مقدمة
تمثل كرواتيا إحدى أكثر الحالات تعبيرًا عن تعقيدات التحول السياسي وبناء الدولة في فضاء البلقان ما بعد تفكك يوغوسلافيا(1). فمنذ إعلان استقلالها عام 1991، دخلت البلاد مسارًا متداخل الأبعاد، جمع بين الحرب وإعادة بناء الدولة، وبين السعي لترسيخ الهوية القومية والانخراط التدريجي في المنظومة الأوروبية. وقد جعل هذا المسار من التجربة الكرواتية نموذجًا كاشفًا لطبيعة التحديات التي تواجه الدول الخارجة من النزاعات المسلحة في سعيها للانتقال من الدولة القومية الناشئة إلى الدولة المندمجة في الأطر الإقليمية فوق الوطنية.
لم يكن استقلال كرواتيا مجرد تحول قانوني أو سياسي بل مثَّل لحظة تأسيسية أعادت طرح أسئلة السيادة والانتماء والشرعية وحدود الدولة الوطنية في بيئة إقليمية شديدة الهشاشة. فقد ترافق بناء الدولة مع حرب دموية تركت آثارًا عميقة على البنية المجتمعية والاقتصاد الوطني والعلاقات الإثنية، كما أسست لذاكرة قومية مشحونة أثَّرت، لاحقًا، في مسار التحول الديمقراطي وفي طبيعة العلاقة مع المؤسسات الأوروبية.
في هذا السياق، لم يأتِ الاندماج الأوروبي بوصفه خيارًا تقنيًّا وحسب، بل تحول إلى مشروع سياسي شامل لإعادة هندسة الدولة الكرواتية على المستويات القانونية والمؤسسية والاقتصادية. وقد مثَّل مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الإطار المرجعي الأساسي لمرحلة ما بعد الحرب؛ إذ فُرضت حزمة واسعة من الإصلاحات المرتبطة بالديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان واقتصاد السوق، ضمن ما عُرف بآلية "المشروطية الأوروبية".
غير أن هذا المسار، وعلى الرغم من نجاحه في دفع عملية التحول المؤسسي، لم يُنهِ التوتر القائم بين منطق الدولة القومية ومنطق الاندماج فوق الوطني. فبانضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي، عام 2013، انتقلت البلاد من مرحلة الامتثال لمعايير العضوية إلى مرحلة إدارة التناقضات البنيوية بين السيادة الوطنية ومتطلبات التكامل الأوروبي، وبين الخصوصية الهوياتية ومتطلبات الانخراط في منظومة قيمية وسياسية مشتركة.
تقوم هذه الورقة على فرضية مفادها أنه لا يمكن قراءة التجربة الكرواتية من خلال عدستي النجاح أو الإخفاق بل تُقرأ بوصفها مسارًا انتقاليًّا مركبًا، تَختبر فيه الدولة حدود قدرتها على المواءمة بين البناء القومي والاندماج الأوروبي، وبين متطلبات الاستقرار الداخلي والتزامات الانخراط الإقليمي والدولي. لذلك، سنبدأ بتحليل تطور الدولة الكرواتية منذ مرحلة ما بعد النزاع، مرورًا بمرحلة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وصولًا إلى موقعها الحالي داخل المنظومة الأوروبية، مع التركيز على إشكاليات بناء الدولة، وتحولات الهوية القومية، والتحديات الاقتصادية والسياسية المستمرة، ضمن مقاربة تحليلية متعددة المستويات تربط بين البُعدين، الداخلي والخارجي.
1. مسارات إعادة بناء الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد النزاع (1995–2013)
من الحرب إلى تثبيت السيادة الوطنية
أدى انتهاء الحرب الكرواتية، عام 1995، إلى فتح مرحلة جديدة معقدة من تاريخ الدولة، تمثلت في الانتقال من منطق الصراع العسكري إلى منطق تثبيت السيادة وإعادة بناء المؤسسات. ورغم النجاح العسكري الذي حققته زغرب في استعادة معظم أراضيها، فإن السيادة الكاملة لم تتحقق فعليًّا، خاصة في منطقة شرق سلافونيا؛ حيث فرض هذا الواقع اعتماد مقاربة انتقالية استثنائية تمثلت في "اتفاق إردوت" وإنشاء إدارة أممية مؤقتة (UNTAES)، هدفت إلى إعادة دمج المنطقة تدريجيًّا في الدولة الكرواتية، مع ضمانات أمنية وقانونية للسكان من الإثنية الصربية(2).
