أعاد الانقلاب العسكري الذي شهدته غينيا بيساو، يوم الأربعاء 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، طرح سؤال الاستقرار السياسي في هذا البلد الذي يُعَد من أكثر بلدان إفريقيا الغربية اضطرابًا سياسيًّا وأشدها فقرًا. صحيح أن عدم الاستقرار السياسي في غينيا بيساو، لحسن الحظ، لم يُلْقِ بالبلاد إلى حرب أهلية دموية كتلك التي شهدتها ليبيريا وسيراليون في العقدين الأخيرين من القرن العشرين وامتدت إلى مطالع القرن الحادي والعشرين، لكن هذه الاضطرابات المزمنة أدت إلى ضعف بنية الدولة وانتشار الفساد، كما يسَّرت لشبكات تجارة المخدرات مهمة اختراق دوائر الحكم وجعل غينيا بيساو محطة حيوية في طريق تهريب المخدرات من أميركا اللاتينية والكاريبي إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر إفريقيا الغربية(1).
تحاول هذه الورقة تقصِّي التاريخ السياسي المضطرب لهذه المستعمرة البرتغالية السابقة التي حصلت على استقلالها عام 1973 بعد حرب تحرير وطنية دموية، واستجلاء العوامل التي قوَّضت استقرارها السياسي طيلة خمسة عقود بدأت باغتيال زعيم حرب التحرير، آميلكار كابرال، وربما لن تكون الإطاحة بالرئيس، عمر سيساغو إمبالو، آخر فصل فيها.
انتخابات مؤجَّلة في سياق أمني وسياسي مضطرب
كانت الانتخابات البرلمانية التي جرى دورها الأول في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 استثنائية في سياقها وتداعياتها، فقد جاءت بعد عام كامل من التأجيل، وأدَّت إلى انقلاب عسكري وضع حدًّا لحكم الرئيس سيساغو إمبالو، أول شخصية من عرقية الفلان تحكم البلاد. ولابد هنا من القول: إن انتخاب إمبالو عام 2019، خصوصًا فوزه على الرئيس جوزي ماريو فاز، أثار حالة من التفاؤل بشأن إمكانية انتظام التناوب السياسي وتجاوز التحول الديمقراطي في البلاد عثراته المتتالية التي جعلت غينيا بيساو متأخرة كثيرًا في مجال الحكامة السياسية مقارنة بجوارها وعمقها السياسي والاجتماعي في جزر الرأس الأخضر والسنغال، اللذين استطاعا إرساء قواعد بناء ديمقراطي متدرج لكنه راسخ، قوامه المؤسسية والتناوب ويحظى بالتقدير في المنطقة والقارة.
ويكشف تأجيل الانتخابات عمق الأزمة السياسية والأمنية في البلاد، والتي كانت من تجلياتها محاولتان انقلابيتان في 2022 و2023. وإثر هذه الأخيرة، أعلن الرئيس حل البرلمان متهمًا أعضاءه بالانحياز لأعضاء في الحكومة والجهاز الإداري يواجهون تهمة الفساد المالي، بل ذهب إلى اتهام نجل رئيس سابق بالضلوع في المحاولة الانقلابية عبر تمويلها من عائدات تجارة الكوكايين(2).
لم يأتِ قرار الحل بالنتيجة المرجوة بل إن الحزب الإفريقي من أجل الاستقلال عزز موقعه في الخارطة السياسية باستحواذه على الأغلبية في البرلمان، ليضطر إمبالو إلى التعايش مع الواقع الجديد في انتظار الانتخابات القادمة.
