حسابات القدرة النووية في ظل المواجهة الإيرانية الأميركوإسرائيلية

إذا لم تكن إيران قادرة على التهام كعكتها النووية، فإنها لن تغامر بالتنازل عنها لصالح الولايات المتحدة وعن الحق في تخصيب اليورانيوم في آن واحد، لأن التمسك بأحدهما على الأقل هو ما يضمن ليس فحسب الإذلال النهائي لغريميها في الحرب، وإنما تفادي تعريض النظام الحاكم للتغيير. ذلك أن أي تنازل من هذا القبيل، سيعني التخلي عن طريق امتلاك القدرة على الردع النووي في المستقبل.
تَعُدُّ إيران برنامجها النووي مصدرًا للفخر والهوية المحلية (شترستوك)

على الرغم من وجود إجماع دولي على ضرورة عدم امتلاك إيران لقدرات نووية عسكرية، فإن هذه الحركة تقودها دولتان: إسرائيل والولايات المتحدة. ظلَّت إسرائيل تتبنَّى موقفًا عدائيًّا تجاه البرنامج النووي الإيراني، غير أن الاتفاق النووي قوَّض في السابق الشرعية الدولية لأي عمل عسكري ضد إيران، وبعد أن أصبح هذا الاتفاق وثيقةً لاغية مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تمكنت إسرائيل من إجباره على اتباع إستراتيجية أكثر عدوانية تجاه إيران، تُوِّجت بشنِّ حرب عليها ربما تكون الأكثر تدميرًا في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. ومع ذلك، يدرك القرينان، الأميركي والإسرائيلي، أنه لم يكن لضرباتهما العسكرية الشديدة على منشآت إيران النووية أن تقضي تمامًا على التهديد النووي الإيراني؛ حيث بدا جهدهما لمواجهة هذا التحدي أشبه بـ"جَزِّ العشب"، في الوقت الذي سينمو العشب مجددًا. ولذلك تستمر المخاوف الإسرائيلية والأميركية من المخاطر طويلة المدى في ظل عدم اليقين الهيكلي الذي يلف قدرة إيران على ترميم منشآتها النووية والغموض الذي يلف مصير مخزونها من اليورانيوم المخصب، خاصة في ظل عدم قابلية السلوك الإيراني للحساب والتنبؤ. وبالتالي، هل يملك البرنامج النووي الإيراني القدرة على استعادة النمو؟ وهل سيتعين على الطرف المبادر بالحرب جزُّ العشب مجددًا أم أن حدوث تراجع غير متوقع من جانب إيران سيكون الملاذ الأخير لوضع حدٍّ لطموحها النووي؟

 في ظل ذلك، تُظهر هذه الورقة لماذا قد لا يكون استهداف المنشـآت النووية الإيرانية كافيًا لإنهاء مشروعها ذي الصلة، فحتى إيران الجريحة لا تزال تواصل تشكيل التهديد الوجودي الذي ظلَّت إسرائيل تتوجس منه.

أهمية الخيار النووي بالنسبة لإيران

تَعُدُّ إيران برنامجها النووي مصدرًا للفخر والهوية المحلية، فلطالما أحاط القادة الإيرانيون هذا البرنامج بمصطلحات وطنية، ولذلك أصبح السعي نحو القوة النووية متأصلًا بعمق في النفس الإيرانية، حتى إن البرنامج النووي القومي انعكس كذلك في رموز عملة البلاد، إنه مثل قول: "نحن نثق في قدراتنا النووية".

غير أن للبرنامج النووي الإيراني أهمية إستراتيجية تفوق أهميته الرمزية أعلاه، سيما في ظل الجوار النووي الضاغط الذي تعيش فيه إيران والذي لا تشكِّله إسرائيل وحدها وإنما تنضاف إليها باكستان والهند، فضلًا عن تواجد القوات الأميركية على مقربة من إيران في قواعدها العسكرية بكل من أفغانستان والعراق ودول الخليج. ولذلك "فبينما يُنظر إلى القنبلة الذرية كأداة مفيدة لتحقيق أهداف توسعية وثورية بعيدة المدى، فإن أهم وظائفها دفاعية"(1) بالنسبة لإيران، فهي تدرك جيدًا أن أي هجوم نووي على إسرائيل أو أي حليف آخر للولايات المتحدة في المنطقة سيؤدي إلى ردٍّ أميركي قاس، وبالتالي لا يمكن لإيران أن تستخدم سلاحًا نوويًّا بمجرد امتلاكه.