شكَّل هذا الترتيب الدولي نموذجًا فريدًا لإعادة الدمج السلمي، وأسهم في تجنب عودة النزاع، لكنه في الوقت ذاته أدخل العامل الدولي في صميم عملية بناء الدولة الوطنية. وقد أسس ذلك لنمط من التفاعل المستمر بين الدولة الكرواتية والمؤسسات الدولية، وهو ما لُمس لاحقًا بصيغة أكثر تعقيدًا خلال مسار الاندماج الأوروبي(3).
إعادة بناء المؤسسات السياسية والدستورية
شهدت مرحلة ما بعد الحرب تركيزًا واضحًا على بناء مؤسسات الدولة، غير أن هذا البناء اتخذ طابعًا مركزيًّا قويًّا تأثر بظروف النزاع وبطبيعة القيادة السياسية آنذاك. فقد جرى تعزيز صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب التوازن المؤسساتي، في ظل أولوية الاستقرار السياسي ووحدة الدولة. غير أن نهاية التسعينات مثَّلت نقطة تحول مهمة، خاصة عقب وفاة الرئيس فرانيو تودجمان، عام 1999. فقد دخل النظام السياسي مرحلة إصلاح دستوري أعادت التوازن النسبي بين السلطات، وعزَّزت دور البرلمان، وفتحت المجال أمام تعددية سياسية أوسع، كان من نتائجها أن مهَّدت تدريجيًّا للانتقال نحو نموذج ديمقراطي أقرب إلى المعايير الأوروبية.
لكن، رغم هذه الإصلاحات، ظلت المؤسسات تعاني من إشكاليات بنيوية شملت ضعف استقلال القضاء وبطء تحديث الإدارة العامة واستمرار شبكات المحسوبية، وهي العوامل التي شكَّلت محاور رئيسية في تقييم الاتحاد الأوروبي لأهلية كرواتيا للعضوية(4).
العدالة الانتقالية وإدارة إرث الحرب
مثَّلت العدالة الانتقالية أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في مرحلة ما بعد النزاع؛ إذ ارتبطت مباشرة بإرث الصراع وبإعادة تعريف السردية الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال. فقد فرض التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة التزامات قانونية وسياسية أثارت انقسامات حادة داخل المجتمع الكرواتي. فتعاون كرواتيا مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، على سبيل المثال، لم يكن خيارًا طوعيًّا بالكامل بل كان شرطًا سياسيًّا دوليًّا، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي. وضع ذلك التعاون الدولة أمام معضلة مزدوجة. فمن جهة، فرض على السلطة القائمة حينها ضرورة الالتزام بالقانون الدولي وإثبات الجدية في محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب. ومن جهة أخرى، اشترط عليها الحفاظ على الشرعية الداخلية في مجتمع ما زال ينظر إلى قادة الحرب بوصفهم رموزًا للاستقلال.
وقد كان لبعض القضايا الكبرى التي استهدفت ضباطًا كبارًا، وعلى رأسها محاكمة الجنرال أنتي غوتوفينا، دور في كشف عمق ذلك التوتر. فقد عُدَّت تلك المحاكمة خطوة ضرورية نحو التطبيع الدولي، ولكنها أحدثت، في الوقت ذاته، انقسامًا داخليًّا حادًّا وأعادت إنتاج خطاب قومي يرى في العدالة الدولية أداة انتقائية أو مسيَّسة. ورغم أن صدور أحكام استئناف لاحقًا خفَّف من حدة ذلك الانقسام، غير أن العدالة الانتقالية ظلت عملية غير مكتملة اجتماعيًا ولم تُحَلَّ بالكامل حتى بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، هذا فضلًا عن إسهامها في ترسيخ ذاكرة جماعية متنازَع عليها بدلًا من تحقيق مصالحة جامعة(5).
إعادة بناء النسيج المجتمعي وملف الأقليات
إلى جانب مهمة إعادة بناء الدولة، واجهت كرواتيا تحديًا لا يقل تعقيدًا، وهو إعادة ترميم النسيج المجتمعي. فقد خلَّفت الحرب موجات نزوح وتهجير واسعة، خصوصًا في صفوف السكان من الإثنية الصربية، وأحدثت تغييرات ديمغرافية عميقة في مناطق عديدة. وقد شكَّلت عودة اللاجئين واسترداد الممتلكات اختبارًا فعليًّا لمدى استعداد الدولة لتجاوز منطق الغلبة والانتصار العسكري، والانتقال إلى منطق المواطنة المتساوية.