والواقع أن هذه الاضطرابات كانت انعكاسًا لصراع خفي وشرس بين النخب القادمة حديثًا إلى السلطة برفقة الرئيس إمبالو والحرس القديم المؤلَّف في أغلبه من كوادر الحزب الإفريقي من أجل استقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، وهو الحزب التاريخي الذي قاد حرب التحرير الوطنية في البلدين وظل يحكمهما على نحو مستمر تقريبًا منذ الاستقلال. صحيح أن إمبالو، حاله حال كل كوادر البلاد تقريبًا، انتمى في مرحلة معينة إلى الحزب الإفريقي من أجل الاستقلال، لكن الاختيارات السياسية للرئيس الشاب، خصوصًا توجهاته الليبرالية، أثارت حفيظة وجهاء الحزب، كما أن "حربه" المعلنة على الوكلاء المحليين لعصابات الاتجار بالمخدرات في أميركا اللاتينية والكاريبي كانت تمس مصالح طيف واسع من الطبقة السياسية وبعض النخب العسكرية الضالعة في التعامل مع هذه العصابات، التي اتخذت منذ مطلع القرن العشرين من سواحل غينيا بيساو محطة لعبور وتخزين وإعادة تصدير شحنات الكوكايين القادمة من الكاريبي إلى السوقين، الأميركية والأوروبية(3). وهو اختيار له أسبابه الوجيهة، فسواحل غينيا بيساو المطلة على المحيط الأطلسي يمتد فيها أرخبيل من مئة جزيرة أغلبها مهجورة؛ ما يوفر بيئة مناسبة تمامًا لتفريغ شحنات الكوكايين القادمة من الكاريبي وتخزينها في سرية تامة في انتظار توزيعها عبر مسارات التصدير إلى الأسواق العالمية. وفضلًا عن ذلك، فإن غينيا بيساو تقع على الضفة الشرقية للأطلسي مقابل سواحل أميركا اللاتينية والكاريبي؛ ما يعني أن الرحلات الجوية والبحرية المنطلقة إليها تظل، بمجرد مغادرتها مجال بلد الانطلاق، في المياه والأجواء الدولية إلى أن تدخل مباشرة إلى مجال السيادة البيساوي الممتد في عمق الأطلسي بفضل أرخبيل بيجاغوس المؤلف من 88 جزيرة.
ومن القصص المعبِّرة بأمانة عن عمق اختراق عصابات المخدرات للنخب الحاكمة في غينيا بيساو اعتقال عناصر من الوكالة الأميركية لمكافحة المخدرات القائد السابق للبحرية، بيبو ناتشوتو، واثنين من مقربيه، في شهر أبريل/نيسان عام 2013، بعد أن استدرجوهم إلى لقاء مزعوم مع ممثل عصابة كولومبية على متن يخت بعرض سواحل غينيا بيساو. وكان العملاء الأميركيون على تواصل مع الأميرال المتقاعد وقابلوه قبل ذلك بعام في السنغال، وناقشوا معه إجراءات شحن وتخزين وإعادة تصدير شحنة من الكوكايين(4).
اعتقل وكلاء وكالة مكافحة المخدرات الأميركية القائد العسكري الغيني ونقلوه إلى الرأس الأخضر ثم إلى الولايات المتحدة؛ حيث قضى ثلاث سنوات في السجن قبل أن يعود إلى بلاده، في 2016، بعد انقضاء أغلب فترة محكوميته.
وفي عام 2009، قتلت مجموعة من العسكريين رئيس البلاد، جواو بيرناردو فييرا، في إقامته الرئاسية خلال انقلاب عسكري جاء غداة اغتيال رئيس أركان الجيش في انفجار عبوة ناسفة. ورجحت مصادر كثيرة أن الانقلاب العسكري الذي تخللته تصفية الرئيس فييرا جاء انتقامًا للقائد العسكري المغتال الذي اشتهر بنزاهته ورفضه التعامل مع عصابات الاتجار في المخدرات(5).
وكان لافتًا في بيان انقلاب 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إعلان منفِّذيه أنهم تحركوا لمواجهة ما سموه "مؤامرة لزعزعة الاستقرار يتزعمها رجل سياسة غيني وبارون مخدرات وعملاء أجانب"(6).
