وصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ونظيره العماني، بدر بن حمد البوسعيدي، كما وسائل إعلام عربية وإيرانية، المباحثات الأميركية-الإيرانية التي استضافتها عُمان، في 6 فبراير/شباط2026 ، بالمثمرة وبأنها عُقدت في مناخ إيجابي. هذا على الرغم من أنها لم تكن مباحثات مباشرة، وأنها استمرت لجلستين وحسب. ولم يعلِّق الرئيس ترامب على المباحثات إلا بعد فترة متأخرة من حدوثها، ليصفها بأنها كانت بالفعل جيدة، وأنه يعتقد أن الإيرانيين بدوا حريصين على التوصل إلى اتفاق، وأن أمام واشنطن فسحة من الوقت للتفاوض. لكن، وقبل قليل من تعليقه على يوم التفاوض الأول، كان الرئيس قد وقَّع أمرًا تنفيذيًّا يفرض رسومًا جمركية على بضائع الدول التي لم تزل تتعامل تجاريًّا مع إيران.
ليست هذه أولى جولات التفاوض بين الطرفين، ولكنها الأولى منذ حرب الاثني عشر يومًا على إيران، في يونيو/حزيران من 2025. ادَّعى الإسرائيليون والأميركيون أن الحرب حققت كافة أهدافها، وظَنَّ كثيرون بأنها وضعت نهاية للمواجهة الأميركية-الإيرانية، على الأقل طوال ما تبقى من عهد الرئيس ترامب. ولكن التوتر بين الدولتين لم يلبث أن تصاعد بعد المظاهرات الاحتجاجية ضد النظام، التي شهدتها مختلف المدن الإيرانية، في أواخر ديسمبر/كانون الأول والأيام العشرة الأولى من يناير/كانون الثاني.
بذريعة التعاطف مع المتظاهرين، مرة، وحمايتهم مما وُصف في واشنطن بآلة القمع الرسمية، مرة أخرى، صعَّد الرئيس ترامب من تصريحاته ضد طهران. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني نجح في النهاية في إخماد حركة الاحتجاج، إلا أن واشنطن أخذت في حشد قوة هائلة في محيط إيران البحري، وفي تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الإقليم بمختلف أنظمة الدفاع الجوي.
وسرعان ما انتقل الرئيس الأميركي من مطالبة إيران بالتوقف عن قمع المتظاهرين، والامتناع عن إعدام المعتقلين منهم، إلى العودة للملف النووي. والحقيقة، أن الرئيس ترامب هو من قام بإلغاء الاتفاق النووي الذي عُقد بين إيران والولايات المتحدة في ولاية أوباما الثانية؛ كما كان الرئيس ترامب، أيضًا، هو من قال: إن الهجمات الأميركية على المواقع النووية الإيرانية، في يونيو/حزيران 2025، نجحت في تدمير البرنامج النووي الإيراني كلية. وليس ذلك وحسب، بل إن دوائر مقربة من الرئيس أخذت تشير إلى أن المطالب الأميركية من إيران تتضمن، إضافة إلى الملف النووي، ضرورة التفاوض حول الترسانة الصاروخية الإيرانية، والدعم التي تقدمه إيران لحلفائها في اليمن وفلسطين ولبنان، وهو ما ترفضه طهران؛ حيث أكد الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، في مقابلة أخيرة مع الجزيرة أن بلاده"لن تفاوض إلا على الملف النووي".
في أواخر يناير/كانون الثاني2025 ، كانت معظم التوقعات تقول بأن الضربة الأميركية لإيران باتت حتمية؛ فلا تصريحات المسؤولين في طهران أوحت بانكسار الإرادة، ولا الرئيس ترامب عُرف باستعداده للتراجع، سيما بعد أن نجحت إدارته في تحقيق كافة أهدافها في فنزويلا. ولكن الواضح أن قراءة أميركية أكثر توازنًا لوضع النظام الإيراني، وضغوط أصدقاء الولايات المتحدة في الإقليم، مثل تركيا والسعودية وقطر، واتصالات مسؤولي هذه الدول الثلاث الحثيثة مع طهران وواشنطن، نجحت أخيرًا في إقناع الطرفين بانتهاج الطريق التفاوضي، على الأقل على سبيل الاستطلاع والاختبار.