وعلى الرغم من اعتماد القانون الدستوري لحقوق الأقليات الوطنية، عام 2002، الذي وفر إطارًا قانونيًّا متقدمًا نسبيًّا، لحقوق التمثيل واللغة والتعليم، فإن التطبيق ظل متعثرًا في كثير من المناطق. وقد وثَّقت تقارير المنظمات الدولية والحقوقية استمرار التمييز غير المُعلن، والصعوبات الإدارية، وغياب الفرص الاقتصادية في المناطق المتضررة من الحرب، على نحوٍ حَدَّ من فاعلية سياسات الدمج، وجعل العودة الفعلية للمهجرين قسريًّا أقل بكثير مما خُطِّط له قانونيًّا.
المسار الأوروبي رافعةً لإعادة بناء الدولة
تحوَّل الاتحاد الأوروبي، منذ مطلع الألفية الجديدة، إلى إطار مرجعي أساسي لإصلاح الدولة الكرواتية. فقد مثَّلت آلية المشروطية الأوروبية أداة فعَّالة لدفع الإصلاحات في مجالات القضاء، ومكافحة الفساد، والإدارة العامة، وحقوق الإنسان(6).
وقد أسهم هذا المسار في إرساء حدٍّ أدنى من الاستقرار المؤسسي، غير أن طبيعته القائمة على الامتثال الخارجي أكثر من التوافق الداخلي، أفرزت نمطًا إصلاحيًّا هشًّا، سرعان ما بدأت مظاهره تتراجع بعد تحقيق هدف العضوية. وهو ما ظهر بوضوح في مرحلة ما بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
2. الدولة الكرواتية بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (2013-2024)
الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بين الاكتمال المؤسسي وبداية الاختبار الوظيفي
شكَّل انضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي، في الأول من يوليو/تموز 2013، محطة مفصلية في مسار بناء الدولة الحديثة، بوصفه تتويجًا لمرحلة طويلة من الإصلاحات السياسية والقانونية والمؤسسية التي ارتبطت مباشرة بآلية المشروطية الأوروبية. وقد حمل هذا الحدث دلالات رمزية وسياسية عميقة؛ إذ مثَّل اعترافًا دوليًّا بنجاح كرواتيا في تجاوز مرحلة ما بعد النزاع والانخراط في الفضاء الأوروبي بوصفها دولة مستقرة نسبيًّا من حيث المؤسسات الدستورية والنظام السياسي(7).
غير أن هذه الخطوة لم تُنه مسار التحول بقدر ما أدخلت الدولة في مرحلة جديدة اتسمت بتحديات ذات طبيعة مختلفة. فبانتهاء مرحلة المفاوضات، انتقلت كرواتيا من منطق "الامتثال من أجل العضوية" إلى منطق "إدارة العضوية الأوروبية"، وهو انتقال كشف حدود الإصلاحات السابقة، وأعاد طرح سؤال استدامتها في ظل تراجع آليات الرقابة الأوروبية الصارمة التي رافقت مرحلة ما قبل الانضمام.
التحولات السياسية وتراجع الزخم الإصلاحي
أفرزت مرحلة ما بعد الانضمام تحولات ملحوظة في الحياة السياسية الكرواتية، تمثلت في تراجع الزخم الإصلاحي وعودة الاستقطاب الحزبي التقليدي. فقد تناوب على الحكم كل من التيار المحافظ ممثلًا في الاتحاد الديمقراطي الكرواتي، والتيار الاجتماعي الديمقراطي، دون أن يُترجم هذا التداول إلى تحولات جوهرية على مستوى السياسات العامة(8).
برز في هذه المرحلة نمط من الشعبوية المُعتدلة، وظَّف الخطاب القومي والقلق الاجتماعي المرتبط بالهجرة والبطالة وتباطؤ النمو، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الالتزام الرسمي بالمسار الأوروبي. وقد أدَّى هذا التوازن الخطابي إلى نشوء فجوة متزايدة بين الخطاب الأوروبي المُعلن والممارسات السياسية الداخلية، خاصة في ما يتعلق باستقلال القضاء والإصلاح الإداري.