وتركز هذه المبررات على الأسلحة النووية رادعًا للعدوان داخل المنطقة. ونظرًا لعدم استقرار المنطقة واستمرار التهديدات الكبيرة، فمن المفهوم أن ترغب إيران في بذل قصارى جهدها للدفاع عن نفسها(2). فلا تزال إيران تعتقد أن جيشها، على الرغم من حجمه، أدنى من جيش جيرانها؛ حيث إن امتلاك قدرة نووية من شأنه أن يزيد من قدرة الردع الإيرانية بشكل كبير في غياب قوة عسكرية هائلة ومجهزة تجهيزًا جيدًا(3). وقد تشعر إيران بالقلق من عدم قدرتها على تحمل تكاليف قوة عسكرية تقليدية أو تكتيكاتها التقليدية للدفاع عن أراضيها. ولذلك، قد تحاول استبدال الأسلحة النووية بالقوى البشرية الهائلة(4)، خاصة أن إيران مُنعت منذ الثورة من الحصول على معظم المعدات العسكرية الغربية المتطورة. أكثر من ذلك، "قد توفر القنبلة رادعًا ضد العدوان الغربي، وبالتالي تضمن بقاء النظام. حيث إن زعزعة استقرار نظام دولة نووية، مع ما قد يؤدي إليه من عدم استقرار داخلي مزمن، أو حرب أهلية، أو تفكك، يُعدُّ مشروعًا أكثر خطورة من تقويض نظام غير نووي. ولذلك فمصالح النخبة الحاكمة في إيران في الحفاظ على البرنامج النووي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببقائها السياسي، بل وحتى ببقائها المادي"(5).

   وقد أعطى التطبيق المحدود لمعيار منع الإنتشار النووي درسًا لإيران؛ حيث ظلت تنظر إليه على أنه إملاء إمبريالي يمنعها من امتلاك القوة النووية، وهنا إذا كان لابد من منع مساعي إيران المزعومة لامتلاك قنبلة نووية فلماذا لم تكن هناك حاجة لتدمير الترسانة النووية الإسرائيلية لإزالة الحافز من إيران لمحاولة اللحاق بها؟ كما ظلَّت إيران تتصور الأسلحة النووية على أنها وسيلة إضافية يحرم بها الغرب الدول الأخرى من حقوقها في النظام الدولي، والمثال المضاد على ذلك هو الحوافز الاقتصادية التي عرضتها الولايات المتحدة الأميركية على كوريا الشمالية عقب تجربتها النووية، وذلك على خلاف العراق، غير النووي، الذي واجه غزوًا بقيادة الأميركان أطاح بنظام الحكم ودمَّر البلاد تدميرًا لا يُطاق، ولذلك، عُدَّ الخيار النووي خيارًا عقلانيًّا لإيران كسبيل لدرء أي غزو أميركي لها.

وبالرغم من دفاع إيران عن تطلعاتها المشروعة إلى تطوير برنامجها النووي إلا أنها أبقته -والحالة هذه- سريًّا، إن لم نقل: غامضًا؛ ذلك أن خوفها من أي انكشاف أمني أمام إسرائيل كان سببًا كافيًا لتجنب كشف حقيقة برنامجها النووي. ولذلك لم تهتم إيران قط بإثبات أنها لا تخفي أسلحة نووية لم تكن تمتلكها في الواقع رغم أي فخ قد يُنصب لها على خلفية المزاعم الأميركية-الإسرائيلية. إذ بغضِّ النظر عن مدى حقيقة اقتراب إيران من عبور خط النهاية نحو تصنيع أسلحة نووية، أو نفي قيادة النظام الإيراني لاتخاذ قرار نهائي بالتسلح النووي، فإن إتقان دورة الوقود وتخصيب اليورانيوم على نطاق واسع، يُحوِّل إيران إلى دولة نووية "افتراضية"، وحينما تنخرط قيادتها في خطاب حول عدم شرعية "النظام الصهيوني" الإسرائيلي فإن ذلك يخلق حالة من الذعر في إسرائيل، سيما أن إيران هي خطر قريب بالنسبة لإسرائيل. وقد صاغ مايكل أورين، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، المسألة بإيجاز حينما قال: "أميركا، الدولة الكبيرة، لها نافذة كبيرة، تنظر من تلك النافذة وترى الشرق الأوسط بعيدًا؛ أما إسرائيل، الدولة الصغيرة ذات النافذة الصغيرة جدًّا، فننظر من تلك النافذة وترى إيران في فنائها الخلفي".