لم يفصل الانقلابيون في طبيعة المخطط المزعوم، ولم يكشفوا هويات الضالعين فيه، لكن تواتر الحديث عن عصابات المخدرات بعد كل محاولة انقلابية في السنوات الأخيرة، رغم اختلاف مراكز القوة التي كانت لها الغلبة في هذه المحاولة أو تلك، يثير تساؤلات مقلقة عن حضور عصابات تجارة المخدرات في الصراع على السلطة في غينيا بيساو وقدرتها على التأثير في مراكز القوة وإصرارها على إبقائها في صفها، وهو أمر يعكس تغلغل هذه الشبكات في مفاصل الدولة، ويقدم لمحة عن مصالحها الكبيرة في غينيا بيساو.
انقلاب عسكري أم انقلاب انتخابي؟
استعرض قادة الانقلاب العسكري، في البيان الأول، دوافعهم للإطاحة بالرئيس إمبالو والإجراءات التي ينوون اتخاذها لتأكيد سلطتهم، ومنها تعليق المسار الانتخابي. إلا أن ما غاب في البيان العسكري هو أن الانقلاب حدث بين جولتي الانتخابات؛ ما يعني أنها كانت حافزه الأساسي لاسيما أنه وقع غداة إعلان الرئيس إمبالو حسمه السباق الرئاسي من الجولة الأولى بحصوله على 65% من الأصوات. لم يكن إعلان الرئيس الإعلان الاستباقي الوحيد، فمنافسه الأبرز، فرناندو دياش، كان قد شرع بدوره في إعلان مؤشرات تقدمه في السباق الانتخابي، وقد بدا إعلان الرئيس وكأنه محاولة لقطع الطريق على منافسه الأبرز الذي يحظى بدعم الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، ذي التاريخ السياسي الطويل والراسخ اجتماعيًّا، كما أن له ظهيرًا قويًّا في المؤسسة العسكرية(7). ويعزز هذه الفرضية إقدام قادة الانقلاب على اعتقال كلٍّ من مرشح المعارضة البارز، فرناندو دياش، وزعيم الحزب الإفريقي، ديمونيغو سيماو بيريرا، ثم سماحهم للرئيس المطاح به، إمبالو، بمغادرة البلاد إلى السنغال رفقة بعض مقربيه، كما أن الحكومة التي أعلنوا تشكيلها مؤلفة أساسًا من مسؤولين تولوا مناصب سامية، وزارية وغيرها، في عهد الرئيس السابق.
لا يحتفظ تاريخ غينيا بيساو السياسي بحالة مماثلة لانقلاب نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لجهة اللباقة التي عومل بها الرئيس، فقد تمكَّن من الاتصال بصحفيين أجانب من داخل مقر قيادة أركان الجيش ليؤكد لهم نبأ الإطاحة، كما أن بيانات الانقلاب خلت من أي تحامل على الرئيس وفترة حكمه.
وهذا المعطى مثير للاهتمام ويبعث على طرح تساؤلات مشروعة عن موقف الانقلابيين من الرئيس ودافع تحركهم ضده. ففي التقاليد الانقلابية عامة، والإفريقية خاصة، تكون معاملة السلطات الانقلابية للرؤساء المطاح بهم قاسية إذا لم تكن دموية؛ ذلك أن الانقلاب بطبعه يحتاج إلى تبرير أمام الرأي العام. وبما أن الانقلابات العسكرية، كما تؤكد التجارب عبر العالم كله وخصوصًا في إفريقيا، هي في الواقع انعكاس للصراع على السلطة أو لطموح معين للإمساك بها، ولا تحمل معها أي مشروع للنهوض بالمجتمع والدولة. وبالتالي فإن أنجع الطرق إلى تبرير الحركة الانقلابية واستدرار دعم الشارع لها هو تحميل السلطة المطاح بها المسؤولية عن تدهور الحالة العامة للبلاد.
وتستشهد المعارضة البيساوية في ما تذهب إليه من فرضية الانقلاب الانتخابي بما حدث في ديسمبر/كانون الأول 2023 حين أعلن الرئيس حل البرلمان بعد محاولة انقلابية مزعومة، وهو قرار عدَّته المعارضة في حينه نزوعًا سلطويًّا خطيرًا من الرئيس يعكس سعيه الدؤوب إلى تقويض مؤسسات الدولة وتركيز السلطات كلها في يده وإقصاء الشركاء السياسيين.