صدرت إشارات من الوسطاء تدل على التوافق على أن تستضيف تركيا جولة التفاوض الأولى، وأن يتواجد ممثلون عن تركيا وقطر والسعودية، بصفتهم مراقبين أو وسطاء. ولكن إيران عادت وفاجأت كافة الأطراف بتفضيلها عقد المفاوضات في عُمان، وليس تركيا، وبدون وجود ممثلين لدول الإقليم الأخرى. والواضح، أن إيران، وعلى الرغم من الدور الذي لعبته الدول الثلاث في ترجيح الخيار التفاوضي، أرادت ألا تمنح تركيا ورقة الوساطة، وألا يتسبب وجود ممثلي دول الجوار الأخرى في طرح مطالب إضافية من الوفد الإيراني. فضلًا عن أن تسريبات من طهران قالت: إن المقترح يشبه الصيغة التفاوضية بشأن غزة وهو ما لا تقبله الجمهورية الإسلامية.
فما الذي تريده واشنطن من إيران فعلًا؟ ما الذي تحاول طهران تجنبه، وما الذي تأمل في تحقيقه؟ وكيف يمكن قراءة الاحتمالات المختلفة لنهاية هذه الحلقة من المواجهة الأميركية-الإيرانية المديدة؟
قائمة كبيرة من المطالب الأميركية
تشير التقارير الصحفية التي تناولت تصاعد حدة المواجهة بين الدولتين في الشهرين الماضيين إلى أن واشنطن تطالب، باختصار، برأس البرنامج النووي الإيراني: التوقف نهائيًّا عن تخصيب اليورانيوم، وتسليم ما يُقدَّر بأربعمائة أو أربعمائة وخمسين كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصَّب بدرجة تزيد عن الستين بالمئة، التي تحتفظ بها إيران. ترى الإدارة الأميركية أن إيران، وبخلاف الدول التسع النووية الأخرى في العالم، تقف خارج قاعدة التدمير النووي المتبادل، الذي منع استخدام السلاح النووي طوال الثمانين عامًا الماضية؛ كما تخشى من أن ينجم عن نجاح إيران في تطوير سلاح نووي فوضى نووية واسعة النطاق في الشرق الأوسط.
لكن لأن طهران تصرُّ على حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووي، تشير تقارير أخرى إلى أن الدول الوسيطة، التي ساعدت على انطلاق التفاوض، قدمت عرضًا وسطًا للطرفين يقول بالسماح لإيران بتخصيب اليورانيوم لما لا يفوق الواحد والنصف بالمئة، وأن تقوم بتسليم مئات من كيلوغرامات اليورانيوم عالي التخصيب لديها لتركيا أو روسيا. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن روسيا أبدت استعدادها للقيام بتخصيب اليورانيوم للاستخدام السلمي لإيران، إن وافقت الأخيرة على التوقف عن التخصيب كلية لعدة سنوات داخل البلاد.
ما لا يُذكر صراحة ضمن المطالب الأميركية، ويبدو أنه كان محل تداول في الاتصالات غير المباشرة بين الدولتين في الأشهر القليلة الماضية، يتعلق بسعي أميركي إلى السيطرة على قطاع النفط والغاز الإيراني، وحصول الولايات المتحدة على امتياز حصري للبحث عن المعادن النادرة في إيران، والعودة الأميركية إلى الساحة الاقتصادية الإيرانية. والمقصود بالسيطرة على قطاع الطاقة ليس أن تستلم الولايات المتحدة عائدات بيع النفط والغاز الإيرانيين، وأن تقوم بدورها بنقل هذه العوائد لطهران، كما الحال الآن في علاقة العراق وفنزويلا مع الولايات المتحدة بل أن تصبح واشنطن شريكًا رئيسًا في قرار عقود النفط والغاز.
كانت تقارير مبكرة قد أشارت إلى أن الإيرانيين، بينما رفضوا مطالب التحكم الأميركي في صادرات النفط والغاز، قد عرضوا على الأميركيين، وحتى قبل جلسة التفاوض الأخيرة في مسقط، عودة الشركات الأميركية إلى إيران، سواء لتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة، أو العمل في مجالات شق الطرق وبناء خطوط السكك الحديدية، وذلك قبل أن تنهار المحادثات نتيجة الهجوم على إيران، في يونيو/حزيران 2025.