وعلى هذا، فالقوة النووية الإيرانية سوف لن تمكِّنها فحسب من أن تصبح منافسًا عسكريًّا حقيقيًّا لإسرائيل، وإنما ستعرقل إصرار هذه الأخيرة على الهيمنة الإستراتيجية وبالتالي لن تكون إملاءات اسرائيل هي وحدها التي تُشكل منطقة الشرق الأوسط.

فإذا نجحت إيران في اللحاق نوويًّا بإسرائيل، فإنها ستقوض مصالحها بعدة طرق: "أولًا: ستتحدى وتقضي على احتكار إسرائيل النووي؛ ثانيًا: ستحفِّز سباق تسلح نووي؛ مما يقوِّض الميزة الإستراتيجية التي تمتعت بها من خلال حرمان العرب من الخيار النووي؛ ثالثًا: ستشجع إيران النووية حلفاءها في المنطقة، مثل حزب الله، مما سيزيد من تآكل أمن إسرائيل"(6)؛ حيث إن امتلاك إيران لأي قدرات نووية سيُكسبها مكانة كبيرة على المستوى الدولي، وسيُحسِّن وضعها الأمني في المنطقة في مواجهة إسرائيل المسلحة نوويًّا، والتي تضعها رغبتها في الهيمنة العسكرية على المنطقة في مسار تصادمي مع طهران، كما لن يكون بمقدور الأخيرة التأثير على أهداف إيران وتحركاتها في المنطقة. وهكذا تتوقع إيران اكتساب دور بارز كقوة مشروعة لاستقرار المنطقة إذا استمرت في اعتبار القدرات النووية المتكافئة أداة سياسية مشروعة.

هواجس إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية

 تعد إيران النووية خيارًا غير مقبول بالنسبة لإسرائيل التي تنظر إلى الهولوكوست كسمة مُحدِّدة للتاريخ اليهودي، لأن تحقق هذا الخيار سيكون بمنزلة تكرار لكابوس مماثل خاصة في ظل تعهد قادة النظام الإيراني بالقضاء عليها. فإسرائيل -كما تعرف- دولة "قنبلة واحدة"، أي إن تفجير قنبلة نووية واحدة بنجاح فوق مركز إسرائيل كفيل بتدميرها.

 ولهذا فحتى امتلاك إسرائيل للقوة النووية لا يستطيع تحقيق توازن رعب مستقر مع دولة معادية نووية كإيران؛ ذلك أن قدرة الردع الإسرائيلية ضد التهديد النووي الإيراني لن تكون لديها فرصة قوية للنجاح، لأن إيران ليست فقط خصمًا قويًّا لإسرائيل، وإنما خصم غير تقليدي؛ حيث التحدي الأكبر ليس في كونها عازمة على مهاجمة إسرائيل أم لا بل في كونها غير عقلانية وانتحارية ولا تقدِّر الحفاظ على الذات. فإسرائيل التي تلصق النزعة الإرهابية بالنظام الإيراني، تعتبر أن "إيران ستتمكن قريبًا من تطوير أول سلاح نووي قابل للاستخدام. وعادةً لا يخزن الإرهابيون الأسلحة بل يستخدمونها. ومع نية إيران المعلنة محو إسرائيل من على الخريطة، لا تستطيع إسرائيل تحمُّل المخاطرة"(7). ولهذا يعتقد نتنياهو ومستشاروه أن إسرائيل ستواجه صعوبة في البقاء في شرق أوسط تهيمن عليه إيران النووية(8). ذلك أن إسرائيل تعتبر أن إيران تضمر لها نوايا عدائية، وتبني حُجَّتها حول "تهديد وجودي" على عدم عقلانية الخطاب السياسي الإيراني تجاهها. "وتستغل إسرائيل تصريحات بعض القادة الإيرانيين الذين يصورون إسرائيل على أنها ورم سرطاني يجب استئصاله، ثم تعهداتهم بمحو إسرائيل من الخريطة، لتصوير عدم عقلانية القيادة الإيرانية"(9).

