامية في غرب إفريقيا(12).

وفي سياق الحديث عن إثنية الفلان كثُر الحديث في الإعلام مؤخرًا عن توتر الحدود الثلاثية (مالي-بوركينا-النيجر) أو ما يُعرف بمنطقة ليبتاكو غورما(13). وقد أصبحت هذه المنطقة، التي يشكل الفلان غالبية سكانها، مسرحًا للكثير من العمليات التي تنفذها الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي والتي تستهدف أكثر من هدف بالدول الثلاث وبغيرها، وتنشط في هذا المثلث الحدودي تنظيمات مسلحة من أبرزها تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى تحت قيادة أبي الوليد الصحراوي وقد انضم إليه الكثير من شباب الفلان.

وستستضيف هذه المنطقة قوة "تاكوبا" الأوروبية التي ستتشكَّل من قوات خاصة من عدة دول أوروبية (من بينها: فرنسا، وبلجيكا، وإستونيا، والدانمارك، وهولندا، والبرتغال) وتهدف هذه القوة، وهي فرع من عملية برخان وليست بديلا عنها، إلى مرافقة جنود دول مالي والنيجر وبوركينا في قتالهم ضد الجهاديين.

وتنشط ببوركينا فاسو بشكل خاص حركة أنصار الشريعة وهي حركة أغلب أعضائها من شباب إثنية الفلان، وقد أسسها ملام إبراهيم ديكو، ذو النزعة السلفية، والذي كان ينعش برامج دعوية في إذاعتين محليتين بمدينة جيبو البوركينابية، وقد أسس مركز الإرشاد الإسلامي واعترفت به واغادوغو، وقد كسب أتباعًا كثيرين في صفوف شباب الفلان ممن كانت تعجبهم خطاباته الحماسية التي يرفض فيها التراتبية الاجتماعية المسيطرة على المجتمع الفلاني، وينتقد الطرق الصوفية والمؤسسات الدينية التقليدية. وبعد إغلاق مركزه وإذاعتيْه ذهب إلى مالي، سنة 2012، والتحق بحامَدون كوفا، وأقام معه سبعة أشهر ليعود لموطنه، جيبو، ويؤسس حركة أنصار الإسلام، في سنة 2014، وهي امتداد لكتيبة ماسينا. وقد استقطبت حركة أنصار الشريعة ببوركينافاسو عناصر من شباب الفلان وبدأت عملياته داخل بوركينا وخارجها. وقد توفي مؤسسها، مالام جيكو، سنة 2016، نتيجة مضاعفات مرض السكري، وتولى شقيقه، جعفر ديكو، قيادة أنصار الإسلام في بوركينا فاسو.

لم تكن علاقات جعفر ديكو، خليفة أخيه، إبراهيم ديكو، منسجمة مع زعيم كتيبة ماسينا، حامَدون كوفا، ولا كذلك مع زعيم أنصار الإسلام، إياد أغ غالي، فقرر سريعًا الاستقلال عنهما وعدم الخضوع لأية وصاية منهما، ونظرًا لعلاقات قديمة بينه وبين جماعة "المرابطون" قرر أن يمد قنوات اتصال مع عدنان أبي الوليد الصحراوي، زعيم تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى، فترك جعفر ديكو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وأعلن بيعة عدنان أبي الوليد الصحراوي.

من هنا، أصبح تنظيم الدولة يقوى في بوركينا فاسو على حساب تنظيم القاعدة الذي أحسَّ بالمحاصرة وبالمضايقة وبدأت المواجهة بين التنظيمين في الحدود الثلاثية لمالي وبوركينا فاسو والنيجر.

في هذا السياق، سعى عدنان أبو الوليد الصحراوي إلى لقاء إياد أغ غالي وقد حدث اللقاء بين الرجلين في مارس/آذار 2017 بالقرب من كيدال في مالي، وقد قرَّرا الدخول في هدنة بل في تحالف يريا من خلاله أن عدوهما المشترك هو الغرب وعلى رأسه الفرنسيون وكذلك الأنظمة القائمة في دول الساحل والتي يعتبرانها أدوات في يد فرنسا والدول الغربية(14).