الاقتصاد الكرواتي داخل بنية السوق الأوروبية الموحدة
اقتصاديًّا، أتاح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لكرواتيا فرصًا واسعة للاندماج في السوق الموحدة، والاستفادة من الصناديق الهيكلية وصناديق التماسك الأوروبي. وقد أسهم ذلك في تحسين البنية التحتية، وتعزيز قطاعي السياحة والخدمات، ورفع مستوى الانفتاح التجاري. غير أن بنية الاقتصاد الكرواتي ظلت تعاني من اختلالات واضحة، أبرزها الاعتماد المُفرط على السياحة الموسمية، وضعف القاعدة الصناعية، ومحدودية الابتكار التكنولوجي. كما أدَّت حرية تنقل العمالة داخل الاتحاد الأوروبي إلى تسريع وتيرة الهجرة، خصوصًا في صفوف الشباب والكوادر المؤهلة، على نحوٍ فاقم الأزمة الديمغرافية وأضعف القدرة الإنتاجية على المدى المتوسط(9).
الانضمام إلى منطقة اليورو وتعميق الاندماج الاقتصادي
مثَّل اعتماد العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، عام 2023، خطوة مهمة في مسار تعميق الاندماج الاقتصادي والنقدي؛ إذ انتقلت كرواتيا إلى قلب المنظومة المالية الأوروبية بعد سنوات من التحضير الفني والمالي. وقد أسهم هذا التحول في تعزيز الاستقرار النقدي، وخفض مخاطر سعر الصرف، وزيادة جاذبية الاقتصاد الكرواتي للاستثمارات الأجنبية. غير أن الكلفة الاجتماعية المصاحبة للانتقال، لاسيما ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، أعادت إلى الواجهة النقاشَ حول حدود السيادة الاقتصادية داخل الاتحاد النقدي ومدى قدرة الدولة الصغيرة على حماية الفئات الهشة في ظل سياسات نقدية موحدة.
التحولات الاجتماعية وإشكالية الهجرة والشيخوخة السكانية
أفرزت مرحلة ما بعد الانضمام تحديات اجتماعية عميقة، تمثَّلت في التراجع السكاني المستمر نتيجة الهجرة وانخفاض معدلات الولادة. وقد تحولت هذه الظاهرة إلى أحد أبرز مصادر القلق الإستراتيجي للدولة، لما تحمله من آثار مباشرة على سوق العمل، والنظام التقاعدي، والتنمية الإقليمية. وفي مقابل المكاسب الاقتصادية الجزئية للاندماج الأوروبي، وجد المجتمع الكرواتي نفسه أمام مفارقة تتمثل في تحسن المؤشرات الكلية مقابل تراجع الإحساس بالأمن الاجتماعي لدى قطاعات واسعة من السكان، على نحوٍ أسهم في صعود خطاب نقدي للاتحاد الأوروبي، دون أن يتحول إلى تيار رافض للعضوية.
الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد الانضمام
أعاد الاندماج الأوروبي طرح مسألة الهوية الوطنية في كرواتيا بصيغة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تعد الإشكالية تدور حول خيار الانضمام أو عدمه، بل حول كيفية التوفيق بين الانتماء القومي والانتماء الأوروبي. وقد تجلَّى هذا الجدل في قضايا الذاكرة التاريخية والتعليم والسياسات الثقافية؛ حيث سعت النخب السياسية إلى المواءمة بين السردية الوطنية لحرب الاستقلال ومتطلبات الخطاب الأوروبي القائم على المصالحة والتعددية. نتيجة لذلك، تشكَّلت هوية هجينة تجمع بين الاعتزاز القومي والاندماج المؤسساتي ولكن دون وضع حدٍّ نهائي وكامل للتوتر بين المستويين(10).
3. كرواتيا في محيطها الإقليمي والبلقاني
مكانة كرواتيا في غرب البلقان
تحتل كرواتيا موقعًا إقليميًّا خاصًّا في فضاء غرب البلقان، بوصفها الدولة الوحيدة المُنحدرة من يوغوسلافيا السابقة، التي نجحت في استكمال مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد منحها هذا الوضع مكانة سياسية متميزة، وأتاح لها التحول إلى فاعل وسيط بين الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة المرشحة للعضوية. غير أن هذه المكانة لم تُترجَم دائمًا إلى دور توافقي إيجابي؛ إذ اتسم السلوك الكرواتي بازدواجية واضحة بين تبني خطاب داعم للتوسع الأوروبي من جهة، وتوظيف أدوات العضوية الأوروبية لخدمة أولويات وطنية ضيقة من جهة أخرى، خصوصًا في القضايا المُرتبطة بالأقليات والحدود والذاكرة التاريخية.