وعلى ضوء هذه التطورات المفاجئة، ترى المعارضة أن ما حدث في 26 نوفمبر/تشرين الثاني سيناريو أُعِدَّ مسبقًا لقطع الطريق على عودتها إلى السلطة في ظل تواتر المؤشرات على ذلك، خصوصًا بعد فوز الحزب الإفريقي بالانتخابات البرلمانية الطارئة التي جرت في عام 2023 إثر حل إمبالو للبرلمان. وتعزز المعارضة طرحها هذا بإبراز حقيقة أن الخطاب السياسي للسلطة الانقلابية لا يوجه أي انتقادات لفترة حكم إمبالو. وفرضية الانقلاب المدبر من قبل الرئيس قطعًا للطريق على المعارضة نجد لها صدى في الجوار المباشر لبيساو، فقد أثارها رئيس الوزراء السنغالي، عثمان سونكو، غداة وصول الرئيس المطاح به سيساكو إمبالو إلى السنغال، وربما كان هذا الموقف دافعًا للرئيس إمبالو إلى ترك البلاد فورًا والتوجه إلى الكونغو(8).
وأعلنت المعارضة في غينيا بيساو نيَّتها مضاعفة التعبئة الشعبية لإجبار السلطات الانقلابية على إعلان نتائج الانتخابات بكل شفافية، ودعت المجموعة الاقتصادية لدول إفريقيا الغربية، إيكواس، إلى تفعيل دور بعثتها لرقابة الانتخابات التي تؤكد المعارضة أنها مطلعة على حقيقة النتائج ولا يمنعها من إعلانها إلا القرار السياسي لقادة المنظمة.
حرب تحرير دموية واستقلال متأخر
نالت غينيا بيساو، حالها حال المستعمرات البرتغالية في إفريقيا، استقلالها في وقت متأخر نسبيًّا مقارنة مع المستعمرات البريطانية والفرنسية التي حصلت على الاستقلال في خمسينات وستينات القرن العشرين. ويعود هذا التأخر إلى رفض النظام الديكتاتوري في البرتغال، بزعامة أنتونيو دي أوليفييرا سان لازار، الانسياق مع توجه منظمة الأمم المتحدة إلى إنهاء الاستعمار، وهو توجه يعكس في الواقع إرادة القوتين العالميتين الكبيرتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في تقليص نفوذ القوى الاستعمارية التاريخية خصوصًا فرنسا وبريطانيا.
وبما أن نظام سان لازار كان معزولًا على المستوى الأوروبي والعالمي، فقد جنَّبه ذلك الضغوط الدولية المتعلقة بإنهاء الاستعمار، كما أن الرفض الشعبي الذي يواجهه داخليًّا دفعه إلى التمسك بمستعمراته في إفريقيا لأهداف اقتصادية في المقام الأول لما تتوفر عليه هذه المستعمرات من مواد أولية وثروات. ووجد نظام سان لازار أيضًا في ما عُرف بحروب الاستقلال (1961-1974) التي اندلعت في المستعمرات البرتغالية بإفريقيا (غينيا بيساو، وجزر الرأس الأخضر، وموزمبيق، وأنغولا) وحظيت بدعم سخي من أغلب البلدان الإفريقية المستقلة ومن المعسكر الشرقي الاشتراكي خصوصًا الاتحاد السوفيتي وكوبا، قضية لاستنهاض الشعور القومي واستدعاء الماضي الإمبراطوري للبرتغال أيام كانت قوة استعمارية عالمية(9).
اندلعت الشرارة الأولى لحرب التحرير في غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر في عام 1963 بقيادة آميلركار كابرال، وهو مثقف وزعيم تحرر إفريقي من أبوين من جزر الرأس الأخضر، لكنه وُلِد في غينيا بيساو التي تربطها روابط اجتماعية وإثنية وثيقة بجزر الرأس الأخضر، فضلًا عن أن البلدين كانا مستعمرتين برتغاليتين. ومن هذا الواقع الذي فرضته الحقبة الاستعمارية جاءت تسمية الحزب الذي أسسه الرجل: الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر. تأسس الحزب، عام 1956، وتولى كابرال قيادته التي ضمَّت أخاه غير الشقيق، لويس كابرال، الذي سيصبح أول رئيس لغينيا بيساو بعد الاستقلال، وآريستيد ماريير بيريرا الذي سيكون أول رئيس لجزر الرأس الأخضر بعد حصولها على الاستقلال عام 1975.