بيد أن الواضح من اللقاء الذي عقده المفاوض الأميركي، ستيف ويتكوف، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، في 2 فبراير/شباط، قبل أربعة أيام من جلسة التفاوض في مسقط، أن ويتكوف لم يذهب للتفاوض مع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، نيابة عن الولايات المتحدة وحسب، بل وأيضًا نيابة عن إسرائيل. ما تسرب من لقاء ويتكوف ونتنياهو يؤكد تقارير سابقة حول أن إسرائيل أرادت من الوفد الأميركي أن يدرج في جدول المفاوضات ملفي الترسانة الصاروخية الإيرانية والمساعدات الإيرانية للقوى المناهضة لإسرائيل في فلسطين ولبنان واليمن.
وليس ثمة شك في أن الترسانة الصاروخية الإيرانية تعد أحد أبرز مصادر القلق الإسرائيلي؛ سيما أن الصواريخ الإيرانية الباليستية متوسطة المدى أثبتت فاعلية بالغة خلال جولة الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، في يونيو/حزيران 2025، وأن مدى هذه الصواريخ يسمح لطهران بإطلاقها من قواعد في الشرق الإيراني؛ حيث يصعب على الطائرات الإسرائيلية استهدافها. ما تريده إسرائيل هو أن تفرض على إيران قيودًا تتعلق بمدى ما تصنعه من الصواريخ، وعدد ما يمكنها الاحتفاظ به منها.
ولكن، وعلى الرغم مما يبدو من تعاطف أميركي مع المطالب الإسرائيلية، فليس ثمة ما يؤكد أن إدارة ترامب وافقت بالفعل على تبني هذه المطالب كلية. في تصريحات سابقة من مسؤولين أميركيين، طُرحت مسألة الصواريخ بالفعل، ولكن ليس من الواضح إن كانت تعليمات البيت الأبيض للوفد المفاوض تضمنت وضع الصواريخ شرطًا لأي اتفاق مع إيران.
وربما كانت الشكوك في مدى التزام المفاوض الأميركي بالمطالب الإسرائيلية ما دفع نتنياهو لطلب لقاء الرئيس، ترامب، يوم الأربعاء 11 فبراير/شباط. وقد أسفر اللقاء -طبقًا لمصادر عديدة- عن إعطاء ترامب الأولوية لعقد اتفاق مع إيران على المشروع النووي بينما تمسَّك نتنياهو بمساعيه إلى اشتمال المفاوضات على توفير الاحتياجات الأمنية لإسرائيل، وهذا تعبير عن مطالب واسعة تشمل المشروع الصاروخي الإيراني ونفوذ إيران الإقليمي.
من ناحية أخرى، ثمة أدلة متزايدة على أن إدارة ترامب أصبحت أكثر تشددًا فيما يتعلق بنفوذ إيران الإقليمي مما كانت عليه إدارة أوباما أثناء مفاوضات 2014؛ الأمر الذي كشفته معارضة ترامب الحادة لعودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية. والأرجح، أن واشنطن تريد خروجًا إيرانيًّا كليًّا من لبنان، وإيقاف الدعم الإيراني للقوى الفلسطينية، بينما ستكون أكثر استعدادًا للتفاوض حول حجم ومدى النفوذ الإيراني في العراق واليمن.
الحدود الغائمة للموقف الإيراني
تذهب إيران إلى المفاوضات أكثر ضعفًا مما كانت عليه عندما انخرطت في التفاوض مع إدارة أوباما، وحتى مما كانت عليه في لقاءات التفاوض السابقة مع إدارة ترامب. ويعود هذا التراجع في الموقف الإيراني إلى عدة أسباب:
- على صعيد النفوذ الإقليمي، وُجِّهت لإيران ضربة قاصمة في سوريا بسقوط نظام الأسد؛ وانتهت حرب السنتين بإضعاف حلفاء إيران في فلسطين ولبنان. كما كشف استعداد ترامب لاستخدام التحكم الأميركي في المالية العراقية عن تراجع ملموس في قدرة حلفاء إيران العراقيين على مقاومة الضغوط الأميركية. أما في اليمن، فيطرح تزايد احتمالات الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال أسئلة أخرى حول متغيرات موازين القوة المحيطة بالحوثيين. وحتى في جوارها الشمالي، يبدو أن إيران قد انحسر نفوذها في أرمينيا.