العلاقة مع البوسنة والهرسك: البُعد القومي والدستوري
تُعد العلاقة مع البوسنة والهرسك أكثر ملفات السياسة الخارجية الكرواتية حساسية وتعقيدًا، نظرًا للتداخل العميق بين العامل القومي والاعتبارات الدستورية والإقليمية. وتُولي زغرب أهمية مركزية لمسألة تمثيل الكروات داخل البنية السياسية البوسنية، معتبرة ذلك جزءًا من أمنها القومي وامتدادًا طبيعيًّا لمسؤوليتها تجاه أبناء القومية الكرواتية خارج الحدود.
وقد شكَّلت قضية تعديل قانون الانتخابات في البوسنة محور التوتر الأبرز. فكرواتيا ترى أن النظام القائم لا يضمن تمثيلًا حقيقيًّا للكروات، بينما تعدُّه قوى بوسنية أخرى تدخلًا مباشرًا في الشؤون الداخلية للدولة. وقد أدى هذا الخلاف إلى توترات متكررة، وأعاد إحياء الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع تعقيدات البوسنة الدستورية(11).
العلاقات الكرواتية-الصربية وإرث الصراع
لا تزال العلاقات بين كرواتيا وصربيا محكومة بثقل الماضي، رغم غياب النزاع العسكري المباشر منذ أكثر من عقدين. فملفات المفقودين، وجرائم الحرب، والحدود، واستعادة الممتلكات، لا تزال حاضرة بقوة في الخطاب السياسي لدى الطرفين. وقد حالت هذه الملفات دون بناء شراكة إستراتيجية حقيقية، كما تُستخدم بصورة دورية في الحملات الانتخابية على نحو يجعل العلاقة عرضة للتوتر المتكرر. يُضاف إلى ذلك، التباين في التموضع الجيوسياسي. فكرواتيا ترتبط ارتباطًا كاملًا بالمنظومة الأوروبية الأطلسية، في حين تتبع صربيا سياسة خارجية متعددة الاتجاهات تجمع بين الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين(12).
كرواتيا ودول الجوار الأدرياتيكي
تحافظ كرواتيا على علاقات مستقرة نسبيًّا مع كلٍّ من سلوفينيا والجبل الأسود وإيطاليا، غير أن هذه العلاقات لم تخلُ من توترات دورية، خاصة فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في البحر الأدرياتيكي وحقوق الصيد ومشاريع الطاقة المشتركة. ورغم تسوية بعض الخلافات عبر التحكيم الدولي، فإن الطابع الجغرافي البحري يظل أحد عناصر الحساسية الإستراتيجية نظرًا لما يمثله الأدرياتيك من قيمة اقتصادية وأمنية متزايدة في سياق التنافس الأوروبي على الطاقة والنقل.
دور الوسيط الأوروبي في البلقان
سعت كرواتيا، منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، إلى ترسيخ صورتها بوصفها جسرًا بين بروكسل وغرب البلقان، مستفيدة من خبرتها التفاوضية ومعرفتها بالبيئة السياسية الإقليمية. وقد شاركت في عدد من المبادرات الأوروبية الرامية إلى دعم الإصلاحات في صربيا والبوسنة والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية. غير أن فاعلية هذا الدور ظلَّت محدودة، بسبب تداخل الاعتبارات القومية في سياستها الإقليمية، وبسبب الحذر الأوروبي من تحويل مسار التوسع إلى ساحة تصفية حسابات تاريخية. نتيجة لذلك، بقي الدور الكرواتي محكومًا بمعادلة دقيقة بين الالتزام الأوروبي والمصالح الوطنية.