حققت قوات الحزب الإفريقي مكاسب ميدانية مهمة مستفيدة من الدعم السخي الذي تلقته من روسيا وكوبا. وبحلول عام 1968، بلغت نسبة الأراضي التي تسيطر عليها 70% من مساحة البلاد، وشكَّلت مجالس إدارية وهيئات تمثيلية في هذه المناطق التي كانت تسميها المناطق المحررة.
شكَّلت غينيا كوناكري، بزعامة أحمد سيكو توري، قاعدة متقدمة لدعم المعسكر الاشتراكي لحرب التحرير في غينيا بيساو، وكان العتاد والمؤن تُنقل من ميناء كوناكري إلى داخل غينيا بيساو عبر الأدغال والغابات الممتدة بين البلدين، كما كانت قيادات الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر تقيم في كوناكري وتدير الحرب من هناك.
وردًّا على هذا الدور، نفَّذ الجيش البرتغالي، في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1970، عملية إنزال بحري واسعة بسواحل كوناكري شاركت فيها ست سفن وآلاف المقاتلين ضمنهم جنود برتغاليون ومواطنون غينيون معارضون لنظام الرئيس سيكو توري. استهدف الهجوم الأسطول البحري لقوات الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو والرأس الأخضر الراسية بميناء كوناكري، وكذلك القصر الرئاسي وإقامة الرئيس سيكو توري، ومقر الحزب الإفريقي ومسكن زعيمه، آميلركار كابرال. فشلت العملية في الإطاحة بالرئيس أحمد سيكو توري وفي تصفية آميلركار كابرال، لكنها نجحت في تحرير عدد كبير من أسرى الحرب البرتغاليين الذين كان الحزب الإفريقي يحتجزهم بمقراته في كوناكري. ووصفت السلطات الغينية الهجوم بأنه عدوان برتغالي إمبريالي. وفي عام 2021، ألقت وثائق من الأرشيف البرتغالي، كُشفت عنها السرية، الضوء على جوانب لم تكن معروفة عن العلاقات بين الجبهة الوطنية لتحرير غينيا المعارضة لنظام سيكو توري وبين الحكومة البرتغالية، فقد كشفت هذه الوثائق عن دور لفرنسا في ربط الصلات بين الجبهة وبين الحكومة البرتغالية لكنها نفت أي ضلوع مباشر للاستخبارات الفرنسية في العملية. وتحدثت إحدى هذه الوثائق عن لقاء بين الرئيس السنغالي، ليوبولد سينغور، ووفد من الجبهة الوطنية لتحرير غينيا أبدى خلاله الرئيس السنغالي استعداد دكار لمساعدة الجبهة في الإطاحة بسيكو توري شرط ألا تنكشف تحركاتها وألا تؤدي إلى مشاكل دبلوماسية بين البلدين(10).
وتستمد هذه الوثائق أهميتها مما كشفته من أبعاد إقليمية ودولية للصراع الذي كان دائرًا في غينيا بيساو.
كانت حرب التحرير البيساوية من أكثر حروب التحرير في المستعمرات البرتغالية دموية وشراسة حتى إنها سُمِّيت حرب فيتنام البرتغالية نظرًا لضراوة معاركها ولتداعياتها السياسية والاجتماعية على البرتغال التي بلغت أَوْجَهَا مع اندلاع ثورة القرنفل في ربيع عام 1974 والتي أدت لسقوط نظام سان لازار ونهاية الديكتاتورية في البرتغال ومنح الاستقلال لجزر الرأس الأخضر في السنة الموالية(11).