أفضت العقوبات الاقتصادية ثقيلة الوطأة، والضغوط الأميركية على النظام النقدي الإيراني، إلى تدهور بالغ في الوضع الاقتصادي وفي قيمة العملة الإيرانية. وكان هذا هو السبب الرئيس خلف اندلاع حركة احتجاج واسعة النطاق ضد النظام، في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 وأوائل يناير/كانون الثاني 2026. قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أثناء إفادته أمام لجنة المصارف في مجلس الشيوخ: إن سياسة "الضغط الأقصى" أسهمت في خلق شُحٍّ بالدولار داخل إيران وأدَّت إلى أزمة مالية. وقال: إن "الذروة" كانت في ديسمبر/كانون الأول عندما انهار أحد أكبر البنوك في إيران بعد موجة سحب كثيفة. تسبَّب ذلك في هبوط حاد للعملة وقفزة في التضخم، وهو ما ارتبط -بحسب بيسنت- بخروج احتجاجات إلى الشارع، بغضِّ النظر عن مدى التوغل الإسرائيلي الاستخباراتي في صفوف المعارضة الإيرانية.
- دلَّلت الطريقة التي تعاملت بها إدارة ترامب مع فنزويلا، وحجم الحشود الأميركية في بحر العرب والبحر الأحمر وشرق المتوسط، على أن الرئيس ترامب لن يتردد كثيرًا في اتخاذ قرار الحرب على إيران. وعلى الرغم من أن إيران عملت فعلًا على معالجة جوانب الخلل في أنظمتها الدفاعية بعد حرب الاثني عشر يومًا، إلا إن القيادة الإيرانية تعرف أن لا قبل لها بمعادلة القوة العسكرية الأميركية.
لهذا كله، يُفترض أن تكون إيران قد ذهبت إلى التفاوض مع إدارة ترامب بمقاربة أكثر براغماتية واستعدادًا لتقديم تنازلات. لكن تدرك القيادة الإيرانية أن تخطي هذه التنازلات للحدِّ الممكن تحمله قد يجعلها أثقل وقعًا من الهزيمة في ساحة الحرب، لذلك لابد أن هناك ثوابت لدى الوفد الإيراني المفاوض يصعب عليه المساومة عليها.
سيصعب على الإيرانيين، مثلًا، طرح ملف الترسانة الصاروخية على طاولة المفاوضات. والحقيقة، أن كافة المسؤولين الإيرانيين الذي تناولوا هذا الملف، خلال الأسابيع القليلة السابقة على لقاء مسقط، رفضوا كلية التفاوض على الترسانة الصاروخية. يقول الإيرانيون: إن الصواريخ هي أداة دفاعية، ووسيلة ردع أعداء إيران الوحيدة، وإن الشعب الإيراني لن يقبل بأن تُجرَّد دولته من كافة مقدرات الدفاع عن البلاد. والأهم، أن أي إذعان للمطالب الإسرائيلية في هذا المجال، سيُفهم من قبل خصوم النظام الإيراني بوصفه مؤشرَ ضعف بالغ.
وإن كانت إيران أكثر استعدادًا هذه المرة للمساومة فيما يتعلق بالبرنامج النووي، سواء بالتراجع عن مستويات التخصيب التي نجحت في تحقيقها في الأعوام القليلة الماضية، أو في القبول برقابة دولية دائمة على عمليات التخصيب، فسيصعب عليها القبول بصفر تخصيب، أي بحرمانها من الحق الذي تتمتع به كافة دول العالم في الاستعمال السلمي للطاقة النووية. وربما تأمل طهران، طالما قبلت بعودة الشركات الأميركية إلى العمل في إيران، ألا تصر إدارة ترامب على صفر تخصيب وعلى تخلص إيران كلية من برنامجها النووي.
وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد قال في مقابلة له مع الجزيرة في اليوم التالي على مفاوضات مسقط، 7 فبراير/ شباط 2026: إن نقل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد يمثل خطًّا أحمر، وهو شأن يمس سيادة الدولة الإيرانية. ولكن عراقجي لم يشر إلى طبيعة ما ستقبله إيران من إجراءات الرقابة على هذا المخزون. ويبدو أن الإيرانيين يقترحون تخفيف مستوى التخصيب في الكمية عالية التخصيب التي يحتفظون بها بدلًا من نقلها إلى خارج البلاد.
عمومًا، ولأن مباحثات مسقط لم تتطرق بعد إلى تفاصيل الملف النووي، فليس من الواضح ما إن كان الجانب الأميركي سيقبل باحتفاظ إيران بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يضعها على حافة التوصل إلى مستوى القدرة على إنتاج السلاح النووي، أو بأي اقتراح آخر حول مصير هذا المخزون.
وإن بدت إيران أكثر استعدادًا هذه المرة للتفاوض حول نفوذها الإقليمي، فلابد أنها ستحاول المحافظة على وجودٍ ما في العراق، على وجه الخصوص، كما في لبنان واليمن والساحة الفلسطينية. قد يقترح الإيرانيون، مثلًا، وقف أية علاقات ذات طابع عسكري أو أمني مع حلفائهم في الإقليم، وأن وجودهم في الجوار سيقتصر على المساعدات الإنسانية، وعلى المجال الثقافي والديني، الذي يمكن تبريره بصورةٍ ما بالصلات مع المجتمع الشيعي في لبنان والعراق، ومع الحوثيين في اليمن.
والواضح أن ما يطمح إليه الإيرانيون بصورة فائقة هو الخروج من المفاوضات برفع العقوبات الأميركية والدولية، والسماح للنظام بأن يعيد ترميم وضعه الاقتصادي والمالي المتدهور. ولكن المؤكد أنه حتى وإن انتهت المفاوضات إلى اتفاقٍ ما، الأمر الذي لم يزل محل شك كبير، فإن إدارة ترامب لن تقوم بالتعامل مع إيران كما تعاملت مع سوريا الجديدة. ثمة قدر هائل من فقدان الثقة في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة؛ والأرجح أن إدارة ترامب، في حال تم التوصل إلى اتفاق حول الملفات محل التفاوض، لن ترفع العقوبات المفروضة على إيران إلا بصورة تدريجية.
بين اتفاق تفاوضي والحرب
أشار عراقجي في المقابلة مع الجزيرة، بارتياح لا يخفى، إلى أن مفاوضات الجلستين غير المباشرة في مسقط تركزت حول الملف النووي، وأن الأميركيين لم يطرحوا مسألة الترسانة الصاروخية. ولكن ما يبدو أن مفاوضات مسقط لم تصل بعد إلى أية ملفات تفصيلية، وأنها دارت حول التوافق على إطار عام لعملية التفاوض. ولذا، فليس ثمة ما يمنع من أن يقوم المفاوض الأميركي بطرح قضايا أخرى، بغضِّ النظر عن الموقف الإيراني المسبق من هذه القضايا.
بل إن ثمة تقارير، يصعب توكيدها، تقول: إن إدارة ترامب قد نصحت الإيرانيين، أثناء مرحلة تبادل الرسائل المبكرة عبر الوسطاء، بالتخلص من المرجعية الدينية، وعودة شخصيات أكثر عقلانية واستعدادًا للانخراط في المنظومة الدولية إلى قيادة الجمهورية. والمهم، وبغضِّ النظر عن مصداقية مثل هذه التقارير، تبدو فكرة تغيير طبيعة وتوجهات نظام الحكم في طهران وكأنها تقع في قلب مقاربة الرئيس الأميركي للمسألة الإيرانية. فلو كان الملف النووي مصدر قلق واشنطن الوحيد، ما كان للرئيس ترامب في عهده الأول أن يلغي الاتفاق مع إيران، الذي توصلت إليه إدارة أوباما، والذي كان كفيلًا بالفعل بالحيلولة دون التقدم نحو امتلاك الإيرانيين القدرة على صناعة السلاح النووي.