التحديات الأمنية والإقليمية المستجدة
أعادت التطورات الجيوسياسية الأوروبية، وخاصة الحرب الروسية-الأوكرانية، الاعتبار لأهمية منطقة البلقان في الحسابات الأمنية الأوروبية. في هذا السياق، عزَّزت كرواتيا تعاونها العسكري مع حلف شمال الأطلسي، ورفعت من مستوى جاهزيتها الدفاعية، معتبرة الاستقرار الإقليمي جزءًا لا يتجزأ من أمنها الوطني(13). من ناحية ثانية، تنظر زغرب بقلق إلى تنامي النفوذ الروسي والصيني في بعض دول البلقان، وترى في ذلك تحديًا مباشرًا لمشروع التوسع الأوروبي. وهو ما يدفعها إلى تبني خطاب داعم لدمج المنطقة في الهياكل الأوروبية، وإن كان هذا الدعم مشروطًا باعتبارات سياسية خاصة.
4. كرواتيا والاتحاد الأوروبي: من العضوية إلى التأثير
التحول من دولة مرشحة إلى عضو فاعل
كان انضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي قد أحدث تحولًا نوعيًّا في طبيعة علاقتها بالمؤسسات الأوروبية؛ إذ انتقلت من موقع الدولة الخاضعة لآليات المشروطية والرقابة إلى موقع الدولة المشاركة في صناعة القرار الأوروبي. وقد فرض هذا الانتقال تحديات مؤسسية وسياسية جديدة، تتعلق بقدرة الدولة على التكيف مع آليات العمل الأوروبي المعقدة، وعلى الدفاع عن مصالحها الوطنية داخل منظومة متعددة المستويات. في هذا الإطار، سعت زغرب إلى تعزيز حضورها داخل المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد، غير أن محدودية وزنها الديمغرافي والاقتصادي جعلت قدرتها على التأثير رهينة بناء التحالفات داخل التكتلات الإقليمية الأوروبية، خصوصًا مع دول أوروبا الوسطى والشرقية(14).
كرواتيا وسياسة التوسع الأوروبي
تحتل سياسة التوسع موقعًا مركزيًّا في المقاربة الكرواتية تجاه الاتحاد الأوروبي، انطلاقًا من إدراكها أن استقرار غرب البلقان يشكِّل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي. وقد دعمت زغرب رسميًّا مسارات انضمام دول المنطقة، لاسيما البوسنة والهرسك وصربيا والجبل الأسود. غير أن هذا الدعم لم يكن غير مشروط؛ إذ ارتبط في حالات عدة بقضايا ثنائية تتعلق بحقوق الأقليات الكرواتية أو بملفات تاريخية عالقة. وقد أثار هذا السلوك انتقادات داخل الاتحاد الأوروبي، بوصفه يوظف آلية التوسع لتحقيق مصالح وطنية، بما يعكس استمرار التداخل بين البُعد القومي والالتزام الأوروبي.
كرواتيا في السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية
تُعد كرواتيا من أكثر الدول التزامًا بالتماهي مع السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع عضويتها في حلف شمال الأطلسي. وقد تعزز هذا التوجه بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا؛ حيث تبنَّت زغرب مواقف متقدمة في دعم كييف، وشاركت في برامج التدريب، ورفعت إنفاقها العسكري. ويعكس هذا التموضع سعي كرواتيا إلى ترسيخ مكانتها دولة طرفية جغرافيًّا، لكنها مركزية أمنيًّا في فضاء جنوب شرق أوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الرابط بين البحر الأدرياتيكي ووسط القارة الأوروبية.
الطاقة والبنية التحتية كأدوات نفوذ داخل الاتحاد
برز قطاع الطاقة كأحد أهم مجالات الحضور الكرواتي داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد تطوير محطة الغاز الطبيعي المسال في جزيرة كرك، التي تحولت إلى عنصر إستراتيجي في جهود تنويع مصادر الطاقة الأوروبية وتقليص الاعتماد على الغاز الروسي. وقد مكَّن هذا المشروع كرواتيا من تعزيز موقعها داخل شبكات الطاقة الإقليمية، وربط أمنها الاقتصادي بالأمن الطاقوي الأوروبي الأوسع. وهو ما منحها هامش تأثير يفوق وزنها التقليدي داخل الاتحاد.
التوازن بين السيادة الوطنية والتكامل الأوروبي
على الرغم من اندماجها المؤسسي العميق، لا تزال كرواتيا تواجه تحديًا مستمرًّا في إدارة العلاقة بين السيادة الوطنية ومتطلبات التكامل الأوروبي. فقد أفرزت بعض السياسات الأوروبية، خصوصًا في المجالين الاقتصادي والنقدي، نقاشًا داخليًّا حول حدود القرار الوطني. غير أن هذا الجدل لم يتحول إلى تيار تشكيكي جذري بل ظل محصورًا ضمن إطار نقدي إصلاحي يسعى إلى تعزيز الحضور الكرواتي داخل الاتحاد بدل الانكفاء عنه، على نحوٍ يعكس إدراكًا واسعًا لأن مستقبل الدولة بات مرتبطًا بنيويًّا بالفضاء الأوروبي.