مصرع قائد حرب التحرير وعقود من الاضطرابات السياسية
نالت غينيا بيساو استقلالها عن البرتغال، في 24 سبتمبر/أيلول 1973، لكن البلد كان يعيش صراعًا سياسيًّا محتدمًا ستكون له تبعات مزمنة على استقراره. فقبل الاستقلال بثمانية أشهر، اغتيل زعيم حرب التحرير الوطنية، آميلكار كابرال، في كوناكري على يد عناصر من الجناح العسكري لحزبه، تبين لاحقًا أنهم كانوا على اتصال بالسلطات البرتغالية. وأدى هذا الرحيل المفاجئ لكابرال إلى حرب ضروس على خلافته بين أخيه غير الشقيق، لويس كابرال، وبين بعض نخب الحزب التي تأخذ عليه هيمنة من يسمون بالخَلَساء على مفاصل الحكم وتهميش البيساويين الخُلص. ويجد هذا الصراع جذوره أولًا في الحقبة الاستعمارية التي كان هؤلاء الخَلَساء يحظون خلالها بمعاملة تفضيلية من طرف الإدارة البرتغالية، ثم في كون والد لويس ينحدر من جزر الرأس الأخضر وأمه برتغالية، وبالتالي فهو -في نظر هؤلاء- أجنبي، عكس أخيه غير الشقيق، الزعيم آميلكار، الذي يشفع له أن أمه بيساوية ووُلد في بيساو(12).
والواقع أن السياسات الاشتراكية ذات النَّفَس الماركسي التي انتهجها لويس كابرال أدَّت إلى تعثر اقتصاد البلاد، خصوصًا بعد فشل أحد أهم برامجه الاقتصادية: "لننتج ونستهلك محليًّا". فقد تضمن المشروع حظر استيراد الأرز من الخارج، ونتج عن ذلك نقص حاد في التموين أدى إلى استياء واسع النطاق، ليغتنم رئيس الوزراء، جواو بريناردو فييرا (نينو)، هذا السخط الشعبي ويزيح لويس كابرال في انقلاب عسكري، يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1980.
كان لهذا الانقلاب نتيجتان سلبيتان على مستقبل غينيا بيساو: أولهما: انبتاتُ عُرى الاتحاد الفيدرالي مع جزر الرأس الأخضر، والثاني: دخول البلاد في حقبة متطاولة من عدم الاستقرار السياسي والصراع على السلطة، تخلَّلتها حرب أهلية خاطفة لكنها دموية، وتفككت فيها البُنى المؤسسية للدولة وتعطلت التنمية(13).
انتهج نينو فييرا سياسة ليبرالية، وتخلى عن التوجهات البانافركانية للحزب الإفريقي التي شكَّلت المنطلق الأيديولوجي لحرب الاستقلال، ورغم ذلك فقد استطاع الاحتفاظ بالسلطة 18 عامًا، وهي فترة قياسية في التاريخ السياسي لغينيا بيساو. لكن تمسك فييرا بالسلطة، رغم دخول البلاد عهد التعددية السياسية بدءًا من 1994، انتهى بالبلاد إلى حرب أهلية بعد تمرد عسكري بدأ عام 1998 وانتهى بتخلي نينو عن السلطة في العام الموالي ومغادرته البلاد إلى منفى سيدوم ستة أعوام، قبل أن يعود عام 2005 ويتقدم للانتخابات الرئاسية ويفوز بها، وهي انتخابات دعمتها المجموعة الدولية وواكبتها وراقبتها وزكَّتها. وقد بعثت هذه الانتخابات، التي لم يطعن أي من الفرقاء السياسيين في شفافيتها، أملًا في أن تفتح عهدًا من الاستقرار السياسي والتناوب السلمي على السلطة في غينيا بيساو. لكن هذه الآمال سرعان ما أُحبطت؛ فقد لقي الرئيس فييرا مصرعه قبل نهاية ولايته الرئاسية خلال عملية انقلابية دموية، في مارس/آذار 2009، جاءت إثر اغتيال قائد أركان الجيش، الجنرال تاغني ناواي، في تفجير استهدف قيادة الأركان واتُّهم فييرا بتدبيره بالتعاون مع بعض بارونات المخدرات. وهنا لابد من التذكير بوجود عداوة شخصية بين الرجلين تعود إلى فترة الحرب الأهلية أواخر القرن الماضي؛ فقد كان موقف الكولونيل تاغني ناواي خلال تلك الأحداث حاسمًا في ترجيح كفة التمرد، بقيادة الجنرال آنسومان ماني، الذي انتهى بالإطاحة بالرئيس فييرا، عام 1999.