وباستثناء الخطاب الإيراني المتشدد لم تستطع إسرائيل إثبات قدرة إيران على تصنيع سلاح نووي أو نيتها استعماله ضدها في حالة ذلك. بل إن الولايات المتحدة التي قادت المفاوضات النووية سابقًا، استندت إلى افتراض أن إيران عقلانية بالفعل. وحتى لو امتلكت إيران السلاح النووي فلا يمكنها أن تخطئ في تقدير الأمور وتُقْدِم على مخاطرة قاتلة، وذلك لأنها "تُدرك جيدًا أنها إذا هاجمت إسرائيل بقنبلة ذرية، فإن الأميركيين، وليس الإسرائيليين، هم من سيُهدِّدون وجود البلاد"(10).

 فإسرائيل -كدولة- ظلت تعيش تحت السلاح والحرب في منطقة خطرة وغير مستقرة لا تفكر سوى في أسوأ السيناريوهات؛ إذ في حرب 1967 ضد القوات العربية كانت توقعات الإسرائيليين متشائمة ولكن الحرب انتهت في ستة أيام.

 ويتفاعل الخوف من التهديد النووي الإيراني مع الجمود بشأن فلسطين بطرق قد تُفاقم اختلال السياسة الإسرائيلية. في الواقع، عندما يتحدث بعض الإسرائيليين عن التهديد الوجودي الذي تُشكِّله إيران النووية، فإنهم يقصدون شيئًا أكثر تعقيدًا من مجرد هجوم نووي غير مُبرر من الجمهورية الإسلامية. يخشون أنه في ظل وجود إيران نووية، ستعاني إسرائيل من فقدان لا هوادة فيه ونهائي للشجاعة الوطنية. ستُهدر أفضل عقول البلاد في الشتات الغربي. في هذا السيناريو، سيُغذِّي من يبقون -من السفارديم والروس والمتدينين بشكل غير متناسب- سياسة تتسم بشكل متزايد بالتعنت بشأن فلسطين والاعتماد على استخدام القوة مما يُعرِّض المصالح الوطنية طويلة الأجل للبلاد للخطر (11).

من جهة أخرى، ترى إسرائيل أن إيران النووية ستكسر تفوقها العسكري والإستراتيجي؛ حيث سينهي ذلك أسطورة قوتها التي لا تُقهر بوصفها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة. ذلك أنه في ظل صغر عدد سكان إسرائيل وحجمها الجغرافي، ظلت عقيدتها المتبعة في جميع الأوقات تقضي بالاحتكار النووي الذي يضمن لها الهيمنة العسكرية الكاملة ويجنِّبها تكافؤ القدرات مع جيرانها. وفي هذا السياق، فإن قدرة إيران على الردع النووي ستمنع إسرائيل من إملاء معايير السلام والسعي إلى خطط سلام أحادية الجانب مع جيرانها؛ "فالخيار النووي، الذي صُمِّم في المقام الأول رادعًا ضد الفناء المحتمل، منح إسرائيل شعورًا بالثقة والتفوق العسكري بل وحتى الهيمنة الإستراتيجية في الشؤون الإقليمية. وعلى عكس الهند، لم تتذرع إسرائيل باعتبارات أخلاقية لرفض نظام منع الانتشار بل استشهدت بمبررات أمنية قوية لعدم توقيعها على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. ولتوسيع هذا المنطق، رفضت قبول فكرة أن يكون الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. وقد أدَّى رفض الدول العربية المطول لقبول وجودها والاعتراف به إلى ترسيخ موقف إسرائيل النووي. ففي الماضي، كان الخيار النووي يُبرَّر كإستراتيجية للبقاء، أما في مرحلة ما بعد مؤتمر مدريد، فيُنظر إليه على أنه ضمان لاتفاقيات السلام مع العرب"(12). ولذلك بفضل الوسائل السياسية والعسكرية الفعَّالة، تمكَّنت إسرائيل من خنق مختلف الجهود العربية الرامية إلى تحدي تفوقها النووي؛ حيث إذا استُخدمت الوسائل العسكرية ضد العراق (7 يونيو/حزيران 1981) وسوريا (6 سبتمبر/أيلول 2007)، فإن الضغط السياسي عبر الولايات المتحدة منع مصر من اتباع المسار النووي. في هذا السياق الأوسع، لا شك أن نجاح برنامج التسلح النووي الإيراني سيُشكِّل تحديًا للاحتكار النووي الإسرائيلي المُطوَّل، وبالتالي يُقوِّض مصالحها الأمنية (13).

