"لباب" تناقش في عددها الـ29: تحولات القوة في نظام دولي آخذ في التشكل

(الجزيرة)

صدر العدد التاسع والعشرون من مجلة لباب للدراسات الإستراتيجية، مطلع فبراير/شباط 2026، متناولًا بالتحليل تحولات القوة والتدافع والاحتجاج في نظام دولي آخذ في التشكل، في سياق يتسم بتسارع المتغيرات البنيوية على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية.

يعالج العدد حالة السيولة البنيوية التي يشهدها النظام الدولي الراهن، مع ما يرافقها من اضطراب في أنماط التحالف وتبدل في أولويات القوى الكبرى، واتساع الفجوة الإستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، وتراجع مساحات التفاهم بين الولايات المتحدة وشركائها التقليديين، بالتوازي مع تصاعد التوتر في علاقات واشنطن مع محيطها القريب وتزايد الاستقطاب في العلاقة الأميركية-الصينية. ويتقاطع ذلك مع أزمات إقليمية ممتدة في الشرق الأوسط وإفريقيا؛ حيث تتداخل الصراعات المسلحة مع الانقلابات السياسية وحالات الهشاشة البنيوية.

يندرج هذا العدد ضمن أفق تحليلي يرصد مسار إعادة تشكُّل النظام الدولي وما يصاحبه من انتقال تدريجي في موازين القوة وأدواتها، ويطرح أسئلة تتعلق بموقع الدول الصغيرة والمتوسطة في مشهد دولي متغير، وبأنماط التهديد الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا والفضاء السيبراني، وبقدرة المنظومة القانونية الدولية على مواكبة تحولات تتجاوز الإطار الذي استقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما يتوقف عند الانعكاسات المجتمعية لهذه التحولات، حيث تتبلور أشكال جديدة من الفعل الاجتماعي والاحتجاجي تقودها أجيال صاعدة بوسائط رقمية ومنطق تعبئة مختلف.

توزعت دراسات العدد على سبعة محاور مترابطة تشكِّل في مجموعها لوحة تحليلية لفهم ديناميات التغير في عالم يتسم بتعدد مراكز القوة وتسارع التحولات. وتنطلق هذه الدراسات من مقاربة اجتماعية لفهم احتجاجات "جيل زد" في المغرب، كما تعالجها دراسة "مدخل اجتماعي لفهم احتجاجات "جيل زد" في المغرب"، التي تتناول الفعل الاحتجاجي من منظور اجتماعي-جيلي، معتبرة أن هذا الجيل يمثل فاعلًا سياسيًّا جديدًا يتشكَّل في سياق أزمة الوساطة المؤسسية، ويعتمد على الحشد غير المركزي والفضاء الرقمي، مع تركيز على المطالب الاجتماعية والخدماتية. وتخلص الدراسة إلى أن المقاربة الحكومية التي جمعت بين الاحتواء الاجتماعي والضبط الأمني لم تُنتج إدماجًا مؤسسيًّا مستدامًا، في وقت يظل فيه الفعل الاحتجاجي الرقمي مرشحًا للاستمرار بصيغ مرنة ومتجددة.

ويكمل هذا التحليل الاجتماعي مقاربة مؤسسية تتناول أثر الهندسة الانتخابية في إعادة تشكل النظام الحزبي المغربي، من خلال دراسة "نمط الاقتراع وإعادة تشكُّل النظام الحزبي المغربي: دراسة تحليلية في آليات التأثير ومخرجات العملية الانتخابية". وتوضح الدراسة أن التعديلات القانونية أسهمت في تفتيت التمثيل الحزبي وإعادة توزيع المقاعد بما أعاد رسم توازنات المشهد البرلماني، وأسهم في تعميق أزمة الوساطة بين الأحزاب والمجتمع، وأضعف قدرة التنظيمات الحزبية على أداء وظائفها التمثيلية، وهو ما يربط إصلاح النظام الحزبي بتجديد الأدوار والخطاب وآليات الاشتغال السياسي. ويُظهر الجمع بين الدراستين أن التحولات في بنية التمثيل السياسي وصعود أنماط احتجاجية خارج الأطر التقليدية يعكسان إعادة تشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

ومن التحولات الاجتماعية والمؤسسية الداخلية، ينتقل العدد إلى ميدان الصراع السيبراني بوصفه أحد أكثر ميادين الصراع المعاصر حساسية، كما تعالجه دراسة "الحرب السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي ورهانات الأمن في الخليج". وتتناول الدراسة التحول النوعي في طبيعة الصراع السيبراني، وتوضح كيف بات الفضاء الرقمي ساحة مستقلة لإنتاج التهديدات تتسم بالسرعة والتعقيد والقدرة على التخفي، مع تصاعد المخاطر التي تواجه البنى التحتية الرقمية، لاسيما في البيئات ذات الاعتماد المكثف على الأنظمة الذكية. وفي السياق الخليجي، تشير الدراسة إلى أن التحول الرقمي في قطاعات الطاقة والمدن الذكية والاقتصاد الرقمي أفرز تحديات أمنية جديدة تستدعي مقاربات شاملة تجمع بين الأبعاد التشريعية والمؤسسية والتعاونية والاستثمار في رأس المال البشري المتخصص.