شكَّلت أحداث مارس/آذار 2009، وما شهدته من اغتيال قائد أركان الجيش وتصفية الرئيس فييرا، تحولًا دراماتيكيًّا في الحياة السياسية بغينيا بيساو؛ إذ أثارت أسئلة كبرى بشأن نفوذ عصابات المخدرات وتغلغلها في مفاصل الدولة(14).
لم تنجح الطبقة السياسية والنخب الحاكمة في غينيا بيساو، حالها حال مثيلاتها في أغلب البلدان الإفريقية، في جعل الانتخابات استحقاقًا يضمن التناوب السياسي ويرسخ مؤسسية الدولة، بل جعلت منه موعدًا خالصًا للصراع على السلطة، من خلال البقاء فيها ضد الإرادة الشعبية أو الاستيلاء عليها بالقوة المسلحة.
وهكذا صارت كل انتخابات تشهدها البلاد تتحول إلى جولة من الصراع على السلطة غالبًا ما تنتهي بانقلاب عسكري؛ فقد شهدت البلاد انقلابات عسكرية أو محاولات انقلابية فاشلة بعد انتخابات 1994، وقبل انتخابات 1999، وبعد انتخابات 2005، ثم بعد انتخابات 2012. غير أن انتخابات جوزي ماريو فاز، عام 2014، شكلت بارقة أمل في أن البلاد بدأت تتلمس طريقها إلى الاستقرار السياسي. فقد حظيت هذه الانتخابات بإجماع واسع، وفضلًا عن ذلك فإن الفائز بها، جوزي ماريو فاز، شخصية مستقلة رغم ماضيه في الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، واستطاع تحقيق هذا النصر رغم أنه لا يحظى بدعم المؤسسة ولا الرئيس المنصرف. بيد أن أشباح عدم الاستقرار السياسي سرعان ما خيَّمت على البلاد. ففي عام 2016، رفض فاز تعيين زعيم الحزب الإفريقي، دومينغو سيمون بيريرا، رئيسًا للوزراء رغم فوز حزبه بالانتخابات التشريعية. وبعد مفاوضات عسيرة احتضنتها كوناكري برعاية منظمة الإيكواس، تم التوصل إلى اتفاق جرى بموجبه تعيين عمارو سيساغو إمبالو رئيسًا للوزراء باسم الحزب الإفريقي. لكن الأزمة السياسية الحكومية ستستمر طيلة السنوات الخمس من حكم فاز، وستتعاقب أربع شخصيات على رئاسة الحكومة خلال هذه الفترة. ومع ذلك استطاع الرئيس فاز إكمال فترته الرئاسية البالغة خمس سنوات، ليكون بذلك أول رئيس يحقق هذا الإنجاز في تاريخ غينيا بيساو منذ الاستقلال وطيلة عهد التعددية السياسية الذي بدأ عام 1994.
خسر الرئيس فاز انتخابات عام 2019 لصالح عمار سيساكو إمبالو الذي انشق عن الحزب الإفريقي وشكَّل حزبه الخاص مع عدد من رفاقه السابقين. وقد شكَّل فوز إمبالو تحولًا مهمًّا بحكم أنه أول شخصية من عرقية الفولان، التي تعد أحد المكونات العرقية الرئيسية في البلاد، تتولى الرئاسة؛ فقد ظل هذا المنصب دُولة بين النخب العسكرية والسياسية المنحدرة من عرقيتي بالنتَ وبليبات. لكن رفض سلطة إمبالو بين الطبقة السياسية كان جليًّا منذ البداية؛ فقد رفضت أغلبية أعضاء البرلمان حضور تنصيبه، كما أن الاضطرابات السياسية والأمنية والأزمات الحكومية استمرت في عهده، وشهدت البلاد في 2022 و2023 محاولتين انقلابيتين سقط فيهما قتلى، وأُعلن عن إحباط أخرى في مهدها، كان آخرها قبيل الانتخابات الرئاسية التي جرت في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025(15).