خلال عودة عدنان من لقائه بإياد أغ غالي تعرض لقصف في منطقة تساليت بمالي لكنه نجح في الخروج من العملية مصابًا بجروح خطيرة جعلته متواريًا عن الأنظار منذ ذلك التاريخ. وقد أصبحت قيادة تنظيم الدولة بالصحراء الكبرى بيد ابن عمه، عبد الحكيم الصحراوي، الذي تمكن من إحكام سيطرته على تنظيم الدولة بالصحراء الكبرى، كما ضبط عبد الحكيم إيقاع تنظيم الدولة وأعاد في غياب ابن عمه، عدنان أبي الوليد، بسبب مرضه، ترتيب صفوف التنظيم ووضعها في واجهة العمليات، وشحذها بروح جهادية.

ومع عبد الحكيم، نحت العلاقة بين تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى وكتيبة ماسينا نحو التصعيد خصوصًا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019؛ حيث وقعت مواجهات دامية بين التنظيمين على الخط الحدودي بين شمال مالي ووسط بوركينا فاسو. وقد عاد القتال بينهما في ديسمبر/كانون الأول 2019، وفي يناير/كانون الثاني 2020، وكان المنهزم تنظيم الدولة، خصوصًا أن إياد أغ غالي وقف بمقاتليه إلى جانب حليفه، حامَدون كوفا، فدحروا مجموعات الدولة الإسلامية وأخرجوها نهائيًّا من وسط مالي(15).

أصبح تنظيم الدولة غائبًا عن وسط وغرب مالي وقد انسحب إلى شمال وشمال شرق بوركينا فاسو مقتربًا من الحدود البوركينابية مع بنين والتوغو، كما تحالفت معه عناصر ميدانية للحرس الرئاسي التابع للرئيس السابق، بليز كومباوري، المسرَّحة من الجيش منذ 2015.

وفي 10 فبراير/شباط 2020، أعلن الرئيس المالي، إبراهيم ببكر كيتا، دعوته للتفاوض مع الحركات الجهادية في نفس الوقت الذي كانت أميركا تستعد فيه مع حركة طالبان لتوقيع اتفاقية بالدوحة بقطر تُحِلُّ السلام في أفغانستان. وقد أعلن إياد أغ غالي قبوله بمبادرة الرئيس المالي، ببكر كيتا، بداية مارس/آذار 2020، مؤكدًا أن شعوب الساحل عاشت ويلات الحروب واصطلت بنيرانها ومن المنطقي أن يتم اللجوء للحلول السياسية لكن بشرط انسحاب القوات الفرنسية. وتأتي مبادرة الرئيس المالي هذه وسط رغبة جزائرية في إعادة نشاطها الدبلوماسي مع الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون، خاصة أن الجزائر كانت قد قادت بنجاح مفاوضات بين الحكومة المالية وتنظيمات الطوارق المسلحة(16).

وهذه المبادرة المالية قد رفضها تنظيم الدولة في الصحراء جملة وتفصيلًا بينما قبلها زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إياد، قبولًا مشروطًا، وهذا مما قد يرشِّح احتمال أن يكون دروكدال كان يريد مزيدًا من التشاور مع إياد أغ غالي، بخصوص المفاوضات مع الدولة المالية وبخصوص الحرب الدامية مع تنظيم الدولة في المثلث الحدودي (مالي وبوركينا والنيجر).

ومن مظاهر الصراع بين تنظيم الدولة بالصحراء الكبرى وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ما نُشر، بداية مايو/أيار 2020، في جريدة "النبأ" التي تصدر عن تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى، وهو بيان يصف تنظيم القاعدة بالمرتدين وخصوصًا إياد أغ غالي وحامَدون كوفا، وأنهما جزء من التحالف الدولي الكافر بسعيهما لإبعاد تنظيم الدولة من الحدود الثلاثية المشتركة (النيجر-مالي-بوركينا)، فضلًا عن حمايتهما للحدود الجزائرية والحدود الموريتانية(17).