في مقابل ذلك، هناك هواجس أخرى تتمثل في أن إيران النووية قد تتمكن من بسط نفوذها وسلطتها في جميع أنحاء المنطقة دون خوف من مواجهة إسرائيل. كما يمكن لإيران دعم الجماعات المسلحة المعادية لإسرائيل دون خوف من تهديدات إسرائيل، بل وحتى أقرب حلفائها، الولايات المتحدة. وأخيرًا، تخشى إسرائيل من أن إيران النووية قد تزعزع استقرار الدول العربية، بل وتُشكِّل أنظمة جديدة فيها لتتوافق مع رؤيتها للعالم، دون خوف من المواجهة. ولا شك أن مثل هذا التطور سيجعل بيئة الشرق الأوسط أكثر عدائية وخطورة على إسرائيل(14).

ورغم كون إيران تمثل تهديدًا بعيدًا لدى إسرائيل إلا أن قوتها النووية المحتملة يمكن أن تُشكِّل مشكلة لإسرائيل بسبب تأثيرها على قدرة الأخيرة على المناورة الإستراتيجية؛ حيث "ستضر بشكل كبير بقدرة إسرائيل على ردع المنظمات الفلسطينية واللبنانية المسلحة"(15)، بل قد يكون بمقدور إيران التأثير على عملية السلام الإسرائيلي العربي بشكل يفيد العرب؛ حيث "قد تُجبر إيران النووية إسرائيل على قبول تنازلات إقليمية مع جيرانها لحرمان طهران من نقاط عدائية قد تستخدمها ضد الدولة اليهودية. ببساطة، لن تتمكن إسرائيل من تحمل تنافس نووي مع إيران واستمرار النزاعات الإقليمية مع العرب في الوقت نفسه"(16).

وفضلًا عن ذلك، سيؤدي امتلاك إيران لسلاح نووي إلى خسارة دول آسيا الوسطى لصالح الغرب. وقد تبنَّت هذه الجمهوريات السوفيتية السابقة توجهًا سياسيًّا خارجيًّا مؤيدًا للغرب منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. وبعد ظهور إيران النووية، ستتجه هذه الدول إما نحو إيران، أو ستسعى للحصول على ضمانة أمنية نووية من روسيا أو الصين، وهما دولتان أقرب إلى المنطقة من الولايات المتحدة (17).

حدود الحرب على الإمكان النووي لإيران

اعتبر قادة إسرائيل أن الولايات المتحدة الأميركية عجزت سابقًا عن وقف تقدم إيران في مشروعها النووي وبالتالي فالهجوم الاستباقي على إيران كان لا مفرَّ منه؛ إذ "لم يكن هناك حل سهل للتحدي الذي طرحته إيران، وقد جاء تذكير صارخ بذلك في تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أواخر فبراير/شباط 2023...سلَّط الضوء على التصعيد المطرد من جانب إيران لبرنامجها النووي منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي"(18).

لقد وجهت "النظرية البِيغينية" نهج إسرائيل تجاه إيران بتفعيل مبدأ مناحيم بيغن الاستباقي الذي دمَّر المنشأة النووية العراقية بقصف مفاعل أوزيراك عام 1981. غير أن تكرار النجاح الإسرائيلي في تدمير المنشآت النووية في العراق وحتى في سوريا أضحى أكثر صعوبة في إيران إن لم يكن مستحيلًا؛ إذ "تقع غالبية هذه المنشآت في مناطق مأهولة بالسكان أو حوله، وتنظر الولايات المتحدة إلى هذا كجزء من رغبة إيران في حمايتها"(19).

وقد ظهر هجوم إسرائيل على إيران نسخةً مما يُسمَّى "خيار شمشون"، في إشارة إلى هدم شمشون للمعبد لقتل الفلسطينيين، رغم أن ذلك أدَّى إلى موته؛ إذ أطلقت الضربة الاستباقية ردَّ فعل إيرانيًّا عنيفًا؛ حيث يستغرق صاروخ قصير المدى حوالي خمس دقائق لينطلق من طهران إلى إسرائيل، ولم تتضمن الحرب على إيران ردًّا انتقاميًّا منها فقط بل أيضًا من حلفائها في المنطقة (حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن)؛ حيث إن اتساع نطاق الهجوم المضاد أطلق سلسلة أحداث كان يمكن أن تُشعل حربًا إقليمية، في وقت أخذت أحجار الدومينو بالتساقط، ولم يكن أحد يعلم على وجه اليقين، كم منها ستسقط، وكيف ستسقط.