حدود التأثير الكرواتي داخل الاتحاد الأوروبي
رغم التقدم الملحوظ في مستويات الاندماج تبقى قدرة كرواتيا على التأثير في السياسات الأوروبية محدودة نسبيًّا، نتيجة صغر حجمها الاقتصادي والديمغرافي واعتمادها المالي الكبير على الصناديق الأوروبية. ومع ذلك، فإن قدرتها على توظيف الجغرافيا والطاقة والخبرة البلقانية، تمنحها أدوارًا نوعية في ملفات محددة بما يجعلها فاعلًا متخصصًا أكثر منها قوة شاملة داخل الاتحاد(15).
خاتمة
تُظهر التجربة الكرواتية أن مسار بناء الدولة في مرحلة ما بعد النزاع لا ينتهي بانتهاء الحرب أو بتحقيق الاستقلال السياسي بل يمتد بوصفه عملية طويلة ومعقدة تتداخل فيها الأبعاد المؤسسية والهوياتية والاقتصادية والجيوسياسية. فقد شكَّل استقلال كرواتيا نقطة انطلاق لمسار تحول عميق، انتقلت خلاله الدولة من واقع التفكك والصراع إلى نموذج الدولة المندمجة في المنظومة الأوروبية، دون أن يعني ذلك تجاوزًا كاملًا لإرث الماضي أو استقرارًا نهائيًّا لبنيتها الداخلية.
كان الاندماج الأوروبي قد أتاح لكرواتيا إطارًا مرجعيًّا فعَّالًا لإعادة بناء المؤسسات، وترسيخ معايير الحكم الديمقراطي، وتعزيز الاستقرار القانوني والاقتصادي. غير أن هذا المسار، رغم أهميته، كشف في الوقت ذاته عن محدودية الإصلاحات القائمة على الامتثال الخارجي، وأظهر أن الاندماج المؤسسي لا يؤدي تلقائيًّا إلى ترسيخ تحول داخلي مستدام ما لم يقترن بتوافق وطني عميق حول طبيعة الدولة ووظيفتها وهويتها.
وفي مرحلة ما بعد الانضمام، واجهت كرواتيا تحديات جديدة تمثلت في تراجع الزخم الإصلاحي، واستمرار الاختلالات الاقتصادية والديمغرافية، وتجدد النقاش حول السيادة الوطنية وحدودها داخل الفضاء الأوروبي. وقد عكست هذه التحديات انتقال الدولة من مرحلة بناء الشرعية إلى مرحلة اختبار الفاعلية؛ حيث لم يعد النجاح يُقاس بتحقيق العضوية بل بقدرة الدولة على توظيفها لتعزيز التنمية والاستقرار الاجتماعي.
على المستوى الإقليمي، كشفت السياسة الكرواتية في غرب البلقان عن توازن دقيق بين الالتزام الأوروبي والاعتبارات القومية، وهو توازن ما زال هشًّا وقابلًا للتوتر، خصوصًا في ظل استمرار الملفات التاريخية العالقة، وتعقُّد البنية الدستورية في دول الجوار، وتنامي تنافس القوى الدولية في المنطقة. ويظل استقرار كرواتيا مرتبطًا إلى حدٍّ بعيد باستقرار محيطها الإقليمي وبمستقبل مشروع التوسع الأوروبي ذاته.
أما داخل الاتحاد، فقد سعت كرواتيا إلى الانتقال التدريجي من موقع الدولة المتأثرة بالسياسات إلى فاعل يسعى إلى التأثير في مجالات محددة، لاسيما قضايا التوسع والطاقة والأمن الإقليمي. ورغم محدودية وزنها البنيوي، فإن قدرتها على توظيف موقعها الجغرافي وخبرتها البلقانية تمنحها أدوارًا نوعية، تعكس نموذج الدولة الصغيرة ذات التأثير المتخصص داخل المنظومة الأوروبية.