ولكن الواضح، أيضًا، أنه ليس مؤكدًا أن توجيه ضربة أخرى لإيران، مهما كان حجمها ومدى اتساعها، يمكن أن تنتهي إلى إسقاط النظام. فبالرغم من تزايد المؤشرات على اضطراب منظومة الحكم الإيراني مؤخرًا، فإن النظام يستند إلى قاعدة أيديولوجية صلبة، وإلى عدد من مؤسسات الدولة وأدوات القوة والتحكم بالغة الصلابة. كما أن تصاعد المعارضة في السنوات القليلة الماضية، لهذا السبب أو لآخر، يجب ألا يؤدي إلى التغافل عن حقيقة التفاف قطاع ملموس من الشعب الإيراني حول النظام. ويبدو أن هذا رجَّح خيار التفاوض في هذه المرحلة بعد أن حسبت واشنطن أن حربًا على إيران قد لا تفضي بالضرورة إلى انهيار النظام أو إلى تغيير توجهاته؛ وأن حملة عسكرية ضد مؤسسات النظام ومقدراته قد تعمل على تقوية معسكر المتشددين وتوفير مبرر لمزيد من القمع للقوى المعارضة.
والمؤكد، أن واشنطن تواجه ضغوطًا متناقضة من حلفائها في الشرق الأوسط. يشكِّك الإسرائيليون، سيما أنصار رئيس الحكومة نتنياهو، في نتائج المسار التفاوضي مع الإيرانيين، وضمان أن تنتهي المفاوضات إلى تخلي إيران عن المهددات الإستراتيجية للدولة العبرية، سواء النووية منها أو الصاروخية. ويرى الإسرائيليون، الذين يعتقدون أيضًا أن حرب يونيو/حزيران 2025 لم تحقق كافة أهدافها، أن حربًا أخرى، أوسع نطاقًا وبانخراط أميركي أكبر وأكثر فاعلية، وحدها الكفيلة بتقويض المقدرات الإيرانية.
في الجانب الآخر، تقف دول جوار إيران العربية، إضافة إلى تركيا وباكستان، التي لا تمانع تخلي إيران عن برنامجها النووي، وترغب بالفعل في انحسار النفوذ الإيراني الإقليمي. لكن هذه الدول تسعى إلى تجنب العواقب الوخيمة لحرب جديدة، مثل أن تقع إيران في خضم فوضى عارمة، تدفع بملايين اللاجئين إلى الجوار، أو إلى انتشار العنف الأهلي الإيراني إلى ما وراء الحدود. وترى هذه الدول أنه حتى إن نجم عن الحرب تغيير ما في بنية النظام، فليس هناك من يضمن عدم انتقال الحكم إلى جماعة قومية راديكالية تتسبب في مزيد من المشاكل مع الجوار الإقليمي.
ليس من الصعب التكهن بأن التوصل إلى اتفاق تفاوضي وتجنب الحرب يتطلب قيام كلا الطرفين بخفض سقف الشروط التي ذهبا بها إلى المفاوضات. أما إن تبنى المفاوض الأميركي المطالب الإسرائيلية، فسيصبح الاتفاق أقرب إلى الاستحالة.
لكن قد يتفاقم الاستقطاب، إنْ رجح في التقدير الإيراني، أن إدارة ترامب لن تستطيع خوض حرب طويلة المدى وتحمل عواقب تفاقم حرب كهذه، وأن الأفضل للنظام الإيراني الصمود في مواجهة حملة عسكرية، بهذا الحجم أو ذلك، عن تقديم تنازلات تمس صورة الجمهورية وسيادتها.
في الجانب الآخر، يرجح من وجهة النظر الأميركية-الإسرائيلية أن الحرب هي الطريقة الأنسب للتعامل مع دول مثل إيران، وأن حربًا تستهدف بنية النظام الإيراني نفسه، وليس مقدراته الإستراتيجية وحسب، ستؤدي حتمًا إلى إضعاف الطبقة الحاكمة وتفسح المجال لكافة المجموعات المعارضة، أو حتى لبروز جناح من داخل النظام نفسه أكثر استعدادًا للتفاهم.