ظلت إسرائيل تدعو حليفتها الولايات المتحدة الأميركية لإجراء فوري ضد المنشآت النووية الإيرانية، لأنها لم تعد قادرة على التعايش مع حالة انعدام الأمن النووي الدائمة التي لم يستطع الاتفاق السابق مع إيران احتواءها. "فلطالما أكد القادة الإسرائيليون أن المعرفة النووية اللازمة لإتقان تخصيب اليورانيوم تُشكِّل "نقطة اللاعودة" التي لا تُطاق في طريق تطوير إيران لقدراتها التسلحية"(20).

وقد استندت العملية الاستباقية التي نفذتها الولايات المتحدة الأميركية لصالح إسرائيل ضد المنشآت النووية الإيرانية في سياق تحالفهما الحربي ضد الجمهورية الإسلامية إلى الاستعارة من مفهوم الإستراتيجية النووية القديم المتمثل في هيمنة التصعيد، حيث يتم ضرب الهدف من المرة الأولى.

صحيح أن هذه الحرب من شأنها تدمير منشآت إيران النووية أو تأخير البرنامج النووي الإيراني لعدة سنوات، ولكنها تبقى ذات نجاح غير مؤكد، لأنه لو أيقنت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بتهشيم القدرات النووية لإيران لما ظل هاجس هذه القدرات حاضرًا في مفاوضات ما بعد هدنة الحرب، خاصة ما يتعلق بقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم التي ترى فيها إسرائيل فرصة انتقام مؤكدة من قبل إيران ولو بعد سنوات عديدة؛ ذلك أن "طهران قد لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي بنفسها بل إلى اكتساب القدرة على امتلاك الأسلحة النووية في حالة مواجهتها لتهديد وشيك"(21).

ولذلك لا يزال امتلاك إيران لمثل هذه القدرة -التخصيب- يُنظر إليه على أنه مشكلة كبيرة بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة. فقد "سبق أن أشار المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، إلى أن الخيار المفضل لإيران هو امتلاك القدرة على صنع أسلحة دون الحاجة إلى ذلك، وقال البرادعي: إن الإيرانيين يدركون أن إتقان تخصيب اليورانيوم "رادع" في حدِّ ذاته، وأنهم "لا يحتاجون إلى سلاح؛ فالتخصيب يبعث برسالة"(22).

قد تكون الولايات المتحدة واسرائيل أفلحتا في تنفيذ هجومهما الذي ظلَّتا تهددان به إيران، ولكنهما لا تستطيعان "قصف المعرفة التي اكتسبها العلماء الإيرانيون"؛ حيث إن قصف منشآت إيران النووية "قد يُعجِّل بإنتاج قنبلة إيرانية...حيث الحصول على قنبلة نووية بعد الهجوم سيصبح ضرورة وطنية، وبالتالي فهذا لا يترك سوى خيار واحد: تغيير السلوك الإيراني من خلال التعاون والتفاوض. علاوة على ذلك، من المرجح أن يُشجِّع الترهيب طهران على الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وبالتالي إنهاء عمليات التفتيش التي كانت تسمح بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية"(23).

تحت ضغط الحصار الأميركي وتهديدات الرئيس ترامب تعود إيران إلى إستراتيجية "الحوار والبناء" لكسب الوقت، حيث تحافظ المحادثات غير الحاسمة على الوضع الراهن؛ ذلك أن المساومة، التي يبرع فيها الإيرانيون، والتنازلات المؤقتة تؤجل الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، والأهم من ذلك، العمليات العسكرية البرية التي قد تمكِّن الأميركان من وضع اليد على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. ولكن إذا فشلت المفاوضات بين الجانبين قد يشمل استئناف الضربات العسكرية الأميركية ضربات "لمنع أي تحسينات إضافية في التدابير الدفاعية الإيرانية حول منشآتها النووية"(24).