استطاع إمبالو إكمال ولايته الرئاسية، لكن ثمن ذلك كان حالة سياسية وأمنية شديدة الاحتقان أدَّت إلى الإطاحة به في انقلاب عسكري لا تزال ملابساته غامضة، لكن المؤكد أنه أعاد الحياة السياسية في البلاد إلى الدوران في الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ ثلاثة عقود، وهي دوامة الانتخابات التي تؤدي إلى الانقلابات والانقلابات التي تستبق الانتخابات. وهنا لابد من الختم بالسؤال الكلاسيكي الذي ظل مطروحًا منذ بداية التحول الديمقراطي في إفريقيا قبل ثلاثة عقود: هل يمكن استنبات الأنموذج الديمقراطي، بشكل صحيح وناجع، في بيئة أجنبية عليه ثقافيًّا وتاريخيًّا، من خلال الانتخابات وحدها؟
1)- Narcoterrorisme: la Guinée-Bissau dans le collimateur des Etats-Unis, RFI du 25/04/2013 (Vu le 7/12/2025): https://shorturl.at/8Y25
2)- En Guinée-Bissau, une tentative de coup d’Etat aux causes nébuleuses, Le Monde du 03 février 2022 (Vu le 6/12/2025): https://shorturl.at/nqsR0
3)-Guinée-Bissau -une plaque tournante du trafic de drogue, The New Humanitarian du 10 June 2013 (vu le 5/12/2025): https://h7.cl/1fVM8
4) -Etats-Unis: un ex-chef militaire bissau-guinéen condamné pour trafic de drogue, RFI du 5/10/2016 (vu le 8/12/2025): https://h7.cl/1fVMs
5)-Guinée-Bissau : questions sur l’assassinat d’un président, Le Monde Diplomatique du 12 mars 2009 (Vu le 7/12/2025): https://h7.cl/1fVML
6)-Guinée-Bissau : le président Embalo dit avoir été "renversé, YouTube (FRANCE 24) du 26/11/2025 (Vu le 7/12/2025): https://h7.cl/1fVN0
7)-Guinée-Bissau : un indépendant et le président sortant revendiquent chacun la victoire à la présidentielle< Anadul Agency du 25.11.2025 (vu le 6/12/2025): https://h7.cl/1fVNn
8)- Coup d’Etat en Guinée: C’est une combine…le processus électoral doit se poursuivre, DAKARACTU du 28/11/2025 (Vu le 6/12/2025): https://h7.cl/1kNsE
9)- 974-1975, démocratie et décolonisation au Portugal, un même combat? RFI du 17/11/2025 (Vu le 2/12/2025): https://h7.cl/1fVNS
10)- Qui était Salazar et comment sa dictature au Portugal a-t-elle pris fin ? Le Monde du 27 avril 2024 (Vu le 5/12/2025): https://h7.cl/1kNt3
11)- Mar Verde: premières révélations des archives portugaises, RFI du 21/02/2021 (Vu le 4/12/2025): https://h7.cl/1kNti
12)- LUIS CABRAL un homme de cœur, modeste et avisé, Le Monde du 27 août 1974 (Vu le 7/12/2025): https://h7.cl/1kNtp
13)- La guerre civile a repris en Guinée-Bissau après plusieurs semaines de cessez-le-feu, Le Monde du 22 octobre 1998 (Vu le 4/12/2025): https://h7.cl/1kNtD
14)- Mortelle cocaïne en Guinée-Bissau, L'Express du 14/03/2009 (Vu le 7/12/2005): https://h7.cl/1kNtR
15- En Guinée-Bissau, l’armée annonce avoir déjoué une « tentative de subversion de l’ordre constitutionnel»: Le Monde du 31 octobre 2025 (Vu le 5/12/2025): https://h7.cl/1kNu8