تقدم الحالة الكرواتية نموذجًا إشكاليًّا للدولة الواقعة بين منطق الهوية القومية ومتطلبات الاندماج فوق الوطني، وبين الطموح إلى السيادة الكاملة وواقع الاعتماد المُتبادَل داخل الاتحاد الأوروبي. وهي بذلك، لا تمثل تجربة مكتملة بل مسارًا مفتوحًا يعكس طبيعة التحولات التي تشهدها دول البلقان في سعيها للانتقال من الهامش الأوروبي إلى قلبه، في بيئة دولية تتسم بتزايد عدم اليقين وتحول موازين القوة.
(1) Tihomir Luković, Domovinski rat stup temeljac hrvatske države ili gruba pogreška? Prvi dio: Dvije ugroze, BezCenzure, 21 November 2025. (Accessed on 21 December 2025)
(2) Kuvač Igor Kuvač, Forced transitions: New settlements of displaced persons after the war (1992-1995) in Bosnia and Herzegovina, Universidad de Granada, Tesis Doctorales, 2017. (Accessed on 23 December 2025) https://digibug.ugr.es/handle/10481/46940
(3) Petricusic Antonija, Nation-building in Croatia and the treatment of minorities: Rights and wrongs, Cairn Info, 07 November 2011. (Accessed on 23 December 2025)
https://shs.cairn.info/revue-l-europe-en-formation-2008-3-page-135?lang=en
(4) Croatia: Decades after Balkan wars, UN expert urges new push for justice, United Nations, 02 December 2021. (Accessed on 23 December 2025).
https://news.un.org/en/story/2021/12/1107082
(5) McRae Amanda, Gotovina ruling reaction shows Croatia has yet to come to terms with the past, Human Rights Watch, 05 May 2011. (Accessed on 23 December 2025)
https://www.hrw.org/news/2011/05/05/gotovina-ruling-reaction-shows-croatia-has-yet-come-terms-past
(6) Kolar Nikica, Rule of law and justice in Croatia after the EU accession, Policy Brief, Österreichische Gesellschaft für Europapolitik, December 2012. (Accessed on 23 December 2025)
https://www.oegfe.at/projekte/wb2eu/rule-of-law-and-justice-in-croatia-after-the-eu-accession/
(7) Sanja Tišma, Višnja Samardžija and Krešimir Jurlin, Hrvatska i Europska Unija: Prednosti i izazovi članstva, Institut za međunarodne odnose (IMO), Zagreb 2012.
(8) There are no good neighborly relations in the region, Croatia and Serbia are sources of instability in Montenegro and Bosnia and Herzegovina, Panel Discussion, Centre for Civic Education, 27 May 2022. (Accessed on 23 December 2025)
(9) Pizzolo Paolo, Croatia in the Eurozone: Geopolitical and geo-economic implications, Osservatorio sul Mediterraneo (OSME), 21 March 2023. (Accessed on 20 January 2026)
https://www.osmed.it/2023/03/21/croatia-in-the-eurozone-geopolitical-and-geo-economic-implications/
(10) Polic Ivan Three decades on: War’s legacy still overshadows Croatia, Balkan Insight, 31 March 2021. (Accessed on 20 January 2026)
https://balkaninsight.com/2021/03/31/three-decades-on-wars-legacy-still-overshadows-croatia/
(11) Smajić Mehmed, Hrvatska se sve više miješa u BiH., Deutsche Welle, 15 December 2015. (Accessed on 20 January 2026)
https://www.dw.com/bs/hrvatska-se-sve-vi%C5%A1e-mije%C5%A1a-u-bih/a-46754812
(12) Ernst Andreas, Am Schluss nur noch China? Serbien ist am Ende seiner Schaukelpolitik, Züricher Zeitung, 08 January 2026. (Accessed on 20 January 2026)
(13) NATO Secretary General commends Croatia’s NATO contributions and Ukraine support, Insight EU Monitoring, 12 January 2026. (Accessed on 20 January 2026)
(14) Wankiewicz-Kłoczko Paulina, The fading star pupil: Ten years of Croatia’s membership in the European Union, Centre for Eastern Studies, 18 August 2023. (Accessed on 20 January 2026)
(15) Margueritte Laura and Courcelle Thibaut, La Croatie dans l’UE: Une intégration imparfaite, Areion24 News, 1 July 2020. (Accessed on 20 January 2026)
https://www.areion24.news/2020/07/01/la-croatie-dans-lue-une-integration-imparfaite/