كما انتشرت تسجيلات صوتية لحامَدون كوفا يوضح فيها لمنتسبين جدد الفروق المبدئية بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة ومن تلك الفروق إقامة الخلافة فهي أولوية عند تنظيم الدولة بينما أولوية القاعدة هي إخراج الفرنسيين وغيرهم من القوى الغربية من منطقة الساحل، ويعني طردها -حسب كوفا- سقوط الأنظمة المحلية. ويتهم تنظيم الدولة حامَدون كوفا وإياد أغ غالي بالتعاون مع ميليشيات محلية تابعة للجيش المالي، فضلًا عن فتحهما قنوات اتصال ومفاوضة مع حكومة باماكو. وهذا ما يعني بالنسبة لتنظيم الدولة أن تنظيم القاعدة أصبح خارج الملَّة وأن دماء عناصره أصبحت هدرًا. فالقاعدة في منطقة الساحل أصبحت أكثر انخراطًا في الديناميكيات المحلية وهذه نقطة خلاف جوهرية بين التنظيمين. ومن غير المستبعد أن تكون عودة عبد المالك دروكدال من الجزائر ودخوله الصحراء المالية لها علاقة بهذا القتال الدامي بين التنظيمين.

خاتمة

لن يشكِّل مصرع عبد المالك دروكدال نهاية تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بل يمكن تصنيف مصرعه على أنه نقطة مهمة من دورات العنف في الساحل، وقد فقد التنظيم بمقتله قائدًا من الدرجة الأولى، على مستوى عال من فهم المنطقة ومكوناتها الاجتماعية، وتفاصيل الديناميات التي تتحكم في المشهد الأمني والعملياتي، وله قدرة فائقة على ضبط إيقاع ما ينجرَّ عن تلك الديناميات من تفاعلات. وإذا لم يكن خَلَفُه -مهما كان- على نفس مستواه من التخطيط والحزم فإن تنظيم القاعدة بمختلف فروعه سيعرف فترة ركود وتخبط.

وتبقى التجربة الأميركية في استهداف رؤوس الجماعات المسلحة الموسومة بالجهادية، والتي تطبقها فرنسا في الساحل الإفريقي، لا تقضي على التنظيمات، لكنها تربك التنظيم وتصيبه بالشلل. ولا شك أن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بمختلف فروعه وكذلك تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى قد تعرضا لأكثر من عملية تستهدف الأمراء والقادة من مختلف مستويات التنظيمين لكنهما في الغالب استطاعا استيعاب تلك الضربات المتلاحقة.

وبشكل خاص، ستعطي عملية مقتل دروكدال متنفسًا للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وستمنحه مساحة أوسع للتحرك، ولتبرير مساعيه في الساحل بعد أن كان أداؤه محطَّ نقد داخلي ومحط انتقادات علنية للرأي العام في دول الساحل.

 

مراجع

(1)- Pierre Julien, Mort d'Abdelmalek Droukdel : comment s'est déroulée l'opération? Site RFI, publié le 11/06/2020 (vu le 15 juin 2020)https://www.rtl.fr/actu/international/mort-d-abdelmalek-droukdel-comment-s-est-deroulee-l-operation-7800597697
(2) حسام الحداد وفاطمة عبد الغني: مقتل دروكدال زعيم القاعدة في المغرب العربي، بوابة الحركات الإسلامية، 6 يونيو/حزيران 2020، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2020):https://www.islamist-movements.com/13233
(3) «أبو مصعب عبد الودود».. قاعدي أرهق الدواعش وهاجم أميرهم، دراسات وأبحاث استشرافية حول الإسلام الحركي، 30 مايو/أيار 2020، (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2020):https://www.almarjie-paris.com/15196

(4) محمد محمود أبو المعالي: الجغرافيا السياسية للتنظيمات الجهادية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، مركز الجزيرة للدراسات، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2019، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2020):https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/10/191006075810024.html