ويقود تحليل التحولات التقنية والأمنية إلى إعادة النظر في مفهوم القوة داخل النظام الدولي، وهو ما تتناوله دراسة "تحوُّل الدول الصغيرة إلى قوة ذكية: دراسة حالة سنغافورة"، التي تقدم مقاربة تعيد تعريف القوة عبر التركيز على الموقع داخل الشبكات الإقليمية والدولية بدل الاكتفاء بمؤشرات الحجم والموارد. وتبرز الدراسة كيف استطاعت سنغافورة بناء نفوذ مؤثر من خلال دمج التعليم والحوكمة والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية ضمن منظومة مؤسسية مترابطة، مكَّنتها من أداء أدوار وسيطة وتعزيز حضورها في مراكز القرار بما يعكس نموذجًا للقوة الذكية قائمًا على الكفاءة المؤسسية والتصميم الشبكي الواعي.

ويتكامل هذا النقاش مع مقاربة معرفية تسائل الأسس النظرية للقانون الدولي، كما في دراسة "القانون الدولي من منظورات غير غربية: مقاربات معرفية وسياقية"، التي تنطلق من نقد الخلفيات المعرفية للقانون الدولي السائد معتبرة أنه يعكس تجارب تاريخية وسياقات سياسية مرتبطة بالمركزية الغربية. وتدعو الدراسة إلى إدماج المنظورات غير الغربية في تفسير القواعد القانونية، عبر ربط النصوص بسياقاتها الحضارية والاجتماعية والتاريخية، بما يسهم في إعادة التوازن المعرفي وتطوير قواعد أكثر ملاءمة لواقع دول الجنوب، خاصة في قضايا السيادة والتنمية وحقوق الشعوب.

وفي سياق التحولات الكبرى في بنية النظام الدولي، يتناول العدد الانسحاب الأميركي من أفغانستان كما تعالجه دراسة "الانسحاب الأميركي من أفغانستان واللحظة الفارقة في النظام الدولي الجديد"، بوصفه مؤشرًا على إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية للولايات المتحدة. وتبيِّن الدراسة أن هذا الحدث أسهم في تسريع ملامح نظام دولي أكثر تعددية، مع صعود أدوار قوى إقليمية ودولية في مناطق الفراغ الإستراتيجي، وترك آثارًا مباشرة على مصداقية التحالفات وأنماط الردع، بما يفرض على الدول المتوسطة والصغيرة إعادة تقييم خياراتها الأمنية.

وفي موازاة مقاربات العدد لتحولات القوة وأنماط الصراع في النظام الدولي المعاصر، ينتقل النقاش إلى مساءلة الأطر المعرفية التي تؤطر فهم الحرب ذاتها. وتتعمق دراسة "الاستشراق العسكري: تمثلات الغرب للأعداء وتأثيرها في الحروب الحديثة" في تفكيك البعد المعرفي للحرب من خلال تناول مفهوم الاستشراق العسكري، بوصفه إطارًا تحليليًّا يفسر تأثير التمثلات الغربية للأعداء الشرقيين في صياغة الإستراتيجيات والعقائد العسكرية وقرارات الحرب. وتُظهر الدراسة كيف أسهمت التصورات الاستشراقية، بوصفها خطابًا مهيمنًا، في تشويه إدراك الواقع العسكري وإعادة إنتاج ثنائيات التفوق والدونية، بما انعكس على مسارات الصراعات الحديثة، وعلى تمثلات الهوية الغربية ذاتها عند تعثر تحقيق الانتصارات الحاسمة.

تُختتم دراسات العدد بقراءة لآليات التدافع في الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة، يقدمها باب "قراءة في كتاب" عبر قراءة نقدية لكتاب "آليات التدافع في الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة". تسعى هذه القراءة إلى تفكيك مفهوم التدافع الجيوسياسي ضمن سياق عالمي يتسم بتآكل الحدود التقليدية بين السلم والحرب، وبين الداخلي والخارجي. وتبيِّن القراءة أن الجغرافيا السياسية المعاصرة باتت تُدار من خلال التحكم في التدفقات -كالمعلومات والطاقة ورؤوس الأموال- إلى جانب السيطرة المكانية؛ الأمر الذي أفضى إلى تشكل أنماط جديدة من التدافع غير المباشر شملت الحروب الهجينة والتأثير الإعلامي والضغط الاقتصادي.

ويخلص العدد في مجموعه إلى أن العالم يشهد إعادة تعريف متزامنة لمفاهيم القوة والأمن والتدافع والاحتجاج والتمثيل السياسي، وأن فهم هذه التحولات يقتضي مقاربات تحليلية مركبة تربط بين التحولات الاجتماعية العميقة والموقع الشبكي والكفاءة المؤسسية. وفي هذا الإطار، يقدِّم العدد التاسع والعشرون من مجلة لباب للدراسات الإستراتيجية إسهامًا معرفيًّا يواكب تشكل نظام دولي جديد ويتفاعل مع تعقيداته المتسارعة.

يمكنكم الاطلاع على العدد وتحميله من خلال الضغط على هذا الرابط.