 لقد حدَّدت الإدارة الأميركية، منذ عهد بوش الابن، بوضوح خطًّا سياسيًّا صارمًا مفاده أن أي برنامج نووي في إيران غير مقبول(25)، وبرغم عدم ثقة الإيرانيين في الجانب الأميركي، إلا أنه لا يمكنهم رفض التفاوض أو استبعاد الملف النووي من جدول التفاهمات المرتقبة بين الجانبين، لأن ذلك سيعادل إعلانًا عن نية امتلاك أسلحة نووية، حتى لو كانت إيران "تجادل بأنه لو كانت تسعى لامتلاكها، لكانت انسحبت من معاهدة منع الانتشار النووي (كما فعلت كوريا الشمالية عام 2003). وبالتالي، يُشار إلى استمرار عضويتها في معاهدة حظر الانتشار النووي دليلًا على نواياها السلمية"(26)، علمًا بأنها تحتفظ أيضًا بحق الانسحاب من المعاهدة.

في المحصلة، إذا لم تكن إيران قادرة على التهام كعكتها النووية، فإنها لن تغامر بالتنازل عنها لصالح الولايات المتحدة وعن الحق في تخصيب اليورانيوم في آن واحد، لأن التمسك بأحدهما على الأقل هو ما يضمن ليس فحسب الإذلال النهائي لغريميها في الحرب، وإنما تفادي تعريض النظام الحاكم للتغيير. ذلك أن أي تنازل من هذا القبيل، سيعني التخلي عن طريق امتلاك القدرة على الردع النووي في المستقبل، فبالنسبة للقادة الإيرانيين "يشير تاريخ نصف القرن الماضي إلى أن الطريقة الفعَّالة الوحيدة لردع واشنطن عن الإطاحة بنظامهم هي تطوير -أو على الأقل التهديد بتطوير- أسلحة نووية. فلا عجب أنهم يَعُدُّون التخلي عن حق تخصيب اليورانيوم بمنزلة التخلي عن حق حماية نظامهم"(27).

نبذة عن الكاتب

مراجع

(1)     Efraim Inbar, Iran and Israel: The Inevitable War? SIRIUS, Zeitschrift für Strategische Analysen, 4(4), p. 3.

(2)     Alethia H. Cook and Jalil Roshandel, The United States and Iran: Policy Challenges and Opportunities, (New York: Palgrave Macmillan, 2009), p. 124.

(3)     Ibid, p. 125.

(4)     Idem.

(5)     Efraim Inbar, Idem.

(6)     P R Kumaraswamy, Israel Confronts Iran : Rationales. Responses, and Fallouts, (New Delhi: Institute for Defense Studies and Analyses, 2012), p. 42.

(7)     Jerome R. Corsi. Why Israel Can’t Wait: The Coming War Between Israel and Iran, (New York: Threshold Editions, 2009), p. 102.

(8)     Joel C. Rosenberg, Israel at War: Inside the Nuclear Showdown with Iran, (Tyndale House Publishers, 2012), p. 36.

(9)     Seyed Hossein Mousavian with Shahir ShahidSaless, Iran and the United States: An Insider’s View on the Failed, Past and the Road to Peace, (New York and London: Bloomsbury Publishing, 2014), p. 184.

(10)   Ibid, p. 188.

(11)   Dana H. Allin and Steven Simon, The Sixth Crisis: Iran, Israel, America and the Rumors of War, (New York: Oxford University Press, 2010), p. 64.

(12)   P R Kumaraswamy, p. 38.

(13)   Ibid, p. 39.

(14)   Seyed Hossein Mousavian with Shahir ShahidSaless, p. 187.

(15)   Trita Parsi, Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States, (New Haven and London: Yale University Press, 2007), p. 272.

(16)   Idem.

(17)   Efraim Inbar, p. 4.

(18)   Afshon Ostovar, Wars of Ambition: The United States, Iran, and the Struggle for the Middle East, (New York: Oxford University Press, 2024), p. 249.

(19)   Alethia H. Cook and Jalil Roshandel, p. 119.

(20)   Dana H. Allin and Steven Simon, p. 129.

(21)   Trita Parsi, p. 268.

(22)   Ibid., p. 269.

(23)   Jonathan Cook, Israel and the Clash of Civilizations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East, (London: Pluto Press, 2008), p. 46.

(24)   Efraim Inbar, p. 6.

(25)   Afshon Ostovar, p. 58.

(26)   Alethia H. Cook and Jalil Roshandel, p. 123.

(27)  Jonathan Cook, p. 39.