(5)- Par Alexandre Sulzer, Aqmi : avec la mort de Droukdel, la France remporte une victoire mais pas la guerre, Le Parisien, publié le 6 juin 2020, (vu le 19 juin 2020):https://www.leparisien.fr/international/aqmi-avec-la-mort-de-droukdel-la-france-remporte-une-victoire-mais-pas-la-guerre-06-06-2020-8331120.php

(6)- Malian jihadist leader said to have been killed by France is alive, The Guardian, Mar 1, 2019 (accessed June 18, 2020):https://www.theguardian.com/world/2019/mar/02/malian-jihadist-leader-said-to-have-been-killed-by-france-is-alive

(7) إياد أغ غالي.. زعيم الإرهاب في مالي، دراسات وأبحاث استشرافية حول الإسلام الحركي، 6 يوليو/ تموز 2018، (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2020):https://www.almarjie-paris.com/2251

(8)- Salafi   jihadi   armed   groups and conflict (de-)escalationThe case of Ansar Dine in Mali, Berghof Foundation, December 2019 (accessed June, 23, 2020)

https://www.berghof-foundation.org/fileadmin/user_upload/2019_SJAG_Case…

 (9) Amadou Koufa، موقع الأمم المتحدة، 5 فبراير/شباط 2020، (تاريخ الدخول: 17 يونيو/حزيران 2020):https://www.un.org/securitycouncil/ar/content/amadou-koufa

(10)- Benjamin Roger, Tracking Abu Walid al-Sahraoui, West Africa’s most wanted jihadist, 12 February 2020, (accessed June 18, 2020)https://www.theafricareport.com/23345/tracking-abu-walid-al-sahrawi-west-africas-most-wanted-jihadist/

(11)جماعة الإسلام".. تنظيم يتبع القاعدة بمنطقة الساحل، الجزيرة نت، 4 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2020):https://bit.ly/2Bzzief

(12) من بين تلك الدول التي نشأت في محاضن قبائل الفلان بغرب إفريقيا: دولة ماسينا التي أسسها في القرن التاسع عشر الشيخ أحمد حمدي لبو في منطقة ماسينا بوسط مالي، والتي أخذ حامدون كوفا تسمية تنظيمه المسلح منها. وللتوسع في تاريخ تلك الدولة الإسلامية الفلانية، تمكن العودة إلى دكتور علي يعقوب، حياة الشيخ أحمد حمدي لبو ودولته الإسلامية في ماسينا، موقع قراءات إفريقيا، 2 أبريل/نيسان 2011، (تاريخ الدخول: 17 يونيو/حزيران 2020):https://bit.ly/3fVFv2L

(13)تعني عبارة "ليبتاكو" بلغة الفلان الشخص الذي لا يمكن صرعه، وغورما من غورماتشي التي تعني المنطقة الخصبة وافرة المرعى.

(14)- Sahel: Iyad Ag Ghaly tente-t-il un rapprochement avec Abou Walid al-Sahraoui? Jeune Afrique, 19 mars 2018 à 15h57 (vu le 18 juin 2020) https://www.jeuneafrique.com/mag/529517/politique/sahel-iyad-ag-ghali-tente-un-rapprochement-avec-letat-islamique/

 (15)- Wassim Nasr , ISIS in Africa: The End of the “Sahel Exception”, Center for Global Policy, June 2, 2020 (accessed June 22, 2020):https://cgpolicy.org/articles/isis-in-africa-the-end-of-the-sahel-exception/

(16)- Cyril Bensimon Au Mali, Ibrahim Boubacar Keïta assume un dialogue avec les djihadistes, Le Monde, Publié le 12 février 2020 à 02h35 - Mis à jour le 12 février 2020 (vu le 23 juin 2020):https://www.lemonde.fr/afrique/article/2020/02/12/sahel-le-president-malien-assume-un-dialogue-avec-les-djihadistes_6029246_3212.html

(17)- JNIM targeted by IS’s Al-Naba, New Delhi Times, June 1, 2020 (accessed June 23, 2020)https://www.newdelhitimes.com/jnim-targeted-by-iss-al-naba/